الفصل 2 | من 23 فصل

رواية أحفاد المعز الفصل الثاني 2 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
20
كلمة
4,487
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

بعدما اختفت أروى برفقة رمزي داخل العمارة، خرج باسل من سيارته واتجه ليدخل إلى المبنى، ولكن منعه حارس العقار عندما أوقفه قائلًا: –حضرتك رايح فين؟ نظر له باسل بتكشيرة: –داخل العمارة هكون رايح فين يعني؟ الحارس باحترام: –أنا آسف يافندم، بس حضرتك مينفعش تدخل لأن ممنوع حد يدخل هنا غير السكان. باسل بضيق: –معلش يعني، بس هو أنا داخل القصر الجمهوري ده؟ أنا داخل عمارة مش موضوع يعني. الحارس بتوضيح:

–يا فندم، كل ما في الأمر أن العمارة دي كلها ملك رمزي بيه، ومحذر عليَّ مدخلش حد وإلا هيستبعدني من الشغل. أومأ باسل بتفهم وسأله: –يعني محدش ساكن هنا غيره؟ –لأ يا فندم، هو مش ساكن هنا أصلًا، بس بييجي كل يوم بالليل يقابل الهانم هنا. ضيق باسل عينيه وسأله بترقب: –تقصد البنت اللي طلعت معاه؟ –أيوه يا فندم، بتكلم على أروى هانم. –طب وهيخرجوا امتى؟ –أحيانًا بعد ساعة، وأحيانًا بيقضوا الليل كله هنا.

انسحب باسل بهدوء بعد ما سمعه الحارس، رجع إلى قصر المعز والكلام يتردد في ذهنه. كان غاضبًا بشدة، لو كانت أروى أمامه في هذا الوقت لأفتك بها من شدة سخطه وصدمته بها. جلس على طرف فراشه محدثًا نفسه: –اللبس فعلًا مش هو كل حاجة، أهي أروى دي مختمرة ولبسها فضفاض ومع ذلك شخصية زبالة ومش سالكة، والله لخليها تندم على اليوم اللي عرفت فيه عيلة المعز ودخلت على حياتنا.

قضى باسل الليل كله وهو يفكر في طريقة تعامله مع أروى في الأيام المقبلة، وكيف سينتقم منها على خداعها لجده من أجل المال والثروة، لم تغفل عينيه للحظة واحدة طوال الليل. أشرقت الشمس، ارتدى باسل ملابسه الرياضية وتوجه ناويًا الركض لبعض الوقت كعادته كي يحافظ على لياقته البدنية. بينما باسل كان يعدو درجات السلم وهو شارد، وجد أروى عائدة من الخارج. وقف أمامها وهو يتأملها بغموض وسألها بصوته الأجش: –كنتِ فين؟

ابتلعت ريقها وحاولت الثبات رغم ارتباكها من الداخل: –أنا كنت بتمشى شوية. أردف باسل بجمود: –تاخدي الأوسكار بجدارة. نطق بكلماته وغادر دون أن يوضح لها قصده، وتركها واقفة تردد جملته وتحاول أن تفهم ما يعنيه. على صعيدٍ آخر.

في إحدى الأحياء السكنية الراقية، وتحديدًا الطابق العاشر لإحدى المباني السكنية، وفي تلك الغرفة ذات الطابع الحزين لهذه الشقة ذات الأثاث الراقي، كانت تجلس فتاة في السابع عشر من عمرها على مكتب متوسط الحجم وتسجل بعض الكلمات في دفترها. أغلقت دفترها ورفعته أمام مستوى نظرها وأردفت: –هعتبر الدفتر ده صديقي لحد ما ييجي يوم وألاقي حد يسمعني.

