تحميل رواية احرقني الحب بقلم ديانا ماريا pdf
بقلم ديانا ماريا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تقف خائفة حتى شهقت بفزع إثر إلقائه الشاي الساخن عليها. قال بلامبالاة وهو يكمل طعامه: قولتلك مية مرة مبحبش الشاي ناقص سكر صح ولا لا؟ لم ترد عليه فقط تبكي وتحاول إبعاد ملابسها عنها حتى لا تحرقها أكثر، لم تتمكن من التحرك من أمامه حتى لا ينالها غضبه. انتهى من تناول طعامه ثم وقف وهو يمسح يديه ببعضها، نظر لها بطرف عينيه وهو يقول: تقدري تروحي النهاردة لأهلك بس ترجعي قبل ما أنا أرجع و طبعًا الغداء والبيت يكونوا خلصانين زي ما بحب و اه أبقى حطي مرهم علشان تداري الحرق ده، مش عايز أشوف أي حاجة متعجبنيش...
رواية احرقني الحب الفصل الأول 1 - بقلم ديانا ماريا
كانت تقف خائفة حتى شهقت بفزع إثر إلقائه الشاي الساخن عليها.
قال بلامبالاة وهو يكمل طعامه: قولتلك مية مرة مبحبش الشاي ناقص سكر صح ولا لا؟
لم ترد عليه فقط تبكي وتحاول إبعاد ملابسها عنها حتى لا تحرقها أكثر، لم تتمكن من التحرك من أمامه حتى لا ينالها غضبه.
انتهى من تناول طعامه ثم وقف وهو يمسح يديه ببعضها، نظر لها بطرف عينيه وهو يقول: تقدري تروحي النهاردة لأهلك بس ترجعي قبل ما أنا أرجع و طبعًا الغداء والبيت يكونوا خلصانين زي ما بحب و اه أبقى حطي مرهم علشان تداري الحرق ده، مش عايز أشوف أي حاجة متعجبنيش.
بعد أن انتهى من حديثه، ركضت من أمامه ودخلت إلى الحمام ثم فتحت المياه الباردة بسرعة ووقفت تحتها علها تُهدئ من ألم الحروق التي أصيبت بها والتي تُلهب جلدها الآن.
منهارة من البكاء، جلست في حوض الاستحمام، المياه تنهمر عليها وهي تضم نفسها وترتجف لا تصدق ما آلت إليه حياتها، لم يكن ذلك ما حلمت به أو تمنته في يوم من الأيام لم يكن هذا أبدًا!
تحاملت على نفسها ونهضت لتغيير ملابسها، خلعتها بصعوبة، عضت على شفتيها لتكتم آهاتها ولكن حين حاولت وضع مرهم ومع أول لمسة على الحروق لم تتحمل الألم، بكت بصوت عال وتعالت شهقاتها، جلست على الأرض قدميها لا تحملانها بقيت على هذا الحال لفترة طويلة تبكي وشريط حياتها كله يمر أمام عينيها بحسرة.
ارتدت ملابسها لتذهب إلى الصيدلية لتشتري شيئًا يهدئ ألمها ومنها إلى بيت أهلها.
صُدم الصيدلي من منظر يدها حينما دخلت وكانت تحمل بعض الآثار فقط غير تلك المخفية تحت الملابس.
قالت بهدوء: عايزة مرهم كويس للحروق لو سمحت.
الصيدلي بذهول: إيه ده يا مدام؟ ده حرق خطير لازم تروحي مستشفى.
قالت بجمود وعيونها خالية من أي إحساس: مش لازم، عايزة بس أي مرهم علشان احطه عليه.
نظر لها بدهشة كأنه يحادث شخص مجنون وربما معه حق فتلك الحروق التي مُنيت بها أكبر من أن تُعالج بمرهم فقط.
قال بعدم تصديق: أي مرهم إيه بقولك لازم مستشفى وإلا الحرق ممكن يتطور لحاجة أخطر من كدة.
تماسكت أمامه وهي تسيطر على شعورها، ماذا ستخبر هذا الشخص الواقف أمامها؟ أن لديها زوج إن ذهبت إلى المستشفى وعلم بذلك فلن يكون ردة فعله هينة وحتمًا سينالها بطشه.
قالت مجددا بإصرار تغلفه نبرة هدوء مزيفة: حضرتك مقدرة كلامك لكن الحرق بسيط خالص مجرد مية سخنة وقعت عليا، عايزة كريم لو سمحت!
حين رأى أن لا فائدة من إقناعها بالذهاب للمستشفى أحضر لها أنبوبتين مرهم ودواء معهم ونبه عليها أن تنتظم على الدواء وإذا حدث أي جديد يجب عليها الذهاب للمستشفى سريعًا.
أخذت الدواء وخرجت تُكمل مشوارها لبيت أهلها الذي لم يكن بعيدًا كثيرًا، صعدت السلم ببطء وطرقت على الباب.
فتحت لها والدتها التي ابتسمت لها بلهفة ونظراتها تتعلق بها بحزن: هديل! تعالي يا حبيبتي، أدخلي.
دلفت ببرود ووجدت والدها يجلس أمامها، حين رآها نكس نظره للأرض وأخفض رأسه نظرت له طويلًا ثم التفتت لوالدتها: فين أخواتي؟
ردت والدتها بحنان وهي تتأملها بحزن: جوا يا حبيبتي بيلعبوا.
عادت تحدق لوالدها الذي لم يرفع رأسه وسألت بنبرة ذات مغزى: وإياد عامل إيه دلوقتي؟
توترت والدتها التي أمسكت ذراعها بتوسل وقالت بقلة حيلة: الحمد لله يا حبيبتي الدكتور قال إنه كويس بس ينتظم على العلاج تعالي شوفيه ده أنتِ وحشاه أوي.
أخفت هديل ألمها حين أمسكتها والدتها من ذراعها بسبب الحرق الذي يؤلمها بشدة لأنها لم ترد أن تبدي ردة فعل، أخذتها والدتها من ذراعها لداخل غرفة لتجد صبي وفتاة في سن العاشرة يلعبان معًا بإحدى الألعاب في زاوية الغرفة بينما هناك في آخر الغرفة فتى في الخامسة عشر من عمره يجلس على سرير بجانب الحائط منشغل بالهاتف الذي بيده.
ابتسمت هديل بحب وقبلت أخواتها الأصغر سنًا ثم تقدمت لإياد بشوق وهي تهتف: إياد حبيبي.
رفع إياد رأسه من الهاتف لتشرق عيناه من الفرح ويفتح ذراعيه لشقيقته بلهفة وهو يوثب من مكانه قدر إمكانه: هديل وحشتيني.
تقدمت له فورًا لأنها تعلم أنه ليس بإمكانه الوقوف ليحييها بسبب مرضه ومالت عليه وهي تحتضنه بشدة.
قال إياد بصوت مكتوم داخل شعرها: وحشتيني أوي يا هودي.
حاولت هديل السيطرة على نبرتها المرتعشة وهي تجيبه: وأنت كمان يا حبيبي سامحني مجيتش أشوفك وأنت تعبان.
ابتعد إياد للخلف: ولا يهمك أنا عارف ماما قالتلي أنك كنت تعبانة ومشغولة.
ثم تابع بحماس: صحيح تعالي أما أوريكِ عملت إيه في الرسمة اللي قولتلك عليها آخر مرة.
ابتسمت له بحنان بينما يريها بحماس رسمته ويشرح لها ما فعله وهي تستمع له بتركيز حتى وضع يده على ذراعها فجأة: بس محتار أختار لون إيه مع الألوان دي.
انكمش وجه هديل وهي تجاهد لتداري ألمها من لمسة إياد لمكان الحرق.
قطب إياد بحيرة لمرأى هديل كما لاحظت والدتها التي كانت تراقب تعبير وجهها الذي تغير واقتربت تتسائل بحذر: مالك يا حبيبتي فيكي إيه؟
أجابت بامتعاض وهي تشيح ببصرها للناحية الأخرى: مفيش حاجة يا ماما، مرهقة شوية بس.
نظرت للساعة فشحب وجهها ونهضت بفزع: أنا لازم أمشي حالا اتأخرت.
خفضت بصرها لإياد الذي نكس رأسه بحزن والتوى قلبها عليه، جلست أمامه وهي تضع يدها على كتفه تحثه على الابتهاج: إياد يا حبيبي أنتِ عارف أنه لازم أروح ومش هقدر أقعد أكتر من كدة، بكرة بإذن الله هاجي لك من بدري ماشي يا روحي؟ متزعلش بقى.
داعبته حتى يبتسم ما إن فعل قبلته على جبينه ثم قلبت أخواتها التوأم مرة أخرى مع عناق سريع وسارت لباب المنزل ووالدتها ترافقها.
التفت لوالدتها وهي تغير نبرتها للبرود في حضور والدها الذي مازال مكانه: لو إياد احتاج أي حاجة تكلميني علطول يا ماما تمام؟
أومأت والدتها وهي تناظرها بلوعة حتى غادرت هديل وهي تهبط السلالم بعجلة وتفكر بخوف فيما ستكون ردة فعل زوجها لو عاد للمنزل ولم يجدها، لم تنتبه إلى حجر صغير فزلت قدمها وهي تصرخ بدهشة.
ارتفعت يداها للهواء تحاول التمسك بأي شيء قبل أن تهبط على ظهرها حين امتدت يد فجأة تمسك بيدها وتسحبها حتى اصطدمت بصدر الشخص الذي أنقذها من السقوط.
أغمضت عيناها وأنفاسها تتابع بانفعال حتى هدأت بعد ثوان وفتحت عيونها ترغب بشكر الشخص الذي أنقذها لكن انعقد لسانها حين رأت الشخص الذي أمامها.
كانت عيونها تحدق في عيونه مباشرة لا يفصل بينها إلا مسافة قليلة، انقطع ذلك التواصل البصري حين ابتعد الشخص عنها وهو يقول بصوت بارد رخيم: خدي بالك المرة الجاي.
ثم أكمل صعوده وهديل مازالت في مكانها عيناها مسمرتان أمامها كأنه مازال يقف هناك.
أفاقت على نفسها وهي تعود لتهبط بسرعة حتى تصل للبيت، وصلت وهي تلهث، تفقدت البيت سريعا وحمدت الله حين لم تجده قد وصل بعد.
كانت تُعد الغداء وهي شاردة، تشعر بأعصابها على وشك الانهيار من الضغط العصبي الذي تعيشه كل دقيقة من حياتها، تذكرت اللقاء السريع الذي حدث على السلم وانهمرت دمعة من عينيها.
في تلك اللحظة سمعت صوت باب المنزل فمسحت دموعها بسرعة وأكملت إعداد الغداء بعصبية.
دلف ظافر إلى المطبخ وهو يراقبها مما زاد من توترها.
ناظرها بعدم رضا: أنتِ لسة مخلصتيش؟
لم ترد وهي تتابع عملها مما أغضبه فتقدم منها وسحبها من ذراعها بقوة: أنتِ مبترديش عليا ليه؟ طرشة؟
أفلت منها أنين ألم بسبب الحروق وردت بصوت منخفض من الألم: ما أنا بعمل قدامك أهو.
هزها بقوة أكبر وهو مستمتع برؤية ألمها وقال بسخرية: لا ياختي أنا أسأل أنتِ تردي علطول لما تبقي طرشة ولا خرسة يبقى مترديش!
حاولت الإفلات منه بسبب ازدياد ألمها وشدت نفسها منه وهي تصيح به: حرام عليك سيبني بقى مش كفاية اللي عملته الصبح أنت مبتحسش!
تغيرت قسمات وجهه للغضب الشديد: لا ده القطة طلع لها لسان وبقت بتعرف ترد.
قبض على شعرها بشدة أحست معها أنه على وشك أن يتقطع من جذوره وقربها إليه وعيناه تجوبان عليها بخبث: طب إيه رأيك أوريكِ أنا مبحسش إزاي؟
اتسعت عيونها برعب حين فهمت مقصده، كانت عيناه تلمعان بالشر الخالص وهو يرى محاولاتها البائسة للتخلص منه مما جعل قلبها يرجف من الخوف.
سار لغرفة النوم وهو يسحبها ورائه من شعرها بينما تحاول هديل تحرير شعرها منه وشد نفسها إلى الناحية المعاكسة، تبكي وتترجاه ألا يفعل ما ينوي عليه.
ولكنه لم يكن يسمع، كان ذات أذان صماء وصرخات ألمها بالنسبة إليه نشيد متعته!
رواية احرقني الحب الفصل الثاني 2 - بقلم ديانا ماريا
بعد أن تخلصت منه أخيراً، نهضت من السرير تجر قدميها إلى الحمام حتى ولجت وأغلقت الباب ورائها.
انهارت على الأرض تحدق في الفراغ الذي أمامها وهي تضم ركبتيها إلى صدرها.
تشوشت رؤيتها من الدموع التي تجمعت في عينيها بسبب الإهانة والذل اللذين لم يفارقاها يوماً منذ أن أُلقيت في هذا الجحيم، حتى أنها نسيت كيف كانت حياتها من قبل، كيف كان العيش بسلام وكرامة... وحب!
عادت بذاكرتها للوراء منذ خمس سنوات ونصف تحديداً.
كانت هديل في سنتها الجامعية الأخيرة، كانت في طريق عودتها للمنزل مرهقة بعد يوم طويل من الدراسة والعمل الذي يليها مباشرة حتى تستطيع أن تؤمن مصاريف جامعتها وتستقل بنفسها حتى توفر على أهلها بعض المصاريف بسبب ظروفهم المادية التي تتأرجح بين المتوسط وأقل منه قليلاً.
ترجلت من وسيلة الموصلات وهي تسير لبيتها بتعب حتى ظهر أمامها حين اقتربت من مدخل العمارة شخص يقف ينتظرها، حين رآها ابتسم وهو يشير إليها.
اختفى تعبها في لحظة وأضاء وجهها بسعادة وتقدمت إليه بسرعة.
"حسام! أنت واقف كده ليه؟"
اعتدل حسام وابتسم لها بحب:
"هو ده سؤال، مستنيك طبعاً!"
اتسعت ابتسامتها رغم الإرهاق البادي عليها:
"عملت إيه في التدريب النهاردة؟"
تنهد وهو يجيب:
"والله الدنيا لحد دلوقتي ماشية تمام الحمد لله. الموضوع متعب شوية لأنه المحامي اللي بتدرب عنده بيدقق على كل كبيرة وصغيرة."
تابع بحماس:
"تعرفي النهاردة قالي أنه خلاص قربت أترافع لوحدي في المحكمة لو كملت بنفس المستوى ده."
