الفصل 15 | من 23 فصل

رواية أحفاد المعز الفصل الخامس عشر 15 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
21
كلمة
4,367
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

أجفلت أروى بعينيها وقالت بترقب: -هصدق معاكي إن باسل مظلوم، هل عندك استعداد تساعدني انتقم من أمك؟ بما إنك مظلوم مش عايز تاخد حقك من اللي ظلمك؟ كان يطالعها بنظرات حائرة، فكما يُقال لقد سقط مُكبلًا بين النيران، لا يستطيع الحراك، وعلى وشك أن يصبح رمادًا، فحبيبته ووالدته هما طرفا الحرب في الساحة، وعلى أحدهما أن يُهزم لينتصر الآخر، غافلتان تمامًا أنه إحدى الأسلحة التي سوف تُباد لينتهي وينتهي به الحرب. تلوى ثغرها

ببسمة ساخرة وأردفت بخفوت: -كان سؤالي غبي. رد عليها باسل بنبرة من التخبط: -أروى دي أمي. -أيوه صح، أنت معاك حق، مكنش ينفع أفكر إنك ممكن تخسر أمك عشان حد، ولا عشان أهلي اللي اتظلموا ولا عشان حياتي اللي تدمرت ولا عشان زوجتك اللي هتفضل بالنسبة لك غريبة، ولا حتى عشان والدك اللي سميرة حرمته يعيش حياته وحرمتك أنت كمان من حبه وحنانه... ولا حتى عشان جدك اللي مات بحسرته على عيلته اللي اتفرقت وأولاده اللي مبقاش يعرف عنهم حاجة!

أزالت تلك العبرة عن وجنتها إثر اجترار تلك الذكريات المؤلمة، ثم أكملت بمد: -أنت صح يا باسل ودي أمك، ارجع البيت لأمك يا باسل، ومتجيش هنا تاني عشان مش عايزة أشوفك. انسحب باسل دون أن ينطق بحرف آخر، فهو يعرف أنها محقة، ولكن ما تطلبه يجعل روحه تختنق أكثر فأكثر، فكيف لها أن تطلب منه الانقلاب ضد والدته حتى وإن كانت مخطئة! كيف يتغاضى عن حنينه وحبه وبره لوالدته!

كيف سيلاشي كل صورتها الملائكية التي تكونت في سنوات عديدة فيما يقابل عدة أيام! بينما قد سقطت أروى وهي تنتحب بشدة، فثمة ألم وأسى يشقان الصدر شقًا، كانت تضرب الأرض بغضب قد شارك الألم في صوتها، حيث كانت تردد بحزن شديد: -ليه!!! ليه كل دا يحصل معايا؟ بخسر الكل ليه؟

اقتربت إليها عمتها سريعًا وهي تضمها إلى أحضانها بحنان وتمسح على رأسها، وقد ضامت عليها عبراتها هي الأخرى، لكنها كانت أكثر تقبلًا للوضع، مما جعلها تهمس لأروى ببعض العبارات والكلمات التي من شأنها بعض السكينة لأروى. فابتعدت عنها أروى وهي تنفض وجنتيها من أولئك الأسرى الذين قد تمردوا على عينيها وفروا هاربين، ثم نطقت بصوت أشبه لحفيف أوراق الشجر: -مفيش دموع بعد النهاردة، أنا هنهي كل حاجة. استوت على قدميها وقالت بتأهب:

-أنا مسافرة الكويت بالليل. سألتها عمتها بدهشة: -الكويت ليه؟ أجابتها أروى بجدية بالغة: -ماما قبل ما تموت قالت على مستندات تثبت براءة بابا وإدانة سميرة وإن وصفة العلاج اللي هي زودت مكوناتها دي هي اللي لعبت فيها مش بابا، هسافر هناك عشان هدور على ماجد الصواف ماما قالت إنه كان المحامي بتاعنا هناك وهو اللي باعنا وخدع بابا وسرق المستندات عشان كدا لازم أسافر. -هنيجي معاكي.

