عامل إيه يا بيسو؟ أجفل بعينه قبل أن ينظر إليها قائلاً بضيق: –بلا بيسو بلا زفت، اخلصي وقولي عايزة إيه؟ تعمدت إثارة سخطه عليها فقالت: –جاية أشوف حفيدي «بيسو»، هكون جاية ليه! اضطك بأسنانه قبل أن يصرخ في وجهها قائلاً: –انجزي يا بت عايزة إيه؟ لن تنكر أنها قد ارتعبت من هيئته الغاضبة وصوته الساخط، ولكن بالرغم من ذلك فقد أجادت تصنع القوة واللامبالاة، حيث تلفظت ببسمة زائفة: –جبتلك معايا هدية.
قالت جملتها تزامنًا مع إخراجها لعلبة قطيفة باللون الأحمر، تشبه تلك الخاصة بالخواتم ولكنها أكبر منها حجمًا، فأردف «باسل» ساخرًا: –لتكوني هتطلبي مني الزواج! شهقت بفزع مصطنع وقالت بنفور: –الله أكبر، الشر بره وبعيد، مش لاقية إلا أنت ولا إيه! تفرس في وجهها قائلاً بغموض: –هو فعلاً شر بس مش ليكي، دا ليا. تغاضت عن ما يرمي إليه، وتحدثت وهي تدفع صوبه تلك الهدية: –افتح بس وشوف فيها إيه. دفعها بدوره إليها قائلاً:
–خدي هديتك وغوري من هنا، أنا عندي شغل ومش ناقص وجع دماغ. رفعت كتفيها بعدم اكتراث ونهضت قائلة: –خلاص براحتك، هسيبك تكمل شغلك والهدية عندك اهي يا… بيسو. نطقت بكلمتها الأخيرة، وفرت هاربة من أمامه، فسرعان ما كانت تتنفس الصعداء بعدما أوصدت الباب مع خروجها، ثم وضعت يدها على صدرها وهمست: –أنا لو في حرب مش هخاف زي ما أنا خايفة من «باسل» كدا.
بعدما ذهب «فارس» إلى والدته واطمئن عليها، ترك برفقتها «أروى» التي أصرت على البقاء كي لا تبقى «فداء» وحيدة برفقة أمها، ثم توجه إلى مركز الدروس الخصوصية، الذي قد ذهب إليه في اليوم السابق.
بمرور الوقت كان قد انتهى من شرح الجزئية المقررة لهذا اليوم، وخرج الجميع باستثناء «دينا» تلك الطالبة التي لفتت نظره بجرأتها في يومه الأول، سارت نحوه بخطوات ثابتة وعيناها لا تفارق النظر إليه، في حين أنه كان يطالع شاشة الشرح كي لا يقع نظره عليها ويراها بتلك الملابس التي تظهر ساقيها وذراعيها وشعرها المنسدل على ظهرها. ابتسم بلطف عندما جاءت إليه، ورجع خطوتين إلى الوراء محافظًا على وجود مسافة بينهما، ثم سألها بهدوء:
–في حاجة مش مفهومة؟ استغربت طريقته الغريبة بالنسبة لها، حيث أنه يتحدث إليها وبالرغم من ذلك لا ينظر إليها، لكنها تغاضت عن ذلك وأجابته بجدية: –أيوه، محتاجة مساعدة حضرتك في شوية أسئلة كدا مش عارفة أحلهم من الحصة اللي فاتت. –تمام، اتفضلي اقعدي وأنا هشرحلك حلهم.
تركت له الكتاب وعادت لتجلس في المقعد الأول، وبدأ هو يشرح لها كيفية حل المسائل، وكان يستعلم عن فهمها لشرحه دون النظر إليها، فاستغرق الأمر منهما ثلاثين دقيقة حتى فهمت ما أرادته. لملمت ما يخصها داخل حقيبة الظهر الخاصة بها، ثم أخرجت هاتفًا خلويًا وتحركت إلى «فارس» مرة أخرى، لتأخذ كتابها وتضع أمامه الهاتف قائلة: –الفون ده لقيته هنا المرة اللي فاتت، وحاولت افتحه بس تقريبًا فاصل شحن، فلو ممكن بقى حضرتك يا مستر تسأل عليه.
