أشاحت بوجهها عنه لتتهرب من نظرة العتاب الخاصة به. تلوى ثغره ببسمة جانبية تجمع بين السخرية والانكسار والألم. -أنتي طالق يا أروى. اتسعت حدقتاها صدمةً لما وقع على سمعها. كرر باسل جملته مرة أخرى، لتزداد صدمتها أكثر فأكثر. ها هو الآن ينفصل عنها دون أن تخطئ في حقه. والدته قد دمرت حياتها وكان هو إحدى الأسلحة في هذه المعركة، بل كان هو السلاح الأقوى الذي ذُبحت به أروى. وهو الآن يكرر فعلته، لكنها لن تسمح بذلك.
استجمعت شجاعتها وألقت بقلبها أرضًا. -أعتقد إن ده الوقت عشان تعرف والدك مات إزاي يا باسل. سميرة هانم اخترعت قصة إيه عشان تقنعك بسبب موته المفاجئ؟ اجتاحت الحيرة ونظرات التيه عينيه. -تقصد إيه؟ إيه علاقة موت بابا بأمي؟ كانت تطالعه بنظرات لما يقدر على تفسيرها. كانت ترمقه بنظرات من الشفقة والحنان، ولكن غضبها ورغبتها في الثأر لأبيها فازا. أطلقت زفرة حارقة واستوت على قدميها. عبثت بهاتفها ثم أردفت:
-بعت لك رسالة فيها عنوان مدام سماح الدادة اللي كانت شغالة عندكم هنا زمان. ممكن تكون فاكرها وفاكر قد إيه هي كانت قريبة من سميرة هانم. لو مهتم بحقيقة موت والدك قابلها. استدارت لتغادر، لكنها تراجعت عندما سمعته يسألها بشك وبصوت خالجه الابتئاس: -كنتي قاصدة تبعتيني للدجال عشان يقولي عن اللي أمي عملته زمان وتكوني بعيدة عن الموضوع!!! أجفلت بعينيها والتفتت إليه. قالت لتضرب بمشاعرهما عرض الحائط: -أيوه كنت قاصدة.
كان السبب الأساسي لدخولي القصر هو الانتقام من سميرة اللي دمرت حياتي، سواء كان على غدرها لبابا، أو على حالة أمي اللي هي السبب فيها. سكتت لدقائق قبل أن تكمل بندم: -أو حتى على جوازي منك، وأنت في نظري لا تقل شيء عنها في كل اللي أنا مريت بيه. كان بداخله شيء ما لم يتحطم بعد، ولكنها قضت عليه كليًا عندما نطقت بسخط واحتداد: -كنت ناوية أخليك تحبني وتتعلق بيا، وبعدها كنت هسيبك عشان تجرب نفس الوجع اللي أنا عشت فيه ثلاث سنوات.
كنت ناوية أعيشك شعور الوحدة اللي أنا حسيت بيه وأكسرها بكسرتك. أبعد تلك الدموع عن وجنتيه لينهض قائلًا بصوت يحترق: -أهنيكي يا آنسة أروى، نيتك اتحققت وأنا فعلًا حبيتك. مبروك عليكي الانتصار، ومبروك عليا جحيم الغدر والوحدة. انصرف باسل بعيدًا عنها ليتركها واقفة تطالعه بأعين دامعة. اعتقدت أنه بإظهار الكره له ستكون بذلك قد انتشلت عزتها من واقع حزنها لطلاقهما. تكاد تجزم الآن بأنه لن يحترق بمفرده.
هي بالفعل لم تعد شريكة حياته، ولكنها بالفعل شريكته في الغدر والانكسار وآلام الاحتراق. فاقت من شرودها على صوت سميرة التي ما زالت تصرخ في وجه وفاء. هبطت أروى الدرج إلى الأسفل. وقفت عائقًا بين وفاء وسميرة التي كادت أن تصفعها. ولكن أوقفتها أروى عندما قبضت على معصمها. -احترمي نفسك وإيدك متترفعش على أسياد البيت اللي أنت واقفة فيه. طالعتها سميرة بكبر وعنجهة قبل أن تقول: -هو أنتي بتعملي إيه هنا يا بتاعة إنتي!