نطقت بالكلمة الأخيرة تزامنًا مع فرار دمعة من عينيها، أزالتها سريعًا ونهضت متجهة إلى دورة المياه لتغتسل وتستعد من أجل الذهاب إلى دروسها. كانت تسير في طريقها إلى مقر السنتر وهي ترتدي بنطال ضيق وبلوزة بأكمام، لكنها مفتوحة من عند الكتف، وتاركة لشعرها العنان. توقفت عندما سمعت من يناديها بـ"دينا". التفت لتجد أنها زميلتها التي تسكن في العقار المقابل. نظرت لها دينا بملل: –في إيه يا رنا؟ ابتسمت رنا بخفة وأردفت:

–أنا كل يوم بستناكي تنزلي عشان نروح السنتر سوا، وأخيرًا النهاردة لحقتك عشان نروح مع بعض. تلوت شفتيها ببسمة ساخرة، وغمغمت بحاجب مرفوع: –نروح مع بعض! أنتي عبيطة ولا بتستعبطي؟ تلاشت تلك الابتسامة عن وجه دينا وقالت: –هو أنا عملت حاجة تزعلك؟ حركت دينا رأسها باستياء وأردفت: –لأ، أنا اللي عملت. كادت دينا أن تغادر، ولكن منعتها رنا عندما وقفت في طريقها وقالت: –طب فهميني طيب، ليه زعلانة مني؟ دفعتها دينا في كتفها

وقالت بتذمر قبل أن تغادر: –أنا ناقصة استهبال. التفوا جميعًا حول مائدة الطعام لتناول وجبة الإفطار، قبل أن يتحرك كل منهم إلى وجهته. فكان الأحفاد الثلاث قد ارتدوا زيهم الرسمي من أجل العمل، أما أروى فقد اختارت بلوزة من الستان الفضفاض باللون الأسود ومعها تنورة سوداء تغطي حذاءها الرياضي الأبيض. بدأوا في تناول الطعام في وسط من الهدوء التام الذي قطعه صوت الهاتف الخاص بفارس، فقام برفض المكالمة ثم أردف قائلًا

دون أن ينظر إليهم: –أنا مش جاي الشركة النهاردة. لم يعلق أيًا من حسام أو باسل، في حين وضعت أروى قطعة التوست من يدها وسألته باهتمام: –ليه؟ رايح فين؟ أردف فارس بضيق مكتوم: –معتقدش إني لازم أعطيكي تقرير مفصل عن تحركاتي، أنا بس بعرفك إني مش هكون متواجد هناك. شعرت أروى بالإحراج، ولكنها بالرغم من ذلك ابتسمت بخفة وقالت: –خلاص زي ما تحب، بس اليوم اللي هينقص من الشهر هيتعوض بإسبوع. انتبه حسام لكلماتها فأردف بحنق:

–هنتعاقب يعني ولا إيه! نهضت أروى قائلة: –والله اللي عندي قولته، غياب من غير موافقتي هيكون فيه عقاب. صعدت أروى إلى غرفتها وأحضرت حقيبتها الجامعية، ثم خرجت سريعًا لتلحق بالراجل الأربعيني الذي طلبت منه تجهيز السيارة ليُوصلها إلى وجهتها، ولكنها ما إن خرجت حتى وجدت باسل الذي كان على وشك الصعود إلى سيارته المرسيدس السوداء يخبرها قائلًا: –عم صالح بيوصل فارس. شهقت بزعر وأردفت بخوف: –أنا كده هتأخر على الكلية، هروح إزاي؟

أجابها باسل بنبرة ساخرة: –والله في حاجة اسمها عربيات أجرة، اطلبي أوبر أو اخرجي على أول الشارع واركبي أي تاكسي. عقدت ما بين حاجبيها بحيرة قبل أن تسأله برجاء: –ممكن أنت توصلني؟ رد عليها باسل بحزم: –أنا آخر واحد ممكن يساعدك. تحركت إليه بخطوات سريعة، ثم توقفت أمامه بمسافة مناسبة وأردفت بخوف: –أنا عندي امتحان ولو مخرجتش دلوقتي حالا هتأخر، أنا كنت عاملة حسابي هروح بالعربية بس عم صالح مشي من غير ما يعرفني. ابتسم باسل بخبث:

