–المفروض دلوقت هعمل إيه؟ لما هو رمزي عايز ياخد الأملاك، ليه يكتبها باسم مراته مش باسمه؟ ما هو كدا كدا في الأول والآخر بينصب علينا. وبعدين هو هيكتبها إزاي ودي أصلاً أملاك جدي وباسم جدي؟ معقول يكون جدي هو اللي تنازل عن أملاكه؟ بس إيه اللي يخليه يعمل كده، ما هو عنده ورثة أصلاً ومكنش بيكرهنا يعني عشان يحرمنا من الورث. ولو جدي اللي تنازل بمزاجه، ليه تنازل لأروي مش لرمزي؟
زفر بضيق وحيرة وهو يتحرك ليجلس على طرف الفراش مغمغمًا: –أنا هتجنن ومش فاهم حاجة ولا عارف هعمل إيه. قُطعت وصلة تفكيره عندما تناهى إلى سمعه صوت أروى تناديه، فسحب نفسًا عميقًا وهو يغلق عينيه ويفتحهما في محاولة لكبح غضبه، ثم تشدق مردفًا بهدوء: –ادخلي. أدارت المقبض سريعًا ودفعت الباب قليلًا، قبل أن تطل بجزئها العلوي ومازالت تقبض بكفة يدها على المقبض، ثم سألته ببسمة لطيفة: –مش هتاكل؟ أجاب باسل بخفوت: –لأ.
أهذا باسل الذي تعرفه؟ ما الذي جعله يتحدث إليها بصوت هادئ ومنخفض هكذا؟ بطريقة تتناقض مع أسلوبه الحاد ونبرته الصارمة وصراخه الذي قد اعتادت عليه. حاولت هي إثارة سخطه قائلة: –متأكد يا بيسو مش هتاكل؟ –لأ مش هاكل، بعد إذنك اقفلي الباب معاكي. رددت بدهشة: –بعد إذني؟ لاء كدا فيك حاجة. رفعت يدها عن المقبض، ودلفت إليه في خطوات ثابتة حتى وقفت أمامه وهي تتفرس قسمات وجهه العابس ببنيتيها، ثم سألته باهتمام وبأعين ضائقة: –أنت تعبان؟
نظر إليها بعينيه فتلاقت بحدقتيها في لحظة عابرة جعلت نبضاتها تتزايد، فأشاحت بنظرها بعيدًا بتوتر قد فُضح أمره لباسل الذي أردف قائلًا: –أنا زي الفل، بتسألي ليه؟ تحدثت وهي تتحرك بعشوائية: –أصل يعني قولتلك يا بيسو وأنت مزعقتش. –بحاول أقلل كلام معاكي، كدا كدا مش هتعملي غير الحاجة اللي هتضايقني. التفتت إليه وهي تسأله بحزن لم تقدر على إخفائه: –هو كلامي معاك بيضايقك؟
–مش بس كلامك، وجودك كله على بعضه بيضايقني، أنا أكتر حاجة بقيت بتمنها هي إنك تختفي من حياتنا. شعرت بغصة في قلبها لسماع تلك الكلمات القاسية، التي ألقى بها دون أي مراعاة لشعورها، وتأثرٌ بذلك فقد أوشكت على الاستسلام ولكن سرعان ما تداركت الموقف، وأظهرت لثام الجفاء والبرود وقالت: –والله يا بيسو دي مشكلتك مش مشكلتي، لو مش حابب وجودي تقدر تسافر وترجع الكويت، أنا مش ماسكة فيك. تلوى ثغره ببسمة ساخرة، واستوى على قدميه قائلاً:
–توقعت منك الرد ده، بس عموماً مش واحدة زيك هتعرفني أعمل إيه. أظهرت بسمة مماثلة أجادت تصنعها وقالت: –أنت فعلاً مش محتاج حد يقولك هتعمل إيه، ماشاء الله عليك شحط أهو تقدر تقرر لوحدك. لم يعد قادرًا على كبح غضبه أكثر من ذلك، فكور يده بعصبية جعلته يشد على قبضته كي لا يفتك بها الآن، فكانت عيناه يتطاير منهما الشرر عندما أردف بصوت كالفحيح: –اتقي شري يا أروى، أنا لحد دلوقتي ساكت وسايب اللعب ماشي على مزاجك.
