الفصل 18 | من 23 فصل

رواية أحفاد المعز الفصل الثامن عشر 18 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
21
كلمة
4,442
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

نهض جالسًا مثلها، ثم اقترب منها، لدرجة تجعل أنفاسه تلفح رقبتها، ثم همس بلطف متعمد، ونبرة ناعمة: -طيب ما تعتبريني حفيدك، مش أنا «بيسو» برضو؟ كان قربًا هالكًا جعلها تفقد كيفية النطق، فكانت فقط تائهة في عينيه، فاقترب منها أكثر من ذي قبل وهمس بصوت عاشق امتزج به دلال طفولي ماكر: -هتنامي في حضني مش كدا؟ أبتعد عنها لينظر إلى عينيها بينما يكمل: -أفضل ولا أخرج؟ نطقت بنبرة خافتة، وبعقلٍ مُغيب: -خليك...

افتر ثغره عن بسمة عاشقة، فكانت نظراته تلتهم ملامحها، وكأنه يراها للمرة الأولى، ويرغب في نسخ صورتها كي لا ينساها، نظرات دافئة تشبه العناق، كأنه تائه وقد حصل على ضالته، اقترب منها مرة أخرى، ماحيًا تلك المسافة التي تفصل بينهما، وهنا للمرة الأولى أغمض عينيه مستمتعًا بعبيرها الذي يتسلل إلى رئتيه رغمًا عنه.

هي أيضًا قد أغلقت عينيها، وكأنها تحتفظ بذلك الوضع بين جفنيها، كأنها تأمر الزمن بالتوقف عند هذه اللحظة، لا ترغب في رؤية شيء آخر، فقط هو حبيبها وزوجها، كلاهما معًا في لحظة حقيقة ومشاعر صادقة قد فرضت سلطتها عليهما للمرة الأولى. لحظات اجترت غيرها، ودقيقة تلو الأخرى، ثم اتسعت ابتسامته حتى وصلت إلى عينيه، ومن هنا طبع قبلة حانية على خدها، قبل أن يبتعد عنها في حركة سريعة وهو يقول بنبرة مشاكسة: -تصبحي على خير يا تيتا.

أخرجها صوته من حالتها تلك، حيث انفرجت جفونها عن عيون مذهولة، نظرت إليه وهي تستوعب ما حدث معهما توًا وكيف سمحت له بالبقاء، فضحكت بنغمة جعلت قلبه يتراقص طربًا. كفت عن الضحك لتجده يرمقها بنظرات يتطاير منها قلوب عاشقة، فمنحته بسمة لطيفة قبل أن تتحدث بعناد قائلة: -أخرج برا يا بيسو؟ توجهت نظراته إلى شفتيها وهو يسألها بنبرة ناعمة: -قلتي ايه؟ -بيسو... مش أنت حفيدي يبقى...

منعها من إكمال جملتها عندما اقترب منها مجددًا، ولكن هذه المرة استلمت شفتيه زمام الأمور، وبمرور لحظات كان قد ابتعد عنها، لمنحها فرصة تلتقط أنفاسها، وتحدث قائلًا: -كان نفسي أعمل كدا من أول مرة نطقتي فيها بيسو في القصر. تعلم أنه زوجها وله كامل الحق في ذلك، ولكن لم يكن ذلك سببًا كافيًا ليمنع شعور الخجل بداخلها، هذا الشعور الذي تسبب في حمرة قد جعلت من وجنتيها جمر مشتعل، ضحك باسل قائلاً: -كل الكسوف دا من مجرد...

أوقفت حديثه عندما صرخت في وجهه قائلة: -اطلع برا، والله ما أنت نايم هنا. اتسعت عيناه باندهاش وهو يقول: -أنتي بتحلفي عليا؟ مش طالع بقى. -لأ هتطلع، أو هطلع أنا، أنا حلفت. لم يجادلها هذه المرة، وإنما استوى على قدميه وهو يقول: -مقدرش أكسر حلفانك... بس لا أنا ولا انتي هنبات في الأوضة دي. نطق بجملته الأخيرة تزامنًا مع انحنائه ليحملها بين يديه، وخرج بها قاصدًا غرفة أخرى، غير عابئ بتلك التي تعترض وتلح عليه بتركها.

