ثمة أشياء على المرء أن يتخطاها إجباراً دون أن يخبر بها أحد. كان على أصابعنا ألاَّ ترتعش، وعلى الوقتِ أن يُمهلنا قليلاً، كي نمنحَ اللحظة ألوان لوحةٍ أخرى غير البغيضةِ، غير قتامة ملابسنا. طيب وهتعمل ايه يا ريان؟ التفت ريان ليزن ثم تحدث قائلاً: مش عارف.
أومأ له يزن فهو يعرف عجزه، فهو شعر بهكذا شعور مقيت عندما عرف بمرض أخته. شعر بعجز يربط جسده، فهو ليس بيده شئ ليفعله لها سوى أن يدعو الله بأن تصبح بخير. فهم لا يستطيعون العيش بدونها، أو بالاحرى لا يستطيعون العيش إذا أصاب شئ عائلتهم بسوء. كان يتألم قلبه عندما يسمعها تبكي وتترجى الأطباء بعدم استكمال علاجها. أدمعت عيني يزن عندما تذكر وجع أخته وبكاءها هذا. أمسك يزن هاتفه وقام بالاتصال بها حتى يطمئن عليها.
كانوا يجلسون يضحكون بشدة. إذا رآهم أحدًا لاستغرب أن هؤلاء من كانوا يبكون بقهر منذ قليل. الآن يضحكون وكأن لم يحدث شئ؟ وهذا بالتأكيد بفضل نور التي قامت بأخراجهم من حزنهم هذا. فنور هكذا دائمًا تكره وبشدة أن ترى أحد حزين. وبس يا ستي، قام جعفر اللي جوايا قالي لا يا بت يا نور، انتي هتسكتي على المهزلة دي، قومي واديهم على قفاهم. تحدثت ريم بتشويق والابتسامة تتزين وجهها. ها وبعدين؟ أكملت نور وهي تذم شفتيها بحنق شديد.
وبس يا ستي، قام رفدوني أكمني يعني طيبة ولا بهش ولا بنش. ثم رفعت يدها في الهواء تزامنًا مع حديثها. ايه يعني كسرت مناخير المدرس؟ محصلش حاجة يعني، هو أنا قتلته لا سمح الله. تحدثت ليل بضحك. لا يا قلبي، ظلمينك الكفرة اللي ميعرفوش ربنا دول. أجابتها نور بمسكنة وهي تهز رأسها بنعم. صح، هو الضعيف في البلد دي متاكل حقه.
وهنا ولم تستطع كبت ضحكتها أكثر من ذلك، حتى انهارت أرضًا تضحك بصخب على تلك الفتاة، متناسية تمامًا ريان. متناسية أن حبيبها والتي تعشقه خرج من القصر يركض كالمجنون. قطع وصلة الضحك هذه هاتف ريم يرن صداه في القصر. فتحت ريم المكالمة وهي تبكي من كثرة الضحك. ايه ده يا ريم؟ تحدثت ريم قائلة وهي تحاول أن تكبت ضحكتها حتى لا يغضب يزن من ذلك. مالي يا يزن. تحدث يزن الذي ابتسم على ضحك ريم التي تحاول هي كبته.
ممكن أعرف إيه اللي باسط أميرتي كده؟ تحدثت ريم وضحكتها تزداد حينما تذكرت ماذا منذ قليل. هههههه ههههههه نور دي فظيعة بجد مش قادرة ههههههههه. ابتسم يزن بحنان ثم تحدث قائلاً. خلاص يا حبيبتي، كملي قعدتك مع البنات. عمومًا أنا وزين جايين أهو. استوعبت ريم أن يزن مع ريان، فهي نسيت تمامًا ما حدث. ثم تنحنت وتحدثت قائلة. صحيح، هو ريان طلع يجري كده ليه؟
خيم الحزن على يزن الذي ينظر لصديقه الذي يجلس على أحد المقاعد المجاورة لغرفة شقيقته ويضع يده على رأسه. ثم تحدث قائلاً. أخت ريان عملت حادثة. عقدت ريم حاجبيها بعدم فهم ثم تحدثت قائلة. ترنيم!! إزاي حصلها ده؟ وعند نطق اسم ترنيم جذبت انتباه ليل ونور اللذان كانا يتحدثان مع بعضهما البعض حتى تنتهي ريم من مكالمتها تلك. ترنيم؟ نظرت ريم لليل ثم انتبهت لصوت يزن الذي قال بحزن. ترنيم مش هتقدر تمشي على رجليها تاني يا ريم.