عندما وقعت عينه على الهاتف، حمله تلقائيًا وقال متفحصًا إياه: –دا فوني، أنا فعلاً بدور عليه من امبارح. أردفت بصدق: –أنا والله ما كنت أعرف إنه بتاع حضرتك، أنا بحسبه واقع من طالب، وقولت هعطيه لمستر الفيزيا بس حصل ظرف ومشيت ونسيت الفون معايا في الشنطة. ابتسم لها قائلاً بامتنان: –جزاكي الله كل خير يا… اسمك إيه؟ –دينا، اسمي دينا. اتسعت ابتسامته وأعاد قوله: –شكرًا يا دينا، جزاكي الله كل خير. ابتسمت بدورها وقالت:
–العفو يا مستر… وشكرًا لحضرتك واعذرني لو عطلت حضرتك. –ولا عطلة ولا حاجة، لو في أي حاجة واقفة معاكي عرفيني علطول. –تمام يا مستر، همشي أنا بقى. تركته وغادرت مباشرة إلى منزلها، لتلتقي بوالدتها التي باتت تكره رؤيتها لطريقتها المتعجرفة والتعامل مع بناتها وكأنهن عارضات لما تصممه من أزياء. تغاضت «دينا» عن وجودها وقصدت غرفتها مباشرة، ولكن أوقفتها والدتها والتي تدعي «أميرة» عندما صرخت بغضب: –دينا! هو أنا شفافة ولا إيه؟
التفتت إليها «دينا» بتأفف وسألتها بجفاء: –في حاجة؟ عنفتها بغضب قائلة: –احترمي نفسك وأنتي بتتكلمي معايا، إيه الأسلوب اللي بتتكلمي بيه دا؟ غرّبت بعينيها بعيدًا عنها ولم تنطق، فأردفت «أميرة» بسخط قائلة: –لو محترمتيش نفسك واتكلمتي معايا كويس عن كدا، أنا هيبقى ليا تصرف تاني معاكي، وبعد كدا اللبس اللي اختاره تلبسيه واخلعي الهلاهيل اللي لابساها دي. تلوت شفتيها ببسمة ساخرة وسألتها بحزن: –لسه في حاجة ولا أدخل أوضتي؟
–أنتي بنت مش محترمة، غوري ادخلي أوضتك. دلفت «دينا» إلى غرفتها، وتركت حقيبتها لتسقط أرضًا، ثم ألقت بنفسها على الفراش بإهمال، وذهبت في نومٍ عميق هاربةً من واقعها الذي بات يزعجها. انقضى ما يقارب الخمس ساعات وهي نائمة، واستمر ذلك حتى صدح صوت هاتفها، فتململت في نومها قبل أن تفتح عينيها وتنهض بخمول مغمغمة: –حتى النوم بقوا يزعجونا فيه! التقطت هاتفها الخلوي ولمست على شاشته، ليأتيها رد الطرف الآخر بصوت أنثوي:
–مساء الفل يا دودو، إيه مش هنخرج؟ تحدثت «دينا» بصوت ناعس: –مليش مزاج، وبعدين هنخرج نروح فين الوقت اتأخر. –اتأخر إيه يا بنتي، الساعة لسه تسعة، دا الخروج دلوقتي أحسن مليون مرة عن الصبح، شكلك كدا كنتي نايمة. –أيوه والله كنت نايمة فعلاً. –لاء قومي كدا البسي يلا وأنا هستناكي تحت البيت، اوعي تنامي تاني! –لاء خلاص نصاية كدا وهنزل، يلا سلام.