اتسعت عيون هديل بدهشة وهتفت:
"بجد يا حسام؟ أخيراً أنا مش مصدقة!"
أومأ برأسه مؤكداً:
"أيوة أخيراً يا حبيبتي، بعد تلت سنين ونص أخيراً جه الوقت اللي ممكن أترافع فيه لوحدي وكمان احتمال بعد كده أستقل بنفسي في شغل خاص بيا."
لمعت عيناه بالعاطفة وتابع:
"قريب بإذن الله هبقى جاهز علشان أتقدم لك وبعدها نبقى في بيت واحد يا حبيبتي."
احمرت وجنتاها خجلاً وهي تخفض بصرها للأرض، ثم عندما لاحظت أنها تأخرت على المنزل.
قالت له بسرعة:
"همشي أنا علشان اتأخرت بقى."
قال لها بتساؤل:
"طب هشوفك بكرة؟"
ردت هديل بحيرة:
"امتى وفين؟"
ابتسم حسام مجدداً:
"هاجي آخدك من الشغل، إيه رأيك؟"
أومأت هديل بموافقة ثم ذهبت من أمامه بسرعة لتصعد لمنزلها.
حين دخلت تفاجأت برؤية والدها يدخل من الشرفة وشعرت ببعض الخوف من أن يكون قد رآها مع حسام، فرغم معرفة والدها الوثيقة بحسام لأنهم جيران منذ فترة طويلة إلا أنه لن يقبل حين يعلم بعلاقتهما حيث أنه سيرى حسام مجرد شاب مبتدئ في الحياة ربما لا يليق بابنته.
حدق إليها والدها وقال بريبة:
"كنت فين كل ده؟ أنا شوفتك وأنتِ داخلة من مدخل العمارة بقالك ربع ساعة."
أخفت ارتباكها خلف ابتسامة مزيفة:
"ربع ساعة إيه بس يا بابا! دول يدوب خمس دقايق، أنا قابلت منار وأنا طالعة وسلمت عليها."
كان والدها يحدق إليها بنظرة لم تفهمها ورد:
"طيب ماشي."
جالت ببصرها في الشقة وقالت:
"أمال فين إياد وعمر وعلياء؟"
تنهد والدها وهو يجلس:
"عمر وعلياء ناموا من بدري وإياد أمك قاعدة جنبه لأنه لسه تعبان."
تقدمت هديل بقلق:
"هو العلاج مجابش نتيجة ولا إيه؟"
هز رأسه:
"لا، مع أنه الدكتور قال يومين وهيبقى كويس، أنا معرفش ماله ولا المفروض أعمل إيه."
جلست هديل على الأرض أمام والدها وأمسكت بيديه:
"متزعلش يا بابا، بإذن الله إياد هيبقى كويس، أنت بس متشيلش الهم."
ابتسم والدها ابتسامة باهتة، أما هي فنهضت لتبدل ملابسها ثم تناولت القليل من الطعام وخلدت للنوم من الإرهاق.
مر اليوم التالي عادياً وقد أتى حسام لها بعد انتهاء عملها حتى يقضي معها بعض الوقت وهما في طريق العودة للمنزل، وبرغم أنهما يشعران أن ما يفعلانه خطأ كبير فقد كانت هذه الطريقة الوحيدة لهما للتلاقي لأن حسام يعلم أن والد هديل لن يقبل به إلا عندما يصبح جاهزاً مادياً للزواج من ابنته حتى وإن كان يحبه ويعرفه من طفولته!
عادت للمنزل وهي مرهقة مجدداً تحلم باليوم الذي لن تضطر فيه للعمل مرة أخرى وتعيش في منزل مستقل بها مع حبيبها، حين تجمدت مكانها ويدها مازالت على مقبض الباب على صرخة والدتها برعب:
"إياد!"
رواية احرقني الحب الفصل الثالث 3 - بقلم ديانا ماريا
سقط المفتاح من يدها وعلى الفور ركضت لغرفة أخيها.
صدمها المنظر، كان أخيها الذي بالكاد يبلغ عشر سنوات ممدد على الأرض فاقد للوعي ووالدتها تجثو على ركبتيها بجانبه تصرخ وتحاول إفاقته.
ارتبكت هديل ولم تدري ما تفعل حتى أفاقت من جمودها وركضت لأخيها تتحس نبضه وهي تسأل والدتها بقلق:
"في إيه يا ماما ماله إياد؟"
قالت والدتها ببكاء:
"معرفش كان عايز يروح الحمام أول ما قام فجأة وشه احمر أوي وقالي مش قادر أخد نفسي ووقع زي ما أنتي شايفة."
حاولت هديل التفكير بسرعة، فأهداها عقلها إلا أن تخرج هاتفها وتتصل بالإسعاف ليحضروا بسرعة.
ثم جثت بجانب والدتها تنظر لإياد بحزن. لم يكن والدها في المنزل، كان في زيارة لصديقه.
حين حضرت الإسعاف، ذهبت والدتها مع إياد، بينما بقيت هديل مع أخوانها التوأم لتوقظهما وتغير ملابسهما وتذهب بهما للمستشفى وراء والدتها.
في الطريق، انتبهت إلى أنها لم تكلم والدها لتخبره بسبب الذعر الذي كانوا فيه. أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بوالدها لتخبره أن إياد نُقل للمستشفى.
وصلت لوالدتها بعد أن اتصلت بها لتعرف مكانها ووجدتها تقف أمام غرفة الطوارئ.
سألتها هديل بقلق ونظراتها تتنقل بين والدتها وباب الغرفة المغلق:
"ها يا ماما إياد فين؟ قالولك إيه؟"
انهمرت الدموع من عيون والدتها وهي تجيب بقلة حيلة:
"معرفش خدوه جوا والدكاترة عنده لسة محدش طلع ولا قال حاجة."
زفرت هديل بتعب وهي تستند إلى الجدار بجانب والدتها وتضم التوأم لها. اللذان وبرغم عدم فهمهما شيئًا، ولكن شعرا بالجو المتوتر حولهم.
مرت خمس دقائق بين القلق والترقب في خوف حتى فُتح الباب وخرج الطبيب، وفي نفس اللحظة وصل والدها.
اقترب والدها يسأل بقلق:
"ماله إياد حصل إيه؟"
ثم وجه حديثه للطبيب:
"ابني ماله يا دكتور؟"
تنهد الطبيب وهو ينتقل بنظراته بينهم بتردد إلى أن قال بهدوء:
"للأسف اكتشفنا أنه عنده ثقب في القلب."
اتسعت عيون الجميع بصدمة.
شهقت والدتها بذهول:
"ثقب في القلب! أنت متأكد يا دكتور؟"
أومأ الطبيب:
"أيوا يا مدام للأسف ومحتاج عملية جراحية في أقرب وقت."
ازدرد والدها ريقه بصعوبة وهو مازال يستوعب هذه الأخبار:
"طب...طب إزاي يا دكتور؟ طول عمره كان كويس إزاي يجي له الثقب ده دلوقتي إزاي؟"
أشار الطبيب لباب في الجهة المقابلة من الممر:
"طيب تعالوا لمكتبي علشان أقدر أشرح لكم الصورة بشكل أوضح."
تبعوه لمكتبه، وجلست هديل ووالدتها على الأريكة المقابلة لمكتب الطبيب، بينما جلس والدها على الكرسي الذي أمامه مباشرة.
عبث بقلمه قليلا قبل أن يرفع بصره لهم:
"طبعا أنا عارف أنه الصدمة كبيرة عليكم بس ده الواقع. بالنسبة لسؤال حضرتك أنا عايز أسأل سؤال قبل ما جاوبه، هو إياد كانت صحته إيه؟"
عقد ماهر والدها حاجبيه بحيرة:
"صحته إيه إزاي يا دكتور؟ مش فاهم حضرتك."
نظر الطبيب لماهر:
"قصدي أعرف صحته كانت عاملة إزاي طول حياته كويسة ولا ضعيفة وبيتأثر بأي حاجة؟"
ردت والدة هدير بسرعة وهي تفكر:
"أيوا يا دكتور صحيح إياد طول عمره مناعته ضعيفة خالص، من أول وقعة يتعور ومن قبل ما يدخل الشتا يرقد في السرير بسبب البرد والسخونية ملوش في اللعب أوي رغم أنه بيحب يلعب بس كان بيتعب بسرعة وياخد نفسه بالعافية أنا قولت مناعته ضعيفة مش أكتر بس ده ليه علاقة يا دكتور؟"
نبغ الفهم على وجه الطبيب ورد بصراحة:
"أيوا ليه علاقة قوية جدا واضح أنه الثقب كان موجود من زمان بس كان صغير لدرجة متتفرقش بينه وبين تعب أي طفل مناعته ضعيف بس كان بيكبر معاه لحد ما وصل للمرحلة دي ومش هخبي عليكم الوضع صعب وخطير."
وضعت هديل يدها على فمها حتى تمنع صرختها من الخروج وهي تفكر في أخيها المسكين.
تجعدت ملامح والدها بالحزن وقد أثقل كاهله ما يسمعه:
"طب نعمل إيه يا دكتور؟ أنا مستعد أعمل أي حاجة."
أجاب الطبيب بعملية:
"هو محتاج عملية جراحية ولازم يعملها في أقرب وقت ممكن."
رد رضوان بحيرة:
"طب دي تكلفتها كام يا دكتور؟"
قال الطبيب رقم اتسعت عيون كل من في الغرفة حين سمعوه.
قال رضوان بذهول:
"بس ده مبلغ كبير أوي."
ثم تابع بقلة حيلة وشعور العجز يكتنفه:
"هجيبه منين بس؟"
ابتلع ريقه بصعوبة وسأل الطبيب:
"طب هو المفروض يعملها امتى يا دكتور؟ أقدر أعملها فين بمبلغ كويس لأني مش معايا المبلغ ده خالص؟"
رد الطبيب بهدوء:
"المفروض في أسرع وقت ممكن لكن ممكن يستنى وياخد أدويته بانتظام يعني بالكتير تلت أو أربع شهور مش هيقدر يستنى أكتر من كدة. بالنسبة للفلوس للأسف أنا مش عارف لأنه دي عملية صعبة ودقيقة وتكلفتها كبير ممكن تشوفوا التأمين الصحي بتاعه."
نظرت هديل بحزن لوالدها الذي نظر للأرض والتفكير يشغل باله. خرجوا من الغرفة ليروا إياد الذي سمح لهم الطبيب برؤيته.
تألم قلب هديل حين رأت أخاها الصغير ممدد على سرير أبيض شاحب وجسده موصول بعدة أجهزة.
مضت ليلتهم صعبة وقد أصر والدها ووالدتها على عودتها مع إخوانها حتى يرتاحوا في البيت.
لم تنم طوال الليل وهي تفكر في أخيها ومشكلته ونهضت عند الفجر تصلي وتدعو له.
في اليوم التالي اضطرت للذهاب للجامعة وقابلت حسام عندما خرجت كان ينتظرها خارج الكلية.
حين رأته لم تتمالك نفسها وأجهشت بالبكاء الأمر الذي فاجئ حسام.
حاول مواساته ومعرفة الخطب منها إلا أنها كانت تبكي بشدة ولم تهدأ إلا بعد فترة ثم أخبرته بكل شيء.
قال حسام بعطف:
"طب هو عامل إيه دلوقتي يا حبيبتي؟"
هزت رأسها:
"مش عارفة لما كلمت ماما من شوية قالتلي أنه كويس وفايق وبيسأل عليا بس أنا مش قادرة يا حسام مش حاسة أني هقدر ابصله من غير ما اعيط."
ثم انهمرت دموعها مرة أخرى وحسام يناظرها بحزن ويشعر بالعجز لأنه لا يستطيع فعل شيء للتخفيف عنها.
زفر بضيق:
"ياريتني كان في أيدي حاجة أعملها مش قادر أشوفك كدة."
مسحت دموعها ثم أخذت نفسا عميقا:
"هتعمل إيه بس يا حبيبي المشكلة لازم يعني العملية بسرعة وأحنا مش عارفين هنجيب فلوسها منين."
تابعت:
"يلا الحمدلله على كل حال المهم أنا لازم أروح دلوقتي المستشفى."
ظهر التردد على وجه حسام كأنه يريد أن يبوح بأمر ولكنه آثر الصمت.
عقدت هديل حاجبيها بتعجب:
"فيه حاجة يا حسام؟ شكلك عايز تقول حاجة."
تنهد حسام:
"كنت جاي أقولك أنه خلاص هترافع بكرة في المحكمة في قضية ولو كسبتها هكسب منها مبلغ كويس وبعدها افاتح والدك في الموضوع بس..."
قاطعته هديل وقد ظهرت ابتسامة على شفتيها:
"بجد يا حسام؟ طب مقولتش ليه؟"
ابتسم ورفع كتفيه:
"هقول إزاي يا حبيبتي وأنتِ في الحالة دي وهقدر افاتح والدك إزاي في الظروف دي؟"
تغيرت قسمات وجهها للحزن حين تذكرت:
"معاك حق."
قال حسام بضيق:
"أنا تعبت من الوضع ده يا هديل، حاسس إني بقابلك زي الحرامية ومليش حق حتى أقف جنبك وبعدين اللي بنعمله غلط ولازم ينتهي أنا عايز نبقى في النور قدام كل الناس ومتخافيش نتقابل ولا لازم تمشي بسرعة كأننا عاملين جريمة."
قالت هديل بأمل:
"بس أنا متأكدة أنه كل حاجة هتبقى كويسة بإذن الله، ربنا يحلها من عنده."
ابتسم مؤكدا على حديثه ثم أوصلها للمستشفى وقد قرر الرجوع لاحقا للزيارة ولكن دون أن يعلم والدها أنه عرف من هديل.
وبسبب عدم توفر نقود العملية لم يعد هناك حاجة من بقاء إياد في المستشفى فخرج مع تشديدات الطبيب على تناول الدواء بانتظام وعدم إجهاد نفسه أو التحرك كثيرا.
مرت الأيام وهديل تراقب والدها يحاول إيجاد حلول وطرق كل باب ممكن حتى يستطيع توفير نقود عملية أخيها ولكن بدون فائدة حتى أنها فكرت أن تأخذ سُلفة من عملها ولكنها لا تتقاضى الكثير مما يمكن أن يساعد.
ما طمأنهم قليلا رغم الحزن أن صحة إياد جيدة وطالما لا يتحرك كثيرا أو يتعب فهو بخير.
قابل حسام هديل وسألها إن كان الوقت مناسبًا للتكلم مع والدها في الموضوع خاصة وأن صحة إياد مستقرة وهو يرغب بأن يكون موجودًا معها في هذا الوقت الصعب.