كان قلبها يرتعش خوفًا، فيبدو أن أمرها قد كُشف وأصبح باسل على دراية بكل شيء، ومع ذلك ادعت عدم الفهم وسألته بجهلٍ زائف: –لعبة إيه وكلام فاضي إيه؟ ما توضح كلامك. أحس بألم شديد في معدته قد داهمه بغتةً، فصرخ في وجهها قائلاً بغضب: –اخرجي بره، غوري من قدامي مش ناقص تمثيلك الممل ده. أردفت بتحدٍ: –أنا مش هخرج من هنا غير لما أعرف قصدك إيه. اصطك بأسنانه مغمغمًا من بينهم: –قولتلك اخرجي بره. صرخت في وجهه بإصرار:
–وأنا قولتلك مش هخرج غير لما أعرف أنت بتعاملني كده ليه؟ وتقصد إيه باللعبة؟ تأخر رده عليها، حيث وجدته يقبض على معصمها بشدة ساحبًا إياها إلى خارج غرفته، دفعها بعيدًا عنه بغضب حتى أنها كادت تسقط عن الدرج، ولكن لحسن الحظ كانت يد فارس هي الأقرب إليها، والذي تحدث إلى باسل قائلاً بلوم: –إيه يا باسل بتزقها كده ليه؟ دا مش أسلوب محترم أبدًا. وزع باسل نظره بينهما وأردف بلهجته الغاضبة:
–سبتلك الاحترام، وأنتي لو قربتي مني تاني هخليكي تندمي. وافتكري كلامي ده، واه انبسطي باليومين اللي باقيين. أنهى كلامه وتراجع في خطواته إلى غرفته صافعًا الباب في وجهيهما، واعتدلت أروى في وقفتها قائلة بحرج: –شكرًا يا فارس. سألها فارس باهتمام: –هو متعصب كده ليه؟ إيه اللي حصل؟ تحدثت بجدية: –متشغلش بالك. المهم قولي متعرفش حسام فين؟ –هو لسه مرجعش؟ –لأ لسه. –ممكن يكون سهران في ملهى ليلي. سألته أروى بترقب:
–طب أنا ممكن أطلب منك طلب؟ –اتفضلي. –ممكن تروح وتجيبه. صمت فارس لوهلة يفكر في الأمر، فهو يكره بشدة دخول مثل تلك الأماكن، وهذا السكوت قد فسرته أروى على أنه يريد الرفض ولكنها محرج، فقالت بتراجع: –خلاص مفيش مشكلة، أنا هتصرف. أردف فارس سريعًا: –هتتصرفي إزاي؟ أنا هروح أجيبه متقلقيش. ******** بمرور الوقت كان فارس واقفًا أمام ذلك الملهى الليلي، الذي أُجبر على المجيء إليه بسبب ذلك الطائش حسام.
زفر بضيق وهو يستغفر بداخله، فكان عقله يأبى أن يدعمه على التقدم إلى ذلك المكان اللعين أكثر من ذلك. وأخيرًا توصل عقله إلى الاستعانة بالهاتف والاتصال بحسام ليطلب منه فارس الخروج إليه في الحال. وبالفعل أخرج هاتفه من جيب بنطاله ولمس على شاشته عدة مرات في مهمة للاتصال، ولكن في كل مرة كان ينتهي الاتصال دون إجابة من الطرف الآخر، فأعاد الهاتف إلى جيبه مرة أخرى بخيبة أمل وهو يغمغم من بين أسنانه: –شكلي كدا مضطر أدخل.
سار بخطوات مترددة إلى مقر الملهى، حيث كان يخطو خطوة ويؤخر التي تليها وكأنه ينتظر شيء يمنعه من الدخول، وحدث ذلك بالفعل حيث أنه قبل أن يدفع تلك البوابة الخشبية الكبيرة، أوقفه رنين الهاتف فرجع خطوتين للوراء وهو يخرج هاتفه مرة أخرى، وما إن رأى هوية المتصل حتى خرجت الكلمات من فمه قائلاً: –أنت فين يا حسام؟ ومش بترد ليه؟ جاءه الرد بصوت أنثوي: –أنا مش حسام، هو مش قادر يتكلم.