ابتسمت أروى وأردفت بينما عقدت ذراعيها أمام صدرها: -متأكدة إنك عارفة بس هرد عليكي يا فلة. بصي يا سوسو القصر اللي انتي واقفة فيه ده بتاعي. عارفة يعني إيه بتاعي؟ يعني متسجل باسمي. ومش بس القصر، وإنما كل أملاك راشد المعز الله يرحمه متسجلة لحسابي بيع وشراء. يعني ممكن في لحظة دلوقت أطلب الأمن يرموا شنطك بره ويجروكي جر كده من شعرك ونرميكي في ستين داهية يا عسل. كان ذلك النمط من الحديث استفزازيًا بطريقة كافية لتجعل
سميرة تردف بنبرة حاقدة: -بكرة تتجري إنتي من هنا، أو ممكن أخليكي تخرجي من هنا على ضهرك يا بنت مدحت. ولا أنتي ولا عشرة زيك يقدروا يقفوا في طريقي. قهقهت أروى عاليًا بنغمة ساخرة. علقت حدقتيها عليها لتخترقها قائلة: -كويسة إنك فاكرة مدحت. أبويا اللي ظلمتيه وسجنتيه في قضية هو ما كانش له ذنب فيها. بس يا ترى فاكرة رأفت؟؟ -مين رأفت؟؟ تلوى ثغر أروى ببسمة ساخرة وقالت: -معقول ناسية جوزك؟
ألا صحيح هو المفروض أقول عليه جوزك ولا أقول ضحيتك الأولى؟؟ اختلطت جميع الأمور وتداخلت جميع الكلمات. مما جعلها تتلفظ بصعوبة وتلعلثم: -ضحية!! ضحية إيه؟ مالت أروى وهمست بجانب أذنها: -خنقتيه! أنتي خنقتي رأفت، أنتي سبب موته. وكأن السماء قد انطبقت على رأسها، انقلب حالها في لحظة واحدة. بدأ وجهها يتصبب عرقًا واتسعت حدقتاها. كانت تشعر بمرارة في حلقها. ابتعدت عنها أروى وهي تقول ساخرة: -هو انتي من الناس اللي بتعرق في الشتا!
بس عايزة الصراحة خامات مكياجك شكلها تحفة مش متأثرة بالعرق خالص!!!! تركتها تائهة كحال الطفل الضائع. تحركت أروى بعدما أشارت لوفاء أن تتحرك معها. بمرور الوقت كان باسل يضع حقيبته في سيارته استعدادًا للذهاب، غير عابئًا بسميرة التي ترغب في الحديث إليه وتطلب منه الإصغاء إليها. وعندما كان على وشك الصعود إلى سيارته منعته سميرة من إغلاق الباب هاتفة: -أنا مش عارفة هي قالتلك إيه العقربة دي، بس هي أكيد كذابة.
في هذه الأثناء خرجت أروى من القصر ركضًا وهي تبكي ومن خلفها وفاء التي تقول بصوت مرتفع: -اهدى يا أروى، إن شاء الله هتبقى كويسة. لم يكن صالح متواجدًا فكان في إحدى الأماكن يحضر لوازم المطبخ كما طلبت منه وفاء. فقالت أروى بتذمر وهي تضرب قدميها في الأرض: -عمري ما احتجت عمي صالح ولقيته أبدًا، علطول كده مش موجود. لازم أوصل حالًا أنا خايفة على ماما. كان صوتها مسموعًا بالنسبة إليه.
فجذب الباب من بين يدي سميرة وتحرك بسيارته لتتهادي عجلاتها أمام أروى قائلًا بجدية: -اركبي. نظرت إليه باندهاش وصدمة. أهو الآن يرغب في مساعدتها! هي ذاتها من حطمت قلبه وحطمت عائلته! أنهى حوارها الداخلي عندما قال بصبر أوشك على النفاذ: -هتبصيلي كده كتير ولا هتركبي؟ ترجلت من السيارة وهرولت إلى المبنى قاصدة شقة خالها. وقد لحقا بها وفاء وباسل. فكان المنزل يكتظ بالأطباء وطاقم التمريض وكأنه إحدى طوابق المستشفى.