نهضت ريم بحزن وتحدثت قائلة. انت بتقول إيه طيب. طيب انتوا في أي مستشفى؟ نهضت نور وليل سريعًا عند نطق تلك الكلمات التي أوقعت بقلوبهم أرضًا. انتهت ريم من المكالمة والتفتت لليل ونور، وقبل أن تقول هي شيئًا، وجدت نور تقترب منها بسرعة كبيرة. ترنيم مالها يا ريم؟ أجابتها ريم قائلة بدموع على محبوبها، فهو الآن حزين وبشدة وهي لم تكن معه، بل كانت تضحك وتمزح هنا، وأيضًا تبكي على تلك الفتاة التي لم تكن صديقة فقط بل أخت لها.
عملت حادثة ومش هتقدر تمشي على رجليها تاني. لم يرد أحدًا، بل ركضوا ثلاثتهم لسيارة ريم وذهبوا للمستشفى التي بها ترنيم، وكل منهم تفكر في شئ. فريم تفكر كيف حاله ريان الآن؟ حتمًا حزين على شقيقته والآن يبكي. يبكي! هو يبكي ولم تكن هي بجانبه حتى تأخذه بين أحضانها؟ بكت ريم كثيرًا على هذا الشعور المقيت الذي يدمي قلبها رعبًا وخوفًا وقلقًا على محبوبها. بينما ليل أخذت تبكي على تلك الفتاة التي لا تنمحي بسمتها أبدًا، الآن...
الآن هي قعيدة؟ لا يمكنها الحراك ولا يمكنها أن تركض خلفهم عندما يزعجونها بشئ. بينما نور كانت هادئة على عكس طبيعتها، فهي كانت تسند رأسها على زجاج السيارة بهدوء شديد. بعد وقت ليس بقليل، وقفت السيارة أمام إحدى المستشفيات، ثم هبطوا هم الثلاثة للداخل سريعًا، ولم يكد يسألوا أحدًا حتى وجدوا رحيم يقف ويتحدث بالهاتف. ذهبوا إليه هم الثلاثة بخوف حتى سألته ريم قائلة. فين ريان؟
تعجب رحيم من سؤالها عن ريان، لكن لم يهتم. ثم أشار لهم عن مكان وجودهم، ثم ركضوا إليهم. وجدوا مشهدًا أوقع قلوبهم جميعًا. ما هذا بحق الله؟ لِمَ تستمر في إغضابي يا هذا؟ تمتم الآخر بصوت لم يصل أبدًا بسبب تلك القماشة التي تتوسط فمه. أخذ يهتز بعنف شديد، لكن لا حياة لمن تنادي. لم يهتم به أحد.
بينما هي كانت تقف وتلعب بهاتفها، ثم صدحت أغاني أجنبية في الأجواء. أخذت هي تتمايل عليها بمهارة شديدة، والآخر يرمقها بتعجب. فمن تلك المجنونة التي اختطفته للتو؟ والآن ترقص بلا اهتمام؟ أخذ يهز بمقعده المقيد عليه بعنف شديد. احتدت نظرتها بالشر، ثم التفتت إليه بابتسامة مخيفة. مهلاً، أنت تقاطع رقصتي للتو. حسنًا عزيزي، إن تركت رقصتي، لن أتركك إلا وأنا أرى رأسك تتدحرج أمامه كالكرة.
ابتلع الآخر ريقه، ثم جلس بهدوء حتى لا تقتله تلك المجنونة. ابتسمت هي برضا. أحسنت عزيزي. حينما يحين وقت قتلك، سوف أقتلك بهدوء ولن تشعر بشيء. هذا لأنك تركتني أستمتع برقصتي. أخذت تتابع رقصتها وكأن لم يحدث شيء. لم تختطف رجلاً منذ قليل، ولم تقوم بتعذيبه وتقيده بهذا المقعد، ولم تقوم بوضع تلك القماشة على فمه. بل لم تفعل شيئًا من الأساس، تلك الفتاة. مهلاً، فتاة! فتاة تفعل به كل هذا؟
بل والآن يرتعش خوفًا منها، هو رجل بحق الله، رجل يرتعش خوفًا أمام فتاة! بل وليست أي فتاة، بل مختلة عقليًا، فهي الآن ترقص بعدم اهتمام له. صدح صوت هاتفها مما أدى إلى توقف الموسيقى. زفرت هي بضيق، ثم أمسكت بالهاتف وخرجت حتى لا تتحدث أمام هذا الرجل. ايه يا شق الشقايق. ما بلاش شق الشقايق دي، بتبعتري أحلامي يخربيتك. ضحكت هي بعنف على حديثه، فهي تعلم كم هو يحبها. حسنًا، لا ضير من إزعاجه قليلاً.