في ذلك اليوم كانت هديل متوترة للغاية ولكن متحمسة في الوقت ذاته لأن حسام أتصل بوالدها وطلب مقابلته اليوم.
تظاهرت هديل بالدهشة حين أخبرهم رضوان أن حسام جارهم سيأتي اليوم لأنه يريده في أمر هام وبعيدا عن نظرات والدها استطاعت هديل أن تكتم ابتسامة السعادة التي كادت تظهر على وجهها.
حين رن جرس الباب ارتجفت وهي تدرك أنه أتى أخيرا. لقد أتى لوحده حتى يحدث والدها مبدئيا في الموضوع.
ارتجف قلبها حين سمعت صوته في الخارج ووالدها يرحب به بهدوء.
تسللت على أطراف أصابعها ووقفت خلف ستارة تشاهد من بعيد حسام وهو يجلس أمام والدها.
كان حسام متوترا بعض الشيء ووالد هديل يترقب ما سيقوله.
استجمع حسام كل شجاعته وقال لوالد هديل بحزم:
"يا عمي أنا كان فيه موضوع عايز اتكلم مع حضرتك فيه من بدري بس كنت متردد بسبب الوضع الحالي."
صمت لوهلة ثم أردف:
"عمي أنا حابب أطلب أيد بنتك هديل."
ظل وجه رضوان لثانية بدون تعبير قبل أن تتغير قسمات للغضب الشديد وقد نهض وهو يصيح بحسام:
"أنت اتجننت! إزاي تقول اللي بتقوله ده قوم اطلع برة!"
رواية احرقني الحب الفصل الرابع 4 - بقلم ديانا ماريا
سعت عينا حسام وهو لا يستوعب ما قاله والد هديل الذي تابع حديثه غير آبه بشحوب وجه حسام:
"إنت إزاي تفكر تيجي لبنتي؟ يعني أنا على آخر الزمن هجوزها كحيان زيك؟"
شحب وجه حسام بشدة من الكلام الجارح الموجه إليه ونهض بحدة مستهجن الحديث الموجه إليه:
"إيه الكلام ده يا عمي؟ أنا غلطت في إيه لكل الكلام الجارح ده؟ أنا طالب إيد بنتك بالحلال لأني عايزها تبقى مراتي."
نظر إليه والد هديل بصرامة:
"طلبك مرفوض وهعتبر نفسي مسمعتش حاجة حساب العِشرة اللي بيننا إنما أنك تبص لبنتي معناها أنك خونت الأمانة وتنتهك حرمة البيت..."
قاطعه حسام بقوة مدافعا عن نفسه ومستغرب في ذات الوقت من الكلام الذي لا تستوعبه أذناه:
"إيه الكلام اللي بتقوله ده ياعم رضوان! أنا عمري ما اخون الأمانة أبدا وأنت عارفني ومربيني على إيدك من ساعة ما بابا مات عمري ما تخيلت تقول عني حاجة زي كدة ولا الكلام ده يطلع منك بالذات ده لو ألف واحد قال كدة المفروض أنت اللي تكدبهم مش تقوله عليا!"
نظر له رضوان وقد جمدت ملامحه:
"اطلع برة يا حسام لحفظ أي ود كان بيننا في يوم من الأيام."
نظر له حسام غير مصدقا للحظات قبل أن ينهض ويغادر تحت عيون هديل الباكية التي كانت تراقب خروج حسام هي الأخرى بعدم تصديق لما حدث، كام يمر بقربها حين توقف وعيونه تقابل عيونها للحظات استطاعت هديل أن ترى الألم في عينيه وكم جُرحت كرامته ثم تابع مسيرته حتى خرج من البيت.
على الفور ذهبت هديل لوالدها الذي كان يعطي ظهره لها.
"ليه عملت كدة؟ ليه رفضته؟ ليه بالطريقة دي؟"
استدار لها والدها وقد عقد حاجبيه:
"وأنتِ كنت بتسمعينا؟ ليه؟ كنت عايزاني أوافق على الكحيان ده؟ ده بيلاقي يأكل بالعافية!"
ردت هديل بصوت متحشرج:
"أيوا توافق أنت عارف أنه ظروفه على قده بس هو مكافح وبيعافر علشان يبقى أحسن يبقى ليه تهينه بالشكل ده؟"
رد والدها بحنق:
"علشان يعرف مكانه أنا طول عمري بحلم لك بجوازة كويسة تعيشي مع راجل يريحك ونسب كويس تتشرفي بيه مش حسام! ده يتيم وملوش أهل هياخدك علشان تخدمي أمه العيانة يا عبيطة!"
حدقت إليه هديل بقهر:
"بس أنا بحبه ومش عايزة غيره. حتى لو مش عجبك مكنتش تجرحه كدة!"
أجاب والدها بحدة:
"هديل! أنا مسمحلكيش تتكلمي معايا كدة، أنا عايز مصلحتك وأنتِ مش شايفة كدة، أنا كنت مطمن أنه عمره ما هيبص لك ولا ينتهك حرمة البيت."
قاطعته هديل باستنكار:
"أنت مصدق بجد؟ حسام عمره ما عمل كدة! عمره ما خان الأمانة ولا انتهك حرمة البيت ولا عمل معايا تصرف مش كويس فيها إيه لما يتقدم لي لأنه عايز يتجوزني زي أي شاب؟"
رفع والدها حاجبه:
"ليه حضرتك فاكراني مغفل ومشوفتكيش وأنتِ واقفة معاه؟"
الجم رده لسان هديل فلم تستطع الكلام فتابع والدها بقسوة وقد رأى ردة فعلها:
"شوفتي أني عارف ومش أهبل زي ما أنتِ فاكرة؟"
حاولت هديل الشرح:
"يا بابا.."
أنهى الكلام بحركة من يده:
"مش عايز أسمع حاجة، دلوقتي أنتِ فاكر أني بظلمك بس أنا بعمل كل ده لمصلحتك وبكرة هتشكريني."
لم تجد ما تقوله فذهبت من أمامه وولجت لغرفتها، بكت طوال الليل بحسرة وحين حاولت الإتصال بحسام لم يرد وفي المرة الثانية وجدت هاتفه مغلق مما زاد من بُكائها وقد جفا النوم عيناها.
كانت في جامعتها وعملها لا تستطيع التركيز وهي تتصل بحسام كل دقيقة تقريبا وتجده مازال مغلق، حتى وجدته بانتظارها وهي خارجة من عملها.
أسرعت إليه بقلق:
"حسام أنا حاولت اتصل عليك مكنتش بترد عليا وتليفونك كان مقفول، كنت فين؟"
صمتت للحظة لتمر عيناها على مظهره المتعب، وجهه المجهد وعيناه المتعبة من أثر قلة النوم.
تنهد قبل أن يرد:
"كنت محتاج وقت يا هديل بعد اللي حصل أنا لحد دلوقتي مش مصدق أنه عم رضوان قالي الكلام ده كله."
لمعت عيونها بالدموع وهي تنظر للأرض:
"ولا أنا يا حسام بس أنا آسفة بجد صدقني.."
قاطعها بتعب:
"مفيش داعي تعتذري أنتِ معملتيش حاجة."
أجابت بصوت متهدج:
"بس أنت اتجرحت أنا عارفة لازم أعتذر."
قال حسام بحيرة:
"أنا اللي مش فاهمه ليه عم رضوان عمل وقالي كدة؟ أنا كنت فاكره بيحبني."
صمتت هديل بالطبع لن تقول له ما حدث بعد مغادرته وتفكير والدها به.
رفع حسام رأسه بإصرار:
"بس أنا مش هستسلم يا هديل متخافيش أنا هشتغل أكتر ما بشتغل دلوقتي هثبت أني استاهلك أنا بحبك ومش هيأس."
انهمرت دموع هديل بمزيج من الألم والأمل وهي تومأ برأسها:
"وأنا هفضل مستنياك صدقني وهحاول أتكلم مع بابا، بس مش عايزك تزعل ولا تحط في دماغك اللي قاله، يمكن علشان مضغوط من موضوع إياد إنما هو أكيد مكنش يقصد."
ظهر في عيونه شعوره المعذب:
"أنا كرامتي اتجرحت امبارح والمشكلة أني مش فاهم حتى ليه بس أنا بحبك، أنا قليل يا هديل أنا استاهلك."
ردت هديل بحزم محاولة مطمئنته:
"لا طبعا يا حسام أنت تستاهل اللي أحسن مني كمان."
رد حسام بحب وهو يتأمل ملامحها:
"هو فيه أحسن منك في الدنيا دي؟"
احمرت وجنتاها خجلا وقد نسيت لبرهة معاناتهم ثم غادرت لتعود للمنزل، مرت الأيام بدون تغيير كانت هديل لا تتعامل مع والدها إلا قليلا حتى يشعر بحزنها ومعاناتها التي تسبب بها وإياد التي كانت حالته مستقرة أحيانا ويتعب أحيانا ولكن بدون شيء خطير، في تلك الأثناء كان حسام يتواصل معها كل فترة حتى يطمئن عليها ويطمئنها أنه لن يستسلم.
حتى عادت في يوم لتجد والدها يجلس في الصالة مع رجل غريب، ألقت السلام عليهم ودخلت لغرفتها بدون اهتمام، لم ترتح لذلك الرجل أو نظرته رغم أن لقائهما لم يتعد الثواني.
بعد قليل سمعت والدها ينادي عليها فخرجت له، أشار لها لتجلس فجلست أمامه بترقب.
صمت والدها للحظات قبل أن يتحدث بنبرة هادئة:
"جاي لك عريس."
صُدمت هديل التي رددت:
"عريس؟"
أومأ والدها:
"اه، ظافر حسنين اتقدم لك وأنا مبدئيا موافق."
فكرت بذهول للحظات في الاسم الذي قاله والدها ثم صاحت بدهشة:
"اللي كان هنا؟ أنا حسيت إني شوفته قبل كدة بس أنت أكيد بتهزر!"
تحدث والدها بصرامة:
"أنتِ إزاي تتكلمي مع والدك كدة! اتأدبي شوية."
نهضت بعدم تصديق:
"عايزني أتكلم إزاي وأنت عايزني اتجوز واحد أكبر مني ب ١٨ سنة!"
رد والدها بتعجب:
"وفيها إيه؟ مش باين عليه والراجل كويس وتاجر أخشاب وموبيليا معروف وهيعيشك أحسن عيشة."
أصدرت صوتا يدل على عدم التصديق وردت وهي تحاول أن تستوعب وجهة نظر والدها:
"بس سمعته معروفة أنه رجل شديد وأكبر مني أنا يدوب ٢٢ سنة وهو ٤٠ وبعد كل ده أنا بحب واحد تاني!"
رد والدها بغضب:
"أنتِ لسة بتفكري في الموضوع ده؟"
أجابت بقوة:
"ولا عمري هنساه أنا بحب حسام وهو بيحبني ومش عايزة غيره"
صاح والدها بحنق:
"وأنا قولتلك مش هتتجوزيه هتفرحي لما تشحتي معاه ولا ينزل يشغلك علشان تساعديه؟ ولا تبقي خدامة لأمه المريضة؟"
لم تستطع فهم والدها الذي تغير فجأة وردت تدافع بصوت قوي:
"هفرح معاه بأي وضع المهم أنه بحبه وبيحبني ومش هبقى خدامة ولا حاجة هو مش هيخليني محتاجة حاجة."
سخر والدها قائلا:
"إزاي وهو يدوب مكفي نفسه وأمه؟ أنا عايز لك الأحسن مش راضية تفهمي ليه؟"
ردت بألم ودموعها تنهمر من الإحساس باليأس الذي غمرها:
"الأحسن ده مش أحسن ليا ولا هيسعدني أنا مش عايزة."
قال والدها باحتدام وهو يرمقها بامتعاض:
"لأنك لسة صغيرة ومش فاهمة حاجة أنا عارف مصلحتك وبعدين أنتِ أنانية."
أصمتتها الدهشة لثواني قبل أن ترد:
"أنا أنانية؟"
أجاب والدها بلوم:
"ايوا أنانية بتبصي لنفسك وبس مش شايفة أنه دي كمان هتبقى فرصة لأخوكِ يعمل العملية، الراجل لما عرف حالته قالي أنه هيعمله العملية على حسابه علشان يبسطك وأنتِ حتى مش مدية لنفسك فرصة تفكري."
جلست هديل بعد أن شعرت برجليها واهنة ولا تستطيع حملها بعد ما سمعته بينما تابع والدها وهو يصر على أن يُشعرها بالذنب:
"حسام ده مش هيأكلك عيش لازم تفكري في نفسك وفينا الرجل كويس وهيقدر ينقذ أخوكِ اللي أنا عاجز أعمله حاجة فيها إيه أما تختاري مصلحتك؟"
رفعت هديل عيونها وهي تهمس بصوت معذب:
"طب وأنا ذنبي إيه؟ ذنبي إيه اتجوز واحد مش عايزاه ومبحبوش؟"
حاول والدها إقناعها:
"أنتِ شايفة أنه ده ذنب بس بالعكس ده فرصة جديدة بتتفتح لك هتبقي عايشة حياة أحسن مش محتاجة حاجة."
أغمضت عيونها بشدة وهي ترتجف حتى فتحتها وهي تواجه والدها برجاء:
"بس أنا مش عايزة يا بابا أنا مش موافقة."
تغضن وجه والدها بالغضب حتى نهض وقال لها بعتاب:
"يبقى أي حاجة هتحصل لأخوكِ أنتِ السبب فيها كان في إيدك تنقذيه ومعملتيش حاجة هتقفي بس تتفرجي عليه وهو بيموت."
ثم تركها وبقيت هي جالسة مكانها تبكي بقهر حتى أتت والدتها التي كانت تستمع لكل شيء لكنها لم تجرؤ على التدخل بسبب تحذير زوجها لها سابقا وأنه سيقنع هديل.
ضمتها لها وهي تقول بحنان ممزوج بالحزن:
"متزعليش يا حبيبتي ومتشليش هم حاجة أنتِ مش ذنبك ولا ملزومة تعملي حاجة."
بكت هديل فقط بحرقة حتى تورمت عيناها، كانت جالسة في غرفتها تضع يدها على خدها، لا يتوقف عقلها عن التفكير تارة تخبر نفسها أنها ليست ملزمة بفعل ذلك وتارة لا تستطيع التوقف عن التفكير بأن لديها الفرصة لتنقذ أخيها الحبيب.
ازدادت دموعها حين تذكرت حسام وقلبها يهفو له بلوعة، فجأة سمعت صراخ والدتها فخرجت تركض بفزع.
