الفصل 16 | من 23 فصل

رواية أحفاد المعز الفصل السادس عشر 16 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
20
كلمة
4,324
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي، كان باسل قد تأهب للذهاب إلى العمل. بينما هو يعبر أمام غرفة والدته، إذا به يسمعها تقول بصرامة وغضب: -لو أروى حاولت تعرف منك أي حاجة بخصوص قضية مدحت، اكذب عليها وقول أي حوار، المهم يكون مدحت هو الغلطان في نظرها. أوعى تأكد لها إننا غلطانين حتى لو كانت دي الحقيقة. -طب ما هي ممكن تدور ورايا وتعرف الحقيقة. اللي يخليها لسه بتفكر في الموضوع ده لحد دلوقتي يبقى مش هتستسلم غير لما تعرف الحقيقة.

-يبقى ساعتها بقى نتخلص منها. لم تكن تلك الكلمات والأفعال الشائنة كافية ليتلقى صدمة جديدة، فقد اعتاد الأمر من والدته الملاك الزائف، والزاحف سعيًا للمال والسلطة، وكأنها ترغب في امتلاك العالم أجمع.

أجفل بعينيه قبل أن يتصنع القوة والجدية كعادته، ثم خطا إليها بخطوات ثابتة. قد تناهت إلى سمعها، لتُصعق هي بوجوده. وكسا الزعر قسمات وجهها، وسرعان ما أنهت المكالمة دون سابق إنذار للطرف الآخر. تلعثمت شفتيها، وولّت الكلمات هاربة، لتتشابه بطفل صغير يتعلم النطق لأول مرة. وبدأت تتصبب عرقًا، ويراودها شعور وكأن الغرفة تضيق مطبقة على أنفاسها.

ولكن لم يدم حالها كثيرًا، حيث أسعفها باسل وأنعشت رئتاها بهواء يخلوه المشاحنات والاتهام. فنطق باسل عافيًا عنها: -مفيش داعي تتوتري يا أمي. اتسعت حدقتاها وهي تطالعه في صمت. فأكمل باسل موضحًا: -أنا عارف إن اللي حصل في الماضي ده كان غلط، بس مش هقدر أزعل منك أكتر من كده عشان أنتِ أمي، ومفيش عندي حد أغلى منك. وعشان كده أنا مش هتخلى عنك، ومش هسيب أروى تنتصر عليكي. ومش عايزك تقلقي من أي حاجة وأنا موجود يا أمي..... أنا هتصرف.

ابتسمت باسترخاء وهي تداعب خصلات شعره الحريري كما اعتادت أن تفعل، وقالت: -كنت متأكدة إن تربيتي وتعبّي مش هيروحوا على الأرض. ابتسم لها بدوره، ومنحها عناقًا طويلًا وكأنه يودعها. وما كاد يبتعد عنها حتى سألته بجدية: -طب وهتعمل إيه دلوقتي؟ أجابها بغموض لم تفهمه: -طالما أروى سافرت تدور على الحقيقة في الكويت، اطلبي من المحامي ينزل مصر. -طب ما ساعتها أروى هتنزل مصر لما هتعرف، وبرضو هتدور عليه، وكده معملناش حاجة.

-ما انتِ اطلبي منه يسيب الأدلة اللي معاه هناك، وخلوها تعرف بأي طريقة إنه نزل مصر وهي تنزل وراه وتدور على قد ما تدور مش هتلاقي دليل معاه. ران عليهم صمت ثقيل، كانت فيه سميرة تفكر في اقتراح ابنها. ليسألها باسل بفضول: -بس ليه يا أمي محتفظة بالأدلة دي، ليه مش بتخلصي منهم؟ تأففت سميرة وأجابت:

-زهقت في المحامي وأنا بقوله يحرقهم ويخلص منهم، بس هو مش بيسمع مني. بس كمان ساعات مش بشغل بالي، أصل المحامي ده كلب فلوس، فأكتر حاجة ممكن يضرني بيها إنه يطلب مني فلوس، وأنت عارف الخزنة مليانة فمفيش مشكلة بالنسبة للفلوس. -طيب أنا عندي سؤال يا أمي. -إيه يا حبيبي؟

