الفصل 17 | من 23 فصل

رواية أحفاد المعز الفصل السابع عشر 17 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
18
كلمة
4,292
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

-وحشتيني! اتسعت ابتسامتها قليلًا، وأجفلت بعينيها قبل أن تفتحهما وكأنها بذلك ترد على كلمته، فاسترسل باسل قائلًا: -مش هبعدك عني تاني، أنا مش هتحمل يحصلك حاجة، وعشان كدا أنا رديتك على زمتي يا أروى. انتهت كلماته مصحوبة لدمعة جديدة قد فرت هاربة على خده، فاستخدمت أروى ذراعها الآخر ومحت تلك الدمعة، وبينما هي تحرك أناملها بلطف بالغ فوق خده، لفظت بخفوت: -بلاش دموع. هز رأسه في حركة تكرارية، وتسربت إلى شفتيه بسمة حنونة،

قبل أن يقول: -حاضر... حاضر. اعتدل في جلسته وبينما هو يمسح على رأسها كان يتحدث إليها واعدًا إياها بالثأر من أجلها، ولم يخل حديثه من بعض العبارات المطمئنة. على صعيدٍ آخر في قصر المُعز. كانت وفاء ترافق داليا في إعداد وجبة الإفطار، عندما بادرت وقالت بنبرة حائرة: -مش عارفة أعمل إيه في موضوع العريس ده! استفسرت منها داليا فسألت:

-مش بتقولي كان متقدم قبل كده ومحصلش نصيب، يعني كان في سبب يمنع الجوازة، إيه بقى اللي اتغير دلوقتي؟ أوضحت وفاء قائلة: -الرفض في المرة الأولى كان منا، عماد كان عايز يسافر وياخد فداء معاه، عشان كده أنا وفارس فشكلنا الموضوع، بس دلوقتي هو نزل من السفر من كام يوم وقرر مش هيسافر تاني وهيستقر هنا. اقترحت داليا قائلة: -خلاص شوفي رأي بنتك، لو وافقت يبقى تمام، وخلي الجماعة يجوا يشربوا الشاي ونتفق.

تدخل فارس في هذه اللحظة قائلاً: -أنا خارج يا ماما وممكن أتأخر على ما أرجع النهارده. سألته وفاء باهتمام: -لسه يا حبيبي وراك حاجة ولا إيه؟ أجابها فارس قائلاً: -عندي شغل كده هخلصه وأرجع. سألته داليا عن رأيه فقالت: -طيب قولنا رأيك في العريس طيب عشان نشوف هنرد عليهم ولا إيه. نطق فارس بنبرة جادة: -أنا معنديش مشكلة لو هيستقر في مصر، غير كده لأ، وبرضو شوفوا رأي فداء عشان دي حياتها.

لم تحضر سميرة لتتناول وجبة الإفطار، فلم يكن هناك سوى وفاء وابنتها وداليا التي وجهت حديثها إلى حسام لتسأله باستغراب واضح: -هي ميار كويسة يا حسام؟ مبقتش تيجي تزورني ولا تكلمني زي الأول، هي فين؟ عليها دون أن ينظر إليها: -معرفش عنها حاجة يا ماما، ومش مهتم بصراحة، فكك منها. رفعت حاجبيها وقالت باندهاش: -معقول مش مهتم تعرف عنها حاجة؟ الله يرحم أيام ما كنت بتعيط عشان عايز تتجوزها. ترك حسام تلك الملعقة

من يده وهتف بنبرة صارمة: -من فضلك يا ماما متجيبيش سيرتها تاني. نطق بكلمته الأخيرة آخذًا لمعطفه المجاور، وتحرك في خطوات متعجلة إلى الخارج، فكادت أن تلحق به والدته ولكن أوقفتها فداء عندما قالت: -خليكي يا طنط أنا هشوفه. لحقت به قبل أن يصعد إلى سيارته، ليلتفت إليها بعدما تناهى صوتها إلى سمعه، فسألها بنبرة جادة: -عايزة حاجة؟ تغاضت عن سؤاله وقالت: -هو أنت زعلت ليه؟ طنط داليا مكنتش تقصد تزعلك، هي بس بتطمن على بنت أخوها.

