الفصل 6 | من 23 فصل

رواية أحفاد المعز الفصل السادس 6 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
21
كلمة
4,350
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

طالما حاجة ليها علاقة بيك تبقى تخصني أنا يا باسل، أنا هشوف العلبة فيها إيه. هتف بغضب: –قولتلك لاء، هاتيها.

نطق بكلمته الأخيرة، محاولًا التقاطها من بين يديها، ولكنها رفعت يدها مانعةً إيه، فحاول تكرارًا وفي كل مرة كانت تحرك يدها في جهة معاكسة، ولكنّه في النهاية استطاع أن يقبض على جزء من العلبة، وعندما حاول أن يسحبها فعلت هي مثله ولكن في اتجاهين متضادين، فانقسمت العلبة إلى نصفين، وسقط ما بها أرضًا مظهرًا ملامح الصدمة على وجهيهما. ألقت ميار النصف الذي بيدها، وسألته بغضب خفيف يغلبه الحزن: –خبيت الخاتم فين يا باسل؟

أردف باسل بصرامة: –اسمعي أنا مش خايف منك عشان أخبي حاجة، وبعدين هجيب خاتم أعمل بيه إيه؟ –عايز تقنعني إن العلبة دي جاية مخصوص عشان المصاصات اللي وقعت على الأرض دي؟ زفر بضيق قبل أن يقول: –صوتك يبقى واطي وانتِ بتكلميني، وبعدين أنا مش هاممني اقتناعك من عدمه، ويلا اتفضلي امشي. أخذت نفسًا عميقًا، ثم اقتربت إليه وقالت بحب: –أنا بحبك يا باسل، انت ليه مش عايز تفهم ده؟ اتخليت عني ليه وأنا حب الطفولة اللي كنت متمسك بيه؟

خطا خطوتين بتراجع وتحدث بنبرة هادئة، وهو يبعد نظره بعيدًا عنها: –من فضلك اخرجي من هنا يا ميار. مرت عليهما بضع ثوانٍ وهي تتفرس وجهه العابس، ثم أردفت بإصرار: –أنا مش هتنازل عنك يا باسل. أنهت جملتها وتحركت بخطوات سريعة حتى غادرت المبنى وأصبحت بجانب سيارتها، وما إن صعدت إليها حتى أخرجت هاتفها ولمست على شاشته عدة مرات قبل أن يأتيها صوت صديقتها الناعس: –أيوه يا ميار، في إيه؟ ردت عليها بجدية قائلة:

–قومي فورًا، اجهزي وقابليني. سألتها الأخرى باستفسار: –هنروح فين على الصبح كده؟ إحنا راجعين بعد الفجر وعايزة أنام، خلينا بالليل. –لاء هنتقابل دلوقتي يا سلمى، لازم هروح عند الدجال اللي كنتي بتقولي عليه ده، أنا مش هسكت على باسل أكتر من كده. عاد باسل ليكمل ما كان يفعله، وفي هذه المرة منعه دخول حسام ومن بعده فارس، فأردف باسل بضيق: –هو محدش قالكم إن المفروض نخبط على الباب؟ ابتسم فارس وهو يجلس قائلًا: –معلش بقى، إحنا قرايب.

قال حسام معترضًا: –أنا مش قريب حد! انتوا اللي حبايب وإخوات إنما أنا لاء. أردف باسل ببرود: –معلش، متعوضة في ولاد عم غيرنا. رد عليه حسام بغيظ مكتوم: –خليكم مع ستي الشيخة أروى، مش عارف سحرتكم دي ولا إيه! ضحك فارس قائلًا: –والله أنا ممتن لأروى على اللي هي عملته معاك، أنت أكيد بعد المرمطة اللي شوفتها النهاردة في المواصلات هتحرم تروح المخروبة اللي كنت فيها امبارح. أضاف باسل قائلًا:

–وأهو حتى تبطل شرب الزفت اللي انت مضيع عليه فلوسك دي. نقل حسام نظره بينهما وهو ينطق باستنكار: –أنا حر في حياتي، مش فاهم انتوا مالكم باللي أنا بعمله، يعني مش مكفيها إنها سرقت حقوقنا، لاء دي كمان بتعاقبني على تصرفاتي، على أساس إنها شخصية كويسة يعني. تحدث فارس مدافعًا عنها: –وبناءً على إيه حكمت إنها شخصية مش كويسة؟ وبعدين حتى لو مش كويسة دي حاجة متخصناش. قال حسام ساخرًا:

