تحميل رواية احرقني الحب بقلم ديانا ماريا pdf
بقلم ديانا ماريا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تقف خائفة حتى شهقت بفزع إثر إلقائه الشاي الساخن عليها. قال بلامبالاة وهو يكمل طعامه: قولتلك مية مرة مبحبش الشاي ناقص سكر صح ولا لا؟ لم ترد عليه فقط تبكي وتحاول إبعاد ملابسها عنها حتى لا تحرقها أكثر، لم تتمكن من التحرك من أمامه حتى لا ينالها غضبه. انتهى من تناول طعامه ثم وقف وهو يمسح يديه ببعضها، نظر لها بطرف عينيه وهو يقول: تقدري تروحي النهاردة لأهلك بس ترجعي قبل ما أنا أرجع و طبعًا الغداء والبيت يكونوا خلصانين زي ما بحب و اه أبقى حطي مرهم علشان تداري الحرق ده، مش عايز أشوف أي حاجة متعجبنيش...
رواية احرقني الحب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ديانا ماريا
أفاقت هديل وهي تسمع أصوات مبهمة حولها. كان هناك من يضرب برفق على خدها. وعندما زالت الغشاوة عن عينيها، كان وجه حسام هو أول ما تراه أمامها.
تجمعت الدموع في مقلتيها وهمست بصوت بائس: "حسام!"
أسندها حسام حتى جلست وهو يناولها كوب ماء. حتى ترتشف منه وهو يحثها برفق: "اشربي شوية مية بس متتكلميش دلوقتي."
شربت بضعة رشفات حتى أبعدته عنها بإشارة الاكتفاء. نظرت حولها لتجد الضابط يقف أمامها، وفي وجهه نوع من الشفقة عليها، التي سرعان ما غُلفت بالصرامة.
نظرت لحسام وقالت بصوت ينضج قهراً: "حسام، هو أنا كدة هتحبس؟"
حدق إليها حسام للحظة دون أن يرد، وهو يشعر بالعجز لمرآها أمامه بهذا الشكل. تجلى الإحباط على وجهها حين لم يرد، وفكرت ببؤس أنها حتى لو بريئة، سيتم سجنها.
أمسك بيدها وضغط عليها هادراً: "صدقيني مش هسيبك وهعمل كل اللي أقدر عليه علشان تخرجي في أسرع وقت ممكن."
شدت على يده وهي تتمالك نفسها من الانهيار مرة أخرى.
أجلى الضابط حلقه قبل أن يقول بصرامة: "طيب نقدر نكمل التحقيقات دلوقتي. للأسف يا مدام هتتحجزي."
هنالك، اندلف عسكري ليأخذ هديل. في البداية، تمسكت بحسام بشدة، الذي أمسكها بدوره وعيونه تحدق بها. قلبه يتمزق، أنه لا يستطيع فعل شيء لها. حتى لم يعد هناك فائدة، فاضطرت لترك قبضته أخيراً وإفلات يدها من يده، ثم غادرت وعيناها لم تفارقانها.
حين خرجت هديل، تغيرت قسمات وجه حسام بالكامل من الحزن للغضب الشديد، ولمعت عيناه برغبة عارمة للانتقام.
نظر لضابط الشرطة وهدر بحنق: "فين البواب يا حضرة الضابط علشان نكمل التحقيقات؟"
طلب الضابط العسكري الواقف بالخارج وأمره: "دخل البواب علشان نكمل التحقيق."
رد العسكري بتعجب: "بس البواب مشي يا فندم."
رد الضابط بدهشة قائلاً: "مشي! إزاي تسمح له يمشي؟ أنت اتجننت؟"
أجاب العسكري بخوف: "ماهو حضرتك طلع، ولما كنت هوقفه، قالي أنه التحقيق خلص خلاص."
زفر الضابط بعصبية، بينما نظر له حسام وكتف ذراعيه: "شوفت يا حضرة الضابط؟"
رفع الضابط حاجبه باستغراب: "شوفت إيه؟"
رد حسام بسخط: "دي كلها مؤامرة على هديل علشان هي تكون كبش الفدا لناس تانية."
تطلع له الضابط باهتمام: "لمين بالضبط؟ مش فاهم؟"
أخذ حسام نفساً عميقاً وتحدث بهدوء: "لتجار المخدرات اللي ظافر كان شريك ليهم."
اتسعت عيون الضابط من الذهول ورد: "ياريت تشرح لي كل حاجة."
جلس حسام أمامه وسرد له كل شيء من بداية إخبار هديل له حتى اليوم. ثم أضاف بإحباط: "بس إحنا مش عارفين أسماء شركائه. إحنا متأكدين أنهم ناس كبار، وكنا هنوصلهم بسهولة لو ظافر كان اتقبض عليه، علشان كدة ضحوا بيه."
رد الضابط بفطنة: "كدة كل شيء بقى منطقي شوية. كلامك خطير جداً، عندك أدلة عليه؟"
أجاب حسام بحزم وعيونه تتطلع بثقة للضابط: "طبعاً. ده غير أنه هديل في الوقت ده كانت معانا في المستشفى علشان عملية أخوها، وفيه شهود كتير شافوها. حضرتك مش واخدة بالك من كمية الأمور اللي مش طبيعية اللي بتحصل؟"
أجاب الضابط بمنطقية: "أكيد، بس المشكلة أنها المتهمة الرئيسية الظاهرة قدامنا، خصوصاً أنه مفيش دليل مادي على براءتها. بصماتها على السكينة، كان دايماً فيه خلاف بينهم، وكمان حتى كاميرات المراقبة لقيناها متعطلة قدام وحوالينا العمارة. دي حاجات كلها مش في صالحها، لازم دليل مادي، وأنت كمحامي عارف كدة كويس."
أرجع حسام ظهره للوراء وحدق أمامه بشرود، ثم همس بوعيد: "وأنا وربي على كل دمعة نزلت منها، لأجيبهم واحد واحد وأوديهم ورا الشمس."
مضت الأيام على هديل كأنها سنوات عجاف طوال. لم تتوقف عن البكاء في أول الأيام التي أمضتها في السجن، وهي تشعر بالظلم الذي تعرضت له يسحق روحها. كأن ما حدث لها في حياتها لا يكفي، حتى يأتي هذا الأمر ليُكمل عليها!
كان حسام يزورها كل يوم ليطمئنها ويتحدث معها. وقد أوصتها ألا يأتي أحد من أهلها لزيارتها، فقط كانت لا تريد أحد منهم أن يراها بهذا الشكل. وقد بدأت تتأقلم بعد مرور عدة أيام، بسبب توصية حسام عليها، فلم يكن أحد يجرؤ على مضايقتها أو التعرض لها.