لم تكن كلماتها واضحة بالنسبة إليه، بسبب تلك الضوضاء وصوت الموسيقى الصاخب، فتحدث فارس بصوت مرتفع نسبيًا: –أنا واقف بره اطلبي من حسام يخرج فورًا. تحدثت مرة أخرى بصوت قد ارتفع عن سابقه: –طيب أقف عند الباب. هذه الجملة قد استطاع فارس تفسيرها، فأغلق الهاتف ووقف بقرب الباب كما طلبت منه الفتاة، كانت تلك الدقائق تزعجه وكأنها تضع ثقلًا فوق كتفيه، فكان يتفقد ساعته اليدوية تارة ويتعلق نظره بالباب تارة أخرى.
وها هو الوقت يخلق نهاية لانتظاره، حيث فُتح الباب وخرج حسام الفاقد للوعي بشكل جزئي، والذي تفتقر وقفته للاتزان لذلك كانت تساعده تلك الفتاة على الوقوف والسير إلى فارس، فكانت تضع ذراعه حول رقبتها وتحاوط هي خصره بذراعها الضعيف والضئيل مقارنة بجسده. وكانت هذه مفاجأة وصدمة كبرى أُعطيت إلى فارس.
فلم تكن تلك الفتاة سوى دينا طالبته في مركز الدروس الخصوصية، أصابته رؤيتها حقًا بدهشة كبيرة، فماذا تفعل فتاة مثلها لم يتجاوز عمرها الثامنة عشر في مثل هذه الأماكن المُلمة بالشباب الفاسد؟ كان الصمت مخيمًا عليهم إلى أن قطعته هي قائلة ببرود: –على فكرة الكابتن ده تقيل على إيدي، ياريت تشيله عني بقى. تدارك فارس الموقف، فاقترب هو وأسند حسام بدلًا عنها، وأشاح بنظره بعيدًا وهو يقول: –شكرًا على مساعدتك.
ها هو مرة أخرى يتحدث إليها ونظره بعيدًا عنها، وهذه المرة لم تتجاهل الأمر وإنما سألته بضيق مكتوم: –هو حضرتك ليه بتكلمني وأنت عيونك بعيد؟ سألها ومازال محافظًا على وضعه: –وهو المفروض أكلمك إزاي؟ ولا أبص لك ليه يعني؟ أجابته بتهكم: –تبصلي وأنت بتكلمني زي ما أنا ببص لك وزي ما كل الناس بتبص لبعضها وهي بتتكلم! أردف بهدوء: –عشانك. –مش فاهمة!
–مش ببصلك وأنا بكلمك عشان كفاية عليكي ذنوبك اللي بتشيليها وبردو عشان بالنسبة لي أنتي فتنة. أردفت ساخرة: –على كده بقى يا مستر الناس هتكلم بعضها وهي مغمضة. كان محافظًا على هدوئه ونظره الذي يقع على أي شيء آخر سواها، حين قال:
–بصي يا دينا أنا آخر واحد ممكن يتكلم في أمور الدين، لقلة علمي ولكن اللي متأكد منه إني مينفعش أنظر لوجه سيدة أجنبية عني إلا إذا كنت متأكد أنها مش فتنة بالنسبة لي، وبمعنى تاني تكون نظرتي إليها خالية من أي شهوة، وهنا بتكلم عن الوجه بس فما بالك بقى بواحدة زيك لابسة فستان كب ويا دوب واصل لركبتك بالعافية وكمان معلش يعني.
لازق على جسمك خالص ولا كأنك لابسة حاجة، وده حاجة ممكن تفتني أو ممكن تخليني أبصلك بصة مش كويسة، ما هو معلش يعني أنا إنسان والإنسان بيخطأ والله أعلى وأعلم. فعشان كده بتجنب النظر للسيدات على قد ما بقدر. حفاظًا على نفسي وعلى أي سيدة مازالت مش لابسة حجاب كامل. هنا نظرت دينا إلى ثوبها، بعدما فهمت ما شُرح إليها توًا، ثم نظرت إلى فارس وقالت: –تمام يا مستر فهمت حضرتك، هدخل بقى عشان أصحابي جوا.
تلقائيًا كان سينظر إليها، ولكنه التف برقبته بعيدًا عنها وهو يقول: –تدخلي فين؟ أنتي لازم ترجعي بيتك حالًا. –ما أنا هرجع مع صحابي. سألها مستفسرًا: –هو في طلبة غيرك جوه؟ أجابته بصدق: –لأ دول بنات أكبر مني مخلصين دراسة. تشدق مردفًا باستغراب: –وأنتي إيه اللي لمك عليهم. –الظروف. تحدث باستنكار: –ظروف إيه اللي تخليكي تصاحبي شلة فاسدة؟ وبعدين أوعي تكوني شربتي حاجة؟ أجابت سريعًا: –لأ والله مشربتش حاجة.