–وانت هتشوفها مش كويسة إزاي بعد ما ساعدت أمك، وطبعًا الأستاذ باسل أكيد غير رأيه فيها بعد مساعدتها ليه امبارح. نظر إليه باسل قائلًا بغموض: –وانت مين قالك إن رأيي اتغير فيها؟ أجابه حسام قائلًا: –أيوه رأيك اتغير، بدليل إنها لما طلبت منك متاخدنيش معاك الشركة بالعربية نفذت كلامها. انتبه فارس إلى ذلك المستند الذي أغلقه باسل فور دخولهما، فكان ذو غلاف أسود بدائرة صفراء تتمركز في المنتصف، فسأل باهتمام:

–هو الملف اللي قدامك دا بتاع إيه يا باسل؟ أجابه باسل وهو ينظر إلى المستند قائلًا: –دا ملف صفقة، بتسأل ليه؟ ضيق فارس عينيه قائلًا: –حاسس إني شوفته قبل كده. سأله باسل باهتمام: –شوفته فين؟ دا ملف الصفقة الجديدة والمفروض إن محدش يعرف عنها حاجة لأنها مناقصة، والمعلومات اللي في الملف دا لازم تفضل سرية. رد عليه فارس بتذكر:

–كان مع أروى، يوم ما كانت أمي محجوزة كانت فداء بترن عليّ بس كان ساعتها فوني مقفول فاتصلت على أروى وهي جت يومها أوضتي بالليل كانت الساعة ١١ كدا وقالتلي على عملية أمي وإن فداء بتحاول توصلني وساعتها قالتلي أروح معاها توصل كتب لصاحبتها وبعدين نروح المشفى، وقدام المبنى اللي صاحبتها ساكنة فيها الكتب وقعت منها ع الأرض والملف دا كان بين الكتب. قال باسل محذرًا:

–طب الكلام ده، أوعى تقوله قدام أروى، ولا كأننا نعرف إن الملف كان معاها، خلوها تتصرف على طبيعتها، أما نشوفها بتخطط لإيه. فارس: –بس أنا حاسس إنها شخصية كويسة، ممكن يكون الملف معاها بتشوفه بس بما إنها بقت صاحبة الأملاك. شارك حسام في الحوار قائلًا: –طب لو مش بتخطط لحاجة بعتته ليه لصاحبتها؟ وأصلًا ليه أخدت الملف من ورا باسل؟ والملف يخص صاحبتها في إيه أساسًا؟ أجابه فارس قائلًا: –مش عارف! أضاف باسل قائلًا بغموض:

–أنا ههتم بالموضوع ده، مهما يكن هتفضل دخيلة وأخدت مننا أملاكنا، لازم ننهي الموضوع ده وكل واحد ياخد حقه ونفض الليلة وكل واحد فينا يشوف حياته. نطق كلا من فارس وحسام في وقت واحد: –تمام. أكمل باسل قائلًا: –المهم بقى المفروض تنزلوا المصنع اللي في إسكندرية وتقفلوا الحسابات اللي هناك، واحد منكم كفاية ولو عايزين تنزلوا انتوا الاتنين يبقى أفضل عشان تخلصوا بسرعة. ***

بعد انتهاء المحاضرات ويومها الدراسي كطالبة، كانت تقف خارج المبنى الجامعي برفقتها سلوى صديقتها الوحيدة، والتي بادرت بالحديث قائلة: –طب ما تركبي أي تاكس وخلاص يا أروى، مش لازم عم صالح ده ممكن يكون مش جاي أو عنده شغل. قالت أروى باعتراض: –طب ما شغله دا معايا. ضحكت سلوى بخفة وهي تقول:

–يا بنتي أنتي قاعدة عند الناس دول ضيفة وذوقيًا منهم بيخلوا السواق بتاعهم يوصلك، بس هو أكيد مش السواق بتاعك لوحدك يعني أكيد بيوصل حد تاني أو في مشوار تبع أفراد العيلة. سكتت أروى لوهلة وهي تفكر بماذا تجيب، فصديقتها لا تعلم شيئًا عن الصلة التي تربطها بعائلة المُعز، وبالأصل هي لا تعلم بهوية العائلة التي تستقبلها في بيتها، فهي تسعى جاهدة للحفاظ على هذا الأمر سرًا. قطعت سلوى وصلة تفكيرها عندما سألتها مجددًا:

–ها يا بنتي هتعملي إيه؟ ردت عليها الأخرى بجدية: –مضطرة استناه يا سلوى، إحنا في آخر الشهر والمصروف اللي معايا يادوب يكفيني، وانتِ عارفة التاكسي بياخد فلوس كتير. اقترحت سلوى قائلة: –خلاص يا ستي أنا معايا فلوس، خدي مني و… منعتها أروى من إكمال حديثها، حينما قالت بحزم: –لاء طبعًا مستحيل آخد منك فلوس، لو عم صالح مجاش هروح في ميكروباص بقى وخلاص.