اقتربت أروى من عمتها التي تبكي في صمت. لتسألها بلهفة وقلق: -ماما مالها يا عمتي؟ إيه اللي حصل؟ أجابتها عمتها بجدية: -معرفش، معرفش، هو مرة واحدة الممرضة المسؤولة عنها لقيتها بتجري وبتقولي اطلبي الدكتور فورًا. بعد قليل من الوقت، أخبرهم أحد الأطباء قائلًا: -بصوا يا جماعة هي الحالة حاليًا مستقرة. لكن من الأفضل تتنقل المستشفى هناك خدمات طبية أكتر. ممكن الحالة تسوء في أي وقت هنا.
وأنا مش هقولكم نفصلها عن الأجهزة لأن فيها نفس وربنا قادر على كل شيء، ادعولها. وياريت تفكروا في موضوع المستشفى ده. اعتلت الأريكة وهي تبكي في صمت. ليأتي باسل ويجلس بجانبها. ثم وضع يده على كتفها ليواسيها قائلًا: -هتبقى كويسة يا أروى متقلقيش. ردت عليه في حزن هادئ: -بقالي تلات سنين بسمع الجملة دي من خالي، وما فيش نتيجة. سألها باسل بفضول: -هو إيه سبب الغيبوبة؟ تعلقت حدقتاها بخاصته، قبل أن تشيح بنظرها بعيدًا وتقول:
-والدتك، والدتك هي السبب. بعد ما سجنت بابا ظلم، بابا انتحر من كتر الانتقادات اللي اتعرض لها، ومن ساعتها ماما دخلت في غيبوبة. الدكاترة قالوا إن عقلها رافض يتقبل الواقع، ومن ساعتها وهي على الأجهزة. صمتت لوهلة قبل أن تضيف: -عارف يا باسل، كنت حابة أوي فكرة السفر بره مصر وكنت بشجع بابا مع إني كنت صغيرة لسه. وبصراحة عشت هناك ست سنين كلهم خروجات وانبساط وسعادة مع عيلتي، لحد اليوم المشئوم اللي بابا اشتغل فيه في شركة والدتك.
من يومها وأنا بلعن اليوم اللي سافرنا فيه. كل يوم وكل لحظة ببقى عايزة أضرب نفسي بالشوز عشان أنا اللي أقنعت بابا نسافر. خسرت كل حاجة، كل حاجة. لم يكن لديه ما يقوله. فكيف يبرر تلك الفعلة لأمه! كيف يبرر لها وهو غير قادر على إيجاد تبرير لنفسه! بالنسبة إليه ما قاله ذلك الدجال المشعوذ كذبًا حتى سمع اعتراف والدته بمقدار بشاعتها وإلى أي حد قد تحولت إلى امرأة ظالمة. حدثهم رمزي قائلًا بجدية: -الإسعاف وصلت.
أربعة أيام، لم تغفل عينيها فيهما كانت ترافق والدتها في المستشفى. وهو لم يتركها لحظة واحدة حتى أنه قد ألقى مهمة الشركة على عاتق حسام وفارس. وهنا أظهر جميع أفراد عائلة المعز اكتراثهم لأمر أروى وعائلتها. وذلك بخلاف سميرة التي تبقى في القصر ولا يحدثها أحد ولا تعرف شيئًا عن أحد منهم حتى باسل. فهي غير قادرة على التواصل معه فدائمًا ما تتصل به وتظهر إليها الرسالة الصوتية بأن الهاتف مغلق. خرج إليهم الطبيب قائلًا بعملية:
-الحالة فاقت. تبادلوا جميعًا الأنظار. لم يكن سمعهم على اعتقاد بسماع هذه الجملة. سألته أروى بترقب: -بجد ماما فاقت؟ حرك الطبيب رأسه مؤكدًا: -أيوه، وطالبة تشوفك. هرولت إليها والشوق يسبقها. ها هي والدتها تعود إليها مجددًا. يمكنها الآن أن تسترجع بعض من اللحظات السعيدة برفقة والدتها. كانت تمنح جبهتها ووجنتيها قبلات متفرقة. وما زالت تسبقها دمعتها. ابتعدت عنها لتسألها بلهفة وشوق: -أنتي كويسة يا ماما! ابتسمت
لها بخفة وقالت بوهن: -كويسة. قربي هقولك حاجة. كان رمزي وزوجته في الخارج في تنازع طفولي. فكل منهما يرغب في رؤيتها أولًا قبل الآخر. كانت سعادتهم في تلك الأثناء كافية لتغمر العالم بأكمله. ولكن تلك السعادة لم تدم كثيرًا حيث تحولت إلى حزن كافٍ لتحويل الألوان جميعها إلى الأسود. حيث تناهى إلى سمعهم صرخات أروى المستغيثة. دلفوا جميعًا وسبقهم الطبيب الذي لم يكن قد غادر بعد. ليطلب من طاقم التمريض إمدادها بالانعاش الرئوي.