يوه، انت اتبريت مني ولا إيه يا خويا؟ نعم يا ختي، أخوكي؟ طب ده بعد البوسة ولا قبليها؟ احيه، انت مهزق يلا. حصل. المهم قوليلي عملتي إيه. متكتف زي الدبيحة. براڤو عليك يا إسماعيل، كده أنا أحبك. إسماعيل في عينك، إيه مش شايفني بنوتة؟ انتي ست البنات يا روح قلبي. ابتسمت هي على حديثه. تلاشت تلك البسمة سريعًا عندما أكمل هو قائلاً. بس انتي بلطجية يا قلبي. بلطجية! أنا بلطجية يا واطي، ماشي، لما أشوفك بس.
ضحك الآخر بعنف عليها حتى كاد أن يتحدث، لكن وجد أنها أغلقت الهاتف في وجهه. انكمشت ملامحه عليها، ثم تحدث قائلاً. البت دي روحها مش رياضية خالص. كان ريان يجلس على الأرضية بجوار غرفتها بعد أن قام بتهدئتها قليلًا بعد أن عرفت ماذا حدث لها. بكى وبكى كثيرًا على أخته، بل ابنته. كان يبكي في أحضان زين ويصيح بصوت عالٍ. مبقتش قادر يا زين، مبقتش قادر. اهدي عشان خاطري، أنت لازم تتماسك يا ريان عشان أختك.
كاد أن يتحدث، لكن وجد الفتيات يركضون جهته، ثم ركعت نور أمامه وهي تجذبه من أحضان زين قائلة. ايه يا رينو مالك؟ لم تستوعب نور ماذا حدث إلا عندما ارتمي ريان في أحضانها يبكي بعنف، بينما زين يقف يزفر بضيق منها. وفي الاتجاه المقابل لهما، كانت تقف ليل تنظر لعمر بغموض، ثم اتجهت إليه. جذبته لأحضانها. بكى هو الآخر، ليس فقط حزنًا عليها، بل أيضًا أنه له يد في إعاقتها تلك. عند نور وريان، كانت تربت على ظهره بحنان وهي تحاول تهدئته.
خلاص يا رينو بقا. مش قادر يا نور، مش عارف أعمل إيه. قالت هي بتصحيح. نعمل، مش تعمل. إحنا معاك دايمًا يا ريان، أنا وعمر وليل ويزن وزين ورحيم، والبت السهتانة اللي اسمها ريم دي، بس سُكرة يعني، جشطة يباشا، ما هي أخت تؤام الجمال، فطبيعي تطلع بهذا الجمال برضو. ضحك زين عليها بيأس، فنور ستظل نور مهما حدث. ابتسم ريان عليها، فهو يعرف أن نور تحاول إخراجه مما هو به. لكن تلاشت تلك الابتسامة عندما همست نور في أذنه بخبث.
بس اختيارك في الجول يا حبيب أختك. أنا بنت أهو وبعاكسها، مبالك انت يا حزين على عينك. ضحك ريان بعنف على حديثها، بينما الجميع يرمقه بفضول، فماذا قالت له تلك المجنونة جعلته يضحك بهذا الشكل؟ نهضت نور وساعدت ريان بالنهوض، ثم مسحت دمعة وهمية –أو كما تظاهرت هي. خلتوني أبكي منكم لله. ابتسم زين بحنان عليها، رغم تلك الدموع التي تحاول إخفائها، إلا أنها تظاهرت بالقوة حتى لا تضعف أخاها.
بينما ريم تقف وتنظر لريان بضعف شديد، فهي كانت تتمنى أن تقوم هي باحتضانه، أن ينهار باكيًا في أحضانها هي، وليس بحضن أحد آخر. هي لا تغار من نور، لكن كانت تتمنى في هذه اللحظة احتضانه وبشدة. لمح ريان نظر ريم له، ابتسم لها بحنان وهز رأسه وكأنه يعرف ما يدور برأسها للتو. عايز تستفرد بالبت ياض. ياض؟ عايز تستفرد بيها ولا لا. تحدث ريان هامسًا لنور حتى لا يستمع له أحد. هتخدميني خدمة العمر يا عمري. ضحكت نور ضحكة عالية.
لا واقع واقع يعني. ذهبت نور لـ عمر وليل، ثم تحدثت قائلة. موري يا موري. عايزة إيه يا بت. عايزة أكل يا موري، آلاه جعانة يا أخواتي. أومأ لها عمر وكاد أن يذهب، لكن أوقفته نور قائلة. تعرف يا أخي إنك راشق راشق في قلبي. عارف يا ختي. ابتسمت له نور، ثم أمسكت ليل وألقتها على عمر. خديها معاك عشان مش طايقاها. رمقتها ليل بعدم فهم. مش طيقاني أنا؟ هزت نور رأسها قائلة. مش عارفة، حاسة إني زعلانة منك.