-إحنا زي ما بتقولي معانا فلوس كتير، شركات الاستيراد بتاعة بابا والشركة اللي جدي كتبها باسمه، ده غير ميراثنا من شركات جدي، وكمان شركات الأدوية اللي بابا فتحها باسمك في الكويت، يعني معانا فلوس كتير. إيه بقى أصل المشكلة اللي بينك وبين مدحت صفوان؟ انتبهت سميرة إلى باب غرفتها الذي قد نسيته مفتوحًا على مصراعيه، فأسرعت وأغلقته واقتربت مجددًا من باسل وبدأت تسرد له ما حدث في الماضي لتبدأ الحديث قائلة:

-أنا ومدحت المشكلة بينا مكنتش مشكلة فلوس أبدًا، دي كانت آخر حاجة هو عايزها، وكانت أول حاجة أنا مستعدة أضحي بيها عشان آخد منه الوصفة الطبية.

مدحت كان دكتور شاطر وقدر من كتر الأبحاث اللي عملها واجتهاده في مجال الأدوية إنه يوصل لعلاج لمرض السرطان. وطبعًا أنت عارف إن المرض ده علاجه متعب ومكلف قد إيه. والوصفة بتاعة مدحت دي كانت هتعمل نقلة طبية في علاج الكانسر، عشان كده أنا لما عرفت كنت عايزة أشتري منه الوصفة وتتسجل باسمي، لأن دي حاجة عظيمة كانت هترفع شأني في العالم كله، وكنت على أتم الاستعداد إني أتنازل حتى عن كل أملاكي في مقابل انساب الوصفة ليا، لأن وجود الوصفة معايا ده لوحده ضامن لعشرات أضعاف الأملاك اللي معايا، بالإضافة للشهرة والسمعة.

ولما عرضت على مدحت إني أشتريها رفض بشدة، فقررت أنسبه، وساعتها كنت متأكدة إنه عشان خاطر بنته ممكن يعمل أي حاجة. وعشان كده طلبت منك تتجوزها، وبعدها مباشرة طلبت منك تنزل مصر عشان ابتز مدحت بأنه إزاي واحد يسيب عروسته يوم دخلتهم الفجر إلا إذا كان فيها مشكلة. يعني تقدر تقول لعبت على حتة الشرف والسمعة، وساعتها بكل بساطة وافق يبيع لي الوصفة.

بس الوصفة باظت بسببي لأني لعبت في مقدار وكميات مواد العلاج، والناس اللي كانوا تحت التجربة في شركتي ماتوا. ولما أهاليهم رفعوا قضية، أنا فورًا اتهمت مدحت، وخصوصًا إن مكنش حد في الشركة يعرف الوصفة تبع دكتور مين، غير واحد بس قدرت أشتري سكوته بالفلوس. سألها باسل بترقب: -هي الأدلة دي عبارة عن إيه؟ أجابته ببسمة خبيثة:

-العقد اللي كان بيني وبين مدحت كان بيقول إن الوصفة باسمي، وما هو إلا دكتور شغال حسب إرشاداتي لتصنيع كميات من العلاج. وقبل العقد ده كان في عقد تاني بيقول إن الوصفة الطبية هي اختراعه الأصلي والشركة بتاعتي هتبني الفكرة وتساعده على إنشاء العلاج. -يعني بعد فشل التجربة أنتِ يا ماما استخدمتي العقد الأول ضد دكتور مدحت وأخفيتي العقد التاني. أومأت سميرة برأسها، فأكمل باسل قائلاً: -بس شركتك برضو كده ساهمت في الضرر.

-بالفعل شركتنا في الكويت دفعت تعويض كبير لأهالي الناس، بس كان في بنود تانية في العقد الأول تعفي الشركة من أي خطأ ممكن يحصل وإن مدحت هو المسؤول. بس تقدر تقول عشان نثبت حسن النية أنا دفعت تعويض للناس عشان صورتي ما تتهزش. *** دلف باسل إلى مقر شركة المُعز، ليستقبله حسام راكضًا نحوه، ليلتقط أنفاسه قائلًا: -إيه يا عم برن عليك بقالي ساعة مش بترد ليه؟ أجابه باسل بنبرة صارمة: -بترن ليه؟ خير! سأله حسام باهتمام: -مالك أنت كمان؟