–لو كنتي قدمتي السبت كنت أنا قدمت لك الأحد، بس عشان خاطر القواعد اللي انتي فرضاها علينا أنا مش هساعدك أبدًا. أدمعت عيني أروى حين قالت: –ده آخر امتحان قبل الفاينل وعليه درجات كتير كفيلة تموت التقدير اللي عايزة أجيبه. تقدم إليها باسل خطوة ثم أردف بكره وهو يطالع عينيها الدامعتين: –أنا مش مهتم بنجاحك، عشان أخاف من فشلك. أنهى حديثه وتحرك من أمامها بسيارته، تاركًا إياها تجني ثمرتها الأولى لذلك المخطط الذي جاءت به إليهم.

توقفت دينا أمام المدخل الرئيسي لسنتر الدروس، أخرجت هاتفها من جيب سروالها لتجيب على والدتها المتصلة بنبرة ضجر قائلة: –خير يا ماما؟ جاءها صوت والدتها الغاضب: –ارجعي حالًا غيري هدومك، أنا مش اخترت لك طقم قبل ما تنامي؟ لبستي غيره ليه؟ زفرت بضيق قبل أن تجيبها بهدوء عكس ما تشعر به: –هو مش كله لبسي؟ مش فارقة بقى أنا هلبس إيه! يلا سلام.

أنهت ما قالته ثم أغلقت الهاتف في وجه والدتها، غير عابئة بغضبها وتذمرها لمخالفة رغبتها في اختيار الملابس. أعادت دينا الهاتف إلى جيبها مرة أخرى، وهي تهمهم من بين أسنانها بحزن: –بدل ما تقولي فطرتي ولا لأ؟ أو وصلت بسلامة ولا لأ، بتزعقي عشان لبست اللي على ذوقي.

لمعت في عينيها نظرة حزن عندما تقدمت منفردة بنفسها إلى الداخل، على عكس باقي الطلاب، فهذه جاءت برفقة صديقتها، وتلك تتأبط ذراعي صديقتيها وهي تتحدث إليهما في مواضيعهما الخاصة، وهذه تركض إلى الداخل ومن خلفها صديقتها التي توعد لها بسبب دعابتها السخيفة التي ألقتها للتو.

انزوت بنفسها في المقعد الأخير كعادتها بعيدًا عن باقي الطلاب، لتتفاجأ بعدد كبير من الطالبات الأكبر والأصغر سنًا يملأن قاعة الشرح. طالعتهن باستغراب ولكنها لم تعقب، وقامت بفتح دفترها وبدأت في حل بعض المسائل والمعادلات الكيميائية دون أن تعطي اهتمامًا لهؤلاء اللائي يتهامسن بجانبها.

وبينما هي منهمكة في تفكيرها نبهها عقلها إلى ذلك الصمت التام الذي عم أرجاء الصالة. نظرت إلى الفتيات على يمينها ويسارها لتجد كلا منهن ينظرن بابتسامة بلهاء إلى شاشة الشرح الإلكترونية. فنظرت هي الأخرى إلى الأمام بفضول لتجد أن مدرسًا آخر قد جاء إليهم، ولم يكن ذلك الشاب صاحب البشرة البيضاء، والأعين الصغيرة برموش قصيرة، والأنف الصغير الذي يتناسب مع ذقنه الحادة والمحددة بلحية حديثة النمو، سوى فارس المعز. غمغمت دينا مردفةً

بسخرية: –مش عارفة إيه الحلو في العروسة الحلاوة ده، ده حتى شبه البنات، ده انتو بنات ملزقة. رغم صوتها المنخفض إلا أن الفتاة المجاورة لها قد سمعت كلماتها، فحدثتها باعتراض: –احترمي نفسك، محدش سألك عن رأيك. طالعتها دينا باحتقار، دون أن تمنحها ردًا. وفي هذه الأثناء بدأ فارس يعرف عن نفسه بأنه متواجد معهم ليشرح لهم الفصل الأخير من مادة الكيمياء، لأن المدرس المسؤول عنهم لديه حالة طارئة تمنعه من استكمال عمله حاليًا.