–طب ما إحنا واقفين بقالنا ساعة أهو لا عمك صالح جه، ولا في عربيات أصلاً، شايفة الطلبة اللي واقفين عددهم قد إيه! أردفت أروى بإصرار وهي تضع يدها على جبهتها لتحجب جزءًا من أشعة الشمس عن وجهها: –اصبري بس يا سلوى، إن شاء الله ربنا هيحلها.

إن حُسب الوقت، فلم يتعدى الخمس دقائق حتى توقفت أمامهما تلك السيارة المرسيدس، التي تعرف أروى صاحبها حق المعرفة، فطالعته باستغراب وهي تراه يخرج من سيارته ويطل عليها بهيئته التي تأسر القلوب، فنظر إليها وقد ارتسمت على ثغره بسمة لطيفة لم تألفها بعد، ثم نطق قائلًا: –يارب مكنتش اتأخرت عليكي.

نقلت أروى حدقتيها، بين صديقتها التي اخفضت بصرها أرضًا في استحياء، وبين هؤلاء الطلاب الذين يرمون باسل وسيارتَه بنظرات قد انقسمت بين الحسد والإعجاب، وهم يتهامسون متسائلين عن العلاقة التي تربط بين باسل الحفيد الأكبر لعائلة المُعز وهذه الفتاة البسيطة التي لا يعرفها سوى قلة منهم، ولم يلحظ وجودها بينهم إلا من هم في نفس فرقتها الدراسية. تحدثت بصوت خفيض متوتر: –انت هنا ليه؟ أجابها وهو يأخذ عنها ما تحمله من كتب ودفاتر:

–عم صالح، مرات ابنه راحت تولد وهو طلب يبقى موجود جنب حفيده، عشان كده أنا جيت بداله. أردفت بحرج: –مكنش ليه لزوم، كنت هركب أي حاجة وأرجع ع البيت. –طب وتتبهدلي في المواصلات ليه وأنا موجود! أنا ههتم بيكي طول ما العم صالح مش موجود، ولو تحبي كمان أنا أوصلك علطول… مش هيبقى عندي اعتراض. ها هي مجددًا تندهش بشخصيته الجديدة، ورغبته في الاهتمام بها، ران عليهم صمت لطيف قطعته سلوى قائلة:

–طيب يا أروى أنا هرجع السكن بقى، ونتكلم بكرة. ابتسمت لها أروى وقالت: –ماشي يا سوسو، متنسيش تبعتي الأسئلة اللي الدكتور قال عليهم. غادرت سلوى إلى سكنها الجامعي، الذي تبقى فيه طوال فترة الدراسة، أما أروى فقد صعدت إلى السيارة برفقة باسل الذي يجعلها تفكر كثيرًا وتعيد النظر في سبب وجودها بينهم. كانت شاردة في الطريق، ولكنها انتبهت إلى سؤاله حين قال: –تحبي ناكل فين؟ قالت سريعًا باعتراض:

–لاء ناكل إيه، أنا المفروض أروح الشركة. سألها بهدوء: –ليه هتعملي إيه في الشركة؟ –أنت ناسي إني بشتغل بدوام جزئي ولا إيه؟ –بس انتي صاحبة الشركة وتِروحي وتِجي براحتك يعني عادي لو اتأخرتي شوية… أو مروحتيش خالص النهاردة. تغيرت قسمات وجهها بسبب ما تخفيه عنه، فهي مؤخرًا باتت تشعر وكأن ثقلًا يعتلي قلبها، فتحدثت بنبرة جاهدت لتبدو طبيعية: –محدش يعرف بالكلام ده في الشركة، عشان كده لازم أروح. –طب فاكرة وعدك ليا؟ –وعد إيه؟