في حاجة مزعلاك؟ مضايقة من حاجة؟ أجابه باسل باقتضاب: -لأ مش زعلان ولا مضايق. سأله حسام مجددًا: -بجد كويس؟ لو في حاجة عرفني والله ما هسيبك غير لما مشكلتك تتحل حتى لو فيها موتي. طالعه باسل بذهن شارد، وهو يندم على إصغائه لسميرة في تلك السنوات الماضية، وكيف كان يتعامل مع أولاد أعمامه. فأطلق زفرة قوية وهو يبتسم بود ويقول: -متقلقش يا معلم، لو في حاجة هقولك، بس والله أنا دلوقتي زي الفل. قولي بقى فيه إيه؟

-مش عارف المتر رمزي عايزنا إحنا التلاتة ضروري دلوقتي. سار جنبًا إلى جنب حتى وصل إلى رمزي، حيثما يقابله فارس جالسًا على إحدى المقاعد الجلدية ليجاوره حسام، ومن بعده باسل الذي بادر بالحديث قائلًا: -خير يا أستاذ رمزي؟ تحدث رمزي بعملية وقال: -خير يا باسل، أنا جمعتكم عشان تمضوا على أوراق استلام الأملاك اللي سابها المرحوم جدكم. تدافع حسام قائلًا: -لأ مش عايزين حاجة، إحنا تمام كده. أضاف فارس قائلًا:

-هي مش الأملاك أصلاً باسم أروى؟ أجاب رمزي موضحًا: -أروى تنازلت عن كل حاجة، ناقص إمضتكم والتسجيل في الشهر العقاري. قال فارس وهو ينقل نظره بين الجميع: -أعتقد إن دلوقتي فعلاً معايا أملاكي الحقيقية. خلي الأملاك لأروى، أنا خايف نتفرق تاني. أماء حسام برأسه مؤيدًا، وقال: -أنا مع فارس، أنا مش عايز أملاك باسمي، خلينا كده زي ما إحنا. نظروا جميعًا إلى باسل، فابتسم قائلًا:

-ولا أنا عايز ورث الفلوس، كفاية عليّ أولاد عمي ولمتنا في قصر العيلة. ابتسم لهم رمزي قائلًا بإصرار: -وعشان كلامكم ده يبقى لازم تمضوا حالًا. أعتقد إن أروى نجحت في لم الشمل، كفاية عليها تشيل المسؤولية لحد كده. استلموا اللي يخصكم وخلیکم مع بعض زي ما أنتم، ودي كانت أمنية جدكم. رد عليه باسل قائلًا بجدية:

-اركن موضوع الوصية ده على جنب عشان أنا عايز أتكلم معاكم في موضوع تاني أهم بكتير من أملاك المُعز، ولازم قبل ما النهارده يخلص أكون رديت أروى على ذمتي. *** انتقل كل من الأحفاد إلى مكتبه ليكمل دوره في العمل، ولكن لكل منهم ثورة عارمة بين قلبه وعقله. فالجميع قد سقطوا بغتة ضحية للحب، رغمًا عن أنفهم. غافلة قلوبهم عن آلام الحب وخلافاته، وآلام البعد فيه واشتياقه.

كان فارس مائلًا برأسه للأمام، ليستند بجبهته على إحدى ملفات العمل، حينما جاء إليه حسام قائلًا بمرح: -أنت نعسان ولا إيه يا فارس؟ أجلك وقت تاني طيب. شرع «فارس» رأسه وقال متأففًا: -ورحمة أبوك يا حسام مش وقتك. -مالك يا معلم؟ أنت تعبان ولا إيه؟ زفر «فارس» قائلًا بحيرة: -لأ مش تعبان. سأله حسام بترقب: -آمال مالك؟ -مش عارف، أول مرة أكون مش قادر أحدد أنا عايز إيه! أردف «حسام» بجدية: -تقصد موضوع باسل والعقربة أمه.