وضعها على الفراش وتمدد بجانبها، فكانت على وشك النهوض، لكنه سحبها إليه محتجزًا إياها بين ذراعيه، وهمس قائلًا: -نامي يا أروى، نامي وبلاش عناد. لم تعترض على جملته الأخيرة، بل ابتسمت ابتسامة تنم عن الرضا وأغلقت عينيها لتذهب في سبات عميق. ***

ما يزيد عن نصف ساعة وما زال واقفًا أمام المرآة، ويتحدث إلى انعكاسه محاولًا إيجاد طريقة يمنع بها فداء من الزواج بغيره، نفخ بضيق وهو يحمل هاتفه، وعندما تحرك للخروج تفاجأ بفداء تهم بالدخول إليه. ابتسمت وقالت: -جايلك عرض جديد من محل الأدوات الكهربائية. ضيق ما بين حاجبيها كمحاولة للتذكر، ثم رفع حاجبيه وقال مندهشًا: -جايبة لي عروسة تاني؟ أومأت فداء برأسها وقالت:

-أيوه هي نفس العروسة، والبنت مصممة تخرج معاك في ديت ممكن يعجبك، طبعًا دا مش صح بس قولت أوصلك الرسالة وخلاص، رأيك إيه وخصوصًا إنها بتأكد على عرض الغسالة؟ -دي صاحبتك عبيطة بقى! أقولك قولي لها إحنا مش بنغسل هدومنا. اعترضت فداء على جملته الأخيرة وقالت: -ميصحش كدا، دي تفكرنا بنتكلم جد. رد عليها حسام بلامبالاة: -يا ستي إحنا منتنين مش مشكلة، وأصلا أشك لو صاحبتك دي كانت بتفكر. ضحكت فداء وقالت: -خلاص تمام هتصرف معاها أنا.

أغلق حسام باب غرفته وخطا للأمام، فسألته فداء مجددًا: -هو أنت قلت لحد على موضوع العريس ده؟ اجتاحه التوتر، فهو رغم تذكره للأمر إلا أنه لم يرغب في منح ذلك الغريب فرصة للفوز بها، فنظر إلى ساعته قائلًا: -لأ، نسيت. تنهدت فداء براحة وقالت: -طب كويس الحمد لله، بلاش تعرف حد اعتبر الموضوع محصلش وأنا هقول لصاحبتي إني رافضة. تلاشى توتره، وكأن إحدى الجبال قد انزاحت عند صدره بعيدًا، لكنه سألها مستغربًا: -هترفضيه ليه؟

أجابته فداء بتلقائية: -أصل بصراحة بفكر أوافق على عماد، شخص كويس وإحنا نعرفه ونعرف أهله، وغير كدا قريب جدًا من ربنا ودي حاجة مهمة بالنسبة لي. تجمدت ملامحه كتمثال، لا يتحرك، لا يتنفس، وكأن الزمن قد توقف عند هذه اللحظة، حتى قلبه كاد أن يتوقف لشدة الصدمة التي حلت به، مما جعل فداء تستغرب سكوته، فسألته بترقب: -أنت كويس يا حسام؟ ... حسام! حسام! انتبه لها، فقال: -أنا، أنا بس سرحت شوية معلش... كنتي بتقولي إيه؟

ابتسمت فداء وقالت: -خلينا بقى ننزل نفطر الأول عشان مستنينا تحت، وبعدين هقولك. *** غادر فارس وحسام القصر قاصدين مقر شركة المُعز، ولكن قبل وصولهما أعلن هاتف فارس عن مكالمة هاتفية جعلت قلبه ينبض بعنف، فلم يكن المتصل سوى دينا، التي كان ينتظر ردها على أحر من الجمر لهفة لمعرفة جوابها.