غضب حسام بشكل جنوني حين اكتشف اختفاء البواب، ورغم بحثه عنه لم يجده، كأنه اختفى من على الأرض. وشدد على مساعديه بالبحث عنه في كل مكان يمكن أن يوجد به.
في نفس الوقت، كان يكثف جميع جهوده حتى يستطيع الكشف عن شركاء ظافر وإيجاد أي دليل يسهل عليه مهمته. كان بالكاد ينام أو يأكل، ولا يشعر بالارتياح طالما هديل مسجونة ظلماً.
بالمقابل، كانت هديل تذبل أكثر فأكثر من مرور الأيام. فلقد مرت أكثر من أربعة أشهر، وهي مازالت هنا دون دليل على أي خروج قريب. لقد خشيت بشدة أن تقضي حياتها كلها هنا دون أن تظهر براءتها.
في يوم، حضر حسام مع مساعدته التي سبق ورأتها في المكتب. حدقت إليها هديل وشعرت بالنقص داخلها. كانت الفتاة أنيقة للغاية في بذلة عمل رسمية، بينما هي في المقابل ترتدي ملابس السجن، ووجهها شاحب، وعيونها خالية من أي معاني الحياة.
أشار لها حسام أن تجلس، فجلست بجانبه، بينما كانت سارة تجلس على الجانب الآخر بالقرب منه.
كانت عيون هديل مركزة من سارة، حتى لفت حسام انتباهها وهو يعرض عليها بعض الصور، قائلاً بجدية: "هديل، عايزك تبصي للصور دي كويس وتشوفي لو تعرفي حد فيهم، أو شوفتي حد فيهم في يوم من الأيام مع ظافر مثلاً. جه معاه البيت مرة؟"
عرض عليها بعض الصور التي ركزت فيهم هديل بكل حواسها، حتى وصل لصورة شخص ما، فأشارت لها هديل على الفور: "ده! أنا كنت بشوفه مع ظافر، اه مكنش بيجي كتير بس فاكراه."
ارتسمت ابتسامة ارتياح على فم حسام وقال لها: "تمام، شكراً جداً يا هديل. استني دقيقة هقول حاجة للضابط واجي تاني."
نهض معه الصورة التي يمسكها، بينما بقيت هديل وسارة فقط. كانت هديل تفرك يديها بتوتر، فتطلعت إليها سارة وقالت بابتسامة ذات معنى: "أستاذ حسام شهم أوي مش كدة؟"
نظرت لها هديل بدون فهم للحظة، حتى قالت بتأكيد مرتبك: "ااه اه طبعاً."
تنهدت سارة بشكل مبالغ فيه وتطلعت أمامها بهيام: "أستاذ حسام ده جنتل مان جداً، أي بنت بتيجي بتعجب بيه فعلاً لأنه شخص شهم ولطيف، ده غير مكانته المرموقة."
تابعت وهي ترفع يديها لتعبث في خصلات شعرها المصفوفة بعناية: "بقعد أفكر دايماً مين دي المحظوظة اللي هيبقى من نصيبها؟ أكيد هتبقى بنت مميزة أوي مش أي حد، لأنه شخص مميز زيه المفروض مراته تبقى أنيقة ومن عيلة وخلفية، يمكن حد زيي كدة."
نظرت لها عن قصد مع آخر كلماتها، وكأنها تقصد التقليل من شأنها والتحقير منها، بينما صمتت هديل وهي تنظر للأرض بوجوم، حتى عاد حسام. فنهضت وطلبت العودة لزنزانتها بصوت لا يقبل النقاش، مما أثار استغراب حسام الشديد.
عادت هديل للداخل وجلست على سريرها وهي تحاول تمالك أعصابها. أغلقت جفنيها بقوة ثم فتحت، ولاحظت وجود مرآة على الجدار. فنهضت واقتربت منها ببطء.
تطلعت إلى نفسها في المرآة ورفعت يدها لوجهها تتحسسه، كما بدا وجهها شاحب وبشرتها باهتة ومتعبة مقارنة ببشرة سارة التي تلمع ووجهها التي تضع عليه مساحيق التجميل بإتقان.
أزاحت وشاح السجن عن رأسها وهي ترفع يدها لخصلات شعرها الذي قارنته بخصلات سارة اللامعة، بينما شعرها هي قصير ومقصف وقد بهت لونه.
فجأة، انفجرت دموعها على وجهها وانهارت على الأرض وهي تبكي. شهقاتها ترتفع بألم، التمت حولها بقية النساء وقد فزعوا من بكائها العالي. حاولوا تهدئتها ومعرفة سبب بكائها دون فائدة، حتى ساعدوها وأسندوها حتى تنهض وتتمدد على سريرها.
تمددت هديل على جانبها وبقيت تبكي حتى نامت. مرت عليها بضعة أيام كانت خلالها مكتئبة للغاية، وقد رفضت تناول الطعام إلا القليل منه، وحتى رفضت مقابلة حسام، مما أثار استغرابه وقلقه. لقد كانت سارة محقة، إن حسام يستحق فتاة مميزة للغاية وليس فتاة مشوهة من الداخل والخارج مثلها. ورغم معرفتها الحتمية بذلك، فهذا لم يمنع عنها الألم أبداً.
في يوم، تم استدعائها وقد أخبرتها الحارسة أن مدير السجن يريدها لأمر ضروري.
تعجبت هديل وسارت رفقتها بخليط من القلق والأمل. هل يمكن أن يكون هناك حد جديد بشأن قضيتها؟
دلفت إلى الغرفة وعيناها تركزان على المدير الذي يجلس على مكتبه، ولم تنتبه لأي من الحاضرين الذين يجلسون على أريكة أمامه.
لاحظت عيناه المبتسمتان، فالتفتت لتتسع عيونها بشدة من الصدمة. كان والدها يجلس هناك بجانبه رجل يرتدي حُلة يظهر منها أنه مأذون شرعي. وبجانبه حسام يرتدي بدلة أنيقة ويحدق إليها بابتسامة ساحرة. عيناه تتألق بالحماس والتوق.
ظلت تحدق لذلك المنظر فاغرة فاها، وهب تستوعب ما يحدث.
نهض حسام وقال بعاطفة عميقة: "هديل، أنا عارف أنه ممكن ميكونش الوقت مناسب أبداً، بس أنا استنيت سنين طويلة ومقدرتش استنى أكتر من كدة. أنا نفسي تبقي مراتي النهاردة قبل بكرة، نفسي أقدر أواسيكي وأقف جنبك بدون أي حواجز بيننا. أنا حبيت أعملهالك مفاجأة وجهزت كل الأمور اللازمة. تقبلي تتجوزيني؟"
تطلعت إليه مشدوهة ولكل ما حولها ما حولها مخطوفة الأنفاس. حينها سيطر عليها تفكير واحد فقط وردت باندفاع ودون أن تشعر: "لا."