يحدث على جانب آخر، أن توقفت السيارة أمام الباب الداخلي لقصر المُعز، ثم ترجل «العم صالح» منها سريعًا وفتح الباب الخلفي لتظهر «أروى» التي خرجت أولًا ومن ثم قد ساعدت تلك السيدة التي كانت تضع يدها بخفة موضع الجرح، وانضمت إليها «فداء» التي أمسكت بوالدتها من الجهة الأخرى. استرخت «وفاء» على الفراش بمساعدة الفتاتين، فسحبت «أروى» الغطاء فوقها، ثم وجهت حديثها إلى «فداء» قائلة بود:
–الأوضة اللي جنب دي عشانك يا «فوفا» لو حابة تريحي جسمك شوية وأنا هشوف طنط «ولاء» جهزت الأكل ولا لسه. ابتسمت لها «فداء» وقالت بامتنان: –بجد مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه يا «أروي»، شكرًا ليكِ على مساعدتك لينا. ابتسمت «أروى» بدورها ورتبت على كتفها وهي تقول: –أنا معملتش حاجة يا «فوفا» دا واجبنا تجاه طنط «وفاء»، وبعدين ابن عمك هو اللي ساعد مش أنا، أنا كنت مجرد متفرجة مش أكتر. عانقتها «فداء» وهي تقول:
–هو ساعدنا اه مش هنكر ده، بس أنتي السبب بعد ربنا إنه يوافق يساعدنا. بادلتها «أروى» العناق وهي تقول بمرح: –طب عشان خاطري بقى بلاش جو الشكر والرسميات ده عشان بحرج. ضحكت الأخرى وهي تعتدل في وقفتها قائلة: –حيث كدا شوفي عندكم أكل إيه عشان أنا هموت من الجوع والله. كانت «أروى» في طريقها إلى المطبخ، فوقعت عينها على «باسل» الذي يتجاوز درجات السلم هبوطًا إلى الأسفل، فسألته بتذكر: –عجبتك الهدية يا «بيسو»؟
ابتسم بمكر لها، ولم يتحدث حتى وصل إليها فتوقف أمامها قائلاً بتوعد: –اصبري عليا وأنا هوريكي فن اختيار الهدايا على أصوله. سألته بحيرة: –يعني هديتي عجبتك ولا لاء؟ لم يهتم بسؤالها وإنما تخطاها متجهًا إلى خارج القصر، فنظرت في أثره ونطقت بتساؤل: –هو مسمعش سؤالي ولا إيه! وبعدين معروف عنه يعني إنه بيتوتي، خارج رايح فين الساعة عشرة كدا!
سار «باسل» مبتعدًا عن قصر المعز، حتى وصل إلى نهاية الشارع، فكان بانتظاره شاب ثلاثيني يرتدي زيًا رسميًا، ويستند بظهره على سيارته قديمة الطراز، وما إن رأى «باسل» حتى اعتدل في وقفته. صافحه «باسل» وهو يلقى عليه التحية، ثم قال معتذرًا: –معلش يا «عمر»، كنت باخد شاور وشوفت رسالتك متأخر. رد عليه «عمر» بمرح: –لاء ما هو واضح، أنت حتى ملحقتش تسرح شعرك أو تنشفه ع الأقل، ونازل بنص كم في البرد ده.
ضحك باسل بخفة وتحدث وهو يرجع شعره للوراء، حيث تخللت أصابعه خصلات شعره لتقوم بدور فرشاة الشعر: –أنا فعلاً أول ما شوفت الرسالة لبست أي حاجة ونزلت علطول، المهم قولي وصلت لإيه؟ تحدث «عمر» بجدية: –بص هو أنا معرفتش أجيبلك أي وثيقة لأن الموضوع صعب شوية، بس اللي عرفته إن «أروي خالد صفوان» دي متجوزة واحد اسمه «رمزي محمد عبد الجواد» وتقريبًا هو ده رمزي محامي العيلة بتاعكم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!