لن يصدر صوت بالقصر بأكمله، صوت تنفسهم فقط هو من يرج أركان القصر. نظرة لهم هايدي الذي فاقت للتو. ثم صرخت صرخة رنت صداها القصر بأكمله: _فؤاد... ابنيييييي. أتجه إليها وليد الذي أتى مسرعاً من الأعلى: _هايدي.. في إيه؟ بتصوتي ليه كدا؟ وفؤاد ماله؟ نظرت له هايدي بتشوش، ثم فقدت الوعي وهي تهمس بآخر كلماتها على طرف لسانها: _فؤاد. اتجهت إليها حبيبة التي صرخت بأعلى صوت لديها: _مامااااا أه..... بابا فؤاد استشهد.. أخويااااااا.
نظر لهم وليد بصدمة، عجز عن أن يعبر ما بداخله، سوى أنه ترك زمام أموره، ثم هوى على ركبتيه وهو يتحدث بدمع فشل بكبته: _قلت له ما يروحش.. ما سمعش كلامي. آه يارب كنت حاسس. كان الجميع يبكي بشدة على فؤاد وما حدث لهم، عدا عمار الذي ركض مسرعاً للخارج. أما بالداخل، جلس شريف بصمت مريب، وهو يوجه نظره لجميع الجهات بالقصر كأنه فقد زمام أموره. *** في المديرية: صاح اللواء بغضب: _يعني إيه يا رائد؟ رائد:
_آسف يا فندم، بس في 20 ضابط استشهد في المهمة دي. وفي 39 أُصيبوا وتم نقلهم في المستشفى. أغمض عينيه ليتحدث بعصبية: _قولي اللي استشهد. أبتلع رائد ريقه ثم تحدث: _سيادة النقيب عادل. والرائد ممدوح. والمقدم فؤاد النمر. ونبيل... نظر له اللواء بصدمة ثم تحدث: _قول كدا تاني. إيه؟ فؤاد استشهد؟ رائد بأسف:
_للأسف يا فندم. ربنا يرحمه، كان على آخر لحظات نجا كلهم معاد الرائد ممدوح. لاكن حصل خيانة على آخر لحظات واتفاجأنا بالقنابل اللي حاصرتهم من جميع الاتجاهات. اللواء بحزن: _ربنا يرحمهم ويغفر لهم. عاشوا أبطال وماتوا أبطال. حقيقي أنا غضبان من نفسي جداً لأن فؤاد كان هيتأسف النهارده وأنا رفضت وأجبرته. هفضل أشيل نفسي ذنبه طول عمري. رائد: _متقولش كدا يا فندم، دا أجله. (تعددت الأسباب والموت واحد)
. كان هيموت، هيموت. مفيش في إيدينا غير إننا ندعيله بالرحمة. اللواء: _ربنا يرحمه. ثم أكمل بغموض: _على فكرة المهمة دي كانت مترتبة كويس. رائد بعدم فهم: _مش فاهم قصد حضرتك. اللواء: _أقصد إن فيه خاين وسطنا وهو اللي بينقل تحركاتنا أول بأول. رائد: _يا فندم المقدم فؤاد آخر مهمة تمت قال لنا نفس الكلام. بس كان ساكت على ما يثبت حاجة ويتأكد من شكوكه. اللواء بغموض:
_للأسف هنمشي على نفس الوتيرة اللي كان مكمل فيها سيادة المقدم. وهو إننا هنثبت الأول الأدلة على الخاين ده. *** في القصر: نظرت لهم شروق بصدمة ثم تحدثت بهمس: _انتوا بتكدبوا صح؟ بتكدبوا عليا. فؤاد كويس وهيرجع تاني صح يا ندى؟ نظرت لها ندى بدموع كثيفة ثم تحدثت ببكاء: _دي الحقيقة يا شروق. فؤاد مات. فؤاد أخويا سابني. صاحت شروق بجنون:
_اسكتي متقوليش كدا. فؤاد عايش. وهيرجع ليا عشان يخطبني زي ما وعدني. فؤاد بيحبني وأنا بحبه ومش هيسبني. صح يا حبيبة. اتجهت لحبيبة لتمسك يديها بتوسل: _قولي إن ندى بتضحك عليا. فؤاد بيحبني ومش هيسيبني صح... فؤااااااد ممتش. فؤاد عااايش. اتجهت إليها والدتها لتضمها ببكاء: _خلاص يا شروق. خلاص يا حبيبتي. إحنا مش ناقصين كفاية مرات عمك. واللي هي فيه.
كانت حبيبة تنظر لهم وهي تبكي بصوت مرتفع وشهقات عالية، لا تصدق ما تستمع إليه بأذناها، أيعقل؟ أن شقيقها الحنون سيتركهم ويرحل. كانت تبكي بشدة ودموعها تنسدل على وجهها بغزارة. بالخارج. تحدث شريف مع اللواء بهدوء عكس ما بداخله: _تمام يا سيادة اللواء. إحنا عاوزين نستلم جثة ابننا. النهارده عشان ندفنه في مقابرنا. اللواء بحزن: _بإذن الله. ربنا يعلم معزة فؤاد في قلبي إيه. بجد أنا حزين عليه من قلبي. ربنا يرحمه ويصبركم جميعاً.
هز شريف رأسه له وما زال يدعو صبره بما حدث، بينما نهض اللواء ثم صافحه: _البقاء لله. شدوا حيلكم. _الدوام لله وحده. *** بعد مرور يوم، استلم وليد وشريف جثة فؤاد، ثم أقاموا بالدفن في مقابرهم. في المنزل جلست هايدي وهي تصرخ: _ابنيييي. ربنا يصبرني على فراقك يبني. ربنا يصبر قلبي على اللي أنا فيه. دلف شريف ثم نظر لجميع الوجوه بصرامة: _عمار فين؟ سعيد بحزن: _من ساعة ما سمع الخبر ومش عارف أختفى راح فين. من امبارح ملوش أثر.
نظر لهم شريف بسكون وغموض وحزن سكن بقلبه، ثم جلس ليرى الجميع الوجوه الباكية. نظر لأدهم ثم أشار له بيده أن يسند مرات عمه حتى تصعد لغرفتها. ثم تحدث بحزم: _يلا كله يطلع يرتاح. محدش ارتاح من امبارح. فاطمة ببكاء: _نرتاح؟ هنشوف راحة فين تاني. واحنا خسرنا ابن من والدنا. خسرنا روح من روحنا. فؤاد سابنا وراح. شريف: _راح فين يعني؟
راح عند اللي خلقه وكلنا هنروح. إحنا في الدنيا دي ضيوف وهنروح للي خلقنا. حرام إنك تقولي كدا. إنتِ كدا بتعذبي هو في قبره. صمتت وصمت الجميع وهم يكفوا عن الحديث، ثم بدأوا بالأنسحاب واحد تلو الآخر. وكان آخر من ذهب هو أحمد الذي نظر لجده بحزن وصعد. مع دخول عمار الذي كاد أن يصعد الدرج بهدوء وصمت غريب. نظر له شريف ثم تحدث بكلمة واحدة: _تعالي. كف عن صعود الدرج ثم ذهب ليقف أمام جده بهدوء. تحدث شريف بحدة:
_كنت فين واحنا بندفن أخوك؟ نظر له عمار بصمت. بينما صاح شريف بنبرة أشد حدة: _جاوبني كنت فين؟ عمار: _عند فؤاد. نظر له شريف بصدمة وذهول قال: _نعمم؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!