رواية احرقني الحب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ديانا ماريا
اتسعت عيون الجميع من الصدمة وحدق إليها حسام بنظرة ألم وخيبة الأمل ترتسم على وجهه.
مما ذكرها بما حدث منذ ست سنوات مضت، حين كان ينظر لها بنفس العذاب وخيبة الأمل التي فطرت قلبها.
فقالت بارتباك:
ق..قصدي ا.. أنا مم....
وفجأة، ولأنها شعرت أنها عاجزة عن إبداء ردة فعل طبيعية، أجهشت بالبكاء وهي تخبئ وجهها بين يديها.
لم تشعر بخروج الجميع بهدوء من الغرفة، حتى وقوف والدها للحظة ورائها يحدق إليها بحسرة قبل أن يخرج هو أيضا.
أحست بيدان تبعدان يديها عن وجهها، لتجد حسام أمامها يحدق إليها بنظرات عطف متفهمة مما زاد من شعورها بالذنب وانهمار دموعها.
أخذها من يدها وأجلسها أمامه على الأريكة.
كانت تحدق للاسفل، لا تجرؤ على مواجهته.
حين قال بصوت حنون لم يستطع إخفاء التوتر فيه:
ممكن أعرف قولتي لا ليه؟ أنا عارف أنه الوقت مش مناسب بس أنا نفسي أبقى جنبك بدون حواجز بيننا.
رفعت عيونها إليه وارتعش فمها، قائلة بنبرة تضج قهرا:
حسام المشكلة لا في الوقت ولا المكان أبدا، حتى لو الوقت اتغير أنا مش هقدر اتجوزك.
تغضن جبينه ألما، فأسرعت تبعد عنه الشك:
ده مش بسببك، أنا مقدرش اظلمك معايا.
عقد حاجبيه هادرا بعصبية:
يعني تظلميني معاكِ؟
نظر حوله بجنون من الحيرة، وتطلع إليها بشك قائلا بصوت متردد يحس بشيء هائل يسد حلقه:
أنتِ مش عايزاني؟ مش بتحبيني؟ دي الحالة الوحيدة اللي أقدر أتفهم فيها رفضك.
حدقت إليه بعيون حمراء من البكاء، وردت بصوت متحشرج:
حسام أنا لما خسرتك كان كدة خلاص خسرت كل حاجة ومبقاش فارق معايا حاجة في الدنيا.
كاد يشد شعره من الغيظ وأجاب بنفاذ صبر:
أمال ليه؟ ليه بترفضي نكون لبعض بعد ما أخيرا قِدرنا؟
أفلتت دمعتان من عيونها وهي تجيب بألم وعيونها تحدق فيه بعذاب:
حسام أنت مش شايف الفرق بيننا؟ أنا واحدة مسكونة وحتى لو كنت بريئة هيفضل اللقب ده ملازمني طول عمري، وأنت محامي ناجح ومشهور تستاهل واخد أحسن مني بكتير. وكنت متجوزة قبلك، جوايا جروح نفسية كتيرة تمنعني أقدم لك الحب اللي أنت تستحقه ده غير...
ترددت وتسارعت أنفاسها، قبل أن تهمس بصوت أجوف من القهر:
أنا مبخلفش.
سيطرت الصدمة على حسام للحظات، قبل أن يهز رأسه ثم يمسك بيديه بقوة قائلا بصوت متخم بالعاطفة:
هديل أنا ميهمنيش كل الكلام اللي قولتيه ده، كل اللي أعرفه أني بحبك وبحبك أنتِ وبس. مقدرتش أحب حد غيرك طول السنين دي كلها، حاولت كتير أنساكي ومعرفتش. أنا لما شوفتك قدامي عيني يوم حسيت إني حد مد أيده وخد قلبي من مكانه. ومش هتكسف أقولك أني قضيت بعدها كل يوم بعيط من القهر والوجع والعجز اللي كنت فيه لحد ما قررت أقف على رجلي وأركز في الشغل وبس. لحد ما ربنا وفقني وبقى ليا اسم، بس كل ده مقدرش يخرجك من بالي أبدا. حاولت كتير أتخطاكي بس قلبي مرضاش يسيبك أبدا.
كانت هديل ترتجف من وقع كلماته على قلبها، بينما أردف حسام برجاء مشبوب بالحب:
صدقيني أنا بحبك ومش فارق معايا كل اللي قولتيه، أنا عايزك أنتِ وبس. وبالنسبة لموضوع الخلفة دي حاجة بتاعت ربنا، لو ربنا أراد نخلف هنخلف. ولو الموضوع مضايقك نقدر نكفل طفل يتيم.
همست هديل بصوت مثقل من اليأس:
وليه تعمل كل ده؟ أنت تقدر تتجوز بنت كويسة وتخلف منها، أنت تستاهل واحدة أحسن مني.
ابتسم حسام ابتسامة حلوة:
وهو فيه أحسن منك؟
أفلتت ابتسامة صغيرة منها برغم كل ذلك البؤس الذي يرتسم على وجهها.
فحثها مرة أخرى بابتسامة:
ها؟ انادي على المأذون؟ أنا نفسي أقف جنبك بصفة شرعية، نفسي يبقى ليا الحق احضنك، يبقى حقي أشوفك وأمسك إيدك. الشوق غلِب روحي فمتغلبنيش أنتِ كمان، أنا عايش الوحدة بقالي سنين تعالي نوري حياتي بوجودك.
تساءلت كيف يمكن أن تنير حياتها وهي مجرد شمعة محترقة؟
في النهاية، لم تتمكن أن تقول لا بصوت عالي، رغم كل مخاوفها وعُقدها لم تتمكن من أن تكسر فرحته عندما أومأت برأسها بالموافقة.
فانتشرت ابتسامة سعادة على وجهه، وقد عاد الجميع للداخل وبدأ المأذون بعقد القران.
كانت تتطلع إليه إلى الابتسامة الفرحة على وجهه وتعابير وجهه وقد كان لا يخفي سعادته أبدا.
بقيت فقط شاردة به حتى أفاقت على صوت المأذون وهو يقرب إليها الدفتر لتوقع بعدما وقع حسام بكل سهولة.
تطلعت إليه برهبة كبيرة، وقد سبق لها هذا المشهد سابقا في جو من الخوف والبكاء، والآن يعاد مجددا ووجدت شيء من البهجة يزهر داخلها رغم كل الظروف.