-لأ هسافر لوحدي يا عمتي، خليكي انتي وخالي هنا عشان خالي عنده شغل ضروري، وأنا مش صغيرة متخافيش. دلفت أروى إلى الشركة بخطوات ثابتة واثقة، فكان الجميع يلقي عليها التحية احترامًا لكونها مالكة الشركة وربة عملهم، قصدت أروى مكتب خالها رمزي، لتخطو إليه بعدما طرقت الباب مباشرة. ترك ما بيده فور رؤيتها ونهض إليها ليقبل رأسها قائلًا بحب: -أخيرًا يا أميرتي قررتي تخرجي، أيوه كدا عايزك قوية. ابتسمت له بضعف وقالت:

-أنا كويسة يا خالي، وأكيد لازم أكون قوية دا إجباري، المهم...... أنا هنا عشان أملاك المُعز. نظر إليها رمزي متعجبًا، فأوضحت له أروى: -حان الوقت إن الأملاك تتنقل لأصحابها، جدي قال إن لما يقدروا يثقوا في بعض ساعتها ننقل الأملاك. أضاف رمزي معبرًا عن رأيه: -أنا عارف ومعنديش اعتراض، بس انتي واثقة إنهم كدا بقوا جديرين بالأملاك ومش هيهدوا السيطرة اللي عاش جدهم يبنيها؟ تزين ثغرها ببسمة واثقة وقالت:

-أنا متأكدة أكتر من وجودي قدامك دلوقتي إنهم مستحيل يتخلوا عن بعض تاني. -طب وسميرة. زفرت بتحفز ونهضت لتتجول في الحيز المحيط وهي تشرح لرمزي عن مخططها وما تنوي فعله، لتتخلص وتثأر من تلك اللعنة التي تمنح الجميع هلاكًا لم يستحقونه يومًا.

على صعيدٍ آخر، قد حان الدور لباسل الذي انزوى بنفسه في غرفته المظلمة إلا من طاقة صغيرة قد امتدت من فتحة صغيرة في النافذة التي لم تكن محكمة الإغلاق، تمدد بجسده على الأريكة لتبدأ تلك المشاهد في عرضها الإجباري، موقف يجتر آخر، والسيء يسبق اللطيف، تتردد في أذنيه كلماتها القاسية واللطيفة، يتذكر بوضوح تلك النبرة التي كانت تنطق بها «بيسو»، أحيانًا بنبرة ساخرة وأحيانًا بتمرد ومرات أخرى كانت تنطقها بلهجة لعوبة وكأنها تشاكس طفلًا أمامها.

انشقت من عينيه دمعة هاربة، لتتبعها أخرى دون صوت يُصدر منه، أطلق زفرة قوية كلوعة قلبه وغمه المتفاقم، قبل أن ينهض ليقتحم الشرفة دافعًا الباب بقوة، واضعًا يديه في جيب بنطاله ليطالع السماء في صمت تام لم يكن هو على دراية به، والسبب في ذلك هو ضجيج عقله وأذنيه بجميع الأحداث التي قد سبق وتعايشها مع أروى.

آن الأوان ليعي ويدرك ما دار بينه وبين أروى في ذلك اليوم الخاص بالسكاكر، وكأن انكساره قد أحيا شيئًا بداخله قد أوشك على النسيان، وكلمة تلو الأخرى، واعتراف تلو الآخر، بدأوا جميعًا في التجسد أمامه، وكأن المشهد يُعاد مرة أخرى. أزال دمع عينيه سريعًا عندما علم بأنها قد أفصحت له عن مشاعرها وبأنها تحبه سابقًا، بات يدرك الآن أنها قد أُجبرت على كل ذلك ولن يُلقى عليها اللوم.

حُسمت الأمور الآن ولن يتخلى عن محطته الأخيرة من السعادة، ولن يسمح لها بذلك أيضًا. تحرك قاصدًا وجهته والتي هي بمثابة السر الأقدم في قتل والده، وبمرور الوقت قد وصل حيثما تستقر تلك السيدة، ليترجل من سيارته سريعًا وهو يعدو إلى منزلها. طرق باسل الباب بشكل متكرر، لتفتح له سيدة في عمر والدته ولكن يبدو عليها الشقاء، نظرت إليه بتثاؤب وأعين قد ثقلت جفنيها، وسألته بجدية: -خير يا ابني! في حد يروح لحد في وقت متأخر زي ده؟

-أنا بعتذر على الإزعاج، بس الموضوع اللي عايزك فيه مينفعش يستنى أكتر من كدا، أنا باسل المُعز ابن سميرة ورأفت المُعز. صُعقت لتلفظه تلك الأسماء التي عاشت ما سبق من عمرها تجاهد لتنساهم، وما زاد الأمر سوءًا وجعل الارتباك يتملك منها، هو سؤال باسل المترقب: -بابا مات ازاي؟ رأفت المُعز؟ أمي ليها علاقة؟ تلعثمت في إجابتها وهو يقول: -معرفش....... معرفش مين الناس دي أصلا مش فاكرة.