غرب «فارس» بعينه بعيدًا قبل أن يرمقه بنظراته ويقول: -بلاش تغلط فيها بقى مش عايزين ذنوب. وبعدين باسل معاه حق وأنا أكيد مش هتخلى عنه. وطالما هو محتاجنا معاه فأنا أكيد عمري ما أسيبه في ظرف زي ده. -معاك حق، بس إيه اللي مخليك مش على بعضك كده؟ لحظة قد لحقت بأخرى، قبل أن ينهي فارس تردده، ويقرر البوح بما يشغله قائلًا: -الموضوع يخص بنت. سأله «حسام» باهتمام بالغ: -بنت مين؟ ومالها؟ معقول فداء؟ هز «فارس» رأسه نفيًا وقال سريعًا:

-لأ يا عم فداء إيه؟ هتف حسام متذكرًا: -يبقى أكيد دينا، صح؟ زجره فارس قائلًا: -ما تقوم تقول في الشركة كلها! ضحك حسام بخفة وقال: -معلش بس حماس التخمين أخدني. مالها بقى؟ -نقلت مع والدتها وأختها لمحافظة تانية. ضيق حسام حدقتيه، ونطق بشك أقرب لليقين: -وأنت طبعًا الموضوع مزعلك عشان بتحبها! حمحم فارس قائلًا بارتباك: -لأ يا عم حب إيه! دي مجرد طالبة عندي، وكده كده......... كانت حصة ومكنتش هشوفها تاني. قال حسام ساخرًا:

-واضح فعلاً إنها مجرد طالبة، عشان كده قلبت كيانك لمجرد إنك مش هتشوفها تاني! هتف فارس بفزع واضح: -هو أنا كده بجد خلاص مش هشوفها تاني؟! -ده يعتمد عليك بقى، عايز تشوفها أو مش عايز، كل ده محتاج خطوة واحدة. -أتقدم لها؟ قهقه حسام عاليًا، ثم قال وهو يضرب على كفيه: -تتقدم؟ ده أنت يا معلم مش بتحبها! ده أنت واقع من الدور المليون في حبها! قال فارس بنبرة حائرة: -ماشي بحبها كويس كده؟ بس كمان أنا معرفش مشاعرها إيه!

وكمان فرق السن، أنا في نظرها مدرس مش أكتر. -بالنسبة لفرق السن بينكم مش كبير، ده حوالي تمن سنين، يعني مقبول. وبالنسبة لمشاعرها ف لازم تسألها وتعرف منها هي، وبلاش تفترض عنها الرد اللي هتقوله أو هي شايفاك إزاي. طالما أنت بتحبها يبقى فعلاً اتقدم لها. -أيوه بس هي لسه بتدرس، وأكيد مش هتوافق دلوقتي.

-والله نشوف ردها الأول يا فارس، وبعدين يا سيدي سهلة لو هي موافقة عليك كـ فارس والدراسة عقبة، اخطبها سنتين يا سيدي على ما تخلص تالتة ثانوي وتاخد سنة في كليتها كمان. تأفف فارس مستغفرًا وهو يقول: -قوم شوف شغلك نبقى نتكلم في الموضوع ده بعدين. ***

كان حسام عائدًا من عمله، وقبل أن يصعد إلى غرفته أوقفه ذلك الصوت القادم من صالة الجلوس، فرجع خطوتين إلى الوراء ليقع نظره على ابنة عمه التي باتت تشغل عقله مؤخرًا، وترافقها تلك الفتاة التي قد ذهب لخطبتها ليلة أمس. فإذا بها تقول بحماس شديد: -بالله عليكي يا فداء توافقي، ده أمير ده صاحب خطيبي المقرب، فلو وافقتي كده نبقى اتجوزنا اتنين صحاب زي ما كنا عايزين. أجابت فداء بنبرة هادئة:

-والله أنا مقدرش أتصرف في موضوع زي ده لوحدي، لازم رأي ماما وفارس والأهم من كده إني أرتاح وأصلي استخارة. رمقتها صديقتها بنظرة مترقبة وسألتها: -يعني أفهم من كده إنك موافقة مبدئيًا على الخطوبة. أومأت لها «فداء» وقالت: -والله لو شاب كويس والنصيب رايد يبقى أنا مش هعترض. -أنا أضمنلك إنه شاب كويس ومحترم جدًا، حتى أفضل من عماد والله. شوفي عيلتك ولو كده أمير ييجي يتقدم. ماذا؟

هل هما تتحدثان الآن بشأن خطوبة ابنة عمه من رجل آخر!!! شيء ما لا يعرف ماهيته جعل قلبه يخفق بعنف، وكأنه يعترض على تلك الفكرة التي يرفضها عقله أيضًا. وكأن بزواجها من شخص ما قد تُسحب منه ملكيته لشيء لن يقدر على العيش بدونه. إنها حقًا فكرة من الصعب بل من المستحيل تقبلها. انتبه إلى تلك التي تحدثت إليه قائلة: -كويس إنك رجعت يا أستاذ حسام، عندي ليك عرض تحفة أنت كمان. رد عليها «حسام» بنبرة ساخرة: -عرض! أنتي فاتحة محل ولا إيه!