نطق حسام مستنكرًا: -بتسأل على بنت أخويا تقوم تقولي كنت بتعيط ومش عارف إيه!!! -طب وفين المشكلة، مش أنت فعلاً بتحبها؟ اندفع حسام نافيًا: -حاليًا لأ مبقتش بحبها، ومبقتش أهتم لأمرها. -طب خلاص ولا تزعل نفسك متحبهاش عادي، بس المهم متزعلش من كلام مامتك عشان هي متقصدش حاجة. -مش زعلان. ران عليهما صمت لطيف قطعته فداء عندما نطقت بتردد: -هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟ أومأ برأسه قائلاً بترحاب: -طبعًا تحت أمرك اللي أنتِ عايزاه.

كانت تفرك يديها بتوتر وخجل، جعلا من وجنتيها ملجأ لحمرة خفيفة لا تغفل عنها العين: -في شاب اسمه أمير عايز يتقدم لي، ممكن تقول لماما وفارس؟ عشان أنا مكسوفة أقولهم. أردف حسام بتذكر: -مش دا تبع عرض الغسالة بتاع صاحبتك؟؟ ضحكت فداء لتذكرها ما حدث في اليوم الماضي، ثم قالت: -أيوه هو ده اللي هاخد عليه غسالة هدية.

ضحكت مرة أخرى، مما جعل قلبه يخفق بعنف وكأنه يرغب في الخروج عن موضعه، فكان حسام يرمقها بنظرات عاشقة، وقد لاحت على شفتيه بسمة خفيفة تتضامن مع لحيته النامية، ليجعلانه يجذب الأنظار دون أن يتحدث. توقفت فداء عن الضحك، لتتقابل عينيها بعينيه، قبل أن تأخذ جولة خاطفة، تأملت فيها ملامح وجهه الآسرة، وكأنها هي الأخرى على وشك السقوط في عشقه، وكأن النظر إليه قد ذهب بعقلها، فانفلت سؤال من شفتيها دون وعي منها، فقالت:

-هي ميار دي رفضتك ليه، عندها ضعف نظر؟؟ انتبه عقله إلى ما قالته، فأجابها بنبرة تحمل دفء المحبين: -نصيبي الحلو إنها ترفضني ومتحبنيش عشان أحب غيرها. أدركت فداء فحوى حديثه، فقالت بارتباك وتلعثم لم يخفِ عليه: -أيوه... آه... أيوه. ضحك حسام وقال مشاكسًا: -مالك بتجربي مايك ولا إيه. لم تفهم ما يقول لكنها أجابت بنفس حالتها المتلعثمة: -لأ... أيوه... -إس إس... حدقت به بنظرات تشع بالاستغراب من ما يقول، فحرك رأسه بيأس وقال:

-ادخلي يا فداء، عقلك شكله وقف! ... ادخلي ادخلي. تحركت لتغادر تحت نظراته المتابعة لها، ثم استدارت إليه وقالت بغيظ طفولي: -تقصد أني مش بفهم؟ الله يسامحك... الله يسامحك. تعجل فارس قائلاً: -والله أبدًا أنا كنت بهزر معاكي، مقصدش أزعلك والله. تركته ودلفت إلى القصر مجددًا، دون أن تعيره اهتمامًا أو تسمع لتبريره، وبينما كان يهم بالذهاب إليها، أوقفه رنين الهاتف برقم دولي، فاستقل سيارته سريعًا وتحرك قاصدًا عمله.

استغرقت رحلته ما يزيد عن ساعتين، حتى وصل إلى تلك القرية التي انتقلت إليها دينا منذ يومين برفقة والدتها وشقيقتها، تحدث إليها على الهاتف ليسألها عن عنوانها التفصيلي. مرت دقائق معدودة قبل أن يصل إلى المنزل الذي أرشدته إليه، ترجل من سيارته خاطفًا نظرة تفقدية للوسط المحيط، حيث تلك المباني الحديثة التي تشابهت مع طراز المدينة الحديث.