كان إياد فاقد للوعي ولكن الأمر الذي يثير الرعب وجهه الشاحب بشدة وشفتاه التي تحول لونهما للازرق، وانتفاخ بطنه الغريب.
انحنت عليه وهي تحاول أفاقته، كانت تشعر بالارتباك ثم تذكرت دكتور الصيدلية الموجودة أسفلهم فركضت تحضره، حين رأى إياد أخبرهم أن نبضه ضعيف للغاية ويجب نقله للمستشفى فورا ثم تولى هو مهمة الإتصال بالإسعاف.
بعد أن علم والدها حضر بسرعة وذهبوا جميعا للمستشفى، ينتظرون بالخارج والقلق ينهش قلوبهم.
خرج الطبيب وقد أخبرهم أن حالة إياد تدهورت بشدة وأنه يحتاج لإجراء العملية اليوم قبل غد خاصة وأنه ظهر لديهم في الأشعة القلبية قصور في القلب يجب علاجه في الحال.
زفرت هديل بألم وفجأة أتت عيونها في عيون والدها الذي نظر لها بعتاب ولوم لم تتحمله فأشاحت ببصرها عنه، حين رأوا أخاها من بعيد انفطر قلبها عليه وعلى مظهره، كانت تلك اللحظة الفاصلة في كل حياتها حين قررت انتزاع قلبها ودفنه مقابل قلب أخيها.
سارت حتى والدها الذي يجلس على مقعد الانتظار ورفع رأسه حين وقفت أمامه.
بوجه خالي من أي تعبير وعيون مفرغة من الإحساس تحدثت هديل قائلة بجمود:
"أنا موافقة اتجوز ظافر."
رواية احرقني الحب الفصل الخامس 5 - بقلم ديانا ماريا
الجزء الخامس
هزت رأسها تحاول أن تخرج من دوامة الماضي، غامت عيون هديل تسترجع تلك الذكريات منذ موافقتها على الزواج من ظافر، نهضت من على الأرض لتسير ببطء حتى وقفت أسفل رذاذ المياه وفتحته لينهمر شديدا عليها والذكريات تمر أمامها عيونها كأنها الأمس.
لم ترد مواجهة حسام، لم تستطع ولم تعرف كيف ستقف أمامه وتقول ببساطة أنها ستتزوج رجُل آخر غيره حتى وإن كان ذلك لمصلحة أخيها.
بعد موافقتها لم يضيع والدها الوقت واتصل على ظافر يخبره بالموافقة وشرط إتمام ذلك الزواج بسرعة هو دفع النقود اللازمة لعملية إياد وبدوره حضر ظافر بعد ساعة مع النقود، تجنبت هديل النظر إليه، لم ترتاح له للحظة أو لنظراته ولا حتى لحديثه المعسول، كان هناك شعور من الغثيان يحوم في معدتها سيطرت عليه بصعوبة وهي تقف بجانبهم.
بعد أن خضع إياد للعملية ونجحت، تنفست بارتياح قبل أن تدرك حجم ما ينتظرها بعد أن صفى ذهنها من مشكلة أخيها، كانت خائفة وحزينة ولكنها لم تستطع فعل شيء خصوصا أنه إياد مازال يحتاج لعناية تتطلب نقود كثيرة وقد تحدد ميعاد كتب كتابها مع الزفاف بعد عشرة أيام لم تتوقف خلالها عن البكاء قط.
لم ترد على إتصالات حسام أبدا حتى أنها اختبأت منه عندما رأته ينتظرها خارج عملها وقد أخبرت زميلتها أن تخبره أنها لا تأتي إن سألها، كان ذلك اليوم الأخير لها في العمل قبل أن تستقيل.
في يوم الزفاف كادت تدمى عيناها من شدة البكاء و تضع يدها على قلبها الذي تشعر به مشقوق لنصفين قبل أن تدخل عليها والدتها وتحدق إليها بحزن لقد حاولت إقناع زوجها والتحدث معه لكنه أوقفها بحجة أنه قد تم الأمر وانتهى.
ضمت إليها وهي تحاول مواساتها: يا حبيبتي متعمليش في نفسك كدة، مش يمكن يطلع كويس ويسعدك.
ردت هديل بحرقة: بس مش اختياري ولا عمره هيكون أنا بحب حسام ليه كدة؟
انهمرت دموع والدتها عليها ولم تجد ما ترد به عليها.
بعد قليل أتت بعض الفتيات للاهتمام بها ومساعدتها على الاستعداد حين انتهت من وضع زينة الوجه وارتداء الفستان كانت في عالم آخر، لم ترى جمالها في المرآة رغم أنها كانت تنظر لنفسها، لم تستطع رؤية جمال شعرها المنسدل على ظهرها بسواده الحالك وعيناها البنيتان المزينتان بإتقان ولا جمال بشرتها الخمرية الذي أبرزه فستان الزفاف، شعرت أنها تنظر لشخص غريب لا تعرفه وأنها في عالم منفصل خاص بها وما يحدث لا يعنيها.
خرجت لتجد ظافر يجلس مع والدها، ضاق صدرها بشدة وفي النهاية تحاملت على نفسها وجلست، تم كتب الكتاب تحت جمودها وعدم إبدائها أي ردة فعل، حين أتى والدها ليسلم عليها نظرت له بجمود جعلها يتجمد مكانه للحظات ثم يتراجع ربما لم تستطع أن تنطق بالرفض علانيا لكنه رآه في عينيها بوضوح.
كانت تسير مع ظاهر في زفة بسيطة حين كان حسام عائدا من عمله الثاني الذي وجده بعد رفض والد هديل له، كان مرهقًا للغاية ومشتت التفكير بسبب اختفاء هديل الذي لم يعرف له سببا، انتابه القلق عليها وصمم أن يحاول الوصول لها غدا حين تجمع للناس وعلم أنها زفة لعروسين، ابتسم نصف ابتسامة وهو يتقدم حتى يعبر لمنزله وبالمرة يلقي نظرة سريعة، كان يحمل حقيبته على كتفه وتقدم حتى جمدت عيناه حين وقعت على المنظر الذي أمامه.
شلت الصدمة تفكيره كليا فعجز عن استيعاب ما يرى، وقعت الحقيبة من بين يديه ونظراته مسمرة أمامه.
هديل ترتدي فستان رفاف ويدها بيد رجل آخر!
في تلك اللحظة انتبهت هديل له، حدقت إليه وعيونها تناجيه بألم، مزق قلبها عيونه التي لا تصدق ماتراه ووجهه الذي يظهر عليه العذاب الخالص حتى فجأة انهمرت دمعتان على خده وهو يهز رأسه بإنكار.
كادت هديل تنهار لمرآه عيناها تتوسل المسامحة، سقطت دمعة على خدها بغير وعي منها حتى شعرت بقبضة قاسية تشد على يدها.
نظرت بجانبها لتجد ظافر ينظر لها بابتسامة وعيونه متوعدة، غاص قلبها من الخوف بالتأكيد لاحظ ماحدث الآن لذلك اصطنعت ابتسامة وهي تنظر أمامها وتتجاهل حسام الذي مازال يقف بصدمة.
حين دخلت للمنزل معه كانت برفقتها والدتها التي ولجت معها لغرفة النوم حتى سمعت زوجها يناديها فغادرت رغما عنها.
كانت جالسة بتوتر ممزوج بالخوف حين دخل ظافر لغرفة النوم وأغلق الباب ورائه، جلس بجانبها على السرير ثم مرر يده على ذراعها فارتجف جسدها باشمئزاز وهي تبتعد عنه.
قالت هديل بارتباك: لو...لو سمحت ممكن بس شوية وقت.
ضحك ظافر فنظرت له هديل باستغراب فجأة أمسك بشعرها مما جعلها تصرخ وجذبها إليه وقد تغضن وجهه بشكل بشع للغاية.
قال ظافر بخبث: وقت ليه يا حبيبتي علشان متوترة ولا علشان تنسي حبيب القلب؟
ذُهلت هديل وردت بتوتر: ح.. حبيب القلب؟
ضحك ظافر بسخرية: أنتِ فاكراني عبيط؟ لا يا حبيبتي عايزك تفهمي أنه جوزك مش بيفوت عليه حاجة بس أنتِ عملتي الصح لمصلحته ومصلحتك ودلوقتي المهم بقيتي بتاعتي أنا.
فجأة مزق الجزء الأمامي من فستانها فصرخت هديل وهي تحاول الإفلات منه وتغطية نفسها حتى ألقاها على السرير وأكمل فعلته الهمجية غير آبه بصراخها ولا توسلاتها للرحمة!
عندما أتت والدتها في اليوم التالي، كان ظافر يجلس في الصالة فجلس معه والدها بينما دلفت والدتها لتجد هديل جالسة على السرير تضم ركبتيها إلى صدرها وترتجف بشدة، كان منظرها غير طبيعيا وهي تغطي نفسها الكحل يسيل على خديها من شدة البكاء وتحدق أمامها برعب.
أسرعت إليها والدتها بقلق: مالك يا حبيبتي في إيه؟
لم ترد هديل فقالت والدتها بخوف: يا حبيبتي ردي عليا يا بنتي متخوفنيش.
شهقت هديل وهي تحدق إليها بدهشة كأنها تستوعب وجودها الآن فقط.
بدأت تبكي بصوت عالي وهي تردد بهيستيريا: ده وحش يا ماما وحش! ده مش بني آدم ده وحش يا ماما!
ضمتها والدتها إلى صدرها وهديل مازالت في حالة الانهيار التي بها، بكت والدتها على حالتها وحين خرجت لتسأل ظافر عما فعل بابنتها أخبرها ببرود أنها زوجته وليس لأحد شأن بما يفعله بها.
كانت تلك أول إشارة يلاحظها والدها ولكنه تجاهلها معتبرة أن زوجته ربما تبالغ بسبب ضيقها على ابنتها، بعدها بدأ الجحيم الحقيقي بالنسبة لهديل التي لم تجد راحة في يوم أبدا فعندما لا يكون لظافر مزاج لمعاقبتها يجد تسلية رهيبة في مضايقتها بالكلام.
مرة واحدة فقط أخطأت حين حاولت مواجهته بشجاعة وقد دفعت ثمنها غاليا فقد ضربها بشدة مما سبب لها مشاكل في الرحم تمنعها من الإنجاب وقد اتخذ ظافر ذلك سببا جديدا لزيادة البؤس الذي تعيش به.
خرجت هديل من تحت رذاذ المياه بعد أن اقفلته ثم وقفت تنظر لنفسها في المرآة، تطلعت لوجهها المرهق وقد أضاف الحزن له سنوات على عمرها، شعرها الذي كان يصل لمنتصف ظهرها قد قصه ظافر في نوبة غضب حتى كتفيها وجسدها الذي كان منفس غضبه لضربها وتعنيفها.
على مدى سنوات عمل ظافر على التقليل من شأنها ومعايرتها خاصة حين أصبحت غير قادرة على الإنجاب مما أفقدها الثقة في نفسها بشكل كامل فرأت نفسها أقل رتبة من أن تكون إنسان لها مشاعر وحقوق وقد تحولت لإنسان آلي تعيش الحياة فقط كما متوقع، والدها الذي كان مزهوا بذلك الزواج كانت صدمته عظيمة حين ذهبت له لأول مرة وهي مضروبة بشدة والكدمات تظهر واضحة عليها، وعندما ذهب ظافر لإعادتها للمنزل اعترض والدها ولكن أصبح ذلك الاعتراض في طي النسيان حين أوضح ظافر بتهديد وبشكل واضح أنه لا يحق لأحد التدخل.
ولأول مرة كان يدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه في حقها ومنذ خمس سنوات وحتى الآن لم تنظر لوجهه أو تحادثه ولم يكن له الجرأة أو الشجاعة حتى يعتذر منها.
تنهدت وهي تخبر نفسها أن ذلك أصبح ماضي لا يجب التفكير فيه، مرت عدة أيام بعدها كان حسام لا يذهب من تفكيرها، تذكرت بمرارة كيف أنها بعد الزواج كانت خائفة من أن تقابله يوما، كانت خائفة من مواجهة عيونه لقد تقابلا بالصدفة عدة مرات في أول مرة عاتبتها عيونه بلا رحمة ثم بعدها عاملها وكأنها شخص لم يعرفه يومًا.
تذكرت كيف أصبح الآن بعد مرور خمس سنوات وقد اقترب من إكمال عامه الثاني والثلاثين، وجهه الذي كان لطيف فيما مضى أصبح الآن قاسيًا وكأنه لم يعد يعرف الابتسام، عيونه العسلية التي كانت دافئة أصبحت باردة ولا تظهر فيها أي نوع من المشاعر، لقد تغير حسام من شاي وأصبح رجُل ولكنه رجل ليس ولن يكون لها أبدا!
حان يوم ميعاد زيارة والديها فأنهت هديل كل أعمالها حتى تذهب مبكرا وتقضي مع إخوانها ووالدتها أطول وقت ممكن.
حين عاد ظافر قالت بهدوء: أنا خلصت كل حاجة والغدا جاهز أقدر أروح دلوقتي لأهلي؟
كان يغير ملابسه فرد ببرود: مفيش مرواح لأهلك.
ردت هديل بدهشة: يعني إيه؟ النهاردة ميعاد أني أروح لهم وأنت عارف أنا بستنى اليوم ده أد إيه يبقى ليه مش رايحة؟
رفع حاجبه وقال باستفزاز وهو يرتدي قميصه: كدة مزاجي مش عايزك تروحي المرة دي.
كتمت غضبها وهي تجيبه بصوت مخنوق: بس أنا مش بروح غير مرتين أو تلاتة في الشهر.
نفخ بضيق: بقولك إيه اسمعي الكلام أنا مش عايز وجع دماغ.
لم تتحمل فقالت بقهر: بس أنا عايزة أروح لأهلي أنا زهقت أنا بقعد طول اليوم مش بعمل حاجة أصلا حرام عليك!
كان يُمسك بحزامه ليرتديه حين لوح به فجأة ناحيتها، صرخت هديل من الألم وهي تضع يدها على خدها وتركض إلى المرآة لتجد أن هناك جرح رفيع على طول خدها بالعرض حتى قبل فمها بقليل.
أكمل ارتداء ملابسه وهو يقول بغضب: عايزة تروحي لأهلك غوري ولية نكد أنا مش عارف إيه العيشة دي، عكرتي مزاجي أنا مسافر ومش راجع إلا لما أنسى القرف ده.
غادر وتركها واقفة مكانها مازالت تنظر للجرح الذي بدأ ينزف بدموع محبوسة في مقليتها، بهدوء ارتدت ملابسها وحاولت تخبئة جرحها وهي تسير في الشارع حتى تصل لبيت أهلها.