ضحكت الفتاة ثم قالت: -أيوه عندنا محل أجهزة كهربائية، ولو أنت وفداء وافقتم على كلامي ليكم مني غسالة هدية. تابع «حسام» وهو يتقدم إليهما: -لأ عرض مغري فعلاً. عيلة المُعز بجلالة قدرها مضطرة تقبل عرض عشان تاخد غسالة مجانًا!!!!! ضحكت فداء لتشارك في الحديث قائلة: -والله قلت لها إنك مش هتوافق بس هي مصممة. أشار إليها «حسام» قائلًا بمرح: -استني بس دي بتقولك غسالة، اتفضلي يا آنسة كملي. استرسلت الفتاة قائلة:

-بس يا أستاذ حسام، من غير لف ولا دوران أنا عندي ليك عروسة. ردد «حسام» قائلًا: -عروسة!!! أكملت الفتاة وهي تعد على أصابعها: -أيوه عروسة، أدب تلاقي، أخلاق تلاقي، تعليم تلاقي، جمال تلاقي. شوف أي حاجة أنت عايزها هتلاقيها فيها. سألها «حسام»: -أي حاجة أي حاجة؟ أومأت برأسها وقالت: -أي حاجة. ضحك «حسام» قائلًا: -يعني بتعرف ترقص؟ صرخت فداء باسمه وقالت: -حسام! مش للدرجة دي، نحترم نفسنا شوية. قال «حسام» بتراجع: -آسف. آسف.

ضحكت صديقتها وقالت: -مدربة رقص مش بس بتعرف. قهقه «حسام» بشدة لتزداد وسامته أضعافًا، ثم صمت تنهد واضعًا يديه في جيب بنطاله كأنه يفكر، لتنطق الفتاة مشجعة: -افتكر الغسالة، وعلى فكرة واحدة ليك وواحدة عشان فداء. علت ضحكته مرة أخرى، وهذه المرة شاركته فداء التي كانت تحرك رأسها بيأس، ثم نطق «حسام» قائلًا: -هو عرض حلو وكل حاجة بس هعمل إيه مليش في الطيب نصيب، أنا متنازل عن الغسالة بتاعتي شوفي حد تاني ياخدها.

أنهى حواره وتوجه إلى غرفته في الطابق العلوي. كانوا جميعًا حاضرين على طاولة العشاء، في جوٍ من المشاحنات، فكان الصمت يخيم عليهم بسبب تلك سميرة التي تفرض نفسها عليهم ولا أحد لديه القدرة لطردها خوفًا على مشاعر باسل. قطعت «وفاء» ذلك الصمت وقالت: -فداء جايلها عريس يا جماعة، شاب كويس بس أنا قلت أشوف رأيكم قبل ما أرد على الجماعة.

انتبهوا لها جميعًا، وتحديدًا حسام الذي ترك ملعقته ورمق فداء بنظرة مترقبة، في حين سأل «فارس» قائلًا: -مين يا ماما؟ حد نعرفه؟ أجابته «وفاء»: -أيوه يا فارس، والدة عماد كلمتني النهارده وعايزاهم يرجعوا تاني. تدخلت داليا والدة «حسام» وسألت: -يرجعوا تاني! هما كانوا مخطوبين قبل كده؟ أجابها «فارس»: -أيوه كان فيه قراءة فاتحة وبعدين انفصلوا. تدخلت «سميرة» قائلة بتهكم:

-أنا شايفة جـوزيها بسرعة لأن محدش هيبقى عايز يتجوز واحدة أنتِ أمها. ده اللي أنا شايفاه وأهو نصحتك. ردت عليها «داليا» بنبرة غاضبة: -محدش أخد رأيك فخلي نصيحتك لنفسك لأنك أصلاً مبتشوفيش. وجهت «وفاء» سؤالها إلى باسل قائلة: -إيه رأيك يا «باسل»؟ نعطي الموضوع فرصة؟ تحدث «باسل» بنبرة باردة وقال: -دي حاجة تخصك أنتِ وعيالك مليش دعوة، وحضرتك بعد كده اتكلمي مع أمي بطريقة كويسة عشان أنا غضبي وحش.