تحرك إلى ذلك المنزل الذي يتكون من ثلاث طوابق، وقد حرص مالكه على صنع كسوة من الرخام، قد استقرت على واجهة البيت، بالإضافة إلى أصص الزرع التي توزعت بشكل رائع على شرف البيت. رجع فارس خطوتين للوراء بعدما دق الجرس، فلم يكن عليه أن ينتظر طويلًا، حيث فُتح الباب، ليظهر من خلفه رجل في عقده السابع، تغطيه التجاعيد وجهه، ويعلو رأسه شعر أبيض خفيف. ابتسم فارس قائلاً: -السلام عليكم يا حاج. رد عليه العجوز قائلاً:

-وعليكم السلام، اتفضل يا ابني جوا. تردد فارس في الدخول، فقال: -ملوش لزوم يا حاج، لو ينفع بس تنده لي دينا أو مدام أميرة. نطق الرجل بنبرة حازمة: -معندناش حريم تخرج تتكلم مع شاب منعرفوش، عايز تقول حاجة اتفضل جوا نشيلك على راسنا، غير كده لأ.

دلف الرجل ومن خلفه فارس الذي تسارعت نبضات قلبه وكأن هناك من يطارده، فكان خائفًا أن ترفضه دينا أمام الجميع، حاول أن يبدو هادئًا، متماسك الملامح، ولكن بالرغم من ذلك فهو لم يتوقف عن العبث بساعته اليدوية. جاءت إليه دينا ورافقته والدتها وتلك الجدة العجوز، وبعد ترحاب شديد من أميرة، بادرت دينا وسألته باهتمام واضح: -خير يا مستر، حصل حاجة ولا إيه؟ قبل أن يرد عليها فارس، صرخ الجد في وجه دينا قائلاً بحزم لا يقبل الجدال:

-عيب يا بنت، لما الكبار يكونوا موجودين مينفعش تتكلمي، ادخلي أوضتك. تدخلت أميرة لتدافع عن ابنتها: -دينا متقصدش حاجة يا بابا، وأصلاً فارس منا وفينا فمش محتاجين نتعامل معاه برسمية... إحنا عارفينه كويس. رمقه العجوز بنظرة حادة، وقال بهدوء مخيف: -أنتِ كمان هتقومي من هنا، وأقولك خدي معاكي والدتك كمان، أنا هتكلم مع الأستاذ لوحدنا.

نهضت الجدة وسحبت معها ابنتها وحفيدتها دينا، فهي تدرك تمام الإدراك أنها إن جادلت أكثر من ذلك فلن تمر هذه الليلة كمرور الكرام. بعدما خرجن من غرفة الجلوس، تحدث الجد بنبرة جادة: -ها بقى يا أستاذ فارس، إيه اللي جابك ورا دينا من القاهرة لهنا؟ إيه الموضوع الضروري اللي جابك علطول كده بعد يومين بس من سفرهم؟

تداخلت مشاعره، الحماس والخوف، لا يعلم كيف يبدأ وماذا ستكون إجابة الجد الذي يطالعه باقتضاب وكأنه يخبره أنه لم يكن عليه المجيء، وأخيرًا تخلى فارس عن تلك الأفكار السوداوية وتحدث بجدية وبلهجة واثقة لا تليق بغيره: -بصراحة أنا عايز أخطب دينا. -بس دي لسه بتدرس. -معنديش مشكلة أستناها لما تخلص. -بس أنت الأستاذ بتاعها، يعني أكبر منها. أوضح فارس قائلاً: -السن بيني وبينيها مش كتير، سبع سنين. صمت الجد وكأنه يفكر،

فسأله فارس بترقب: -رأي حضرتك إيه؟ وقف الجد قائلاً بحزم: -مش موافق، تقدر تمشي يا أستاذ عشان تلحق ترجع القاهرة. إنه فارس المُعز، تلك العائلة لا تقبل الرفض أو الهزيمة، ولذلك فقد سحب فارس شهيقًا طويلًا واستوى على قدميه، وتحرك ليقف في مواجهة الجد وقال متحديًا: -رأي حضرتك على دماغي، بس أنا بحب دينا ومش هتخلى عنها إلا لو كانت هي مش عايزاني، غير كده فأنا وحضرتك هنبقى نسايب إن شاء الله.

التفت فارس ليغادر المكان، فأوقفه صوت الجد قائلاً: -ربنا وعدني بالمتعجرفين، بس أنا وافقت مرة قبل كده وندمت، عشان كده مش هغلط تاني، أنت محتاج معجزة عشان تاخد دينا. ابتسم فارس قائلاً: -رب المعجزات موجود، والحمد لله عمري ما طلبت من ربنا حاجة إلا وجبر بخاطري. عادت أروى إلى شقة في إحدى العقارات الراقية برفقة باسل، الذي أصر على البقاء معها بعدما طلب من العاملة أن تذهب إلى بيتها إلى أن يطلب منها العودة.