–طب يلا هتروحي معانا مفيش دخول. –طب شنطتي معاهم طيب، هدخل أجيبها. كانت ستتحرك ولكنه أوقفها قائلاً بحزم: –لأ. مش هتدخلي المخروبة دي تاني. سألته باستغراب وبحيرة من إصراره على العودة إلى البيت، فأصحاب البيت ذاتهم لم يمنعوها من الذهاب إلى هذا المكان، ولم يعقبوا على ثوبها، فعلى النقيض شجعتها والدتها على ارتدائه. –طيب وحاجتي. –فين فونك؟ –معاهم. مد يده بالهاتف إليها وقال: –رني على صحبتك وخليها تجيبلك الحاجة لحد هنا.
أخذت منه الهاتف واتصلت على هاتفها ولكن لم تُجبها أي من الفتيات التي قد حضرت إليهن برفقتهن، فنظرت إلى فارس الناظر بعيدًا وقالت: –محدش بيرد. سحب نفسًا عميقًا وتحرك بحسام الذي يتأفف بملل، ويلقي عليهما باللوم لإخراجه، وقطع وصلة استمتاعه بأجواء الملهى، فتح باب السيارة الخلفي وساعده في الصعود، ثم رجع إلى حيث تقف دينا وتتابعه في صمت. أخذ منها الهاتف بعدما تجرد من معطفه الصوف وأعطاه لها قائلاً: –البسي ده عشان الجو برد.
فعلت كما طلب منها وهي تتحرك خلفه، فاستدار مرة واحدة عندما أحس بحركتها، وسألها: –انتي راحة فين؟ –داخلة معاك، أنت أكيد مش عارف صحابي دول. أردف بنبرة حازمة: –لأ مفيش دخول، استني هنا وأنا هتصرف. تركها واقفة ورافعة لحاجبيها باستغراب، واختفى هو داخل ذلك المقر الذي لم يفكر في الأمر مرتين قبل دخوله إليه بدلًا عنها، استغرق الأمر خمس دقائق حتى عاد إليها حاملًا لحقيبتها اليدوية، ليجدها واقفة كما تركها.
تجاوزها ذاهبًا إلى السيارة، وفتح الباب الأمامي ورفع عينيه ناظرًا إليها فكانت قد ارتدت غطاء الرأس الخاص بالمعطف وأخفت به شعرها، أشار إلى المقعد المجاور لعجلة القيادة، فركضت إليه وصعدت إلى السيارة بعدما أخذت منه حقيبتها، بينما تحرك محتلًا الكرسي الواقع أمام عجلة القيادة ليبدأ دوره في إعادة كلا منهما إلى بيته. *******
كانت مغمضة العينين، تقف في تلك الشرفة الخاصة بغرفتها، فكانت ترتدي ثوبًا من القطيفة قد حصلت عليه سابقًا من أجل الصلاة، لم تكن تبالي بتلك النسمات الباردة التي تلفح وجهها الدافئ، وإنما كانت شاردة الذهن تسترجع في عقلها ما قد حدث قبل قليل. وبغتةً فتحت عينيها وغمغمت: –أنا حاسة إن باسل مش طبيعي النهاردة، فيها حاجة متغيرة.
تلفظت بجملتها وهي تغادر غرفتها، راغبةً في الاطمئنان عليه، وما إن أصبحت أمام غرفته حتى تناهى إلى سمعها صوت سعال، فتنازلت عن دق الباب فاتحة إياه سريعًا، وعندما دلفت إليه وجدته في حالة يرثى لها. كان جالسًا على حافة الفراش بوجه قد استملكته حمرة شديدة تسبب بها ذلك السعال الشديد، وعندما انتبه إلى دلوفها إليه شرع برأسه ناظرًا إليها بعينين في حالة من الإرهاق والإحمرار، وإضافة إلى ذلك جسده الذي يرتجف من برودة الجو.