وطلب منهم جميعًا الخروج. فانسحبوا بهدوء إلا أروى التي سحبها باسل رغمًا عنها. وهي كالطفلة تقنعه بأنها ستقف بجانب والدتها ولن تعيق عمل الطبيب. لكنه لم يسمح لها. حاول جاهدًا إقناعها بالانتظار ولكنها كانت لا تفعل شيئًا سوى البكاء وتفرط في حركتها لتتخلص من قبضتيه. واستمر ذلك الوضع إلى أن خرج إليهم الطبيب الذي قد تهامس مع رمزي وهو يخبره بأن ينهي أوراق الخروج فورًا قبل أن تعلم الجهات المختصة بوفاة شقيقته.
سمح الطبيب لأروى برؤية والدتها بعدما أقنعها بأنها تعاني من الغيبوبة مرة أخرى. دلفت إليها ومن خلفها باسل. وبمجرد أن وقعت عينيها على شاشة الجهاز الطبي حتى نظرت إلى باسل وسألته في صدمة من أمرها: -ما فيش علامات النبض ليه؟ هي ماتت! اتسعت حدقتاها وكأنها تسمح لذلك النهر في عينيها أن يتخلص من مكنونه. ثم اقتربت من والدتها وهي تهزها بعنف وتطلب منها الاستيقاظ. تطلب منها النهوض ليعودوا سويًا. حاول باسل أن يبعدها
لكنها دفعته بشدة وقالت: -سيبني أصحيها. لم يهتم لطلبها وإنما تقدم ورفعها عن الأرض ليخرجها. وبينما هي تصرخ تحرك إليها رمزي الذي يجاهد لكبح دموعه قائلًا: -اهدي يا أروى، لو بتحبي أمك فعلاً متعمليش شوشرة. صرخت في وجهه بحزن حاد: -أنا عايزة ماما، هاتوا لي ماما وأنا مش هعمل حاجة، بس هاتوا ماما. قال رمزي بجدية: -خدها يا باسل واسبقنا. جلست أرضًا وهي تقول: -لأ مش همشي، أنا عايزة أمي. بدأت تضرب على صدرها وتوقفت تلك الدموع.
وكأنها في حالة من الصدمة وبدأت تردد: -مش همشي من غيرها، مش هعيط، أنا مش بعيط أهو، بس عايزة ماما، أنا عايزة ماما تروح معايا، هاتوا ماما تروح معايا. كان قلبه يتقطع حزنًا عليها. لم يتخيل يومًا أن يراها في هذه الحالة. إنها تلك المشاغبة التي فرضت نفسها وسيطرتها عليهم جميعًا، ليصبح حبها فرضًا عليهم جميعًا. ولكن لكل منهم طريقته الخاصة في حبها. ها هو الجبل الراسخ يتساقط أرضًا كالفتات. جثا أمامها على ركبتيه وهو يقول مواسيًا:
-اهدي يا أروى، اهدي يا حبيبتي. هذه المرة جعلت تضرب على وجهها بتتابع شديد، هادرة في تيه: -أنا هادية أهو، أنا هادية خالص أهو، قلتوا متعيطيش وأنا مش بعيط أهو، أنا ساكتة أهو، هكتم نفسي خالص أهو ومش هنطق، بس أنا عايزة ماما، أنا عايزة ماما، هاتوا لي ماما، أنا عايزة ماما يا باسل، عايزة ماما يا خالي، عايزة ماما يا عمتي. عايزة ماما يا ناس!!!! انهمرت الدموع مرة أخرى.