ولكنه ما إن استقبل الاتصال، أخبرته أن يذهب بعد ساعة ليلتقي بها في المقهى الذي يجاور مركز الدروس، وكان حقًا أنه لم ينتظر أن تنقضي الساعة في عمله وإنما ذهب باكرًا لينتظر مجيئها. كانت في طريقها إليه بعدما قد انتقبت هدية خاصة لأجله، ولكن قبل أن تدخل إلى ذلك المقهى أوقفها ذلك الصوت الذي لم يكن غريبًا عليها، التفتت لترى ذلك الشاب الذي قد انفصل عنها مسبقًا.

تأففت بضيق وكادت أن تكمل طريقها، ولكنها منعها عندما عجل خطواتها إليها، لينتهي به الأمر واقفًا أمامها، ثم تحدث قائلًا: -ممكن نتكلم شوية. ردت عليه باقتضاب: -لأ، مفيش بينا كلام، وأنا أصلا مستعجلة. -والله مش هاخد من وقتك كتير، أنا بس عايز أعتذر منك عن اللي عملته معاكي قبل كدا، أنا عارف إني غلطان. -أنت كنت غلطان، وبتغلط تاني دلوقتي وأنت بتحاول تقتحم حياتي تاني. -أنا المرة دي قصدي خير والله، اسمعيني بس ومش هتندمي والله.

-أنا مش عايزة أسمعك، من فضلك لما تقابلني تاني اعمل نفسك متعرفنيش، أنا مبحبش أشوفك، وأصلا وقفتنا دي غلط لو حد شافنا كدا هنتفهم غلط، ف بعد إذنك. -دا على أساس إنك هنا عشان تحضري ماجستير! انتي مش جاية هنا عشان تقابلي فارس المُعز. -وأنت مالك! دي حاجة متخصكش. -إذا كنتي مش عايزاني أقف معاكي عشان محدش يفهمنا غلط، طيب وبالنسبة لفارس إيه الوضع؟

ما هو بردو شاب وغريب عنك ومحدش يعرف إنه مدرس عشان يقول إنك جاية تقابليه كطالبة، وحتى لو طالبة معتقدش إن في مدرس بيقابل الطالب بتاعه في كافيهات عشان يتكلموا ويشربوا عصير سوا! ولا أنتِ إيه رأيك؟ -تقصد إيه؟ -أقصد اللي فهمتيه، تقدري جاية تقابلي فارس ليه؟ في إيه مهم عشان كل مرة تقفي تتكلمي معاه وتتقابلوا في كافيهات؟ أوضحت دينا الأمر قائلة:

-مستر فارس يبقى المدرس بتاعي وله فضل كبير عليا بعد ربنا، ولولاه كان زماني شخصية مش كويسة وتافهة، ليا الحق إني أقابله طبعًا، دا المدرس بتاعي ومفيش حوار بينا غير للضرورة. -يعني مش بتحبيه؟ مش مرتبطين؟ -لأ طبعًا، هو بالنسبة لي مش أكتر من مدرس له كل الاحترام والتقدير اللي يجعله في مقام أخ كبير ليا، وبعدين الربط دا بتاع الحيوانات مش إحنا، يعد إذنك بقى عشان وقتك خلص.

فور ما التفتت دينا، سقطت عينيها على فارس الذي قد استمع إلى ما أنهت به حديثها، فهو قد خرج إليها عندما رأى ذلك الشاب قد اعترض طريقها، لكنه لم يتوقع أن في خروجه إليهما سيتعرض إلى الرفض. كانت قسمات وجهه غامضة، حيث سألها قائلًا: -في حاجة يا دينا؟ منحته بسمة لطيفة وأجابت: -لأ يا مستر، خلينا ندخل. ساهمًا لا ينظر إليها، جاء إليها ذلك للنادي بقطعة الحلوى التي طلبتها، تذوقت منها قضمة صغيرة ثم قالت: -بموت فيها، تجربها يا مستر؟