بدأ فارس يشرح جزئيته المخصصة في هدوء تام، وتركيز شديد للطلاب. وحينما انتهى من الشرح طلب منهم حل بعض المسائل كي يعرف إن فهموا أم لا، فشرعوا جميعًا في الحل كلا منهم في دفتره الخاص بالمادة، وفي هدوء لا بأس به. وبغتةً وقفت دينا وهي تصرخ في وجه الفتيات المجاورات لها: –ما تلموا نفسكم بقى، مش عارفة أحل. التفت الجميع إلى صوتها بما فيهم فارس الذي طالعها باستغراب: –بتزعقي ليه؟ في حاجة؟ الشرح فيه مشكلة؟ ردت عليه دينا باندفاع:

–لأ، أنت المشكلة. أشار فارس إلى نفسه قائلاً بتعجب: –أنا المشكلة؟ –أيوه أنت، الطالبات دول مش من دفعتنا أصلًا، هما هنا بس عشان انت اللي بتشرح، شاب حليوه وجسم رياضي فسابوا دروسهم وحضروا معانا ويا ريت كدا وخلاص، المشكلة إنهم مش مبطِّلين كلام وعمالين يتغزلوا فيك وأنا مش عارفة أحل ولا أفكر، مش كفاية المادة عليّ! وضع فارس يديه في جيب سرواله، وأردف بهدوء:

–مش عايز في القاعة غير طلبة تانية ثانوي، أنا هنا عشان أشرح، مش عامل عرض… بعض إذنكم اتفضلوا من هنا…. بدل ما هطلع ألف عليكم طالب طالب وهتكونوا في موقف محرج.

عادت أروى من الجامعة وهي تجر معها أذيال الخيبة، فقد رفض متخصص المادة السماح لها بحضور الامتحان؛ لعدم التزامها ووصولها بعد نصف ساعة من بدء الوقت. استندت بظهرها على السور الخارجي للقصر وهي تفكر في كيفية تعويض كل هذه الدرجات التي خسرتها. ليقطع وصلة تفكيرها ذلك الصوت الأنثوي، فأدارت رأسها سريعًا لتجد فتاة تصغرها بعامين تقف أمام تلك البوابة الحديدية الضخمة وتطلب من الحارس بإلحاح أن يسمح لها بالدخول.

تنهدت أروى واقتربت من الفتاة ثم أردفت ببسمة رقيقة: –خير يا قمر، جاية تقابلي حد هنا؟ التفتت إليها ذات البشرة البيضاء والملامح التي تشابهت مع أخيها، وقالت باستعجال: –أيوه، أنا جاية أشوف فارس أخويا، بس الحارس ده مش راضي يدخلني. ضيق أروى عينيها لتخمّن هويتها، ثم قالت: –انتي فداء؟ أومأت الأخرى برأسها وقالت بتعجل: –أيوه أنا، بس ده مش وقت تعارف، ماما في المشفى ولازم أشوف فارس. –بس هو مش هنا، ما ترنّي عليه؟

أجابتها فداء بقلة حيلة: –ما هو مش بيرد، رنيت عليه كتير. نظرت أروى إلى الحارس وسألته قائلة: –عم صالح رجع؟ رد عليها الحارس وعيناه أرضًا: –لأ يا هانم، لسه. قبل أن تتحدث أروى مجددًا منعها قدوم باسل الذي يحدث صوتًا ببوق سيارته، وعندما نظرت إليه أروى أشار إليها أن تبتعد عن طريقه. فركضت سريعًا إليه وانحنت قليلًا لتدخل رأسها من نافذة السيارة وقالت: –أخت فارس هنا وعايزة تشوفه، هو فين؟ أجابها باسل دون أن ينظر إليها:

–معرفش، واطلبي منها تبعد من عند البوابة عشان أدخل. سألته أروى مجددًا بشك: –يعني انت مش عارف هو فين! رد عليها باسل بحنق: –أنا مش مدير أعماله عشان أعرف كل تحركاته. صمتت أروى لوهلة ثم أردفت: –أيوه صح مش مدير أعماله، بس ابن عمه ويعوّض غيابه. أنهت حديثها ونادت باسم فداء تطلب منها الصعود إلى السيارة، فنظر إليها باسل مردفًا بتكشيرة: –هو أنا سمحتلك تركبي؟ انزلي فورًا. قالت أروى باستعطاف:

–مرات عمك تعبانة وفي المشفى ولازم نقدم المساعدة. ابتسم باسل بسخرية وقال بتهكم: –أيوه انتي تيتا بقى وكده! طب معلش يا تيتا حفيدك عنده شغل ومش فاضي. كانت هذه الكلمات كفيلة لجرح مشاعرها ولكنها تغاضت عن ذلك وقالت بمرح: –طب إيه رأيك يا بيسو يا صغنن لو نفذت طلب تيتا هجبلك هدية حلوة. نظر إليها الآخر بحاجب مرفوع وأردف ساخرًا: –هتجبلي عجلة ولا إيه؟ هتفت أروى باستفزاز:

–لأ عجلة، بيسو لسه صغير على ركوب العجل أخاف يتعور، هجبلك مصاصة… مرضي يا بيسو؟ ضرب باسل على عجلة القيادة بعصبية جعلت ابنة عمه تتراجع عن ركوب السيارة، وصرخ في وجه أروى: –بت انتي لمي نفسك عشان والله هخليكي تندمي على اليوم اللي دخلتي فيه على حياتنا. زفرت أروى بضيق ثم قالت بجدية: –ساعدنا دلوقتي وأنا مستعدة أقدم أي مقابل، أي حاجة عايزني أعملها أنا هنفذ على طول من غير نقاش، بس خلينا نلحق أم فارس الأول.

أعاد باسل تشغيل سيارته بعدما طلب من ابنة عمه صعود السيارة. دلفوا جميعًا إلى ذلك المجمع الخيري الذي قد نقلت فداء والدتها إليه قبل ذهابها إلى قصر المعز، فكانت والدتها في إحدى الغرف تنام على جانبها الأيمن وهي تمسك به بشدة لعلها بذلك تخفف من الألم، فركضت فداء إليها ومن خلفها باسل وأروى، فسألت والدتها بقلق وصوت يخنقه البكاء: –مالك يا ماما في إيه؟ أجابتها والدتها بتعب: –جنبي بيتقطع، مش قادرة من كتر الوجع.

ركض باسل إلى الخارج لينادي طبيبًا يفحصها، ولكن غاب لعدة دقائق قبل أن يعود إليهم مجددًا وهو يقول: –طنط ماجدة قومي معايا، هنروح مستشفى تاني. غمغمت فداء من بين أسنانها بقلق وقالت: –مستشفى تاني إيه! مش شايف حالتها، مش قادرة تتحرك. رد عليها باسل بامتعاض:

–المجمع اللي إحنا فيه ده مش موجود فيه غير دكاترة امتياز في الاستقبال، وبيقولوا إن كل الأعراض اللي عند والدتك هي التهاب زايدة وعايزة عملية ضروري، فلازم ننقلها مستشفى تانية عشان تعمل عملية لأن مفيش هنا جراح. كادت فداء أن تعترض ولكن منعتها أروى قائلة: –والدتك هتكون بخير، ابن عمك مش هيضر والدتك. على صعيدٍ آخر كان حسام جالسًا في مكتبه، يحاول دراسة الملف الذي أمامه ولكنه يفشل في فهمه كل مرة. فرفع الملف بيديه وقذفه بعيدًا