ليرافقها باسل الذي عانقها بين ذراعيه وكأنه يرغب في إخفائها عن الحزن. لكن لا مفر، لا شيء سيعوضها خسارة والدتها. لا شيء يلاشي الانكسار، ولا شيء يخفف اعتصار قلبها ألمًا. انفردت بنفسها في تلك الغرفة الخاصة بوالدتها. وقد امتنعت مؤخرًا عن الالتقاء بأي أحد كان. حتى باسل كان يذهب يوميًا لرؤيتها لكنها كانت ترفض مقابلته. فكان يجلس خلف الباب ويوافيها بأخبار القصر والشركة.
حتى أنه من أحضر لها نتيجتها في الامتحان النهائي وبالرغم من حصادها لعلامات مرتفعة. وقد حققت هدفها الدراسي إلا أنها لم تشعر بذرة واحدة من السعادة. وكان باسل قد تجنب الحديث مع والدته إلا للضرورة القصوى. فهو الآن يعتبر نفسه الحارس الخاص بأفراد عائلته. تحسنت العلاقة بينهم جميعًا في الفترة الأخيرة. وقد جاءت إليهم داليا والدة حسام حيث كانت أروى قد أقنعتها بالعودة قبل حادث وفاة والدته.
كانت تلك العلاقة التي تتوطد يومًا بعد يوم بين الأحفاد، بمثابة الخطر الذي يهدد سميرة وسلطتها على باسل الذي بات يشعرها وكأنه يعاقبها على ما فعلت. بمرور أسبوعين كانت دينا تصغي جيدًا لإرشادات فارس. حتى أنها قد حصّلت كم كبيرة من أمور الدين. وباتت تتقرب إلى شقيقتها. كما أنها قد وضعت خطة لتجعل أميرة ترتد إلى صوابها. حيث أقنعتها بأن تذهب معها لحضور بعض الدروس الدينية في المسجد كل جمعة من الأسبوع.
وكان حقًا أنها وافقت على طلبها حيث أنبأتها دينا أن ذلك قد يؤثر على علاقتها بفارس الذي يهتم كثيرًا بأمور الدين. ولذلك لم تمانع أميرة في إظهار اهتمامها بالدين من أجل المصاهرة مع عائلة المعز. خرجن لتوهن من المسجد. لتنظر دينا إلى والدتها شاردة الذهن، وكأن ما قاله الشيخ يتردد في أذنها. فابتسمت دينا وهي ترى هدفها يقترب إليها. وأضافت شقيقتها: -الشيخ دا كلامه حلو أوي يا دينا.
أنا هاجي معاكم كل مرة، أنا كنت حاسة براحة نفسية كبيرة أوي وأنا بسمع كلامه عن الجنة وعن ربنا. ابتسمت لها دينا وقالت: -خلاص بعد كده إن شاء الله سوا مش هاجي من غيركم. في هذه اللحظة مرت خلود من أمامهن وبرفقتها ذلك الشاب الذي كان على علاقة بدينا. كان قد تجاوزها وهو يتحدث مع تلك خلود التي تتأبط ذراعه. تراجع في خطواته وهو يطالع دينا قائلًا بسخرية: -إيه ده! دينا قلبتي شيخة كده إمتى؟ هنا انتبهت إليه أميرة لتجيب بحدة:
-وأنت مالك! تعرف دينا منين أصلًا عشان تتكلم معاها كده!؟ أجاب الشاب ساخرًا: -أعرفها منين! دي عشرة شهور كتير دي، ده إحنا كنا متفقين على جواز. بس أنا شفت شوفة تانية أحسن منها. أصل مبحبش الحاجة الرخيصة. طأطأت دينا رأسها. كانت تشعر بالحرج والنفور من نفسها وتصرفاتها السلبية التي تضعها الآن في هذا الموقف. وتجعل من شخص معتوه، أبله، نكرة لا يعترف به بين الرجال، يقف الآن ويسخر منها. لم تكن إحداهن بحاجة للرد عليه.
حيث تناهى إلى سمعهم جميعًا، ذلك الصوت الجهوري الصارم: -ارفعي راسك يا دينا. كان ذلك الصوت الذي يملكه فارس. فقد طل من خلفهن بهيبته وشموخه وعنجهته التي لا يظهرها إلا في وقت الحاجة إليها. أكمل حديثه آمرًا الشاب بلهجة حادة: -اعتذر منها. سأله الشاب مستغربًا: -أنت مين؟ رد عليه فارس بجدية: -آه نسيت أعرفك بنفسي، أنا فارس المعز. تسمع عن عائلة المعز؟؟ أومأ الشاب بخفة. فيمد فارس يده إليه، ف أوشك الشاب على مصافحته.