أجابها وهو يقف بسيارته على جانب الطريق: –مش أول امبارح واحنا مع طنط وفاء، قولتيلي إنك هتنفذي طلب عشاني. ردت سريعًا: –أيوه فاكرة و عند كلامي، طلبك إيه؟ –نتغدى النهاردة سوا. سألته بترقب: –مينفعش يوم تاني؟ حرك رأسه سريعًا بالرفض، فمنحته بسمة رقيقة وقالت: –خلاص نتغدى سوا… وأهو كده أكون نفذت الطلب وجبت الهدية. أعاد تشغيل سيارته وهو يضحك قائلًا: –آه هدية حفيد فعلًا، بس أنا كان عندي عشم في عجلة. شاركته في الضحك وقالت:

–طول عمري ذوقي حلو في اختيار الهدايا. كانا جالسين في ذلك المطعم الراقي، الذي اختارته أروى بناءً على رغبة باسل الذي امتثل لطلبها بالرغم من كونه شخصية لا تحبذ تناول الطعام الغربي وتحديدًا ما يسمى "بيتزا" والتي هي الأكثر شيوعًا. وضعت أروى قائمة الطعام من يدها وهي تسأله بحماس: –هتختار إيه؟ أنا اخترت. أجابها وعيناه مثبتتين على وجهها: –مش عارف، اختاري بدلًا عني.

أزاحت القائمة جانبًا وهي تنادي النادل ببسمة واسعة، فسألها باسل قائلًا: –مالك مبسوطة كده ليه؟ أجابته والسعادة تندفع من عينيها دفعًا: –البيتزا دي الأكلة المفضلة عندي، قولي بقى معاك فلوس تدفع؟ قال مشاكسًا: –لاء طبعًا، ده أنا عازمك عشان تدفعي الحساب وأتغدى ببلاش. ضحكت وقالت بلامبالاة: –حيث كده بقى اخلع جاكت البدلة. سألها باستغراب: –ليه. أجابته بتلقائية: –عشان ميتبلش واحنا بنغسل الأطباق بتاع المطعم. سألها مجددًا:

–واحنا نغسلهم ليه؟ ردت عليه بسخرية: –عشان إحنا اتنين شحاتين وقاعدين في مطعم غالي وكل واحد فينا متكل على قبض التاني واحنا أصلًا في آخر الشهر ومعناش فلوس. –لاء أنا بهزر معاكي وأنا اللي هدفع. قالت بمرح: –ده انت حالتك المادية حلوة بقى. منعه من الرد عليها قدوم تلك الفتاة التي تعمل كنادلة، والتي ما إن رأت أروى حتى رحبت بهما بحفاوة وقالت: –تحبي أجيبلك طلب كل مرة يا مدام أروى؟ قالت أروى سريعًا: –لاء كل مرة إيه!

النهاردة في واحد غني هيدفع، سجلي اللي هقولك عليه. بدأت الفتاة في تدوين أنواع مختلفة من البيتزا كما طلبت منها أروى، وما إن انتهت حتى أردفت قائلة: –عشر دقايق بالكتير والبيتزا تبقى جاهزة. بعد مرور وقت لا بأس به، كانا قد انتهيا من تناول الطعام في وسط من السعادة، وعندما كان باسل يدفع مقابل الطعام، ترك مبلغًا من النقود لتلك النادلة، فاعادت إليه المال قائلة بامتنان: –شكرًا يا فندم، مدام أروى ورمزي بيه خيرهم سابق.

انتهز باسل انشغال أروى وتحدثها في الهاتف، فأردف قائلًا: –أروى و المتر رمزي بيحبوكي. ابتسمت الفتاة وقالت بامتنان: –وأنا والله بحبهم أوي، وممتنة لوجودهم وإن ربنا بعتهم في الوقت المناسب، وفي كل مرة بيجوا فيها هنا رمزي بيه بيسأل عن والدتي ومازال بيبعت لها علاجها الشهري. همس باسل لنفسه ساخرًا: –هما اللي زي دول يعرفوا يعملوا خير! قالت الفتاة باستغراب: –حضرتك بتقول حاجة. ابتسم لها بتكلف قائلًا: –لاء أبدًا، بعد إذنك.

في المساء، كان حسام حبيس غرفته، فقد فرضت أروى عليه الحظر، كي لا يذهب إلى تلك الأماكن الفاسدة، بغرض منعه عن تناول المسكرات وتضييع نقوده هباءًا، نظر إلى هاتفه بتأفف وقال: –يا دي النيلة، حتى ممدوح قال خمس دقايق ويُوصل ولحد دلوقتي مجاش. في تلك الأثناء تناهى إلى سمعه صوت أنثوي يقول: –حاضر هقوله ينزل.