انتبه إليها عندما لوحت بيدها أمام وجهه، فسألها قائلًا: -بتقولي حاجة؟ ابتسمت له وقالت: -شكلك سرحان ومش معايا يا مستر، بتفكر في إيه؟ تغاضى عن سؤالها قائلًا: -ممكن تبطلي تقولي يا مستر؟ عقدت ما بين حاجبيها وقالت: -آمال هقولك إيه! ما أنت الأستاذ بتاعي ولازم احترمك وأنا بكلمك! -كنت الأستاذ بتاعك، لكن دلوقتي لأ. وضعت تلك الملعقة من يدها، وتعلقَت عينيها بحدقتيه وتكلمت: -ما أنت لو مش المستر بتاعي يبقى مش هنتقابل تاني.

نطق فارس بهدوء يغاير تلك الثورة العارمة بداخله: -ليه؟ أجابته بنبرة مماثلة: -عشان ببساطة مش هيبقى فيه سبب نتقابل عشانه، دلوقتي أنا طالبة وأنت المدرس بتاعي لكن لو الصلة دي تلاشت هنتقابل ليه؟ كانت كلماتها كيد تمتد لتعتصر قلبه المتيم بين قبضتها، زفر فارس زفرة حارة وقال: -يبقى مش هنتقابل تاني، لأني خلاص مبقتش المدرس بتاعك.

شيء ما بداخلها قد اهتز احتجاجًا على جملته الأخيرة، كان صمتها قناعًا لعقلها الباحث عن سبب يجعل علاقتهما تستمر، بحث عقلها جاهدًا عن أساس للقاء، لكن لم يُكلل البحث بالنجاح، فنطقت وقالت بصوت مهزوز: -يبقى مش هنتقابل تاني.

شعرت بضيق يخنقها، أدمعت عينيها، ولا تعرف السبب، حاولت أن تأكل من تلك الحلوى لتنشغل عن ما يدور في عقلها، ولكن تلك القطعة الصغيرة قد تجمدت في حلقها كغصة مريرة تأبى الانزلاق وكأن كيانها يرفض انقطاع تواصلهما. ارتشفت من كأس الماء أمامها، وتصنعت البرود لتسأله بتذكر: -مقولتليش كنت عايز إيه لما جيت عند جدي؟

هو الذي لم يكن يومًا لينظر إلى فتاة غريبة عنه، ها هو اليوم يستثمر تلك اللحظات، ينظر إلى وجهها بتمعن شديد وكأنه يخشى نسيانها بمرور الوقت، افتر ثغره عن بسمة حزينة ورد عليها: -مش حاجة مهمة، اعتبريني مجيتش عندما. -آمال كنت مستني ردي على إيه؟ -برضو متشغليش بالك. تضايقت من بروده، وإخفاءه ذلك الأمر الذي جعله يذهب إلى بيت جدها، فهتفت بحنق: -فارس! خفق قلبه بشدة، وارتسمت على شفتيه بسمة خفية، فسألها بترقب: -قولتي إيه؟ ترددت

في إجابتها عندما قالت: -مش أنت قلت لي مقولش مستر، فأكيد هقول اسمك! اتسعت ابتسامته عندما أومأ برأسه قائلًا: -صح، أنا فارس. -أيوه أنت فارس، قول بقى كنت جاي ليه عشان جدي مش راضي يقول حاجة، وأنا أكيد مجيتش الطريق دا كله عشان حضرتك تقولي متشغليش بالك!!! -موضوع مش ضروري! غمغمت دينا بعصبية خفيفة: -ولما هو مش ضروري إيه اللي جابك؟ وكنت مستني ردي ليه؟! كسا البرود وجهه مجددًا، فقال: -ياريتني ما جيت! اتسعت

حدقتاها وقالت بتعجب لأمره: -والله! هز رأسه تأكيدًا وأردف: -كان تضيع وقت. أغاظتها تلك الجملة، فهبت واقفة وقالت: -يبقى متضيعش وقتك أكتر. أنهت حديثها حينما وضعت ورقة مالية على الطاولة. هتف فارس بنبرة حازمة: -شيلي فلوسك، بلاش عبط. لقد نسي أنها تلك المشاغبة العنيدة، ذات كبرياء لا يُكسر، لم تهتم دينا لاعتراضه، فرمقته نظرة أخيرة، وقالت: -مبحبش حد غريب يدفع بدلاً عني.