ركضت صوبه بقلق لم تستطع إخفاءه وسألته بلهفة: –مالك يا باسل؟ أنت تعبان؟ غرب بحدقتيه بعيدًا عنها وهو يقول بصوت خفيض مضطرب: –اخرجي بره، قولتلك مش عايز أشوفك. لم تعطي لكلماته أهمية، بل اقتربت منه أكثر واضعة يدها على جبهته لتتفحص حرارته، فأبعد يدها عنه سريعًا بغضب وهو يقول: –خليكي بعيدة عني. أردفت بقلق: –أنت سخن نار لازم تاخد علاج، وأصلًا جسمك بيتنفض إزاي أنت مش حاسس بنفسك؟
قبل أن يصرخ في وجهها مرة أخرى، منعته تلك السعلة التي تتابعت بأخرى، فتحركت أروى إلى خزانة الملابس وأزاحت الباب الجرار، وانتقت من أجله بعض الملابس الثقيلة. بالرغم من كونه يشعر بألم قوي قد اعتراه، وتمكن من عظام جسده بالكامل لدرجة تُعسر من حركته، إلا أنه قد تحامل على نفسه وعلى قدميه التي تحملانه بصعوبة، ونهض مقتربًا إليها. التقط سريعًا ما تحمله بين يديها من ثيابه، وألقى بهم بعيدًا وهو يقول بتهكم:
–مسمعتيش عن حاجة اسمها فهم! بقولك مش عايزك هنا! لم تعقب على حديثه وتركته وذهبت لترفع تلك الثياب المبعثرة أرضًا، ولكن لحق بها وفي هذه المرة دفعها بعيدًا وصرخ في وجهها بصوت جهوري غاضب: –قولتلك اخرجي! إيه قلة الذوق دي! اصطدمت بوحدة الإدراج الملحقة بالمرآة، إثر دفعته القوية، وبسبب ذلك سقطت زجاجة عطره التي تهشمت إلى قطع صغيرة ومن بعدها أروى التي جُرحت كفة يديها.
لم تنتبه لجرحها الصغير النازف، وإنما استوت على قدميها وهي تتفرس ملامح وجهه المخالفة لصوته الغاضب، ووقفته التي تفتقر للصلابة. ران عليهم الصمت للحظات، وهي تفكر كيف ستعتني به وهو يعترض على وجودها برفقته؟ قطع هو ذلك الصمت قائلًا بصبر أوشك على النفاذ: –هتفضلي تبصيلي كده كتير؟ مش ناوية تخرجي؟ خرجت عن صمتها وقالت بجدية: –هخرج بس لما أتأكد إنك بخير، هفضل معاك بس لحد ما ولاد عمك يرجعوا وبعدين هخرج وأسيبك.
–لأ، لا عايزك ولا عايزهم. –طيب استحملني النهاردة ووعد مني من بكرة مش هتشوف وشي والله. لم يعد قادرًا على الوقوف أكثر من ذلك فعاد إلى الفراش، فقد اشتد عليه المرض، وازدادت الحرارة في عينيه لدرجة تجبره على إغلاقهما. أخذت أروى الملابس إليه وهي تقول: –البس دول الأول عشان التي شيرت اللي أنت لابسه خفيف. أراد أن ينزع ما يرتديه أولًا، فشُهقت بخجل ومنعته قائلة: –بلاش تخلع اللي عليك، البس فوقهم.
زفر بضيق قبل أن يفعل ما قالته، وساعدته هي في الاسترخاء على فراشه، ودثرته جيدًا بالغطاء، وتركته وخرجت لتبحث عن علبة الإسعافات لتعطيه دواءًا لمرضه.