وهو يهمهم بحنق: –كان مالي ومال الشغل والهم ده، مش كان زماني بلف مع بنت خالتي الفاضية! ما كاد ينهي جملته حتى وجد الباب قد فُتح وطلت هي من خلفه، أردفت بغيظ وهي تتحرك إليه: –إنت فين يا حيوان، برن عليك بقالي ساعة. هب واقفًا كمن لدغته حية واقترب منها متأملًا إياها باندهاش، ثم أردف ببسمة بلهاء: –الشيخة ميار! لجلب الحبيب ورد المطلقة! لكزته بخفة في ذراعه وتركته واقفًا وجلست هي على كرسيه المكتبي، واضعةً قدم فوق الأخرى،

وسألته: –فونك فين يا حيوان؟ برن عليك بقالي أكتر من ساعة. جلس على طرف المكتب قائلاً بعبوس: –باسل أخده مني، عشان يضمن إنك متكلمنيش ونخرج سوا. ابتسمت ميار وسألته بترقب: –حبيب قلبي فين بقى؟ زفر حسام بضيق مجيبًا عليها: –معرفش. ضمّت شفتيها بضيق مماثل قبل أن ترخيهما قائلة: –على ميار برضه يا سام! مش هتقول لبنت خالتك حبيبتك! نظر حسام بعيدًا عنها وقال: –المفروض إن عندنا اجتماع كمان نص ساعة وهو راح يجيب ملف من البيت ولسه مرجعش.

ابتسمت ميار وأخرجت من حقيبتها اليدوية مرآة صغيرة تستعين بها في تعديل هيئة حجابها الذي ارتدته مؤخرًا، فقال حسام بتذكر: –أيوه صح غيرتي لبسك ليه؟ وقفت الأخرى ثم دارت حول نفسها في حركة سريعة لعرض ثوبها، ثم نظرت إلى حسام قائلة: –إيه رأيك؟ حلو مش كدا؟ حتى لايق عليّ عن أروى! صح! طالعها بضيق ثم همهم قائلًا: –متخافيش على باسل من أروى، هو أكيد عمره ما هيبصلها! وبلاش تغيري من نفسك عشان حد! نصيحة يعني. جلست

ميار مرة أخرى وهي تقول: –مش مهم رأيك، المهم إن باسل مش لازم يشوف حد غيري، حتى لو هكون مضطرة أغير في شخصيتي ألف مرة عشانه، مش هتردد إني أعمل كدا. طالعها حسام بنظرة حزينة وهو يقول: –إنتي حرة، استنيه هنا بقى وأنا خارج. –طب ما تخليك معايا سليني على ما باسل ييجي وبعدين أمشي. أجابها باقتضاب وهو يغادر: –أنا مش بديل!

كان باسل واقفًا أمام الغرفة التي انتقلت إليها زوجة عمه، وفي هذه الأثناء وصلته رسالة نصية، جعلت قسمات وجهه تتبدل إلى الامتعاض عندما قرأها، لكنه سرعان ما أغلق الهاتف عندما وجد أروى تخرج من الغرفة. فتحركت حتى وقفت أمامه مباشرة ومنحته بسمتها الرقيقة وهي تقول بامتنان: –شكرًا. فأجابها باسل بضيق زائف: –أنا عملت كدا عشان الطلب اللي انت هتنفذيه مش عشان حابب أساعد. اتسعت ابتسامتها وقالت:

–برضه تستحق الشكر عشان دفعت حساب المشفى وساعدت مرات عمك، حتى لو كان في مقابل. رد عليها باسل بنفس النبرة الحازمة: –أنا مدفعتش الفلوس دي جدعنة مني، أنا هحاسبك عليهم لما نرجع البيت يا…. تيتا. أنهى كلمته الأخيرة وتركها وغادر، لتعتدل هي في وقفتها ناظرة إليه وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتهتف بصوت مرتفع نسبيًا: –شكرًا يا بيسو.