على الفور كان خارجًا من غرفته، معتقدًا أن صديقه قد جاء ليُحضر إليه ذلك الشراب المُحرم، ليتناوله سرًا، ولكنّه تفاجئ بوجود ابنة عمه التي يراها للمرة الأولى، فسألها بجبهة معقودة: –أنتي مين؟ ابتسمت قائلة: –أنا فداء، بنت عمك وجيت أندهلك عشان الأكل جاهز. تشدق مردفًا بتذكر: –أنتي أخت فارس. –أيوه. أكمل بنبرة ساخرة: –طب وإيه اللي جابك هنا؟ مش على أساس إن ست الكل مامتك حالفة ع الورث وحالفة مش هتدخل البيت ده تاني!

اغتاظت من أسلوبه الساخر، فرمقته بنظرة غاضبة وتركته وهبطت إلى الأسفل بعدما قالت: –شكلك قليل ذوق وتافه. نظر في أثرها بحاجب مرفوع، ثم نطق قائلًا: –هو أنا بقيت ملطشة كده ليه، فداء دي تشتمني دلوقتي والصبح دنيا تضربني ومن قبلهم ستي الشيخة، هو في إيه!! أنا هيبتي بتروح لازم أتصرف. ما كاد ينهي كلمته الأخيرة حتى، صدح هاتفه معلنًا عن مكالمة من ممدوح، استقبلها سريعًا وهو يقول بحنق: –أنت فين يا زفت؟

مش على أساس خمس دقايق وتكون عندي؟ –طب وأنا أعمل إيه يعني، الأمن منعوني من الدخول. سأله حسام باستغراب: –منعوك ليه؟ قولتلهم إنك تبعي؟ –أيوه قولت وعشان كده رفضوا يدخلوني، لأني أول ما قولت إني جاي عشانك فتشوني وخدوا مني الأمانة. ضرب حسام على جبهته وغمغم بنبرة من الغيظ: –الله يخربيتك يا أروى، ويخربيت اليوم اللي جدي شافك فيه. سأله ممدوح قائلًا: –مين بقى اللي هيدفع حقهم؟ زفر حسام قائلًا بضيق:

–هدفعلك يا ممدوح هدفعلك، بس اتصرف وابعتلي بقى لو إزازة صغيرة حتى، أقولك ابعتها مع ميار. ضحك ممدوح وقال: –طب ما هي كانت معايا ورفضوا إنها تدخل هي كمان، وهي اتصلت على ابن عمك اللي هو باسل ده وهو ولا اهتم ولا عبرها. سأل حسام بحيرة: –طب والعمل، أنا مش قادر وعايز أشرب. نطق ممدوح قائلًا باقتراح: –إيه رأيك في مصاصات؟ –أنت هتهزر يا ممدوح هو أنا عيل صغير معاك. أكمل ممدوح موضحًا:

–افهم بس يا معلم، دي حاجة نازلة جديد مصاصة آه بس كحولية ليها تأثير الـ "خمر" بالظبط، وفي منها أنواع أصلًا يعني في حاجات عالية بس أنت أخرك خمر بس، تحب تجرب؟ تنهد حسام قائلًا: –ماشي يا سيدي اشتري منهم وابعتلي، وأنا هبقى أحاسبك. *** طرقت على الباب وتأخرت في فتحه حتى سمعت إذنه بالدخول، فدفعت الباب ودلفت إليه وهي تسأله ببسمة لطيفة: –أخدت العلاج يا بيسو؟ ابتسم لها قائلًا: –أيوه أخدته. أومأت برأسها وقالت:

–طب كويس، هرجع أوضتي أنا بقى. أوقفها قائلًا بنبرة مشاكسة: –لاء استني عشان أشكرك على ذوقك في اختيار الهدية. ضحكت بشدة فور تذكرها لتلك الهدية التي يقصدها، وهنا كان دوره ليتوه في ملامح وجهها البريئة وضحكتها الآسرة للقلوب، فكان يتفرس في وجهها وكأنه يرغب في نسخه داخل ذاكرته، لا يعلم أن ذلك قد حدث بالفعل منذ المرة الأولى التي سقطت عيناه عليها.