أمسكت بالقلم بيد مرتعشة ووقعت أخيرا.
ختم المأذون حديثه: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير".
وكم كانت تلك الجملة وقعها حلوًا على قلب حسام وقلبها.
بالكاد انتبه حسام لتلك المباركات التي تأتيه من جانب مدير السجن والشهود، لأنه كان يتطلع لهديل بعيون تتحدث بالكثير.
كثير من الشوق والمعاناة غير المنطوقة، عندما نهض واقترب منها وضمها إلى أحضانه بشدة كأنه أراد أن يُدخلها بين أضلعه.
انسحب الجميع بهدوء تاركين لهم الخصوصية حتى يكونوا مع بعضهما قليلًا.
أغمضت هديل جفنيها وهي تتساءل منذ متى لم تحظى بحضن دافئ وآمن بهذا الشكل؟
متى آخر مرة شعرت فيها أنها آمنة ومحمية؟
أنها حقيقي لا تتذكر، لكنها استسلمت لعناق حسام الذي لم ترد أن تفلت منه قط لتعود لبرودة السجن وجفائه.
ابتعد عنها بعد قليل وهو مازال يحيطها بذراعيه القوية، وقبل جبينها ثم خديها، فاحمرت وجنتاها من الخجل.
ضحك حسام ببحة وقال:
أنا مش قادر أعبر مهما قولت عن اللي جوايا، مبسوطة؟
هزت رأسها دون أن تتكلم، وقد عجزت هي أيضا عن الكلام بسبب اللحظة العاطفية التي يمروا بها.
أخرج علبة من جيبه، كان واضحًا أنها علبة خاتم وفتحها ليظهر خاتم ذهبي جميل.
حدقت به هديل بانبهار، بينما يقول حسام بحب:
حبيت أشتري حاجة شبهك رقيقة وحلوة، أول ما شوفته شوفتك فيه فاشتريته علطول، إيه رأيك؟ لو مش عاجبك هرجعه وتختاري براحتك لما تخرجي.
اندفعت هديل ترد بسرعة:
لا لا مفيش داعي، شكله جميل.
ابتسم ثم أخرج الخاتم وألبسه لها، فنظرت له هديل بابتسامة حين قالت فجأة بحزن:
بس أنا مش هقدر ألبسه جوا.
عبس حسام قليلا ثم ابتسم بحنان:
متخافيش بإذن الله قريب جدا هتخرجي من المكان وهتلبسي وتعملي كل اللي أنتِ عايزاه.
ثم انحنى على يدها التي تلبس بها الخاتم وقبلها برقة، مما تسبب في تسارع نبضات قلبها.
بعد قليل دخل المدير وقال بابتسامة معتذرة:
معلش يا حضرة المحامي حاولت اسيبك على قد ما أقدر بس الوقت انتهى دلوقتي.
نظر حسام وهديل لبعضهما بعبوس، وقد حزنت هديل لأن دقائق السعادة كانت قصيرة بالنسبة لها قصيرة للغاية.
أما حسام حاول تخفيف الموقف وأخبرها بأنه سيحضر غدا بالتأكيد ويقضي معها كل الوقت الممكن، ولكن هذه المرة ليس كمحامي لها ولكن كزوجها.
وقد كان وقع هذه الكلمة كبيرا على نفسها، عادت للداخل مرة أخرى ولكن ليس كمان خرجت أبدا.
روحها الحزينة اليائسة تبدلت بروح أخرى انتعش فيها الأمل، وقد ارتسمت ابتسامة على وجهها المتعب.
تمددت على سريرها ثم رفعت يدها تتأمل مكان الخاتم الذي وضعه حسام وتخيلته كأنه مازال هناك.
هل ربما يحن القدر عليها أخيرا؟
وتفتح لها أبواب السعادة بعد دهر في أعماق الحزن؟
وكأن الأخبار السارة تأتي تباعًا وراء بعضها، فبعد يومين في زيارة حسام حين دلفت للداخل هرع إليها حسام يمسك يديها ويقول بحماس:
هديل خلاص هانت هتخرجي من هنا قريب أوي، البواب اتقبض عليه واعترف بكل حاجة بشهادته الزور وبالناس اللي راحت له وهددوه. وكمان اتقبض على أول شريك لظافر!
رواية احرقني الحب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ديانا ماريا
مرت قشعريرة على طول جسدها وحدقت إليه بعدم استيعاب وردت بصوت مرتجف:
بجد؟ بجد يا حسام؟ يعني هخرج من هنا قريب؟
أومأ برأسه وأكد بسعادة:
أيوا خلاص هانت اعترفوا وهيتقبض على الباقي والبراءة بتاعتك بقت أكيد.
انهمرت دموعها ولكن لأول مرة في حياتها من الفرحة وهي تحمد الله بصوت مخنوق، عانقها حسام بقوة وهو يمسح على ظهرها بحنان فتعلقت به هديل بشدة.
ابتعدت عنه بعد أن هدأت مشاعرها قليلا لتقول بامتنان:
الحمد لله يارب حسام أنا مش عارفة اشكرك إزاي بعد ربنا أنت اللي وقفت جنبي وعملت كل اللي تقدر عليه علشاني.
ناكفها بعتاب محب:
وده كلام يا حبيبتي؟ ده واجبي طبعا.
أمسك وجهها بيني يديه وقبل جبينها بحب.
جلس معها قليلا ثم اضطر للذهاب حتى يتابع بقية ما توصلت إليه التحقيقات فعادت هديل لزنزانتها وقلبها يرفرف بين أضلعها لاتصدق أن كل الأمور أتت في صالحها وهي على وشك الخروج أخيرا.
ضمت يديها إلى صدرها وهي تفكر أخيرا ستنال حريتها وتظهر براءتها ستكون لها الفرصة لتحيا الحياة مرة أخرى وتبدأ حياة جديدة مع حسام.
في تلك الثانية اخترق تفكيرها فكرة مرعبة وكأنها انتبهت إليه للتو، أسرعت للحمام على الفور وأغلقت الباب ورائها ثم بدون تردد خلعت ملابسها كلها ثم وقفت أمام المرآة الصغيرة التي في الحمام، نظرت برعب لجسدها وللجروح الظاهرة به حتى آثار الحروق مازالت على يديها، التفتت لتتفحص بذعر بقية آثار الضرب على ظهرها والتي أيضا كانت واضحة نوعا ما رغم مرور الوقت عليها.