كانت جملته الأخيرة موجهة إلى «داليا» التي لم تكن أقل صدمة من «وفاء» وابنتها، فهو أكثر احترامًا من ذلك وخصوصًا في الآونة الأخيرة. تفرق كل منهم إلى غرفته دون أن يتخذوا قرارًا حاسمًا فيما يخص «فداء». كان يجوب غرفته ذهابًا وإيابًا، تلاطمت الأفكار في رأسه، يضج قلبه بأسئلة لا جواب لها. لا يعلم لماذا تخنقه فكرة زواجها، وكأن تلك الفكرة تسحب الأكسجين من حوله. لماذا عليها أن تتزوج الآن؟ لماذا لا يتقبل ذلك الأمر؟

رغبة شديدة وإلحاح قاتل يطلب منه الذهاب إليها وإجبارها على رفض كلا الشابين، لكنه لا يملك الحق ليفعل ما يمليه عليه عقله. من يكون هو ليفرض رأيه على الجميع؟ فهي لا تراه سوى ابن عمها. ماذا يراها هو؟ طُرح عليه هذا السؤال من قبل عقله، فلم يجد إجابة تناسب وضعه إلا أنه يرغب في الزواج بها. إذن يراها كزوجة، يراها كحبيبة له. إذن..... فاستنتاجه الأخير هو أنه...... قد سقط أسيرًا لحبها.

قرر عقله أخيرًا أن يضع حدًا لحيرته عندما سأله عن «ميار». وهنا كانت إجابة القلب واضحة. فمن هي ميار؟ أهي تلك الفتاة التي لا يتذكر متى المرة الأخيرة التي التقى بها! أم هي تلك الفتاة لم تعد تشغل عقله مؤخرًا، من هي «ميار»؟ هي فقط ابنة خاله ولم يعد يراها غير ذلك. وأجزم قلبه للتو أنه لن يرى سوى «فداء»، ولن تسكن قلبه فتاة غيرها بعد اليوم.

تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وبالرغم من إجهاده في العمل إلا أنه لا يستطيع النوم. قد سبق وتمدد على فراشه بعدما أطفأ الإنارة، وأغمض عينيه التي تحولت إلى شاشة عرض مباشر تجعل صورتها وكل المواقف التي جمعته بها حية أمامه. يشتاق إليها بطريقة جعلته يستغرب من نفسه. متى قد وصل به العشق إلى تلك المرحلة!

ولكن لنكن صادقين، هو لا يشتاق إليها ندمًا فقط، وإنما تملكته بعض المشاعر، يشتاق إلى صوتها وضحكاتها، وحديثها الساخر الذي لا يخلو من المشاكسة. يغلبه الشوق إليها. يتمنى لو يمكنه الآن سحبها إلى أحضانه، ليطمئنها ويطمئن بها. لديه اعتذار حاضر وعليها سماعه. عليه الثأر لها ولذاته. عليه البوح بمشاعره لها. عليه أن يحميها، فهو يخشى عليها كثيرًا من والدته.

انتفض باسل جالسًا، ثم سحب هاتفه من الجوار، بحث عن رقم الهاتف الخاص بها، وقرر أن يراسلها على الواتساب فهو لا يملك رقمها الكويتي ليتصل بها. بعث إليها برسالة محتواها كالتالي: "وحشتيني يا أروى، ممكن تعطي بيسو فرصة؟ بالرغم من أن رسالته قد وصلت إليها، إلا أنه لم يأته ردٌ منها. وضع هاتفه أمامه مباشرة وهو يدعو بصوت خافت أن ترضى عنه وتمنحه فرصة جديدة. ولكن خاب ظنه مجددًا،

فبعث إليها برسالة محتواها: "طمنيني عليكي طيب، أنا قلقان عليكي." هذه المرة ظهرت لديه علامة القراءة، فتهللت أساريره، وتحفزت جميع حواسه لاستلام ردها، ولكن لم تدم سعادته كثيرًا، عندما وصلته رسالة تحمل إليه تحقيق مخاوفه، حيث كانت الرسالة كالتالي: "أروى في المستشفى بعد تعرضها للاغتيال".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...