-ارجوكي تساعديني، ومتخافيش لو حد مهددك بحاجة أنا هحميكي والله مش هيحصل لك أي حاجة. -طيب أنا هقولك بس مش هشهد قدام حد ولا أنت تقول إني قولتلك ولا تعرفني أصلا، ممكن؟ -حضرتك تعتقدي لو المحكمة طلبت شهادتك وأمي اتحكم عليها، ممكن حد يعمل لك حاجة؟ -والله ست قادرة ومش بعيد تأذيني حتى وهي محبوسة. -لا متخافيش، أنا مش هسمح بكدا.

اقتنعت سماح بحديثه، وطلبت منه الدخول لتبدأ في سرد ما حدث قديمًا إليه، وهو لم يعد يتفاجأ فقد اعتاد حقيقة والدته البشعة الحقودة والمؤذية. تهادت إطارات سيارته أمام العقار التي تسكنه أروى، استوى على قدميه ليغلق سيارته ثم صعد إلى الطابق حيث تقطن أروى، قرع الجرس مرات عدة ولكن لم تكن هناك استجابة لذلك، وحينما أوشك على الاتصال بـ رمزي، انفتح المصعد ليخرج رمزي برفقة زوجته. فبادر باسل سائلًا: -فين أروى؟ رمزي بجدية:

-أروى رجعت الكويت، الطيارة أقلعت من ساعة. تخشبت الكلمات على شفتيه من صدمته واندهاشه، فردد بخفوت: -رجعت الكويت؟ -أيوه. باسل بتحير: -طب وحقها؟ مش عايزة تنتقم لوالدها؟ تبادل رمزي النظرات مع زوجته، ليضيف باسل: -خلوها ترجع وأنا هساعدها، أنا خلاص عرفت حقيقة موت والدي وأنا كمان عايز أخد حق حرماني منه وحق الكسرة اللي عايش فيها دلوقتي. قال رمزي بغموض:

-مسألة وقت وهترجع لوحدها متقلقش، اهتم أنت بس بالشركة وبولاد عمك ومتشغلش بالك بأروى. تنهد باسل قائلًا بخوف وحزن: -بس أنا مش عايز أخسرها، متأكدين إنها هترجع؟ ربت رمزي على كتفه وقال بمساندة: -متقلقش أروى هترجع، ولو هي مش عايزة فأنا مش هسمح بكدا، بس خلينا نسيبها شوية لوحدها وكل حاجة هتتحل...... مجرد وقت.

في صباح اليوم التالي توجه فارس إلى مركز الدروس الخصوصية بعدما أنهى ما لديه في الشركة، وعندما انتبه أن دينا لم تكن موجودة بين طلابه، قلق لغيابها وتملكه الفضول ليطمئن ويعلم سبب التغيب عن حصته، جاهد ليمنع نفسه عن فعل ذلك، ولكن في نهاية الأمر اتصل بها وعلم منها برغبتها في الالتقاء به. بمرور الوقت كان فارس جالسًا مع دينا في إحدى الكافيهات، ليبادر بسؤالها قائلًا: -محضرتيش الدروس النهاردة ليه؟

-مش هحضر تاني، كدا خلاص يا مستر. ضيق ما بين حاجبيه ليسألها بصدمة: -يعني إيه مش هتيجي! دا الامتحانات خلاص قربت! ابتسمت بخفة وقالت: -متقلقش هوضح لك. طالعها باهتمام وترقب، بينما هي أكملت: -الحمدلله بعد الدروس اللي ماما حضرتها في المسجد قدرت تسترد وعيها وشخصيتها الحقيقية، وقررت إنها هتسيب الشركة اللي شغالة فيها وهنرجع بلد بابا وهناك هتفتح مشروعها وأنا أختي هنكمل تعليمنا هناك..... وعلى فكرة ماما واختي لبسوا الحجاب.