وضع يدها على شفتيها وهي تفكر برعب لقد قَبِل حسام بزوجة كانت سجينة ولا تنجب ولكن هل سيقبل أيضا بزوجة مشوهة؟
ضربت جبهتها بغيظ من نفسها لماذا لم تفكر في هذا لما لم تتذكره قبل الآن! كيف ستواجهه بجسدها المشوه هذا؟ خصوصا وأنه يصر على حفل إعلان زواجهما بعد خروجها من السجن وقد أصر على هذا الحفل رغم رغبتها بعدم إقامته لأنه يريد أن يُعرفها على أصدقائه وأيضا يريد إعلان زواجهما بشكل لائق.
تصاعدت وتيرة أنفاسها من الذعر والتوتر كيف ستواجه حسام وتخبره؟ أم تريه فحسب وتخبره أنه من أصر على الزواج بها رغم كل ما أخبرته به!
جلست على الأرض واخفت رأسها بين ركبتيها وهي تبكي بحرقة تعتمل قلبها الذى لاقى الأمرين، ارتجفت من التوقع وهي تتخيل ردة فعله عندما يرى كل تلك الجروح والتشوهات.
هل سيشمئنز منها؟ أم سيحاول مداراة الأمر حتى لا يجرحها ولكنه في النهاية رجل وسيتطلع بشغف إلى الانفراد بعروسه.
نهضت بثقل مؤلم من على الأرض وارتدت ملابسها مجددا ثم خرجت لقد اكتفت من المعاناة والتفكير أوجع رأسها ستترك الأمور على حالها ولتأتي كيفما دبرها الله.
مرت الأيام بسرعة فقد تم القبض على بقية شركاء ظافر ورغم وساطة بعضهم لم يستطيعوا أن يتهربوا من تورطهم وثبتت التهمة عليهم كما تمت تبرئة هديل وكان حسام يفعل ما في وسعه ويستخدم جميع علاقاته حتى يُسرِع خروجها قدر الإمكان.
في يوم خروجها استيقظت باكرا للغاية والأصح للقول أنها لم تستطع النوم من الحماس، حين بدلت ملابس السجن بملابسها العادية لم تستطع الانتظار حتى تخرج وتشعر بالشمس والهوا الطبيعي يداعب وجهها مرة أخرى وتستنشق أنفاسها كالأحرار من جديد.
حين سارت في ممر السجن المؤدي لباب الخروج وجدت حسام ينتظرها هناك، ما إن رأته حتى اندفعت نحوه بكل طاقته حين رآها حسام تقدم ناحيتها وهو يبتسم لها.
وصلت هديل لتنهار بين ذراعيه ترتجف من الراحة ودموع السعادة تنهمر على وجهها، دعمها بذراعيه وهو يهتف:
خلاص كل حاجة وحشة خلصت يا حبيبتي مفيش عياط تاني.
لم ترد وهي تبادله العناق وتتعلق به، أسندها حتى الخارج ليوصلها لسيارته ويجلسها في المقعد الذي بجانب السائق ثم يستدير حول السيارة وينطلق بها.
كانت هديل تتطلع حولها لكل شيء بشوق وحنين كأنها غابت عنه سنين طويلة، كانت حسام يتطلع إليها بين الحين والآخر بابتسامة حين أمسك يدها وقبلها بينما يقود، التفتت له هديل كانت ملامحها المرتاحة هي أفضل جائزة يحصل عليها نتيجة تعبه المستمر طوال الشهور الماضية.
أخيرا وصل بها إلى منزلها فتطلعت إلى البيت ثم له بتوتر.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
أنا خايفة يا حسام.
هبط حسام من السيارة ثم توجه إليها وساعدها على الخروج وقال بابتسامة واثقة:
متخافيش يا حبيبتي الكل مستنيكِ ومتشوق يشوفك أوي تعالي يلا.
شبك يده بيدها ليصعدوا وما إن رن جرس الباب حتى فتحت والدتها بسرعة كأنها كانت في انتظارهم وعلى الفور ضمت هديل لأحضانها وهي تجهش بالبكاء.
قالت والدتها بلوعة تقطع القلب:
يا حبيبتي يابنتي قلبي كان واكلني عليكِ الشهور اللي فاتت دي كلها أنا لا كنت بنام ولا بأكل وأنا عارفة أنك في السجن يا قلب أمك وكمان مش قادرة أشوفك الحمدلله أنك رجعتي لينا يا حبيبتي الحمدلله.
مسحت على وجهها بنظرة أم مشتاقة تتفحص ملامحها وتنظر بحسرة لجسدها النحيل فبالتأكيد خسرت وزنا في السجن لأنها لم تكن تأكل جيدا.
نظرت هديل لوالدتها بوجه ملئ بالدموع واعتذرت منها قائلة:
أنا الحمدلله بخير يا ماما قدامك أهو بس مكنتش عايزة حد فيكم يشوفي كدة كنت عايزاكِ تشوفيني زي ما أنا دلوقتي برة مش جوا بلبس السجن أبدا.
هزت والدتها رأسها متفهمة ثم ابتعدت عنها وحينها رأت هديل والدها ينظر لها بندم شديد تقدم إليها فاتح ذراعيه:
هديل بنتي.
صدته هديل على الفور وهي ترفع يدها أمامه قائلة بجفاء:
لو سمحت خليك مكانك متقربش مني أبدا فاهم؟ أبدا!
رواية احرقني الحب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ديانا ماريا
توقف رضوان مكانه ونظراته تنخفض بخزي للأرض. حاول القول بتردد:
هديل..
قاطعته بحرقة وهي ترتجف من شدة الانفعال:
إنت إيه؟ لسة فاكرة إنه عندك بنت؟ كنت فين وأنا بموت كل يوم وأنت شايفني قدامك؟ طول السنين دي كنت شايفاك مش قادر تبص في وشي بعد ما عرفت أنه الجوازة اللقطة كانت جوازة سودة على دماغي، إنما عمرك ما فكرت تيجي في مرة تقولي حقك عليا.
لم تستطع السيطرة على شلال الدموع الذي سال على وجهها وتابعت بحرقة:
كنت مستنياك في مرة تيجي تعتذر مني وتعترف بغلطك بس عمرك ما عملتها، كنت بس تدير وشك مني. ده بجد؟ يعني بعد ما عرفت أنك غلطان وإني عايشة في جحيم بدل ما تيجي تطبطب عليا تسيبني لوحدي؟ ياما استنيتك تيجي في يوم، إنما عمرك ما فكرت تعملها. حتى لما دخلت السجن سمعت كلامي علطول وعملك ما جيت تشوفني وأنت عارف أني لوحدي وأكيد خايفة وضعيفة محتاجة سند وحضن دافي. كان المفروض بدل ما تستسلم تيجي تقولي: لا، إنتِ بنتي أنا، عمرك ما هسيبك لوحدك حتى لو أنتِ عايزة كدة. إنما أنت خدت كلامي وسلمت بيه، شوفته أسهل عليك بدل ما تعترف بذنبك.