كانت الشمس قد أوشكت على الغروب عندما توقفت سيارة باسل أمام الباب الداخلي لقصر المعز، ترجلت أروى أولًا وما إن أغلقت الباب حتى أطلت برأسها داخل السيارة وهي تطالع باسل بابتسامة مشاكسة وقالت: –شكرًا ليك يا بيسو يا حبيب قلب تيتا! دَلفت إلى الداخل وهي تضحك بشدة على قسمات وجهه الغاضبة. كان حسام جالسًا، وبجانبه ميار بانتظار باسل كي تفاجئه بأسلوبها الجديد في الثياب. دلفت إليهم أروى أولًا، التي ما إن رأت ميار حتى تلاشت

ابتسامتها وقالت بجدية: –فين فارس يا حسام. أجابها حسام دون أن ينظر إليها: –في أوضته فوق. –طب ممكن تناديه؟ شرَد برأسه بعيدًا عن هاتفه مجيبًا إياها بضيق: –مش خدام حضرتك أنا، اطلعي انتي. حركت كتفيها بلا مبالاة وقالت: –خلاص باسل يكلمه. –لحد هنا ودوري خلص مش معرف حد حاجة. كان هذا ردًا من باسل بنبرة حادة على ما قالته، وما كادت أروى تتحدث ثانية حتى وجدت ميار قد اندفعت إلى باسل معانقة إياه بلهفة، فأبعدها عنه بضيق

وهو يقول بعصبية مكتومة: –قلتلك مبحبش كدا، حافظي على مسافة بينا. تجاهلت ميار كلماته، وعادت بضع خطوات إلى الوراء وهي تمسك ثوبها الفضفاض بيدها وتقول ببسمة واسعة: –إيه رأيك في استايل لبسي الجديد؟ حلو مش كدا؟ أجابتها أروى بدلًا عنه قائلة بجدية: –اللبس لايق عليكي جدًا يا ميار بس يا ريت تخففي المكياج ده أو تبطلي تحطي منه بره البيت، وحافظي على تعاملك مع الأجانب عنك. أردفت الأخرى باندفاع:

–أنا بسأل باسل مش بسألك، خليكي في حالك. ابتسمت أروى بخفة قائلة: –أنا بنصحك بس وبراحتك. نظر إليها باسل قائلًا بغموض، ضاغطًا على مخارج الأحرف: –انصحي نفسك الأول. ألقى بجملته على أروى التي لم تفهم ما يرمي إليه، وتركهم وصعد إلى غرفته. ها هي الساعة قد تجاوزت الثانية عشر، في منتصف الليل وكان باسل في غرفته وتحديدًا بجانب شرفته يراقب الممر الخارجي للقصر، منتظرًا أروى التي من المفترض أن تذهب لرؤية رمزي.

فكان ينظر إلى ساعته اليدوية أكثر مما ينظر إلى الطريق، وأخيرًا انتهى الانتظار وخرجت من القصر وهي تتلفت حولها وكأنها لص يخشى أن يمسك به أحدهم. سارت في خطوات متعجلة إلى السيارة التي تقف بانتظارها، وسرعان ما كانت قد صعدت إلى السيارة وتحركت قاصدة وجهتها، وعلى جهلٍ بذلك الذي قد لحق بها دون أن تدري.

استقرت السيارة أمام المبنى ذاته التي قد حضرت إليه أروى في الليلة الماضية، ترجلت خارج السيارة حاملةً لبعض الكتب، وقبل أن تصل إلى حارس المبنى، كانت قد سقطت أرضًا نتيجة لدعسها الخاطئ على مقدمة ثوبها. وبغتةً فُتح باب السيارة المجاور لعجلة القيادة، ليظهر ذلك الشاب الذي صُدم باسل بتواجده برفقة أروى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...