أُلجم لسانه وتوقف عقله، وهنا بدأ فؤاده يتحدث، هل حقًا ستغادر! ألن تلتقي به مجددًا، اعتمر الضيق في صدره، شيء ما يخبره أن يمنعها ولكن ما باليد حيلة، بأي حق سيطلب منها البقاء! لوحت دينا بيدها أمام عقله الشارد، وقالت: -بتفكر في إيه يا مستر؟ أجابها مندفعًا: -بفكر فيكي! قالت دينا بامتنان: -متقلقش عليّ الحمدلله ماما رجعت لنا زي الأول وبدأت تهتم بينا تاني. قال فارس بجدية: -دا كويس. ابتسمت دينا وهي تنظر إلى عينيه وقالت:

-أنا متشكرة لحضرتك جدًا يا مستر، أنت نعمة ربنا حطك في طريقنا عشان نرجع لصوابنا، الحمدلله على نعمة وجودك يا مستر فارس. -مش محتاجة تشكريني، أنا معملتش حاجة، انتم اللي ناس أصلكم طيب وكويسين أنا بس دلتكم على الطريق، فبلاش تشكريني. -بلاش أشكرك إيه بس يا مستر، دا كفاية بس إنك من لما ظهرت في حياتي وأنا مبقتش أحتاج أكتب وأشكي همي للدفتر، من لما حضرتك بدأت تسمعني نفسيتي بقت كويسة الحمدلله.

جاهد فارس ليبدو طبيعيًا، فمن غير اللائق أن يظهر حزنه أمامها: -أنا دايمًا هبقى موجود يا دينا لو محتاجة أي حاجة كلميني من غير ما تفكري. -دا أكيد يا مستر. نطقت بجملتها ثم خطفت نظرة سريعة إلى ساعتها اليدوية وقالت: -مضطرة أمشي دلوقت عشان هنتحرك كمان نص ساعة. أصر فارس أن يوصلها بسيارته ولكنها رفضت بشدة، فوقف يطالعها وهي تصعد إلى إحدى سيارات الأجرة، وما إن أغلقت الباب حتى سمعته يناديها قائلًا: -دينا، دينا.

نظرت إليه من النافذة المجاورة، فأضاف فارس بحب واهتمام: -خلي بالك من نفسك، وذاكري كويس. ابتسمت بود واكتفت في إجابتها بحركة من رأسها، ثم لوحت له كإشارة للوداع، قبل أن تطلب من السائق أن يتحرك. يحدث في ذات الوقت، أن كانت فداء تجلس مع صديقتها في حديقة القصر، والتي يمضي منها الجميع إلى باب القصر الداخلي، فتحدثت صديقتها وقالت: -لازم تيجي يا فداء مليش دعوة. ضحكت فداء وقالت:

-يا بنتي ما أنا قولتلك جاية، بس مش هفضل لآخر الخطوبة عشان انتي عارفة فارس مش بيحب يحضر المناسبات دي. -لاء مليش دعوة هو....... قطعت حديثها وهي تنظر بترقب إلى تلك السيارة الحديثة التي أحدثت إطاراتها صوتًا لاحتكاكها مع الرصيف، ثم ترجل منها حسام الذي خطى صوبهم بخطوات ثابتة، حاملًا معطفه على ذراعه، وينزع رابطة العنق عن رقبته. فقالت صديقتها: -اهو خطيبك جه، كويس عشان أعزمه وأخليه يجي معاكي.

قبل أن توضح لها فداء، تدخل حسام مشيرًا إلى نفسه: -تقصديني أنا بخطيبها؟ نقلت الفتاة نظرها بينهما، ثم قالت: -أيوه، ما هو انت مش فارس، فأكيد عماد خطيبها. نظر فارس إلى ابنة عمه بدهشة وسألها: -فداء هو انتي مخطوبة؟ ردت عليه موضحة: -لاء، كان في قراءة فاتحة بس الموضوع متمش. قالت صديقتها سريعًا: -انتي بتهزري! آمال معرفتنيش ليه؟ بررت لها فداء قائلة:

-ببساطة جدًا حضرتك مسافرة من قبل قراءة الفاتحة أصلًا ومكناش بنتكلم كتير وانتي مسألتيش وأنا حصل معايا شوية مشاكل في الفترة الأخيرة عشان كدا نسيت أقولك، ومن ساعة ما جيتي دلوقت وانتي بتتكلمي عن خطوبتك وأنا محبتش أقاطعك. سألتها مجددًا بفضول: -آمال دا مين؟ فداء: -دا يا ستي حسام ابن عمي. قالت صديقتها بحماس: -حيث كدا بقى انت معزوم على خطوبتي مع فداء، ولازم تيجي. ابتسم حسام لتزدد وسامته، وقال:

-إن شاء الله، ربنا يتمملك على خير، أسيبكم أنا بقى عشان تاخدوا راحتكم. تركهم حسام ودلف ليبدل ملابسه وعقله شارد في تلك الخطوبة التي لم يكن يعلم بشأنها، وبالرغم من كونه خبر لا أهمية له إلا أنه قد شعر بالضيق ولا يعلم السبب. بمرور يومين قد حان موعد الخطوبة، وبعدما رفض فارس الذهاب لم يكن أمامها سوى فارس الذي لم يكن ينوي الذهاب ولكنه لم يستطع التغاضي عن رغبة فداء في أن يذهب أحدهما برفقتها.

كان واقفًا ويستند إلى سيارته بعدما ارتدى بنطالًا أسود وتي شيرت أسود، واحتمى من برودة الجو بمعطف جلدي قصير، كان ذلك اللون يعكس وسامته المعتادة. شرع برأسه ليتأمل تلك فداء التي تخطو إليه ويسبقها صوت كعبها الرنان، كانت حقًا فائقة الجمال لدرجة كافية أن تخطف قلبه وجميع القلوب المجاورة، كانت هذه هي المرة الأولى التي تضع فيها مساحيق التجميل، والذي برزت وأوضحت ملامحها الجميلة.

انتقى لنفسها فستانًا باللون البترولي من الستان، ويتوسطه حزام أحكمت غلقه ليظهر جسدها وكأنه نُحت بطريقة مثالية، كما أضافت إلى زيها حجابًا أبيض ساهم بشدة في إظهار لون عينيها الزمردية. وقفت أمامه وهي تقول بتحفز: -يلا بينا يا حسام. انتبه إلى صوتها، ليشير إليها قائلًا: -انتي هتروحي كدا؟ ألقت نظرة تقييمية إلى ثوبها قبل أن تقول: -أيوه هروح كدا هو في حاجة؟ قال بتهكم: -في حاجة! دا في حاجات، ادخلي امسحي اللي على وشك ده.

تأففت بضيق وقالت: -أنت كمان! دا أنا ماصدقت إن فارس مش جاي عشان ميتخانقش معايا، تقوم انت تقولي امسحي اللي على وشك! -طالما عارفة إن أخوكي هيزعق يبقى عارفة إن اللي على وشك دا غلط تخرجي بيه، هو أنا اللي هقولك ولا إيه؟ وبعدين انتي حلوة من غير الألوان دي كلها. -يعني شكلي وحش! -لاء مش وحش بالعكس طالعة قمر ولو مش بنت عمي كنت هعاكس، وعشان كدا عايزك تمسحيه بلاش تلفتي انتباه الشباب ليكي.

-بس أنا مش حاطة مكياج عشان ألفت انتباه حد، أنا كبنت أكيد أحب إني أكون أجمل وأجمل في عيون نفسي، إنما مش عشان حد والله. -أنا مش بقول إنك حاطة عشان حد، بس انتي كدا هتلفتي الأنظار ومش كل الشباب محترمين، في منهم اللي هيبصلك بإعجاب ومش هيتعدى حدوده، وفي نفس الوقت فيه اللي ممكن يعاكس ويضايقك بالكلام وساعتها أنا مش هسكت وهتخانق معاهم....... ما هو اللي عملته مع بنات الناس مش هيطلع على جتتي.

-ما هو طبيعي مفيش حاجة بتروح على الأرض، كما تدين تدان. -أنا عارف إن اللي كنت بعمله دا غلط، بس أنا والله عمري ما ضايقت واحدة محترمة سواء كانت محجبة أو غير محجبة، البنت اللي بتتعاكس دي بتكون لابسة حاجات غريبة كدا كأنها بتقولك أنا عايزة أتعاكس وساعات كمان بتكون موجودة في أماكن مش كويسة..... والحمدلله من فترة كدا مبقتش أهتم بحد ولا بعاكس حد. تنهدت فداء وقالت: -طيب استنى شوية هغسل وشي وجاية.