ساعدها باسل في الجلوس على ذلك الفراش، فابتسمت أروى وقالت: -يا باسل والله أنا كويسة، دول كان غرزة بس. حرك رأسه رفضًا وقال: -الدكتور قال إن الضربة كانت جامدة ولازم ترتاحي لأن دماغك مجروحة دلوقتي، وأصلاً باين عليكي التعب ده أنتي حتى بتتكلمي بصعوبة، لولا إنك رفضتي تفضلي في المستشفى أصلاً كنت مكنتش هخرجك غير لما جرحك يلم. سألها باسل باهتمام وترقب: -قوليلي يا أروى إيه اللي حصل؟ توترت أروى وقالت:

-مفيش كنت بصلي ولما وقفت حسيت نفسي دايخة فروحت عشان أقعد على السرير، لكني وقعت ومحستش بنفسي غير في المستشفى. استشف باسل كذبتها التي فُضحت من عينها التي تتحاشى النظر إليه، فسألها باسل بشك: -أنتي مش واثقة فيا يا أروى؟ -لأ واثقة فيك. -آمال ليه بتخبي عني إن في حد حاول يقتلك وهو اللي ضربك على دماغك؟ شعرت بالارتباك والتوتر فلم تكن على علم بمعرفته بما حدث، فحاولت أن توضح الأمر فنطقت بتلعثم: -لأ والله... أنا... يعني...

مقصدش أخبي حاجة... أنا... أنا... مسح على رأسها بحنان جام، وابتسم قائلاً بلطف: -مش مضطرة تبرري حاجة، بس عايزك تعرفي إني مش هتخلى عنك ومستعد أعمل أي حاجة عشانك، ارتاحي دلوقتي وأنا هعملك حاجة تاكليها عشان تاخدي علاجك. تابعت أروى خروجه من الغرفة، وسرعان ما كانت تأخذ هاتفها لتتصل بالخادمة التي كانت تعمل لديها، وفور ما استقبلت الفتاة المكالمة، بادرت أروى بالحديث ناطقة بصوت خافت:

-مريم، اسمعي اللي هقولك عليه وتنفيذيه بالحرف. -حصل حاجة ولا إيه يا مدام أروى؟ أنتِ كويسة؟ -كويسة يا مريم متقلقيش، المهم دلوقتي عايزاكي تروحي البيت اللي كنا قاعدين فيه، ادخلي الحمام الملحق بأوضتي وافتحي الدولاب اللي تحت الحوض هتلاقي فيه ملف، خديها وانزلي مصر في أقرب طيارة وهناك خالي هيقابلك ياخده منك، وأنا دلوقتي هحولك فلوس على حسابك. -خيرك سابق يا مدام أروى، مش محتاجة فلوس.

-اسمعي بس اللي بقولك عليه، وخلي بالك مفيش مخلوق خلقه ربنا يعرف بالموضوع ده ولا حتى جوزي. بينما كانت أروى تحيك لأمر ما وترغب في إخفائه عن باسل، كان هو في المطبخ يتحدث إلى والدته في الهاتف، والتي قالت بصرامة: -خلص الموضوع ده بسرعة وانزل يا باسل. -متقلقيش يا أمي كلها كام يوم بالكتير ونخلص من الموضوع ده كله، المهم متحاوليش تتواصلي معايا لحد ما أكلمك أنا عشان أروى متشكش في حاجة.

-طيب مش هتصل، بس قولي الورق ده هيوصلني إزاي؟ -رمزي كمان يومين كده هيجيلك الورق لحد عندك. استغربت سميرة فقالت: -رمزي؟! أنت متأكد إنه هيتخلي عن بنت أخته بسهولة كده؟ أجابها باسل بنبرة يشوبها الغموض: -كل إنسان فينا عنده نقطة ضعف، والفلوس هتحل كل حاجة.

بمرور الوقت دلف باسل إليها حاملًا معه بعض من أطباق الطعام، جاورها باسل في الجلوس واضعًا الطعام على قدميه، ثم شرع في إطعامها، لكنها تفاجأت بحركته تلك، فلم تستقبل منه الطعام حيث حدقت به بنظرة غامضة لم يقدر على فك شفراتها، فكانت أروى تخوض معركة داخلية، فجزء صغير منها يخبره ألا تثق به، بالرغم من تركه للجميع والسفر إليها للاطمئنان عليها، بالرغم من تلك اللهفة التي رأتها في عينيه، وشوقه وحبه لها الذي يضخ من عينيه ضخًا، إلا أنها تخاف أن تُخذل مجددًا.