عدة دقائق قد مرت عليها وهي تبحث بلهفة وخوف عليه، ولكنها لم تجد أثرًا لأي شيء يتعلق بالدواء، لم تعرف ممن ستطلب المساعدة في هذا الوقت المتأخر، ف ولاء قد عادت إلى منزلها وفداء خلدت إلى النوم وسبقتها وفاء، وفارس منذ أن خرج لإحضار ابن عمه لم يرجع حتى الآن وقد تجاوزت الساعة الآن الثانية عشر. وقفت في بهو القصر ويدها اليسرى تتوسط خصرها، واليمنى فوق رأسها المنشغل في البحث عما يجب فعله الآن؟
فقد بحثت في غرف القصر بأكمله ولكن دون فائدة. تذكرت حارسي القصر، فلابد وأن أحدهما مستيقظ الآن فأسرعت بالخروج إليهما، وبينما هي تعدو درجات السلم الخارجية، انتبهت إلى ذلك الصوت الناتج عن إطارات السيارة المُحتكة بالطريق. أسرعت إلى فارس الذي ما لبث أن يترجل من السيارة حتى وجدها تخبره بقلق بالغ: –الحقني يا فارس، باسل تعبان خالص. اقلقه ما قالته، فسألها باهتمام: –تعب إمتى؟ مش كان حلو قبل ما أخرج؟ وضحت له قائلة:
–لأ كان ساعتها تعبان برضو بس مكنش الدور تقل عليه، المهم دلوقتي لازم نشوف دكتور أو نجيب علاج لأن البيت هنا مفهوش علاج. –طب وهنجيب علاج إزاي وإحنا مش عارفين هو ماله؟ لازم نوديه لدكتور. –مش هينفع ده نايم مش قادر يتحرك، لو ينفع نجيب دكتور يكشف عليه هنا. رد عليها بقلة حيلة: –أنا معرفش دكاترة. قالت باقتراح:
–طب بص هو شكله كده واخد الدور، عنده كحة وسخن ونشران وكان ماسك معدته فممكن يكون عنده مغص، فبص أنت وصل حسام لأوضته وخليك جنب باسل وأنا هروح الصيدلية أوصف حالته للدكتور اللي هناك وأجيب علاج وأجي. قال فارس باعتراض: –لأ طبعًا الوقت متأخر خليكي هنا، وأنا هسيب النعسان على نفسه ده في العربية وهاخده معايا وأجيب أنا العلاج.
وبالفعل غادر فارس سريعًا لإحضار الدواء، وعادت أروى إلى باسل وهي تحمل وعاء به خليط من الماء وقطع الثلج وبيدها منديلًا من القطن، وبللت المنديل بالماء البارد وطوته عدة مرات لتقلل من حجمه، وبدأت تضعه على جبهة باسل لتخفف من حرارته المرتفعة في حركة تكرارية، وأحضرت منديلًا آخر قد بللته أيضًا واستخدمته لتمسح به على وجه باسل نزولاً إلى رقبته.
واستمرت على ذلك الوضع حتى وجدت فارس قد وصل إليها، ومعه الدواء وبرفقته طبيب من مركز بيع الدواء، فقد جاء ليساعدهم في تركيب تلك المحاليل الطبية. تابعت أروى ما كانت تقوم به، حينما توجه الطبيب للطرف الآخر للفراش وشرع في إتمام ما جاء لأجله، وما إن انتهى حتى أخبرهم بما يجب فعله عندما ينتهي محتوى زجاجة المحلول. خرج فارس مع الطبيب، وبقيت هي تتأمل وجهه النائم، وتمسح على رأسه بحنان وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة. *******
علي صعيدٍ آخر. تقف أمام المرآة وهي تتأمل فستانها الذي يلتصق بجسدها، وأطرافها العارية وشعرها المنسدل بأريحية، فكانت كلماته تتردد في أذنها، وعقلها في حيرة من أمره، فهناك جزء بداخلها يتخذ جانب فارس وجزء آخر يرى بأنه لا بأس بأن تستمتع بحياتها وتظهر جمالها قليلًا.
التفتت ورائها سريعًا عندما انتبهت إلى صوت الباب، الذي قد أقفلته والدتها أميرة دفعًا بقدمها، حيث كانت تحمل في إحدى يديها كوبًا من العصير وباليد الأخرى فنجانًا من القهوة. حدقت بها دينا بنظرة ملأها الاستغراب، فمنذ متى وأميرة تحضر إليها بشيء لها علاقة بالطعام أو الشراب؟ فهي لا تدخل إلى غرفة ابنتيها إلا لتنتقي لهما الثياب على ذوقها الخاص.
جلست على طرف الفراش بعدما وضعت ما بيدها على خزانة الأدراج المجاورة له، ثم أشارت إلى ابنتها بأن تذهب وتجلس بجانبها، فتحركت دينا إليها وجلست بجوارها دون أن تتحدث. بادرت أميرة بالحديث عندما سألتها باهتمام بالغ: –مين الشاب اللي وصلك ده يا دينا؟ تعرفيه من إمتى؟ أجابتها بجدية: –أعرفه من يومين. حملت أميرة كأس العصير وأردفت وهي تعطيه إلى دينا: –اشربي العصير ده جبته عشانك. أمسكت دينا الكأس بيدها وسألت والدتها
بجدية لتنهي ذلك الحوار: –من الآخر يا ماما أنتي عايزة تعرفي إيه؟ ابتسمت لها وهي تسأل بحماس: –بتحبيه؟ مرتبطين يعني؟ تلوى ثغرها ببسمة ساخرة وأردفت:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!