كانت تشعر بالوهن والضعف ولكنها تتحامل على نفسها حتى تصل، صعدت السُلم بصعوبة وهي تتمسك بدرابزين السلم بأقصى قوتها حتى لا تقع، بدأت تشعر بركبتيها ترتجف ولكنها أكملت صعود والعرق يتصبب على وجهها.
وصلت حتى بسطة السلم قبل طابق شقتهم مباشرة وشعرت أن أنفاسها تضيق والأرض تميد بها، كانت آخر ما رأته عيونها وهي تقع وجه حسام المرعوب وهو يهبط بسرعة لها ويديه تمتد إليها لتمنعها من الاصطدام بالأرض ثم فقدت الوعي.
شكرا لتفاعلكم وكلامكم الحلو❤️
إيه رأيكم وتوقعاتكم يا حلوين ❤️؟
رواية احرقني الحب الفصل السادس 6 - بقلم ديانا ماريا
الجزء السادس
كانت تشعر أنها تُحمل على الهواء هناك يدان ترفعانها، كان رأسها ثقيل فلم تستطع فتح عيونها في بداية الأمر.
كان حسام يحمل هديل ويصعد بسرعة لشقة والديها، نظر لوجهها الشاحب بقلق يطل من عيونه، رفع يده التي تحت رأسها قليلا ليصل لجرس الباب.
حين فتحت والدتها الباب شهقت بذعر وهي تضرب صدرها بيدها: يالهوي حصل إيه؟ مالها بنتي؟
تحدث حسام بحدة: مش وقته الكلام ده لو سمحتِ أوعي علشان نشوف مالها الأول.
تحركت والدتها بسرعة من أمام طريقه لتسمح له بالدخول، دلف حسام وهو يحمل هديل بين يديه.
أشارت له والدتها: دخلها هنا يابني.
ثمار تابعت بحسرة: إيه اللي حصلك بس يا بنتي.
وضعها حسام على السرير وهو يعدل من وضعيتها بينما أتت والدتها التي ما إن رأت وجهها بوضوح حتى قالت بصدمة: إيه اللي في خدها ده؟
لم يلتفت لها حسام وقد توقف يتأمل هديل، لم يعلم أحد مشاعره الحقيقية لأنه قد غطى وجهه بقناع من الجمود رغم قلبه الذي يتآكل من القلق على مظهرها، فتحت هديل عيونها ببطء شديد لتقابلها عيون حسام العسلية.
لمعت عيون هديل وهمست بضعف: حسام!
ثم أغلقت عيونها مرة أخرى بتعب، كان على وشك أن يمد يده لوجهها حين قبض عليها بشدة ليمنعها من أن تمتد إليها وهو يزدرد ريقه بصعوبة، المرارة التي سكنته لسنوات غمرت قلبه في هذه اللحظة بالذات ولكن كل ذلك كان بداخله فقط خلف البرودة المرتسمة على ملامح وجهه.
نهض قائلا بجدية: الأحسن تطلبي ليها دكتور، أنا ممكن أكلم دكتور صاحبي ولو حضرتك احتاجتي حاجة أنا تحت أمرك.
ثم غادر ووالدة هديل تقول بامتنان: تسلم يابني ربنا يحفظك ويبارك لك يارب.
جلست والدتها بجانبها وهي تمسح على شعرها بحنان ودموعها تنزل بحزن عليها: حصلك إيه يا بنتي؟ ياللي مكتوب عليكِ الفرح يسيب بابك ولا تعرفي الراحة للحظة، شايلة شيلة مش شيلتك وساكتة علشاننا كلنا وناسية نفسك.
اتصلت بوالدها الذي صُدم من منظر ابنته ووقف ساكنا ثم حضر الطبيب الذي اندهشوا عندما رأوه ولكنهم علموا أنه من طرف حسام فدعت له والدتها بامتنان، فحصها الطبيب وقد أقر أن لديها إجهاد نفسي وجسدي شديد وذُهل عندما رأى الجرح الذي في خدها ولكنه ضمده على قد ما تسمح به إمكانياته وقد شدد على الراحة التامة.
سألهم الطبيب كيف حدث الجرح فنظر والداها لبعضهما بارتباك قبل أن يتحدث والدها: وقعت يا دكتور واتخبطت في السُفرة.
رغم عدم اقتناع الطبيب ولكنه يعلم أنه لا يصح أن يتدخل فهز رأسه وأعطاهم ورقة الدواء وغادر.
لحقت والدتها بوالدها حين ودع الطبيب وقالت بعتاب: إيه رأيك؟ عاجبك شكلها كدة؟
عقد حاجبيه باستغراب: أنتِ بتقولي إيه؟
ردت آمال بحسرة: إيه قولت حاجة غريبة؟ بقولك إيه رأيك في بنتك وهي جاية مضروبة وواقعة على السلم والغريب هو اللي شالها وجابها؟
تضايق والدها ولم يجب فصاحت به آمال: دلوقتي جاي تسكت؟ هتسكت ليه؟
اتسعت عيناه بدهشة: أنتِ بتزعقي فيا يا آمال؟
ردت بقهر: أمال عايزني أسقف لك؟ مش شايف حالة بنتك؟ مش دي الجوازة اللي كنت طاير بيها؟ وهتسعدها وتريحها؟ إيه قلبك مش بيأكلك عليها وأنت شايفها بالشكل ده؟ مش دي غلطتك!
أشاح عيونه عنها: غلطتي أنا؟
أجابت بتأكيد والدموع تنسكب من عينيها لوعة على فلذة كبدها: أيوا مش أنت اللي جبرتها على الجوازة دي؟ كنت شايفها كل يوم وهي بتعيط وعملت نفسك أعمى حرمتها من الشاب اللي بتحبه وضحيت بيها! عارف مين اللي شالها لحد هنا؟ اللي أهنته من كام سنة ورفضته وطردت من بيتك.
حاولت تبرير موقفه بانزعاج: أنا كنت عايزها تعيش مرتاحة وفي وضع كويس كان هيعملها إيه بفقره؟
كانت هديل قد استيقظت أثناء شجارهم، تستمع لهم من مكانها ودموعها تنهمر بصمت، سمعت والدتها ترد باستهزاء: ليه؟ ما الفقير اللي رفضته ده بقى محامي أد الدنيا وسمعته سابقاه، الناس كلها بتحكي وتتحاكي عليه، والكحيان اللي طردته من بيتك بقى معاه فلوس لدرجة بيصرف على الفقير والمحتاج والمسكين ومفيش حد محتاج في المنطقة خيره مش عليه شوفت الدنيا دوارة إزاي يا رضوان؟
لم يجد ما يرد به إلا أنه قال بصوت مخنوق: ساعتها مكنش فيه وقت علشان خاطر إياد.
ازداد حنقها منه وقالت حانقة تكتنف نبرتها خيبة الأمل: وهي كان ذنبها إيه تشيل مسؤولية مش بتاعها؟
كل ذنبها أنها عندها اب أناني وجبان!
التفت لها على الفور وصاح بها غير مصدقا: آمال!
هتفت غاضبة: خلاص مش هسكت تاني بنتك عايشة في جحيم بقالها سنين متحملة الضرب والإهانة مستني إيه؟ تيجي لك مقتولة؟ دي غلطتي أني سكتت من الأول عليكي مش أقل من غلطك في حاجة.
وجهت كلماتها الأخيرة بلوم ذاتي لنفسها.
جلس والدها على الأريكة بطريقة توحي بالاستسلام والهزيمة أخيرا للحقيقة التي رفض الاعتراف بها بلسانه طوال سنوات ووضع رأسه بين يديه، بينما عادت آمال لتجد أن هديل استيقظت فاقتربت وضمتها إلى صدرها وهي تقول نادمة وهي تترجاها: حقك عليا يا قلب أمك سامحيني معرفتش أحميكِ، سامحيني يا بنتي.
انهارت هديل في البكاء بصوت عالي وهي تخرج ما حبسته داخلها سنوات طويلة، لم يتحمل والدها ما يسمعه فنهض خارجًا من الشقة بأكملها.
بعد أن هدأت وذهبت والدتها لتعتني بإخوانها، شردت وهي تفكر بحسام لقد كان هو من أمسك بها لمنعها من الوقوع وقد أحضرها لهنا.
يا ترى هل مازال يكرهها؟ هل مازال يعتقد أنها تركته من أجل المال؟ أنها لا تستطيع لومه لقد تركته فجأة حتى بدون أي تبرير، كم تغير! لقد حقق حلمه أخيرا بأن يصبح محامي مشهورًا ورغم ذلك مازال يسكن في هذا المكان ولم ينتقل لمكان أفخم حتى بعد وفاة والدته منذ أربعة أعوام، لم يرتبط أيضا ولا تعلم لماذا هذه المعلومة تهمها كثيرا رغم أن طُرقهما افترقت منذ زمن.
في نفس الوقت كان حسام يجلس في مكتبه وهو ينقر بإصبعه على المكتب بتفكير، لم يتمكن من التركيز في عمله وبقى عقله عند هديل حين تحدث إلى صديقه قال أنه فحصها وأنه لا يصدق كلام أهلها بأنها سقطت.
اشتد قبضته بغضب حين يتخيل بأن جرحها نتيجة عنف زوجها ضدها.
ذلك الحقير! يستطيع التخمين أنها ليست أول مرة ولا الوحيدة فلماذا لم تدافع عن نفسها أو تتخذ أي إجراء ضده؟ لماذا تتحمل تلك الحياة؟
كان جوفه يشتعل غضبا وألما لقد كان ذلك الزوج الذي فضلته عليه هل تتحمل لأنها تحبه أم لأجل نقوده؟ لماذا تتحمل ذلك العذاب رغم كل ما اساه منها فهو يشعر بالألم عليها، نهض فجأة وأطاح بكل ما على المكتب في نوبة عصبية، ضرب المكتب بيده وهو يتنفس بصوت عالي، عيناه تلمعان بعنف وقلبه لا يهدأ.
بقيت عدة أيام عند أهلها لم يكن لها فيها أي احتكاك بوالدها إطلاقا وكانت تقضي الوقت مع إخوانها الذي أبقوها منشغلة معهم واستطاعوا جعلها تنسى بعض بؤسها.
لم يتصل ظافر مما اراحها أنها تعلم أين هو وماذا يفعل ولا تهتم، فلم تكن خياناته سرا عنها وهو لم يحاول إبقائها كذلك بل كانت تأمل أن تجعله منشغل عنها طوال الوقت.
ذات مساء رن الجرس واستطاعت هديل سماع صوت ظافر من غرفتها مما جعلها تنتفض فجأة.
ولج ظافر وجلس على الأريكة وهو يضع قدم فوق الأخرى ويقول بأريحية: أمال فين مراتي يا حماتي؟
نظرت له والدتها بحدة وقالت بلوم: مراتك اللي كل يوم والتاني تجيبها مضروبة والمرة اللي فاتت شوهت خدها؟
رفع ظافر حاجبه ورد باستفزاز: أيوا وبعدين؟
تعجبت آمال من بروده ونظرت لزوجها الذي قال باستياء بالغ: بنتي اتهانت سنين وأنا ساكت وموطي رأسي في الأرض بس أنا المرة دي مش هسكت يا ظافر، اللي تقرره بنتي هو اللي هيكون.
وقفت هديل في مدخل باب غرفتها تنظر لما يحدث باهتمام ممزوج بالدهشة، وضد كل الظروف المحيطة نبت أمل صغير للغاية داخلها بأن هذه ربما بداية التحرر، هل تكون هذه البداية؟ هل ستتحرر وتتغير حياتها بالفعل؟ كانت خائفة من الأمل الزائف وفي نفس الوقت لا تستطيع منع نفسها.
أردفت والدتها بحزم: يعني لو مش عايزة ترجع معاك مش هترجع وكفاية ذل لحد كدة.
ضحك ظافر بصوت عالي مما جعل قشعريرة باردة تتملك مم هديل وهي تناظر جنونه المعتاد.
كان والدها ووالدتها ينظرون له بدهشة وحيرة حتى توقف عن الضحك.
ظافر باستهزاء: حلوة النكتة دي يا حماتي يلا نادي لي مراتي علشان عايز أمشي وأروح أرتاح في بيتي.
شدد على الكلمات الأخير وقد ظهر في عينيه بريق تعرفه هديل جيدا فخرجت تجر قدميها ناحيته وحين رآها نهض وهو يبتسم: كويس يا حبيبتي أنك جيتي يلا على بيتنا.
تقدم وأمسك بيدها فأسرعت والدتها وهي تمسك بيدها الأخرى تقول بإصرار: بقولك البنت مش هتخرج من هنا كفاية لحد كدة.
نظر لها ظافر بابتسامة خفيفة وفي لحظة دفع يدها بعنف عن هديل حتى تراجعت للوراء وكادت أن تقع لولا لحقها زوجها وهو يسندها.
صرخت هديل بهلع: ماما.
حاولت الذهاب إليها إلا أن يد ظافر التي تمسك بها منعتها.
قال رضوان بانفعال: إيه اللي بتعمله ده؟ أنت بتمد إيدك على مراتي في بيتي! أنا بنتي مش هتخرج معاك أنا غلطت يوم ما جوزتها ليك وسكتّ.
قال ظافر بتهكم: لا حلو أوي الشغل ده، أنت نسيت الاتفاق اللي بيننا ولا إيه؟ ولا نسيت اللي المفروض يتم قريب ومقولتش لبنتك؟
تجهم وجه والدها بشدة وصمت بينما قالت هديل بحيرة بينا تنتقل بنظراتها بين والدها وظافر: مقالش إيه؟
وجه ظافر نظراته إليها وقد ابتسم بمكر: عملية أخوكِ التانية؟
رددت هديل باضطراب: عملية لإياد؟ هو مش كان خف؟
شرح ظافر بجفاء: لا محتاج عملية تانية علشان قلبه ضعف تاني وطبعا دي مبلغها أكبر من اللي قبلها ولازم تتعمل في أسرع وقت وطبعا ده مش هيتم لو فضلتي هنا ولا إيه يا حمايا؟
ثم تابع بنبرة تهديد وقد توحش وجهه: ده غير أني هخليكم على الحديدة أبوكِ ده هخليه قاعد في البيت زي الستات ومش هيلاقي حتى شغل يأكلكم عيش حاف لا أنتِ ولا أخواتك وأبقي اتفرجي على أخوكِ وهو بيموت.
مرة أخرى كان الاختيار واضح أمامها فتبلدت مشاعرها وأجابت بوجه جامد: هلبس وجاية
راقبها والديها بعجز وقد نكس والدها نظره بعيدا بخزي وضعف وهذه المرة اعترف لنفسه أنه فشل كأب.