ابتسم باسل ونطق بنبرة مرحة: -متخافيش أنا بعرف أعمل أكل والله، ومش حاطط فيه سم على فكرة. ابتسمت بضعف وبدأت تأكل من يده، وهي تطالعه بأعين دامعة، فكانت تتمنى لو أنها التقت به بطريقة أخرى، ليته كان طفلاً لسيدة غير سميرة، ليته أحبها منذ البداية كما أحبته، ليته لم يكن بارًا بأمه إلى تلك الدرجة التي جعلته يتزوج بفتاة لا يعرفها ثم يتركها لتتدمر حياتها.

أمنيات كثيرة قد مرت على ذهنها تواً ولكن لا فائدة، فما حدث قد حدث وانتهى الأمر، ولكن لديها أمنية أخيرة قد استقرت في قلبها بشأنه، ليته يكون نصيبها المقدر ولا يفترقا مرة أخرى.

هل أبوح لكم بسر صغير، أنا لا أرى الحب سوى كذبة كبيرة، فا هي أروى فتاة عشقت شاب لا تعرفه ولم تتحدث إليه، ولكنها فقط قد رأته مرة واحدة عندما ذهبت إلى والدها في مقر عمله، فكم كانت تتمنى لو تتزوج بشاب مثله، وذات يوم أخبرها والدها برغبة باسل في الزواج بها، في تلك الأثناء كانت السعادة ترتسم على وجهها كضوء يمحو عتمة الليل، ولكن لم تكن تعلم أن ذلك الزواج هو البارود الذي سوف يشتعل ليحول سعادتها المضيئة إلى حزن أسود من شأنه إبادة ما تملكه من ملامح مشرقة، ذلك البارود الذي أصدر ضجيجًا لم يزل أثره عن أيامها الهادئة إلى الآن، ذلك البارود الذي حرمها رؤية والديها إلى الأبد.

أشاحت أروى بوجهها بعيدًا بانزعاج، فقال باسل بشك: -الأكل مش عاجبك ولا إيه؟ والله بعرف أطبخ. نظرت إليه قائلة: -لأ مش كده، هو حلو بس مش عاجبني. ضيق ما بين حاجبيه قائلاً: -يعني إيه! الأكل حلو ولا وحش؟ -الأكل حلو بس أنا مش بحب الفراخ المسلوقة، بتجزع نفسي. -ما هو ده أكل مناسب عشان أنتي تعبانة. -ما هو عشان أكل عيانين فأنا مش بحبه. -طيب معلش معلقتين بس، وبكره هعملك حاجة تانية. أردفت أروى بتذمر طفولي: -لأ مش واكلة.

وجه باسل ملعقة أخرى من الحساء إليها، فحركت يديه بعفوية لتبعدها ولكن ما حدث أنها ألقت بالملعقة بعيدًا، حيث تناثر الحساء أرضًا، فاندفعت أروى قائلة بأسف: -أنا آسفة والله مكنتش أقصد، أنا هقوم أنضفها. نقل باسل نظره بينها وبين تلك الملعقة، ثم استقر بنظره عليها قائلاً ببسمة لطيفة: -ولا يهمك أنا هنضف، أنتي ارتاحي. كانت تتابعه بعينيها، فها هو يدللها ويغرس بداخلها أملًا جديدًا، تخشى أن يضمر قبل حصاده.

كان فارس يقود سيارته عائدًا إلى عمله عندما صدح هاتفه معلنًا عن اتصال من دينا، فرد عليها سريعًا: -أيوه يا دينا. -مستر فارس أنا آسفة جدًا على اللي حصل، والله جدي لطيف جدًا مش عارفة كان بيتصرف كده ليه النهارده. -ولا أي حاجة يا دينا، جدك مصدرش منه حاجة عشان تعتذري، بالعكس كان لطيف جدًا. -أتمنى يكون كده فعلاً، المهم قولي يا مستر حضرتك كنت عايز تتكلم معايا في إيه؟ -جدك هيقولك. وهستنى منك مكالمة عشان أعرف ردكم إيه.