انهارت كليا عند نهاية الحديث. فشدها حسام لصدره، تمسكت هديل بقميصه وهي تبكي بحرقة.
حاول والدها الكلام إلا أن الندم ألجم لسانه. فعادت هديل توجه له كلماتها الحادة بقهر يحرق قلبها:
كنت عارف وشايف أنه بيضربني، كنت بجيلك والعلامات ظاهرة على وشي وجسمي. محاولتش في يوم تداوي جرحي، كنت واقف تتفرج عليا وأنا بنزف!
رفعت وجهها المبلل بالدموع لوجه حسام الذي بالكاد يسيطر على غضبه. وتوسلته قائلة وهي تضغط يدها على صدره:
بالله عليك خدني من هنا، مش عايزة أقعد هنا يا حسام.
شدد حسام ذراعيه حولها وأجاب بهدوء ممزوج بالرفق:
يلا تعالي.
قبل أن يخرجوا من الشقة هتفت والدتها:
هديل، إنتِ مشوفتيش إياد ده مستنيكِ من زمان.
نظرت لها هديل وكأنها نسيت سبب مجيئها الأساسي لثانية، ثم عادت توجه نظراتها لحسام بنظرة ذات معنى فهمها. فاستندت عليه وهي تسير لغرفة أخيها كأن هذا اللقاء العاطفي استنزفها. حين رأته أمامها كان إياد ممدد على السرير يبدو ضعيف، ولكن أفضل من آخر مرة تتذكره بها.
حين رآها إياد أشرق وجهه ورفع ذراعيه بلهفة هاتفًا باسمها. فركضت له هديل بسرعة حتى لا يتعب نفسه وركعت بجانب سريره لتعانقه بشوق. ويمتزج بكائها الحار مع دموع إياد التي هبطت من الاشتياق لشقيقته وشعوره بالذنب على ما حدث لها بسببه على حسب اعتقاده.
ابتعدت هديل لتضع يدها على خده وهي تتأمل وجهه بحب:
وحشتني أوي يا حبيبي، صحتك عاملة إيه دلوقتي؟
أجاب إياد بصوت مخنوق:
أنا كويس الحمد لله، وحشتيني أوي يا هديل، أنا آسف كل ده حصلك بسببي أنا.
عقدت هديل حاجبيها وعاتبته برقة حتى لا تراعي تعبه:
هتفتح في الكلام ده تاني؟ قولتلك مش بسببك. وبعدين حتى لو بسببك أنا راضية، المهم أنك بقيت كويس.
ظهر الذنب بقوة على وجه إياد. فنظرت له هديل بخوف من أن تكون أخطأت.
حينها تقدم حسام وقال بنبرة قوية حكيمة:
اسمعني يا إياد، ساعات ربنا بيديك اختبارات أنت ممكن متكونش فاهم ليه أو إيه الحكمة منها، بس بتعرف قدام أنه الاختبارات دي كانت علشان تبقى أقوى وتقدر تواجه الحياة بفكر وشخصية أحسن وأنضج. وممكن متعرفش أبدا السبب، لكن خليك واثق أنه خير ليك. دي طريقة تفكير اتبنتها من فترة طويلة وصدقني ارتحت جدا.
ثم وضع يديها على كتف هديل ونظر لها بحب متابعًا:
ودلوقتي بشوف نتيجتها.
عاد يحدق لإياد الذي هدأ روعه بعض الشيء وأردف يعده:
وبعدين متقلقش على هديل بعد كدة، هي معايا دلوقتي.
رفعت هديل بصرها تشكره بعينيها بامتنان. حين اطمئن إياد وهدأ وشرع يحدثها فيما أخبره به الطبيب وأن تلك العملية كافية وصحته باذن الله ستكون مستقرة من الآن فصاعدا.
بعد قليل أخبرته هديل أنها ستذهب الآن وستعود في وقت لاحق. وقد اطمئن إياد وذلك بسبب وجود حسام الذي يحب أخته ولن يسيء معاملتها كزوجها السابق. سلمت هديل على إخوتها ووالدتها. لم يكن والدها موجودا ولم تهتم بمكانه.
صعدت مع حسام لشقته الذي قال بابتسامة وهو ممسك بيدها:
إحنا هنقعد هنا مؤقتا لحد ما ننقل في الشقة التانية. أنا بجدد فيها شوية حاجات علشانك. لو عايزة أي حاجة بلغيني بيها أو تقدري تروحي تتابعي بنفسك كل حاجة.
هزت رأسها بالنفي مبتسمة فهي تثق في ذوقه وذلك الأمر هو في آخر أولوياتها الآن.
حين دلفوا للشقة توترت هديل بشدة. فهي للمرة الأولى لوحدها كليا مع حسام وهي لا تعلم ماذا يتوقع منها، كما أنها لم تحدثه عن جروحها.
وقف أمامها فازدادت نبضات قلبها. إلا أن كلماته التالية أراحتها بشدة حين تحدث بلطف:
لو عايزة تنامي نامي، أنا هسيبك ترتاحي وهشتغل شوية. أنا واخد النهاردة إجازة علشانك، عندنا كلام كتير نقوله لبعض.
لم تدر بما يريد التحدث لكنها مرتاحة لتأجيل ذلك الحديث فهي متعبة وتريد النوم براحة على سرير حقيقي منذ أشهر طويلة.
تقدم لها حسام وقبل جبينها بعمق ثم ابتعد وقال بنبرة عاطفية دافئة وهو يمرر يده على خدها:
مش عايزك تفكري في حاجة خالص دلوقتي، أنتِ دلوقتي معايا أنا وليا.
ابتسمت له هديل ولأول تبادر وتتقدم منه لتغرق في أحضانه وهي تضع رأسها على كتفه. إن هذا العناق يبعث فيها للأمان والدفئ اللذان افتقدهما لسنوات حتى نسيت الإحساس بهما.
أرشدها لغرفته ثم تركها إلى راحتها بعد أن أخبرها أن ابتاع لها بعض الملابس. نظرت هديل للغرفة باستكشاف. فهي تشبه حسام بالفعل رغم تلك الواجهة الباردة التي يظهرها، داخله دافئ وحنون للغاية.
بعد تلك الأشهر التي قضتها في السجن رغبت في الاستحمام بشكل حقيقي وبماء كافي دون استعجال وعلى راحتها. فولجت للحمام المرادف للغرفة.