ولكن باغته فارس وهو يسحب يده قائلًا بسخرية: -معلش مش بسلم على بنات. الشاب بغيظ: -احترم نفسك، مش معنى إنك من عيلة غنية ومعروفة يبقى تتصرف كده! فارس بهدوء: -ولا معنى إنك مراهق طايش وفاشل، إنك تمشي تتفاخر بارتكاب الأخطاء وإنك تعرف بنات. يعني مش محترم وكمان بجح!!! كاد أن ينفعل عليه الشاب. ولكن منعه فارس قائلًا: -من غير كلام كتير، اعتذر وامشي. الشاب بعناد: -ولو معتذرتش؟؟ اصطنع فارس نبرة شيطانية ليقول بتوعد:
-والله يبقى أنت الجاني على نفسك. وزي ما أنت عارفة أنا غني وعندي معارف كتير يعني مش هاخد فيك ثانية سجن لو مسكتك دلوقتي وعدمتك العافية. بدا عليه التوتر. فبالرغم من كونه طائش لا يأبه لأحد، إلا أنه يبقى جبانًا ويخشى آلام الضرب كثيرًا. فقال بتلعثم: -أنا آسف يا دينا، مش هعمل حاجة تضايقك تاني. استدار كي يغادر. ولكن أوقفه فارس قائلًا: -على فكرة دينا مش رخيصة، أنت اللي عشان من غيرها رخيص، فشوفتها زيك.
لكن في الحقيقة هي أغلى وأنضف منك ومن اللي شبهك. هي من أنقي البنات وألطفهم وبسبب كده هي ممكن تكون حاولت تعلي من شأن واحد زيك. لكن الرخيص هيفضل طول عمره رخيص بدليل اللي أنت بتعمله دلوقتي بترتبط بأي بنت وخلاص. المفروض تحمد ربنا إنك في يوم من الأيام عرفت دينا. وهي تحمد ربنا عشان نجدها منك. على صعيد آخر، قد ذهب باسل لرؤية أروى. التي أخيرًا قد ثارت على حزنها وانعزالها وقررت العودة لساحة القتال من أجل الانتقام.
وهذه المرة كانت تنوي إنهاء الأمر في أسرع ما يمكن. خرجت من غرفتها تزامنًا مع قول باسل: -عايز أشوف أروى وأتكلم معاها. كادت عمتها أن تجيبه. ولكن سبقتها أروى التي قالت بنبو وقساوة: -وأروى ولا عايزة تتكلم معاك ولا عايزة تشوفك. التفتوا إليها. لتسألها عمتها: -أنتي خارجة؟؟ تغاضت عن إجابة عمتها. وحادثت باسل بوجه متجهم: -أنت لسه هنا ليه؟ مسمعتش كلامي!!! كان يعلم أنها لا تبرئه من ذنوب أمه.
ولكنه لم يعتقد أن تكون بتلك القسوة معه بعد وفاة أمها. وتحديدًا أنه قد أخبرها بمشاعره ولم يتخل عنها في وفاة أمها وحاول جاهدًا أن يبقى بجوارها. تشدق مردفًا برجاء: -خلينا نتكلم شوية! صاحت في وجهه بصرامة: -بقولك امشي من هنا، دمرت حياتي أنت وأمك ولك عين تيجي هنا! لك عين تتكلم معايا لسه! امشي من هنا ومتجيش تاني، مبقتش عايزة أشوفك. أُقحمت عمتها في الحوار وزجرتها قائلة:
-احترمي نفسك يا أروى، باسل ملهوش علاقة باللي عملته والدته. كتر خيره واقف معاكي ومش عايز يسيبك لحزنك؟ متخليش الانتقام يعني عيونك عن حقيقة إن باسل مظلوم زيه زيك بل يمكن أكتر كمان. أجفلت أروى بعينيها وقالت بترقب: -هصدق معاكي إن باسل مظلوم. هل عندك استعداد تساعدني انتقم من أمك؟؟ بما إنك مظلوم مش عايز تاخد حقك من اللي ظلمك؟؟ يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!