تركته والتفتت لتخطو صوب الخروج، ها هي تغادر مجددًا وهذه المرة دون عودة، لن يراها بعد الآن، قلبه الثائر يدفعه ليذهب خلفها، لديه رغبة جامحة ليعترف بحبه لها الآن وأمام الجميع، هو فارس المُعز الذي أخبر والدته مرارًا وتكرارًا أنه لن يتزوج، ها هو اليوم عاشق متيم، تملكته فتاة لم تتجاوز الثامنة عشر من عمرها، أصبح ذلك الفارس كآلة موسيقية تتحكم بها دينا، فإن أرادت تمنحه إيقاعًا مرحًا يملأ القلب بهجة، وإن أرادت فيمكنها أن تعزف لحنًا يقطر منه الأسى والانكسار، كهذا اللحن الذي تتركه لقلبه وتغادر.

*** على صعيد آخر. كان حسام في طريقه إلى بستان القصر الخلفي ليرافق زوجة عمه وابنتها، ووالدته «داليا»، التي سألت فداء وقالت: -قوليلي يا فوفو، عايزة جوزك يبقى زي مين من شبابنا؟ تنهدت فداء قبل أن تتحدث بتفكير: -بصي يا طنط، بالنسبة لباسل هو أيوه طيب ومحترم، بس شخص عصبي وأنا بصراحة شخصية بزعل من أتفه حاجة فشخصية زي باسل مش هختارها أبدًا. -طب وفارس؟

-أخويا فارس طيب ومحترم جدًا جدًا ومتدين وعارف ربنا، بس عنده مشكلة، قلبه أسود شوية. قهقهت وفاء التي خرجت عن صمتها وقالت بحدة مصطنعة: -احترمي أخوكي... عيب كدا. بررت فداء ما قالته عندما قالت:

-أنا مقصدش حاجة، أنا بحلل شخصيته وشايفة إن فارس أخويا بالرغم من طيبته المفرطة إلا إنه مبينساش وبيحوش جواه، ولما تتخانقي معاه تلاقيه زعلان منك بسبب القديم والجديد، يعني لو في مشاكل من سنين هتلاقيه كل مرة يعاتبك عليها ويقطم فيكي...... عشان كدا شخصية أخويا كمان لأ. سألتها داليا بترقب: -طب حسام؟ ضيقت فداء عينيها وقالت: -حسام طيب، ومحترم وبيخاف على أهل بيته، وفرفوش ودمه خفيف عكس حسام وباسل، بس عنده نقطة مش كويسة.

ترقب حسام حديثها باهتمام شديد، لتكمل فداء التي لم تعلم بوجوده: -النقطة دي بقى ممكن تهد صفاته الحلوة كلها، وأنا مستحيل أقبل إن شريك حياتي يكون بيشرب محرمات أو بيروح أماكن مش كويسة ويسهر ويخرج مع بنات، مبحبش الكلام ده. قالت وفاء دفاعًا عن حسام: -بس حسام دلوقتي مبقاش بيعمل كدا وبقى منضبط. أردفت فداء: -دي حاجة كويسة، بس أنا أعتقد أنه من شب على شيء شاب عليه وزي ما بيقولوا الطبع مع طلوع الروح. قالت وفاء:

-لأ طبعًا، في ناس ربنا بيهديهم فعلًا وبيكونوا أحسن من ناس كتير يبانوا متدينين وهما ميعرفوش حاجة عن دينهم أصلا. قبل أن تنطق فداء مجددًا منعتها داليا عندما قالت بصدمة عفوية: -دا أنتي طلعتي شبابنا شقارة ونجارة، أكأنك لو جالك شاب فيه صفات واحد منهم هترفضيه! ضحكت فداء بينما قهقهت وفاء قائلة: -بنتي عايزة واحد على الفرازة سيبك منها، دا إحنا أولادنا ألف مين يتمناهم، التلاتة اللهم بارك شباب يشرفوا.