عادت معه هديل للمنزل، دفعها بمجرد ما أصبحوا في الداخل يقول بضجر: يلا ادخلي اعملي لي العشا ومتتأخريش وإلا أنتِ عارفة اللي هيحصل لك.
دلفت بصمت للمطبخ تحضر العشاء حتى أرادت تبديل ملابسها فخطت لغرفة النوم، وقفت فجأة خارج الغرفة حين سمعت ظافر يتحدث، كان باب الغرفة شبه مفتوح ولكنها استطاعت سماع صوته بوضوح.
تجمدت بصدمة مكانها كان واضحًا أنه يتحدث لشخص على الهاتف.
ضحك ظافر بنبرة خبيثة: معاك حق لازم الشحنة دي تتم على خير دي هتبقى أكبر صفقة لينا وضربة الحظ اللي هترفعنا لفوق .
استمع للطرف الآخر ثم أجاب بدهاء: لا لا لا متخافش أنا مأمن كل حاجة بنفسي وهو مين يتوقع أنه الخشب والموبيليا اللي رايحين جايين دول يكون فيهم مخدرات!
بقلم ديانا ماريا.
شكرا لكل كلامكم الحلو، إيه رأيكم في البارت وتوقعاتكم يا حلوين ❤️؟
رواية احرقني الحب الفصل السابع 7 - بقلم ديانا ماريا
وضعت يدها على فمها بصدمة وهي تستوعب ما تسمعه.
ثم ابتعدت عن الباب حتى لا يراها.
سمعت صوتًا فابتعدت على الفور إلى المطبخ.
لم تظن أن قدماها قادران على حملها فجلست على كرسي المطبخ أمام الطاولة.
ظافر يتاجر بالمخدرات!
بالإضافة لكل صفاته السيئة وطباعه البغيضة هو أيضا تاجر في المواد الممنوعة!
ارتجفت وهي تفكر ذلك.
يعني أنه كل هذه السنوات كان يخدع الجميع والمال الذي ينفقه عليها وعلى أهلها مال غير مشروع!
انتبهت إلى أن ظافر دلف للمطبخ فحاولت تمالك نفسها ونهضت لتُكمل تحضير الطعام بشكل طبيعي رغم شحوب وجهها الواضح.
نظر لها ظافر بتفحص واقترب منها وهو يضع يده على شعرها.
انتفضت هديل وهي تنظر له بخوف.
فعقد حاجبيه باستغراب ممزوح بالسخرية: إيه يا حبيبتي مالك؟ ده أنا حتى لسة مرفعتش إيدي.
حاولت أن تتمالك نفسها وردت بتوتر: أنا بس اتخضيت.
ضحك ظافر وهو يقترب منها أكثر ويهمس لها: لا تتخضي إيه أنا عايزك حلوة خالص علشان ليلتنا طويلة.
مرت بها رجفة اشمئزاز ظهرت واضحة على وجهها دون إرادتها.
حين رآها ظافر أبتعد عنها بغضب: شوفي أنا مش راضي أمد إيدي عليكِ وأنتِ لسة راجعة البيت بس أنت ولية نكد وتقصري العمر!
دفعها ثم استدار متابعًا بحنق: أنا هغور من وشك العكر ده علشان مش عايز ابوظ مزاجي كتك القرف.
أغلق باب المنزل بقوة محدثًا ضجة عالية.
زفرت هديل بارتياح لذهابه عنها ثم عادت لتجلس مرة أخرى وهي تفكر.
فركت يديها ببعضها بارتباك فماذا هي فاعلة في هذا الموقف؟
بالتأكيد لن تصمت عن هكذا شيء!
ولكن ماذا في يدها أن تفعل؟
حسام!
قفز الإسم إلى عقلها من حيث لا تعلم.
وما علاقة حسام بهذا الأمر؟
هل يمكن أن تلجأ إليه؟
وماذا ستخبره؟
زوجي الذي تركت من أجله تاجر مخدرات وأنا لا أعلم ماذا على أنا أفعل!
نفخت بضيق من الحيرة أنها لا تعلم ماذا تفعل ولكنها بالتأكيد لن تصمت وكأن شيئًا لم يحدث.
لم يعد ظافر تلك الليلة للمنزل مما زاد من ارتياح هديل.
في اليوم التالي ظلت تفكر طوال النهار حتى توصلت إلى حل وحيد هو أنها يجب أن تذهب لتخبره وهو سيخبرها الحل الأمثل وكيف يجب أن تتصرف.
تحججت لظافر بأنها يجب أن تذهب لأهلها لأن إياد لديه ميعاد مع الطبيب حتى يفحصه للعملية فوافق بعدم اهتمام.
استعدت هديل جيدًا ورغم الخوف الذي تشعر به شجعت نفسها على المضي قدمًا.
كانت تعلم عنوان مكتب حسام لأنه كان مشهورا بين الناس بسبب أنه في مكان راقي.
ولجت إلى المبنى الذي به المكتب.
كان يظهر عليه الرقي والفخامة في تصميمه وألوانه.
دخلت إلى المكتب لتجد فتاة جالسة على مكتب واضح أنها السكرتيرة.
تقدمت إليها وقالت بهدوء: لو سمحتِ أستاذ حسام موجود؟
رفعت الفتاة نظرها إلى هديل وتفحصت مظهرها بعيون ناقدة وردت ببرود: اه موجود عندك ميعاد؟
هزت رأسها وقالت بتوتر: لا بس لو سمحتِ قولي له إني عايزاه في موضوع مهم جدا ولو سأل عن اسمي قولي له هديل رضوان.
رمقتها من أعلى لأسفل بعدم رضى وأجابت بسخرية: وهو المفروض أي حد يجي عايز الأستاذ أدخل أقوله علطول؟ هو كدة هيعرفك يعني؟ الأستاذ مش فاضي للكلام الفاضي ده.
تضايقت هديل منها وردت بانزعاج: ده مش كلام فاضي ولا أنا جاية أضيع وقته أنا فعلا عايزاه في موضوع مهم ولو قولتي له أنا مين هيوافق يقابلني فلو سمحتِ شوفي شغلك وادخلي قولي له.
ثم جلست على مقعد من المقاعد التي أمام مكتبها.
راقبتها السكرتيرة بغيظ ولكنها لم تستطع الرد عليها لأن ذلك سيتسبب في مشكلة.
واصلت عملها ببرود تحت نظرات هديل التي شعرت بنفسها ضئيلة أمام تلك الفتاة الجميلة.
فشعرها بلونه العسلي وعيناها البنيتان وبشرتها الفاتحة لم تترك أي شك للناظر بجمالها حتى ملابسها كانت منسقة وذات ألوان جميلة مما أشعر هديل بأنها في المقابل فتاة باهتة وغير مهندمة فماذا تكون هي مقابل هذه الفتاة الجميلة؟
إنها وإن كانت في يوم تُعتبر جميلة فهي لم تعد ترى نفسها هكذا على الإطلاق.
نهضت السكرتيرة وهي تحمل بعض الأوراق ودخلت لغرفة حسام الذي كان يعمل بتركيز على بعض الأوراق.
وضعت الأوراق على المكتب قائلة بهدوء: دي أوراق قضية بعد بكرة يا فندم وكمان أستاذ أحمد الشريف أتصل وأديته ميعاد بعد ساعة.
أومأ حسام برأسه وهو مازال يركز على الأوراق التي أمامه و باقتضاب: تمام يا سارة شكرا.
كانت على وشك الالتفات والخروج حين تذكرت فقالت: اه وفيه واحدة برة بتقول أنها عايزة حضرتك في موضوع ضروري.
رفع عيناه من على الأوراق التي أمامه وحدق إليها بتعجب: واحدة مين دي؟
فكرت سارة قليلا: تقريبا قالت إنه اسمها هديل راضي أو رضوان حاجة زي كدة.
اتسعت عيون حسام بدهشة هب من مكانه على الفور بطريقة أثارت ذهول سارة.
قال بحدة: وأنتِ مخلياها برة ليه؟ دخليها فورا!
أومأت سارة برأسها وهي مشدوهة من ردة فعله ثم خرجت وأخبرت هديل أن حسام ينتظرها.
دلفت إلى الغرفة بخطوات مترددة.
كان حسام يجلس على كرسيه وهو يحدق إليها بجدية.
جلست على الكرسي الذي أمامه بتوتر.
لم ينطق حسام بكلمة منتظرًا هديل حتى تتحدث.
كانت تحدق إلى يديها بتوتر وتعلم أنه ينتظرها حتى تتحدث ولكنها أمامه الآن شعرت بأنها خرساء.
بلعت ريقها بصعوبة قبل أن ترفع عيناها إليه.
كان يطالعها ببرود مخلوط باهتمام ثم قال بنبرة حيادية: أهلا بيكِ أقدر أساعدك في إيه؟
أخذت نفسًا عميقا وقالت بتوتر: أنا عارفة أنه أنا آخر واحدة توقعني اجي هنا بس أنا....
قاطعها بجدية: ياريت بلاش كلام في الأمور دي خلينا دلوقتي في مشكلتك أنا سامعك.
تألمت من كلماته ولكن ذلك لا يهم الآن فقالت بتردد: مش عارفة أقولهالك إزاي أنا مش عارفة هتقدر تساعدني ولا لا بس ملقيتش حد غيرك أقوله.
قطب بحيرة وسأل بصوت أجش قلق: طب في إيه قوليلي؟
أخيرا استجمعت هديل شجاعتها: ظافر... أنا اكتشفت أنه بيتاجر في المخدرات.
جحظت عيون حسام بصدمة مما يسمعه وقال بصرامة: أنتِ متأكدة؟
أسرعت تؤكد بلهفة: أيوا سمعته بيتكلم في التليفون وأنه فيه صفقة مهمة جاية وبينقل المخدرات دي في الخشب والموبيليا اللي عنده.
نظر حسام أمامه وهو يفكر بعمق فيما قالته الآن حتى حدق إليها قائلا بحزم: فهمت أنا هفكر في حل وهبلغك تقدري تمشي دلوقتي.
ارتبكت هديل من حديثه: أمشي؟
أومأ بجدية وهو ينهض بنهضت معه ثم هتفت به: يعني هيحصل إيه دلوقتي مش فاهمة حاجة.
تنهد حسام ورد بهدوء قاتم: الموضوع مش سهل محتاج تفكير علشان كدة مش هنلاقي كل في لحظتها، أنا هتابع معاكِ وهقولك على أي جديد اديني رقمك.
أخرجت هاتفها بتوتر وأعطته رقم هاتفها بينما رافقها حسام للخارج.
لم تتوقع هديل أن يمر الأمر بهذه السهولة ورغم أنها لم تفهم شيء إلا أنها واثقة أن حسام سيجد الحل المناسب.
حين خرج معها وقفت سارة على الفور بينما التفتت هديل تقول بامتنان بوجه هادئ: شكرا أنك وافقت تساعدني.
أحنى رأسه دون أن يرد فالتفتت لتغادر.
خطت بضعة خطوات حتى وصلت للسُلم.
شيئًا ما دفعها للاستدارة لتجد حسام مازال يقف مكانها ويحدق إليها.
ظلت تنظر له، عيونها تحدق في عيونه غير قادرة على أن تزيح عيناها.
وبدون انتباه وضعت قدمها على درج السُلم لتتعثر وسقطت على الدرج هي تصرخ بينما صاح حسام بصدمة وهو يركض إليها: هديل!
رواية احرقني الحب الفصل الثامن 8 - بقلم ديانا ماريا
كانت هديل ممددة على الأرض آخر السُلم وهي تأن من ألم قدمها. اندفع حسام حتى وقف أمامها ليجدها على هذا الحال، فهبط لها مسرعًا وركع بجانبها.
سألها بقلق: أنتِ كويسة؟ حاسة بأيه؟
أجابت هديل بصوت مخنوق من الألم: رجلي... رجلي عمالة توجعني أوي.
نظر حسام لقدمها، وما إن مد يده ليلمسها حتى صرخت من الألم. فقال مهدئًا: خلاص خلاص، محصلش حاجة.
أدار وجهه لسارة التي لحقت به وأمرها بصرامة: اتصلي بالدكتور وقولي له يجي على هنا في أسرع وقت ممكن.
أومأت سارة بطاعة ثم اندفعت لتُلبي طلبه، بينما عاد حسام ببصره لهديل التي تأن من الألم بصوت منخفض وقال بنبرة هادئة: حاولي تستحملي لحد ما أشيلك لحد فوق، تمام؟
أصدرت صوتًا يدل على الموافقة. فوضع حسام يده تحت كتفها والأخرى أسفل ركبتيها وحملها بأرق ما يستطيع، ثم صعد بها مرة أخرى لمكتبه حتى دلف للغرفة الخاصة به ووضعها على الأريكة.
عدلت هديل جلستها، بينما جلس حسام أمام قدميها وهو يضع يده على قدمها محاولا اكتشاف مكان الألم: بيوجعك فين؟ هنا؟
حين وضع يده على المكان الذي يؤلمها لم تتحمل فصرخت وهي تمسك بيده: لا لا، مش قادرة، الوجع فظيع.
رفع رأسه ليحدق إلى يدها التي تمسك بيده ثم إلى وجهها، مما جعلها ترتبك وتزيح يدها على الفور، ولكن بقيت عيناها معلقة بعيناه للحظات مما جعل وجهها يحمر.
أشاح بعينيه عنها حين ولجت سارة ووجهت حديثها لحسام: طلبت الدكتور يا أستاذ حسام وهو جاي دلوقتي.
رفع رأسه لها وقال بابتسامة خفيفة: شكرا يا سارة، ممكن تجيب لي فوطة نضيفة وطبق فيه مية ساقعة.
أجابت سارة بابتسامة: حضرتك تؤمر. ثم خرجت وعادت بعد دقيقة كان فيها الصمت سيد الموقف، بينما سخرت هديل من سارة في سرها: "حضرتك تؤمر! والله!".
أخذ حسام القماشة ووضعها في الطبق ثم عصرها جيدا ليضعها على قدم هديل التي تأوهت في البداية، فوجه لها حسام نظرة مؤنبة جعلتها تجلس ساكنة.
حضر الطبيب وفحص قدمها ثم لفها بشاش طبي وطمأنهم أن ذلك مجرد التواء بسيط سيُشفى بعد يومين من الراحة والالتزام بالدواء وتدليك قدمها بالمرهم الذي كتبه لها.
شكر حسام الطبيب بامتنان، وكل ذلك تحت نظرات سارة المغتاظة من اهتمام حسام بهديل التي كانت تجلس هادئة.
فجأة رن هاتف هديل، وجدت أنها والدتها فردت على الفور: أيوا يا ماما، أنا جاية أهو.