قالت دينا مشاكسة: -مستنى ردنا ليه، لتكون جايب لي عريس. ضحك فارس قائلاً: -مثلاً، ليه لأ... أنتِ إيه رأيك في الفكرة. ردت عليه دينا قائلة: -والله لو الواد حلو ويستاهل يبقى ليه لأ. ردد فارس خلفها ساخرًا: -الواد!! الواد!!! اقفلي يا دينا... ضحكت الأخرى قائلة: -تمام يا مستر، المهم متكونش زعلت من مقابلة جدي ولو حصل حاجة أنا بعتذر.

ما كاد ينتبه إلى الطريق قد ورده مجددًا اتصال من حسام الذي طلب منه القدوم إلى الشركة قبل عودته إلى المنزل، في ذلك الوقت كانت الشمس قد غربت وعاد الليل بعتمته مرة أخرى. تقدم فارس ليجاور حسام الجالس أمام رمزي والذي تحدث قائلاً: -كويس إنك جيت يا فارس، كنا هنمشي. سأل فارس مستغربًا: -خير يا جماعة إيه الموضوع اللي ميستناش لبكرة ده؟ أجابه حسام قائلاً: -باسل عايزنا نستلم الأملاك. تعجب فارس قائلاً: -غريبة!

مش اتفقنا هنفضل كده عشان ده هيساعدنا نقف ضد سميرة؟ إيه اللي اتغير بقى. رد عليه رمزي موضحًا: -اللي اتغير يا سيدي إنه خايف على أروى من سميرة عشان كده قرر يقبل التقسيمة، فإيه رأيكم. زفر فارس قائلاً: -والله طالما الموضوع لمصلحة أروى مفيش مشكلة. مال حسام للأمام حاملًا القلم ليوقع على الأوراق، لكنه نطق ساخرًا: -هو ده كتاب ولا إيه يا متر؟ ده ورق كتير أوي. ارتبك رمزي، لكنه أجاب بهدوء زائف: -عشان دي كل الأملاك.

بينما على الجهة الأخرى. كانت أروى تستعد للنوم، عندما دلف إليها باسل قائلاً: -عندك علاج قبل ما تنامي. اقترب منها وناولها إياه، ثم سألها بهدوء: -هتنامي دلوقتي؟ -أيوه. -وأنا كمان. نطق بكلمته وتمدد بجانبها، فنظرت إليه باستغراب وقالت: -بقولك هنام. أجابها دون اهتمام: -ما تنامي هو أنا مانعك! -هنام فين؟ رفع رأسه عن الفراش وجال بنظره متفحصًا قبل أن يقول:

-هو أنا ماشاء الله عليا وجسمي يعمل تلاتة منك، بس بردو السرير كبير وأنا أكيد مش واخده كله، هتعرفي تنامي متقلقيش، في مكان، في مكان. زمّت شفتيها بضيق طفولي قبل أن ترخيهما قائلة: -والله! أنا مبقولش على المكان أنا هتحرج أنام وأنت جنبي. أردف باسل مشاكسًا: -أنا عارف إني وسيم وفيا الطمع بس مش هسمحلك تقربي مني، عشان أنا محترم. نطقت أروى ساخرة: -دا على أساس إني قليلة الأدب؟ وبعدين أنا عمري ما هفكر أقرب منك، وبعدين بطل قلة أدب!

نطقت بجملتها الأخيرة صارخة، فأكمل هو قائلاً: -خلاص نامي وأنتِ ساكتة، دي مش أول مرة يعني عملناها قبل كده. -لأ برضو متنامش جنبي. نهض جالسًا مثلها، ثم اقترب منها، لدرجة تجعل أنفاسه تلفح رقبتها، ثم همس بلطف متعمد، وبنبرة ناعمة: -طيب ما تعتبريني حفيدك، مش أنا "بيسو" برضو؟ كان قربًا هالكًا جعلها تفقد كيفية النطق، فكانت فقط تائهة في عينيه، فاقترب منها أكثر من ذي قبل وهمس بصوت عاشق امتزج به دلال طفولي:

-هتنامي في حضني مش كده؟ أبتعد عنها لينظر إلى عينيها بينما يكمل: -أفضل ولا أخرج؟ نطقت بنبرة خافتة، وبعقلٍ مُغيب: -خليك...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...