انسحب حسام من خلفهن دون أن يشعرن به، عاد إلى غرفته آخذًا معه خيبته وخذلانه، فتشابهت كلماتها برياح باردة هزت روحه وقلبه الذي تساقط قطعة تلو الأخرى، لتتناثر كل قطعة في مكان يبعد عن غيرها، وكأن قلبه بذلك يعلن استحالة التعافي هذه المرة، لقد رُفض مرات عدة من ابنة خاله ولكن لم ينجرح يومًا بتلك الطريقة، فهناك شيء أكبر من المشاعر قد تحطم بداخله، قد تكون ثقته بذاته، أو حقيقة أنه شاب لا يستحق الحب!

وقف أمام تلك المرآة ليتردد بداخله سؤال واحد، لماذا أحببت شخصًا لا يراني؟ لماذا التقيت بذلك الحب من البداية؟ هل ارتكبت خطأ لا أتذكره، ويأتيني الحب بفراقه وآلامه كعاقبٍ لي! لقد اكتفى قلبي رفضًا وانكسارًا، ليت قلبي يفقد قدرته ويمتنع عن الحب إلى الأبد. *** كانت تجلس على تلك الأرجوحة الخاصة بشرفة شقته، تراسل تلك المساعدة لتتأكد إن كانت قد وصلت إلى رمزي أم لا، وبغته وجدت باسل يجاورها في الجلوس، وسألها باهتمام واضح:

-بتتكلمي مع مين وسايباني قاعد لوحدي. كاد أن ينظر إلى تلك المحادثة، لكنها كانت سريعة التصرف، عندما أغلقت الهاتف، وطوقت رقبته بذراعيها، وماتت برأسها قليلًا، منحتها أروى بسمة كافية لتبعثر اتزانه، ثم همست بنبرة مدللة، بها نعومة تذيب ما تبقى من صلابته: -ينفع نخرج؟ جعانة وعايزة أكل؟ غمغم بصوت مبحوح: -أنا كمان. -خلاص خلينا نخرج ونأكل برا. تحرك بنظره إلى شفتيها هامسًا: -مش محتاج أخرج.

فهمت ما يرمي إليه عندما مال برقبته نحوها، ولكنها سبقته هذه المرة وانسحبت بعيدًا، عندما استوت على قدميها وشهقت بفزع قائلة: -إحنا في البلكونة، هتفضحنا! صدر عن ثغره صوت ضحكته الرجولية، التي زادت من وسامته، ليكن هذا دوره في إشعال مشاعرها نحوه، مما جعلها تنظر إليه بتمعن شديد وبنظرة يشع منها العشق، توقف عن الضحك قائلًا: -على فكرة انتي مراتي يعني مفيش فضايح ولا حاجة. أجابته بجدية وقالت: -هو إحنا فعلاً متجوزين؟

رد عليها ساخرًا: -هو أنتي الضربة أثرت على دماغك ولا إيه؟ ما إحنا متجوزين من ٣ سنين. أوضحت له مقصدها: -أصل والدتك قالت إنك هتطلقني، وأنت بالفعل قلت لي إني طالق من فترة، فهل أنا لسه على ذمتك؟ زفر «باسل» بحرارة من تلك الوالدة التي تفسد سعادة ابنها دون أي إنسانية منها، تحرك إليها ليداعب خدها بأنامله الفولاذية، وتحدث ناظرًا إلى عينيها:

-أنا رديتك لذمتي من كام يوم يعني أنتي على ذمتي ومراتي وحبيبتي وحلالي، أنا كنت غلطان زمان لما سمعت كلام أمي وسيبتك بعد كتب الكتاب من غير ما أشوفك أو أتكلم معاكي، ورجعت ارتكبت نفس الغلط لما طلقتك شفوي في لحظة عصبية، لكن مش هغلط دلوقتي وأسيبك تاني، أنا هصلح الغلط اللي ارتكبته في حقك، أيوه صح مش هقدر أرجع والدك ووالدتك، بس أنا هحاول أعوضك ولو جزء بسيط من حنانهم، بس أضمنلك إني هبقى زوج كويس وأب كويس لأولادنا. -أولادنا!!