بعد أن انتهت لم تجد في الحمام ما ترتديه إلا روب حمام الخاص فتناولته. كان كبيرا عليها مما جعلها تبتسم بشغب وهي تستعيد بعض المرح الذي فقدته.
حين عادت للغرفة سمعت جرس الباب الذي يرن بشكل متواصل فتعجبت. لأن حسام لم يفتح إلا أنها حين خرجت للصالة لم تجده فتساءلت أين ذهب ومن الذي سيأتي الآن؟
لمحت على الطاولة مفاتيحه فابتسمت وهي تتقدم للباب وتقول بتوبيخ مرح:
إنت نسيت المفاتيح يا حسام، طب كنت قول أنك هتنزل.
حين فتحت الباب تجمدت ابتسامتها وارتبكت مقابل صدمة الفتاة التي أمامها.
كانت سارة بصدمة كبيرة تنظر لهديل التي ترتدي ثوب حسام وواضح من هيئتها أنها انتهت من الاستحمام للتو.
لمع الحقد في عيونها وقالت باحتقار:
أنا مكنتش أعرف أنك بالرخص ده، مع أني مرتحتش لما شوفتك. إنما لحقتي تخرجي من السجن علشان ترمي شباكك حواليه؟ طب لو كان عايز كان خد حد يستاهل، مش أنتِ!
رواية احرقني الحب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ديانا ماريا
بهتت هديل من هجوم سارة غير المتوقع وشحبت من كلماتها السامة التي اخترقتها،
ولم تكتفِ سارة بذلك بل تابعت بغيظ وهي ترمقها باشمئزاز من أسفل لأعلى:
"بس على العموم ده آخرك وتمامك ليلة وخلاص،
وبعدها هيرميك علشان يدور على واحدة تانية،
ولما يجي يتجوز هياخد إنسانة من مقامه نضيفة مش...."
ابتلعت سارة باقي كلماتها حين سمعت صوت حسام المدوي يهتف بها:
"سارة وقفي عندك ومتكمليش!"
وقفت سارة مكانها بينما حسام يصعد السلم ممسكًا ببعض الأكياس في يده،
شعرت سارة بقلبها ينتفض من نظرات حسام الحارقة والغضب الواضح على وجهه،
حتى أن هديل انكمشت خوفًا من نظراته الحادة مع أنها لم تكن موجهة إليها.
وقف حسام أمام سارة التي تراجعت للوراء بخوف بسبب العصبية الشديدة الظاهرة عليه،
خصوصًا حين تكلم بصوت ينتفض غضبًا رغم نبرته الهادئ:
"أنتِ وبأي حق تسمحي لنفسك تتكلمي مع مراتي بالشكل ده؟
إزاي توجهي بيها إهانات زي دي!
أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه!"
اتسعت عيون سارة صدمة مما قاله وحدقت لهديل وهي تردد:
"مراتك!"
تحدث بنبرة خشنة حادة:
"أيوا مراتي،
وحتى لو مكنتيش تعرفي ملكيش حق تتكلمي معاها كدة أبدًا،
إيه هاخد رأيك في حياتي الشخصية ولا استأذنك قبل ما أعمل الحاجة الأول؟"
حاولت سارة التبرير بارتباك:
"ا... أستاذ حسام أنا.. أنا."
قاطعها حسام لينهي النقاش ببرود:
"مش عايز أسمع حاجة،
تقدري تلمي حاجتك وتدوري على شغل تاني من بكرة."
ارتسم الرعب على ملامح سارة التي أسرعت تتوسله:
"أستاذ حسام أنا آسفة والله بس متمشنيش حضرتك،
عارف أد إيه أنا محتاجة الشغل."
كانت قسمات حسام جامدة حين رد عليها بوجوم:
"كان لازم تفكري في الكلام ده كله قبل ما تغلطي."
نظرت حينها سارة لهديل التي كانت تتبنى موقف الصمت تراقب الموقف ووجهت لها كلامها برجاء:
"مدام هديل أنا بعتذر على اللي قولته،
بس حاولي تقنعي أستاذ حسام،
أنا بجد آسفة مش عايزة أمشي من الشغل."
شعرت هديل بالشفقة عليها وعلى هيئتها الباكية المتوسلة رغم حديثها الجارح منذ قليل،
فاقتربت من حسام ووضعت يدها على ذراعه تشد عليه قائلة بنبرة هادئة:
"خلاص يا حسام،
سامحها علشان خاطري المرة دي."
ثم نظرت لسارة متابعة بتردد:
"أنا متأكدة أنها مكنتش تقصد."
برغم أنها شعرت حقًا في أعماقها أنها كانت تقصد جرحها وإذلالها!
ولكن ولأنها مرت بموقف شبيه فهي تتفهم الحاجة الشديدة التي تدفع سارة للتوسل من أجل وظيفتها،
ولم ترد أن تكون سبب لقطع مصدر دخلها فقررت مسامحتها.
التفتت لها حسام يقول بصرامة ونظرة عدم التصديق في عينيه:
"أسامح إزاي دي هانتك!"
ابتسمت له ابتسامة باهتة:
"هي اعتذرت خلاص،
اديها فرصة تانية،
أنا متأكدة أنها مش هتغلط."
زفر حسام بحنق وصمت للحظات قبل أن يقول في النهاية موجهًا حديثه لسارة بتحذير بارد:
"ماشي هعديها المرة دي،
بس أي غلطة تانية يا سارة مش هتساهل معاكِ أبدًا."
انتفضت سارة بفرح غير مصدقة أنه سامحها خصوصًا أن حسام معروف بصرامته الشديدة في العمل وأكدت بلهفة:
"أيوا مش هغلط تاني أكيد يا أستاذ حسام."
نظر لها حسام بعدم رضى قبل أن يقول بحزم:
"فين الورق اللي جيتي علشانه؟"
على الفور أخرجت له سارة الورق بطريقة بدت خرقاء بالنسبة لتوترها،
أخذها منها حسام ثم صرفها فورًا،
حينها انتبه لهديل التي تقف بروب حمام فقط فدخلوا على الفور قائلاً لها بتوبيخ:
"أنا مخدتش بالي أنتِ لابسة إيه،
ليه وقفتي كل ده برة؟"
كانت شاردة في كلام سارة فتنهد حسام قبل أن يأخذها من يدها ليجلس معها على الأريكة ويضع ما بيده أمامه.
أخذ يديها بين يديه يحثها على الاستماع له:
"أنا مش عايزك تفكري في أي حاجة اتقالت يا هديل،
صحيح أنا مسمعتش الكلام من أوله بس أنا مش عايز حاجة تأثر فيكِ بسهولة كدة،
ارمي كلامها ورا ضهرك،
أنتِ لولا أنك منعتيني كنت مشيتها وريحتك خالص منها."