هزت ليل رأسها، ثم أمسكت في يد عمر قائلة. خدني معاك، شالله يخليك يا رب. ضحك عمر عليها. انتي هتشحتي يخربيتك، يلا. ذهب عمر وليل، بينما نور نظرت لباقي الشباب، ثم همست بشر. هيييح، نبدأ بقا الشغل. ذهبت نور للشباب ووقفت أمامهم قائلة. ممكن سؤال، اعذرش؟ نظر لها الجميع، بينما ردد رحيم قائلاً. اعذرش! أومأت له رحيم، ثم أشارت بيديها قائلة. سؤال صغنن قد كده والله. تحدث زين قائلاً بخبث. اممم، سامعك. همس يزن قائلاً. يا حنين.
نظر له زين بشر، ثم انتبه لصوت نور الذي قالت. هي الطعامه والحلاوة دي كلها طبيعي ولا تركيب؟ رفع زين حاجبه باستغراب، كأنه يقول لها "حقًا". بينما يزن نظر لها باستهازاء، ثم ذهب وتركهم. ونور همست بشر. أول واحد خلع. لم تكمل جملتها حتى وجدت زين ورحيم يذهبون. أوك، كلهم خلعوا. ثم نظرت لريان الذي نظر لها بانبهار لجعلهم يذهبون بتلك السرعة. لا شابو، براڤو. غمزت له نور بمشاكسة.
عد الجمايل بقا. أنا واقفالك ندورجي لحد يقفشك ولا حاجة. ضحك ريان بعنف، ثم أمسك ريم وأخذ يتحدث معها، ونور تقف له على أول الطريق حتى تؤمن له المكان كما تقول. كانت تسير وهي تحمل بعض المشروبات وهي تتحدث مع عمر، ثم اصطدمت بشيء صلب جعلها تسكب ما بيديها على ملابس ذلك الذي ينظر لها بشر. نظرت ليل عاليًا حتى صدمت مما رأته. أحيه. طب ليه بيداري كده ولا هداري كده ولا هداري كده ليه؟ حيرني وليه بيقهرني؟ أنا مبجيش على باله كده.
طب واحدة واحدة وبلاش كل ده يجي مرة واحدة، لتجنن كده لو ده النظام معاك بالشكل ده مقدر عليه. بت هاتي بوسة يا بت، بت هاتي حتة يا بت. تركت كل ما بيديها، ثم أمسكت بعصا كانت بجانبها وأخذت ترقص. بت هاتي بوسة يا بت، هاتي حتة يا بت، أه. طب وحبيبي لابس برنيطة ومعلق فرقة بت. إيه انتي يا بت يا سما؟ هي كانت تكملتها إيه؟ ردت الأخرى عليها بسخرية. أي واحدة يا قلبي، أنتِ عملتي ميكس ميتحطش خالص على فكرة.
نينيني رخامة، وبعدين مش عاجبك قومي اغسلي المواعين أنتِ. على فكرة أنا ضيفة هنا ها، ومش هعمل حاجة يا شمس. الا قوليلي يا شموسة، أحط الطبق ده فين؟ ابتسمت شمس بسماجة وهي تأكل بعض من المسليات التي وجدتها بالخارج. حطيه على دماغي يا قلبي. ابتسمت الأخرى بغباء، ثم ذهبت ووضعت الطبق فوق رأس شمس. ثواني حتى سمعوا الاثنين صوت حطام يصطحبه صوت والدة شمس. كسرتوا إيه يا آخرت صبري منكم ليها. احيه احيه، أمي احيه. شهقت الأخرى بفزع مصطنع.
إزاي يا شمس كده؟ إزاي؟ رمقتها شمس بعدم فهم. إزاي إيه؟ مش فاهمة؟ أجابتها سما بخبث وهي تلمح والدة شمس تخرج من غرفتها. كسرتي الطبق يا شمس، ينهارى، طنط هتبهدلك على فكرة. كادت شمس أن تصرخ بها حتى وجدت شيئًا يصطدم بظهرها. التفتت وجدت والدتها تجلس على مقعدها النقال. استهدي بالله يا أم شمس، مش كده. ده سابع طبق يتكسر الأسبوع ده يا شمس الكلب. آلاه، ما الطباق هي اللي بتتزحلق، يوه ذنبي إيه أنا.
ده ذنبي أنا إني دخلتك المطبخ يا وش الفقر. ثم ألقت فردة حذائها على وجه شمس. ركضت شمس لغرفتها تحت ضحكات سما المستمتعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!