تلألأ الحماس في عينيه وأومأ برأسه قائلًا: -أيوه طبعًا أولادنا، ناوي نخلف أطفال كتير بإذن الله، بس لما الوضع يستقر، أو لما تفكي الشاش، أيهما أقرب. ضربته على صدره، وزجرته بنبرة حادة، حاولت بها إخفاء الخجل المتطاير من وجنتيها: -ما تحترم نفسك بقى. قهقه باسل عاليًا قبل أن يقول: -مش بقولك على خطتنا المستقبلية.

أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، لتظهر سعادتها في ابتسامة صادقة قد ارتسمت على شفتيها كزهرة تفتحت بعد عاصفة طويلة، تأملها باسل قليلًا قبل أن تمتد أنامله إلى ذقنها، عائدًا بنظره إليها مجددًا، ثم أفصح عن تلك الأسرار التي احتجزها في قلبه قائلًا: -عارفة يا أروى، أنا متأكد إني لو كنت شوفتك يوم كتب الكتاب مكنتش هسيبك وكنت هحبك وتخطفى قلبي زي ما خطفتيه من أول لحظة شوفتك فيها.....

يا شيخة دا بيسو لوحدها كانت هتخليني أعترف بمشاعري في وقتها.. -دا على أساس إنك مكنتش بتزعق لي لما أبصلك بس. -دي حقيقة، كنت بحاول أثبت لنفسي إني مش مهتم بيكي، كنت عايز أشوفك مش كويسة عشان متعلقش بيكي على الفاضي، ما لو أنتي طيبة وكويسة فأنا مشاعري كانت هتعذبني العمر كله عشان مش هينفع أتجوز أرملة جدي. -أنت أول مرة شوفتني قولت لي العبي بعيد يا شاطرة، فين الإعجاب ده! أكمل باسل موضحًا:

-أنا شوفتك أول مرة في الشركة قبل ما تيجي القصر، لما سألت الأمن عنك قال إنك موظفة جديدة في الشركة، وقبل ما أعمل أبحاثي عشان أقرب منك أخدت الصدمة إنك أرملة جدي، كان ساعتها عقلي هيطير، البنت الوحيدة اللي شدتني وأعجبت بيها مينفعش تبقى من نصيبي عشان الفلوس!! ف زي ما تقولي كدا كنت بحاول أعاقبك على مشاعري اللي من طرف واحد.......

بس دلوقتي خلاص مفيش حاجة تمنعني إني أكون معاكي أو أعترف لك بمشاعري وأقولك إني بحبك، أنا بحبك يا أروى، باسل المُعز اللي سابك من ٣ سنين راجع دلوقتي وبيطلب منك ترحمي قلبه المتيم وتقبلي تكوني زوجته وشريكة حياته.

كانت تسمع حديثه بذهول وكأنها ترى معجزة تتحقق أمامها، فلم تتوقع يومًا أن يخرج هذا الكلام من فمه، هو نفسه الذي تخلى عنها في ليلة زفافهما، هو بذاته الذي صرخ في وجهها مرات لا تحصى، أمنيته تتحقق الآن وفارس أحلامها قد جاء إليها على حصانه الأبيض، ولكنها لم تعلم أن القدر لم يمنحها موافقته بعد. في تلك اللحظة رن هاتفها برقم مصري، استقبلت الاتصال، لتتحدث ولاء بتحذير شديد: -أوى تعطي باسل الأمان يا أروى، باسل متفق مع سميرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...