قالت والدتها بصوت منخفض: هديل أنتِ فين؟
ردت هديل باستغراب: في مشوار وجاية ليه؟
أجابت والدتها بتوتر: ظافر هنا وسأل عليكِ، ولما عرف أنك مجتيش قعد يزعق وهو بيتخانق مع أبوكِ برة.
اصفر وجه هديل من الرعب وارتعشت يدها الممسكة بالهاتف.
ردت بصوت مرتجف: طب.. طب مقولتيش أي حاجة ليه يا ماما؟ على العموم أنا جاية أهو، حاولي تشغليه لحد ما اجي.
أغلقت مع والدتها وجلست ترتجف وهي تتخيل مواجهة ظافر. استغرب حسام من توترها حتى شاهدها ترتجف، فاقترب منها وسألها بنبرة قلقة: مالك في إيه؟ حصل حاجة؟
رفعت له وجه شاحب وردت بتوتر: ظ.. ظافر راح البيت وعرف أني مش هناك.
نظر إليها متفحصًا رعبها الواضح ثم جلس أمامها: طيب هو ممكن يعملك مشكلة؟
أصدرت هديل صوتًا ساخر: مشكلة دي أهون حاجة ممكن تيجي في بالك.
أحس بشيء يقبض على صدره ويخنقه بشدة حين فكر بأنه يستعمل العنف ضدها، ولكن من هو ليتدخل أو يتحدث؟
قال بجدية: مينفعش تقولي عندك صاحبتك؟
هزت رأسها نفيا. ففكر حسام قليلا ثم ابتسم فجأة: أنا عرفت هتقولي إيه.
نظرت له هديل بحيرة قبل أن تستمع له باهتمام متزايد لاقتراحه.
كانت والدتها تجلس بتوتر، بينما كان والدها صامت وظافر يجلس وهو يضع قدم فوق الأخرى ويكتف يديه أمام صدره.
حين سمعوا طرقات عنيفة على الباب فانتفضت والدتها لتفتح، ونهض والدها، وظل ظافر جالس ببرود.
فتحت والدتها الباب لترتمي هديل بين أحضان والدتها صارخة ببكاء: شوفتي اللي حصلي يا ماما.
اتسعت عيون والدتها ووالدها بفزع، بينما تخلى ظافر عن مظهر البرود وهو يعتدل لي جلسته.
قالت والدتها بخوف: حصلك إيه ي حبيبتي؟
ردت هديل ببكاء مزيف استطاعت إتقانه وقصدت أن يكون صوتها عالي حتى يسمعها ظافر: طلع عليا حرامي وأنا جاية هنا وسرق مني الشنطة وأنا بجري وراه اتكعبلت ووجعت على رجلي، لولا واحد ابن حلال مسكه وجاب لي الشنطة كان زمانه سرقني وهرب.
ثم نظرت لظافر وهي تفتعل الدهشة: إيه ده ظافر؟ أنت هنا؟
نهضت بمساعدة والدتها: جيت امتى؟
نهض ظافر وهو يقترب منها ويحدق إليها بشدة قبل أن يقول بغضب: حرامي مين وإيه اللي حصل؟
عرجت بألم قصدًا وهي تجلس على الأريكة ثم تحدثت بتعب: كنت ماشية عادي وفجأة حد شد مني الشنطة وجري، صوتت وجريت وراه واتكعبلت في حجر كبير، رجلي التوت، كان فيه واحد ابن حلال شافني فلحقه وجابه، خد منه الشنطة وقدر يهرب تاني.
ظل ظافر يحدق إليها قبل أن يقول بقسوة: طب يلا قومي نروح.
قالت والدتها بنبرة شبه راجية: طب خليها تقعد علشان خاطر رجلها حتى.
نظر لها ظافر بحدة فصمتت، بينما أمر هديل مجددا بصرامة: يلا قومي، دي مجرد وقعة رجل متعمليش نفسك شهيدة، قومي.
كادت هديل تبكي من شدة الارتياح داخلها أنه صدقها. وتحاملت على نفسها لتقف وتسير معه. ألمها ليس مهما بالنسبة لها الآن، بل المهم أنه صدق قصتها. شكرت حسام بداخلها لأنه صاحب الفكرة، ثم تذكرت تأكيده بأنها يجب أن تستغل أي فرصة لتفتيش هاتف ظافر ومعرفة ميعاد العملية ومكانها.
عادت معه للمنزل واستلقت بحجة الراحة. فنظر لها بغير رضى ودلف ليستحم.
استغلت هديل مجرد دخوله للحمام ونهضت بسرعة وسارت بخطى خفيفة على قدمها حتى وصلت لملابسه الملقاة على الكرسي وأخرجت هاتفه. تلفتت حولها بخوف قبل أن تفتحه لتفتش فيه.
لم تعرف بماذا تبدأ، ففتحت رسائل الواتساب الخاصة به وبدأت بتفحصها. عدا عن الأسماء المعروفة لديها وأرقام النساء التي تعرفها، وجدت اسم بدا لها غريبا. ففتحت المحادثة وفتشتها. صُدمت حين قرأت ما بها، لقد كان هذا رجل من الذي يشتركون معه في تلك العملية. وقد علمت من تلك الرسائل المتبادلة ميعاد ومكان نقل البضاعة. فابتسمت بفرح وهي تحفظ كل التفاصيل عن ظهر قلب لتخبرها لحسام.
كانت تضع الهاتف مكانه حين تجمدت مكانها من الرعب وهي تسمع صوتًا خلفها يقول: بتعملي إيه؟
رواية احرقني الحب الفصل التاسع 9 - بقلم ديانا ماريا
جمدت هديل للحظة وقلبها يكاد يتوقف، ثم تمالكت نفسها واستدارت له.
هزت كتفيها وهي تحاول التحدث بنبرة طبيعية:
كنت بشوف موبايلي أصلي مش لقياه وقولت أشوف هدومك وسخة ولا لا علشان ابعتها المغسلة مع هدومي لأني مش هقدر أغسل وعندي غسيل كتير.
ثم تابعت باستياء:
لقيت هدوم كتير مش نضيفة في دولابك النهاردة علشان كدة لازم أغسل بسرعة.
حدق بها للحظة قبل أن يرد بتهكم:
دلوقتي بقيتي زي القردة علشان خاطر الغسيل على العموم خديهم ياختي.
ثم تقدم من جانبها وأخذ الهاتف:
أنا خارج بدل الملل ده.
حين خرج لم تضيع وقت وامسكت بهاتفها لتتصل بحسام الذي رد على الفور:
أيوا؟
ردت هديل بانفعال:
ايوا يا حسام أنا فتشت تليفون ظافر ولقيت في رسائل الواتس ميعاد العملية ومكانها.
أجاب باهتمام:
طب كويس جدا امتى وفين؟
أخبرته بمكان وساعة العملية فشدد عليها أن تكون حذرة حتى لا يكشفها ظافر، وفي اليوم المنشود تذهب لأهلها حتى تُأمن نفسها بشكل كامل، أما هو فسيفعل اللازم.
بعد أن أغلقت معه جلست تفكر بتوتر فيما سيحدث، ودعت الله أن تنجح جهودهم.
مرت الأيام مليئة بالانتظار والترقب على هديل التي كانت تحاول إخفاء توترها عن ظافر حتى لا يشك في شيء.
في اليوم المنشود خرج ظافر باكرا فأخبرت حسام على الفور، وبرغم أنه أخبرها أن تذهب لأهلها كانت متوترة للغاية ورغبت أن تجلس لوحدها وتنتظر ما سيحدث حتى لا يرى والديها عليها أي شيء لأنها لن تستطيع إخفاء قلقها.
حين مر النص الأول من النهار حاولت أن تُشغل نفسها في عمل أي شيء لأنها ستجن من التفكير، حين فجأة سمعت صوت الباب يُفتح.
تركت ما بيدها بصدمة وخرجت للصالة لترى ظافر أمامها.
قالت بذهول:
ظافر! أنت جيت؟ إزاي!
نظر لها ظافر بشك:
يعني إيه جيت إزاي؟ هو مش ده بيتي اجي ولا إيه ياست!
حاولت التبرير بارتباك:
ل...لا لا قصدي أنه لسة بدري على ميعادك إيه اللي جابك بدري كدة؟
نظر لها بعصبية ثم دفعها من أمامه بعنف:
وأنا هستأذنك علشان اجي بيتي! أرجع وقت ما أحب أمشي من وشي.
ثم دخل لغرفة النوم وأغلق الباب ورائه بقوة.
ظلت هديل واقفة مكانها تفكر بشكل محموم كيف عاد؟ أليس من المفترض أن هذا وقت العملية؟ وإن كان حسام أبلغ الشرطة فكان من المفترض أن يكونوا قد ألقوا القبض على ظافر مع بقية شركائه!
كان هاتفها في غرفة النوم فلن تتمكن من الإتصال بحسام الآن، لذلك فكرت في الذهاب لأهلها.
خطت لغرفة النوم وتوقفت حين سمعت صوت ظافر العالي من العصبية.
كان يتحدث على الهاتف فأرهفت السمع لتجده يقول بغضب:
أنا مش عارف البوليس إزاي عرف مكان العملية وميعادها إحنا واخدين كل احتياطاتنا ده لولا أنه إحنا قدرنا ننفد كان زمان مقبوض علينا!
اتسعت عيون هديل بفهم وفي نفس الوقت أحست بخيبة أمل كبيرة لأن ظافر نجا من الشرطة.
دخلت غرفة النوم فتوقف ظافر عن الكلام وأغلق الهاتف.
قالت بنبرة عادية:
أنا خلصت كل اللي ورايا وكنت ناوية أروح لأهلي قبل ما أنت تيجي...
قاطعها بنفاذ صبر بإشارة من يده:
عايزة تروحي روحي أنا مش طايق حد دلوقتي أمشي من وشي.
ارتدت ملابسها بسرعة وغادرت.
في الطريق حاولت الإتصال بحسام أكثر من مرة دون رد مما جعلها تقلق وتتساءل أين هو ولماذا لا يرد عليها.
وصلت بيت أهلها لتخبرها والدتها حين رأتها أن إياد متعب للغاية.
ولجت هديل لغرفته وهي تقول بخوف:
إياد حبيبي مالك؟
كان وجهه شاحب ويتنفس بصعوبة إلى حد ما.
قال إياد بتعب:
مفيش يا ديلا أنا بس تعبت شوية فماما قلقت عليا أوي أنا كويس.
ابتسمت هديل ابتسامة ألم بشرود حين دعاها بالاسم الذي كان يدعوه بها حسام كتدليل لها.
ثم انتبهت لأخيها وقالت بحزم:
لا ماما معاها حق أنت تعبان يلا علشان نروح للدكتور.
رفعت عيونها لوالدتها:
يلا يا ماما ساعديه يلبس وأنا هستنى برة على ما أشوف التحاليل والأشعة بتاعته الدكتور يشوفها.
حين حاولت النهوض أمسك بيدها بقوة بدت غريبة بالنسبة لضعفه.
أصر بعناد:
لا مش هروح للدكتور يا هديل أنا هفضل هنا في البيت.
رفعت حاجبها بتعجب لم يعجبها عنادها فردت:
خلاص هكلم الدكتور يجي لحد هنا.
وقبل أن يبدي ردة فعل نهضت وخرجت لتتصل بالطبيب.
كان والدها يجلس في الصالة فتجاهلته وهي تتصل لتخبره الطبيب بضرورة حضوره.
اندفعت والدتها بعدها بدقيقة تستنجد بها بقلة حيلة وهي تكاد تبكي:
هديل إياد مش راضي يغير هدومه وبيقول أنه مش هيروح للدكتور أبدا ولا هيعمل عملية.
رفعت حاجبيها بدهشة:
بيقول إيه ده؟ اتهبل ولا إيه؟
رد إياد الذي خرج ووقف مستندا على الباب بإصرار:
لا متهبلتش يا هديل ومش هروح في حتة علشان ترتاحوا كلكم.
ذُهل الجميع من موقفه الغريب ونهض والده وهو يؤنبه:
إيه اللي بتقوله ده يا ولد؟ هو إحنا بنعمل حاجة تضرك؟ كل ده لمصلحتك.
نظر إياد لوالده بنظرات غريبة ورد:
أظن أنك آخر واحد تتكلم يا بابا.
صاح به والده بصدمة:
أنت إزاي تكلمني كدة يا ولد!
تقدم إياد بتعب ووقف أمامه وقال بنبرة ثائرة:
بقول الحقيقة أنك آخر واحد تتكلم بعد ما بيعت هديل علشان تعالجني.
صدم الجميع بشدة وخاصة هديل التي تسائلت كيف علم إياد بأمر كهذا؟
سألته هديل بحدة:
أنت جيبت الكلام ده منين؟ غلط طبعا شيل كل الأوهام دي من دماغك.
التفت لها إياد بعيون تلمع بالدموع ورد بصوت متحشرج:
لا مش أوهام أنا عرفت الحقيقة أخيرا رغم أني كنت أعمى، بيه اتجوزتي الرجل ده مع أنه شكله مجنون وأكبر منك وليه استحملتي السنين دي مع أنه شكلك كل مرة بيبقى مش كويس كنت صغير مش فاهم لكن دلوقتي كبرت ومش هسمح لك تضحي بأي حاجة تانية علشاني.
ردت هديل بصوت مرتجف:
ا.. إياد!
اقترب منها إياد يتوسلها قائلا:
ارجعي لينا تاني يا هديل سيبي الرجل ده أنا مش هعمل عمليات مش هيبقى له حكم عليكي المهم مش هسيبك كدة تاني، أنا مش فارق معايا أموت.
شهقت وهي تضع يدها على فمه لتمنعه من مواصلة الكلام.
نهرته قائلة بعتاب:
إيه الكلام ده؟ مش عايزة اسمعك بتقول كدة تاني ولتاني مرة هقولك كلامك غلط يلا نروح للدكتور علشان يشوف مالك.
جز على أسنانه بحرقة:
أنتِ برضو لسة مصرة؟ أنا مش هروح لدكتور يا هديل مش هدفعك اللي باقي من عمرك تمن علشان أعيش أنا!
بكت والدتها بينما نظرت هديل في عيون أخيها بقوة وقالت بصوت متهدج:
وأنا كنت اشتكيتلك؟ أيوا ضحيت علشانك فيها إيه؟ ومستعدة أعمل اللي عملته تاني وتالت علشانك أنت علشان تعيش! متعملش فيا كدة دلوقتي وتضيع كل صبر السنين دي على الفاضي، اتعالج يا إياد اتعالج ولو علشان خاطري أنا.