توقفت عن الضحك، لتتدفق تلك الحمرة إلى وجنتيها خجلًا عندما وجدته محدقًا بها بإعجاب جام، فأشاحت بنظرها بعيدًا عنه، فانتبه هو لفعلتها، ولذلك فقد حاول تخطي الأمر قائلًا: –مكنتش أعرف إنك فعلاً هتنفذي كلامك وتجيبي مصاصات هدية. ابتسمت بمرح قائلة: –حفيدي بقى وكده فلازم أكون قد كلمتي معاك، ووعد لما تكبر شوية هجيبلك عجلة. قهقه بشدة على جملتها، ثم أردف قائلًا: –حيث كده بقى يا تيتا يبقى تشاركي حفيدك فيهم.

أنهى جملته واتجه مخرجًا السكاكر من وحدة الأدراج المجاورة للفراش، وتحرك إليها قائلًا: –اتفضلي يا تيتا. ضحكت على لقبها الجديد، التي قد مُنحت إياه بزواجها من جدهم، وقالت بحماس: –حيث كده بقى يا حفيدي… خلينا ندخل في البلكون واحنا بناكل المصاصات. بعد عدة دقائق، كانا كلاهما جالسًا في الشرفة وقد أوشك على الانتهاء من تناول السكاكر، نظرت إليه أروى وأردفت ببسمة حزينة: –أقولك على سر؟

كانت نبرتها توضح أنها ليست بطبيعتها، وكذلك باسل الذي اقترب منها قائلًا بأعين تشبه الأعين الناعسة: –قولي، بس بصوت واطي عشان محدش يسمعك. أومأت برأسها، ثم أشارت إلى السماء وقالت:

–أنا عاملة زي القمر وسط النجوم، القمر مميز عنهم بس هو من غير الشمس ولا حاجة، إنما النجوم ليها قيمتها ونورها الخاص، مش بتستني الشمس عشان تنورها، إنما القمر لاء بيستنى نور الشمس، يعني القمر بيضحك علينا وشايف نفسه بنور الشمس…… أنا بقى زي القمر واخدة اللقطة بسبب حد تاني ومجبورة ع اللي بعمله، واللقطة دي أنا مش عايزاها….. فاهمني؟ حرك رأسه بالرفض، فضحكت قائلة:

–مش مشكلة، أنا أصلًا محدش بيفهمني غير العسل، بس حتى العسل مش بقدر أحكيله عن كل حاجة. سألها بصوت منخفض وهو محدقًا بالسماء: –اشرحي وأنا هحاول أفهمك. أخرجت تلك العصا الخاصة بالحلوى من فمها بعدما انتهت من تناولها، وألقت بتلك العصا البلاستيكية بعيدًا وهي تقول:

–عايزة أعيش حياة بسيطة زي باقي البنات، مش عايزة أكمل في الدور ده لأنه مش دوري، أنا قلبي شبيه القمر ومعتم زيه…… وأنا نفسي قلبي ينور زي النجمة، يعني نوره يكون حقيقي مش مزيف. ضحك بصوت متقطع وهو يقول: –بردو مش فاهم، بس أنا عايز أقولك سر. اعتدلت في وقفتها وهي تنظر إليه: –قول، بس متزعلش لو مفهمتش سرك. اعتدل هو الآخر في وقفته واقترب منها ماحيًا المسافة التي كانت تفصل بينهما، وأشار إلى أحد النجوم الساطعة في السماء

وقال وهو ينظر في عينيها: –أول مرة شوفتك لفتي انتباهي وحسيت إني مشدود ناحيتك وشوفتك مميزة عن كل البنات، زي ما النجمة دي مميزة عن غيرها. سألته بأعين دامعة: –بجد؟ أماء برأسه مرات متتالية بقسمات وجهٍ عفوية تشبه الأطفال، ولكنه استرسل في حديثه قائلًا بحزن: –بس أنا زعلت منك. –ليه؟ –عشان انتي اتجوزتي جدي. ضحكت بقلة وعي، ولفت يديها حول رقبته وقالت بهمس: –لاء دي كذبة يا بيسو. هز رأسه بعبوس:

–ما أنا عارف، وعارف إنك متجوزة من رمزي. عقدت ما بين حاجبيها وقالت بنفي: –لاء برضو، أنا مش هتجوز حد غيرك. أشار إلى نفسه وهو يسأل: –أنا؟!! –أيوه. أضاف باسل بعدما أشاح بنظره بعيدًا: –لاء بتكذبي. وضعت يدها على جانب وجهه الأيسر لتجعله ينظر إليها مرة أخرى، وقالت بصدق: –لاء مش كذب، أنا مش هتجوز غيرك…. عشان بحبك أنت يا باسل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...