عادت إليه بعد دقائق معدودة، ليبادر هو قائلًا: -فين اللي مسحتيه؟ انتي زي ما أنتي! -لاء والله غسلت وشي وشيلت المكياج اللي عليه، أنا أصلا كنت حاطة روج وماسكرا وبلاشر بس. مد يده إليها بمنديل ورقي وقال: -امسحي وشك كدا. امتثلت لطلبه ثم أعادت إليه المنديل مجددًا وقالت: -اهو مفيش حاجة. بمرور الوقت كانا قد وصلا إلى قاعة الحفل، ليقول حسام محذرًا:

-اعملي حسابك تسلمي على العروسة وتيجي تقعدي جنبي مفيش رقص ولا هيء وهيء أنا قولتلك اهو عشان نرجع البيت من غير خناق. حدقت به وقالت في دهشة: -هو أنت حسام! دا أنت شكلك أصعب من فارس! -زي ما قولتلك يا فداء مش عايز نقاش.

ضربت بحديثه عرض الحائط، حيث أنها عندما دلفت تحركت سريعًا إلى صديقتها وهنأتها بحفاوة، وبقيت بجوارها قليلًا ثم صارت تتنقل بخفة لتلقي التحية إلى بعضٍ من صديقتها وجيران سكنها القديم، بينما حسام يراقبها بحدقتيه، وهو يلعن نفسه أنه لم يطلب منها تبديل ثوبها، وما زاد الأمر سوءًا هما ذلك الشبان اللذان مرا بجواره وهما يتحدثان ليقول أحدهما: -لاء بس البنت اللي لابسة بترولي دي صاروخ، عايز أشقطها.

طالعهما حسام وهو يشتعل غضبًا ويخشى أن يفتك بهما، جلس الشباب على طاولة قريبة وهما يراقبان فداء غافلين عن ذلك الذي يخترقهما بنظرات الغضب والغيرة. زفر بقوة وهو يهدأ من أفكاره بالقضاء عليهما، ولكن مخزون الصبر الخاص به قد نفذ عندما وجد أحدهما يصافح فداء وهي تبتسم له ويبدو أنها تعرفه. تحرك إليها سريعًا جاذبًا إياها من ذراعها، وسار بها إلى الخارج، ففضت قبضته بعيدًا وقالت باستغراب: -هو في إيه؟ -هنرجع البيت. -نعم!

دا لسه الخطوبة في أولها. تغاضى عن جملتها، وسألها بغيرة وفضول: -كنتي بتسلمي على مين؟ -دا عماد! سألها بترقب: -دا اللي كان خطيبك. -أيوه هو. -وبتتكلمي معاه إزاي بعد ما انفصلتم! -إحنا انفصلنا مش اتخانقنا! مش معنى إن محصلش نصيب يعني بقى عدوى! شافني وجه يسلم عليا ويسألني عن ماما وفارس، كنت أشتمه يعني ولا أسيبه وأمشي. -كنتي تسيبه وتمشي، وبتسلمي عليه بإيدك ليه؟ مش عارفة إن دا غلط وحرام. تلعثمت في ردها، وقالت بندم:

-أيوه عارفة، أنا آسفة بس هو مد إيده يسلم عليا وأنا اتحرجت أحرجُه وأسلمش. حسام بتهكم: -لاء طبعًا مكنتيش تسلمي مفهاش إحراج، طالما الموضوع متعلق بالحلال والحرام يبقى متتحرجيش، هو أنا اللي هقولك ولا إيه يا فداء! -صح معاك حق، مش هكررها تاني. -طيب يلا نمشي بقى. شهقت بفزع واعترضت: -لاء نمشي فين، والله العروسة تزعل. -يا بنتي أنا كدا ممكن أتخانق مع حد عشانك، لو كملنا الخطوبة هتبوظ.

-لاء لاء مش هيحصل حاجة، خلينا نفضل هنا وأنا هبقى جنبك مش هتحرك والله. في صباح اليوم التالي كان باسل قد تأهب للذهاب إلى العمل، وبينما هو يعبر أمام غرفة والدته، إذا به يسمعها تقول بصرامة وغضب: -لو أروى حاولت تعرف منك أي حاجة بخصوص قضية مدحت، اكذب عليها وأقول أي حوار المهم يكون مدحت هو الغلطان في نظرها، أوعى تأكد لها إننا غلطانين حتى لو كانت دي الحقيقة.

-طب ما هي ممكن تدور ورايا وتعرف الحقيقة، اللي يخليها لسه بتفكر في الموضوع دا لحد دلوقتي يبقى مش هتستسلم غير لما تعرف الحقيقة. -يبقى ساعتها بقى نتخلص منها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...