انهمرت الدموع من عيون إياد الذي رفض بشدة:
وأنا مش هعمل كدة هديل مش هسيبك تحت رحمته تاني ارجعي تاني وأنا لو ربنا كاتب لي أعيش هعيش بس أنا مش هعيش وأنا شايفك بتموتي قدامي.
ثم استدار لوالده المحني رأسه وقال ببغض:
مش هسيبك تدفعي تاني التمن علشان عندك أب أناني.
رفع والده رأسه بدهشة بينما تابع إياد بحقد:
أب رماكي في النار ووقف يتفرج عليكِ راجل ميستاهلش يتقال عليه أب أصلا.
ارتفعت يد رضوان في الهواء وهبطت على خد إياد بصفعة قوية قائلا بغضب:
أخرس يا قليل الأدب.
وقع إياد على الأرض من أثر الصفعة فصرخت هديل وأعمال بذعر.
تسارعت أنفاس إياد لثانية قبل أن يفقد الوعي فركعت هديل بجواره صارخة بإسمه.
صرخت برعب:
إياد! إياد يا حبيبي فوق ورد عليا!
رفعت وجهها لوالدها تبكي بانهيار:
حرام عليك! حرام عليك اللي بتعمله فينا ده حرام عليك!
ضربت وجهه بخفة فلم يستفق نظرت حولها تحاول التفكير في أي شيء ليساعده، حين لم تجد نهضت بسرعة وخرجت من الشقة وجدت حسام يصعد السلم فأسرعت إليه تقول برجاء:
حسام! ألحق إياد يا حسام واقع ومش بيرد الحقه بالله عليك.
لم ينتظر حسام وركض للشقة ليجد إياد ممدد على الأرض وفاقد الوعي يحاول والداه افاقته دون فائدة على الفور حمله بين ذراعيه وهبط السلالم بسرعة ليلحق به الجميع.
كانت سيارته مركونة أمام مدخل العمارة فأخبر هديل بحزم:
افتحي الباب بسرعة.
أطاعته على الفور فوضع إياد بالداخل بينما ذهبت هديل من الناحية الأخرى حتى تسند إياد.
ركبت والدتها بجانب إياد بعد أن ابتعد حسام ليصعد إلى مقعد السائق، وقف رضوان متردد للحظات ثم صعد بجانب حسام لينطلق حسام بأقصى سرعته.
حين وصلوا للمستشفى أخذ الأطباء إياد على الفور للطوارئ بينما وقف الجميع في الخارج.
وكأن المشهد يعيد نفسه بالنسبة لهديل وكما حدث منذ خمس سنوات كانت تقف خائفة وعاجزة ترجو الله أن يُنجي أخيها.
كان حسام يقف بعيدا بعض الشيء حتى يترك لهم بعض الخصوصية، حين خرج الطبيب أسرع الجميع إليه.
سألته هديل بلهفة:
إياد عامل إيه يا دكتور؟
تنهد الطبيب ورد بصراحة:
الحقيقة وضعه مش كويس ولازم يعمل عملية فورا.
ثم تابع باستفسار:
هو عمل عمليات قلب قبل كدة؟
أجابته هديل بصوت مخنوق:
ايوا يا دكتور من حوالي خمس سنين كدة عمل عملية ومن فترة فيه دكتور قال إنه محتاج واحدة تانية.
أومأ الطبيب بجدية:
فعلا ومش لازم نستنى أكتر من كدة.
اندفعت هديل على الفور ترد بعاطفة:
طبعا أعمل اللي تشوفه لازم ولو على الفلوس أنا هجيبها فورا المهم إياد يقوم بالسلامة.
لم تنتبه لنظرات حسام المركزة عليها بتفكير.
قالت هديل لوالدتها بثبات منفعل:
أنا هروح أجيب الفلوس واجي علطول يا ماما مش هتأخر.
استدارت لتغادر بسرعة حتى أنها لم تنتبه لحسام حتى سمعت يناديها باسمها بصوت عالي من ورائها:
هديل!
وقفت للحظات، كانت هذه أول مرة تسمعه فيها يناديها من أكثر من خمس سنوات كاملة.
التفتت له ببطء بينما اقترب منها حسام بوجه قاتم حتى وقف أمامها.
نظر في عيونها بعيون لم تخف المعاناة فيهما وسألها بصوت ملئ بالمرارة:
أنتِ اتجوزتيه ليه؟
أغلقت عيونها فورا ورأسها ينحني للأسفل ثم فتحت عيونها ونظرت إليه، هالها ما تراه على وجهه من عذاب وألم.
نظرت له بثبات وردت بصوت سقيم:
علشان خاطر إياد.... كان تعبان زي دلوقتي ومحتاج عملية وظافر كان موجود بفلوسه والمقابل كان.... كان أنا.
أغمض عيونه بشدة وقبض على يده.
تابعت هديل بوجوم:
إياد كان محتاجني وده كان واجبي اتجاهه مقدرتش أقف واتفرج عليه ببساطة.
ترددت لثانية قبل أن تقول بوجه خالي من التعبير:
ولو رجع بيا الزمن تاني هختار نفس اختياري...هختار إياد.
التفتت لتذهب من أمامه بخطوات سريعة قبل أن يرى الدموع اللي بدأت في الهبوط على خديها، لم ترى الألم على وجهه ولم ترى تلك الرطوبة التي تجمعت في عيونه المغلقة ورغم محاولاته السيطرة عليها إلا أنا هناك واحدة أفلتت من جفونه المعلقة هابطة على خده.
كانت هديل تفكر في طريق عودتها للمنزل كيف ستطلب المال من ظافر في حالته العصبية تلك ولكنها تحتاجه فستجمع كل شجاعتها لأجل أخيها.
قلقت من أن يكون قد خرج مرة أخرى فتلك ستكون عقبة أمامها لأنها لن تتمكن من إيجاده بسهولة.
وصلت للمنزل وفتحت الباب وهي تلاحظ هدوء المنزل، فكرت أنه ربما خرج فتقدمت لغرفة النوم وفتحتها كان الظلام يسيطر عليها ولكنها لاحظت وجود جسد على السرير فاطمئنت أن ظافر لم يخرج ولكنه نائم فقط.
سارت حتى جانب السرير ثم مدت يدها لتضئ المصباح الموجود على المنضدة التي بجانب السرير.
ما إن فعلت حتى صرخت بصوت عالي من الرعب وعيونها تكاد تخرج من مكانهما من الصدمة رجعت للوراء ويداها على فمها بعدم تصديق من هول المنظر.
شحبت شحوب الأموات وانهارت على قدميها وهي تستوعب المشهد الذي أمامها، كان ظافر ممدد على السرير ولكن هناك سكين مغروس في صدره والدم منتشر حولها بغزارة.
كانت تتنفس بصوت عالي وترتجف بشدة لم تمر لحظة حين تم اقتحام المنزل ووجدت هديل الشرطة أمامها وضابط الشرطة يقول لها بصرامة:
مدام هديل رضوان أنتِ مقبوض عليكِ بتهمة قتل جوزك ظافر حسنين!
رواية احرقني الحب الفصل العاشر 10 - بقلم ديانا ماريا
لم يتركوا لها الفرصة وأخذوها على الفور.
كانت تقف في مكتب الضابط وهي منهارة حين دخل حسام وهرع إليها فورًا قائلاً بقلق:
في إيه يا هديل؟ حصل إيه؟
حين رأت حسام أسرعت إليه وهي تبكي بانهيار:
حسام أنا معملتش حاجة والله العظيم ما عملت حاجة. أنا دخلت لقيته ميت. فجأة البوليس دخل عليا وخدني. أنا مقتلتوش، والله العظيم ما قتلته.
حاول حسام تدارك الموقف وتهدئتها حتى يفهم ما يحدث:
طب أهدي بس علشان نعرف نحل الموضوع. أنا هتصرف.
التفت لضابط الشرطة وقال بصوت صارم:
أنا المحامي حسام شرف الدين. ممكن أفهم في إيه؟ وإيه التهم الموجهة ليها؟
تطلع له الضابط وأشار لهديل قائلاً بجدية:
المدام متهمة بقتل جوزها.
صرخت هديل باكية بإنكار:
محصلش، والله العظيم ما حصل.
أمسك حسام بيدي هديل قائلاً بحزم:
أهدي وصدقيني، أنا هحل الموضوع.
التفت حسام للضابط بصوت يكتنفه الاستغراب:
بس علشان الاتهام بجريمة زي دي لازم وجود أدلة. فين الأدلة اللي ضدها؟
رفع الضابط حاجبه وأجابه:
إحنا لسه بنجمع الأدلة وشهادة الجيران والبواب، ولكن مبدئيًا بصماتها موجودة على السكينة.
شهقت هديل بصدمة، بينما تملك حسام الموقف قائلاً للضابط بحزم:
ممكن لو سمحت أقعد معاها خمس دقائق؟
أومأ الضابط بهدوء ثم وقف وخرج تاركًا هما وحدهما.
كانت الدموع تغرق وجه هديل التي لم تتوقف عن البكاء. فأجلسها حسام وجلس أمامها.
قال بصوت مطمئن حتى تهدأ قليلًا وعيناه تتفحصاها بعطف:
ممكن تهدي وتحكي لي كل حاجة من البداية؟
حاولت هديل أن تهدأ ورغم ذلك تحدثت بصوت متقطع بسبب شهقات بكائها الذي لا يتوقف:
ا.. أنا ر.. رجعت البيت لقيته هادي وضلمة.
توقفت حتى تأخذ أنفاسها ثم تابعت برعب حين تذكرت ما حدث:
دخلت أوضة النوم. كان المكان ضلمة. لمحته نايم على السرير. بفتح النور جنب السرير شوفت السكينة وكان مات. وقعت على الأرض من الصدمة والبوليس دخل بعدها علطول واتهمني أنا.
فكر حسام وهو يتطلع أمامه ثم تطلع إليها وسألها بنبرة ذات مغزى:
طيب هو لما رجع يومها سمعتي حاجة عن الموضوع إياه؟
ردت هديل بتذكر:
أيوا كان راجع متعصب جدًا ودخل الأوضة. سمعته بيتكلم. فقربت براحة علشان أسمع. كان بيتكلم أنه مش عارف إزاي البوليس عرف مكان العملية وأنه هرب بصعوبة.
استنتج حسام ما حدث وقال بذكاء:
يبقى أكيد هما اللي عملوا كده.
عقدت هديل حاجبيها باستغراب:
هما؟ إزاي وليه؟ ده شريكهم!
تحدث حسام بجدية وهو يشرح لها رغم الغيظ الذي يتآكله:
بصي يا هديل، أنا كنت متابع الموضوع مع واحد صاحبي واللي قدرنا نوصل له أنه ظافر كان بيتعامل مع ناس كبار. كان هو أضعف حلقة فيهم. فالبوليس مكنش هياخد وقت على ما يوصله وساعتها كان هيعترف عليهم بكل سهولة. فالحل كان أنهم يخلصوا منه ويضحوا بيه علشان ينقذوا نفسهم.
تسائلت هديل بحسرة:
طب أنا مالي؟ ولا ذنبي إيه اتورط في كل ده؟
أجاب حسام بدهاء:
أمال مين هيكون كبش الفدا هنا؟ أنتِ طبعًا!
تجمعت الدموع في عينيها مجددًا وقالت بقهر:
طب أنا هعمل إيه دلوقتي؟ أنا مظلومة والله العظيم.
أمسك بيديها وقال لها بنبرة قوية:
هديل بصي لي، أنا مش هسيبك وصدقيني هعمل كل اللي أقدر عليه علشان أخرجك في أسرع وقت ممكن. عايزك تثقي فيا تمام؟ أنتِ مش محتاجة تقولي لي إنك مظلومة، أنا عارف أنك مش ممكن تعملي حاجة زي دي أبدًا.
انهارت في البكاء بينما ينظر لها بحزن ويشعر بالعجز عن مواساتها. حتى شهقت فجأة وكأنها تذكرت وأمسكت يد حسام باستنجاد:
إياد! إياد يا حسام أخباره إيه؟
طمأنها حسام:
متخافيش، دخل العمليات على طول. وقبل ما أجي الدكتور كان طلع من نص العملية يطمنا إنه كل حاجة ماشية تمام. زمانه خرج دلوقتي.
تنهدت بارتياح وهي تغمض عيونها بألم. حتى قال حسام بحيرة:
بس لازم نعرف إزاي بصماتك على السكينة؟
فكرت هديل باستغراب حتى قالت:
مش عارفة بجد، بس أنا فاكرة شكل السكينة دي. شكلها من سكاكين البيت اللي أنا كنت بستخدمهم.
زفر حسام بعصبية وهو يحاول تمالك نفسه:
أكيد مش هتعدي عليهم حاجة زي كده. ولاد الـ***** عملوا حساب كل حاجة.
في تلك اللحظة دخل الضابط وجلس على مكتبه مرة أخرى قائلاً بجدية:
أعتقد أني سبتكم وقت كفاية. دلوقتي لازم نكمل التحقيقات. وبما أنك المحامي بتاعها مسموح لك بالحضور.
في تلك اللحظة دق الباب فسمح الضابط بالدخول ليدخل العسكري وهو يقول:
يا فندم بواب العمارة بره علشان يقدم شهادته.
أمره الضابط بصرامة:
دخله فورًا.
دخل البواب بتوتر وهو يتقدم لمكتب الضابط، بينما جلس حسام على الكرسي الذي أمام المكتب وبقيت هديل جالسة على الأريكة المقابلة للمكتب.
نظر حسام للحارس بتفحص بينما قال الضابط:
تقدر تقولي انت شوفت إيه ولا سمعت إيه؟ هل كان فيه بين مدام هديل وجوزها خلافات لدرجة أنها تقتله؟
أصدرت هديل صوتًا بائسًا فنظر لها حسام مما جعلها تحدق إلى الأرض.
تردد الحارس للحظات إلا أنه أجاب:
أيوا يا بيه كان بينهم خلافات كتير أوي وكنا على طول بنسمع صوتهم. والليلة دي سمعت صوت خناقة كبيرة أوي جاية من الشقة. بعدها مطلعش صوت تاني لحد ما أنتوا وصلتوا وقبضتوا عليها. هي اللي قتلته يا بيه دي كانت بتكرهه كره العمى وبتقول عليه اللي ميتقالش.
اتسعت عيون حسام بذهول، بينما وقفت هديل وهي تصرخ:
كذب والله كذب محصلش. أنا مكنتش موجودة أصلاً. أنا مظلومة معملتش حا...
ثم توقفت عن الحديث وقد دارت بها الغرفة، ثم تهاوت على الأرض قبل أن ترى حسام يهرع إليها بفزع.