كانت متعبة نفسيًا وجسديًا فنظرت له بصمت قبل أن تقترب منه وتريح رأسها على صدره فضمها له بحنان.
قالت بصوت منخفض يظهر به البكاء:
"الموضوع مش كلامها وبس يا حسام،
أنا مش عارفة أقولك إيه بس أنا هشة جدا من جوا وبرة،
السنين اللي فاتت كانت صعبة أوي لدرجة أني لحد دلوقتي مش مصدقة أنه كل حاجة انتهت وأنا دلوقتي معاك،
أنا مش قوية يا حسام أنا ضعيفة أوي."
اشتدت ذراعي حسام حولها قائلًا بنبرة قوية:
"لا طبعًا إيه الكلام ده؟
هديل أنا دلوقتي بس عرفت أنتِ إزاي قوية وقوية أوي كمان،
كفاية تضحيتك السنين دي كلها وإنك استحملتي العيشة مع إنسان مريض كله علشان خاطر أخوكِ،
أنتِ استحملتي وضع غيرك ميستحملوش أبدًا ومريتي بحاجات كتير ولسة واقفة على رجليك كل ده وازاي تفكري أنك ضعيفة بس!"
ضمت نفسها له أكثر قائلة بصوت مخنوق:
"بس هي معاها حق،
أنا بقيت إنسانة مشوهة من جوا ومن برة،
فيه حاجات كتيرة أنت متعرفهاش."
ابتعدت عنه بتوتر قبل أن تردف بتوتر:
"فيه حاجات كتير أنت مش شايفها،
أنا.... أنا جسمي مش طبيعي زي بقية البنات."
أدارها له ممسكًا إياها من كتفيها ناظرًا إليها بعيونه العسلية المليئة بالعاطفة القوية:
"أنتِ بتقولي إيه!
أنا مش سطحي للدرجة دي،
أنا ميهمنيش جسمك ولا كل الكلام اللي في دماغك ده،
أنا بحبك أنتِ،
بحب هديل بكل حاجة فيها،
بحبك دلوقتي زي ما كنت بحبك من عشر سنين،
وبالعكس حبي ليكِ زاد أكثر ونضج على مر السنين،
مبقاش بس مجرد حب مراهقة ولا شباب،
بالعكس بقى حب ناضج،
مقدرتش أي حاجة تمحيه من قلبي طول سنين،
حاولت أكدب على نفسي كتير وأنساكِ وأعيش بس عمري ما عرفت."
أمسك يدها ليضعها على قلبه حتى تشعر بنبضات قلبه السريعة متابعًا بصوت أجش من العاطفة:
"أنا قلبي مش بينبض إلا ليكِ وبس،
أسعد يوم في حياتي يوم ما اتكتبتي على اسمي،
أنتِ حلوة وهتفضلي في عيني حلوة من غير أي مجهود،
أوعي في يوم تحسي بالنقص أبدًا،
أنا عايزك تثقي فيا وفي نفسك وفي حبنا."
تأثرت هديل بشدة بكلماته وشعرت بقلبها يخفق بقوة ومشاعرها تتبعثر من كلماته ونظراته التي لا لبث فيها،
ممزقة بين الرغبة في تصديقه ونسيان الماضي وبين خوفها من ألا تكون كافية له ويأتي اليوم الذي يكتشف فيه ذلك ويندم على اختيارها.
حين رأى حيرتها والتيه الواضح على وجهها رفق بها واحتضنها ليدفن رأسه في عنقها،
فربما ذلك أبلغ من الكلمات وقادر على أن يُوصل إحساسه لها،
لتريح هديل رأسها على كتفه.
بعد قليل ابتسم حسام وقال حتى يغير الموضوع:
"يلا نأكل بقى،
أنا نزلت جيبت لك الأكل اللي بتحبيه."
ابتعدت عنه وابتسمت له لأنه ما زال يتذكر الطعام المفضل لها،
رتب حسام الطعام على الطاولة قبل أن يمسك قطعة من الطعام ليقربها من فم هديل قائلًا بمرح:
"كلي دي من إيدي."
ضحكت هديل بخفة قبل أن تأكلها منه،
كان ذلك غير مألوف بالنسبة لها مما أربكها قليلًا فهي ليست معتادة على الدلال.
مر أسبوع قبل ميعاد الحفلة الرسمية لإعلان زواجهما،
كان حسام يتركها على راحتها وينام في مكان آخر،
ولكن ذلك لم يمنع قلق هديل من الظهور فهي مرتبكة ومتوترة من يوم الحفلة كأنها تتزوج لأول مرة،
طلبت منه في مرة أنها تريد الذهاب لطبيبة جلدية فوافق على الفور إرضاءً لرغبتها وربما ذلك يقلل من شعور النقص الذي يؤرق مضجعها،
وأكثر ما كان يسعدها هو زيارة والدتها وأخواتها كل يوم على عكس حين كانت تُحرم من رؤيتهم لفترات طويلة،
ولم تكن ترى والدها ولكنها لم تهتم.
في يوم الحفلة ذهبت هديل للشقة الثانية التي سوف تعيش بها مع حسام ولم تنكر جمالها أبدًا،
كانت بالطبع في منطقة راقية وذات ديكور عصري ولكنه في ذات الوقت بسيط ولا تغلب عليه البهرجة،
ذات طابع مريح وألوان هادئة أعجبت بها هديل على الفور فهي شبيهة بالبيت الذي كانت تحلم في يوم أن يكون بيتها.
وجدت مجموعة من الفتيات في انتظارها منهم من سيصفف شعرها ومن سيضع لها مستحضرات التجميل،
اختارت هديل أن تطل بمظهر بسيط ولكن جميل يعبر عن ذاتها وارتدت فستان حرير جميل من اللون الأبيض انساب على جسدها بسلاسة وجعلها تبدو كالأميرة،
كمان وضعت حجابًا بسيط تعلوه قبعة فرنسية صغيرة من الدانتيل بشكل جانبي أعطاها مظهرًا أنيقًا ليعطيها ذلك في النهاية مظهر العروس،
حزنت من عدم تواجد والدتها بسبب اعتنائها بإياد الذي ما زال في طور الشفاء ولكنها قدرت الظروف وقد وعدها حسام باحتفال خاص بهم كعائلة.
كانت هديل قلقة من مظهرها رغم رضاها عن النتيجة النهائية،
ولكن اختفى ذلك القلق حين لمحت نظرات الإعجاب والانبهار تقديرًا لمظهرها في عيون حسام الذي كان يرتدي بدلة رسمية أنيقة سوداء أبرزت وسامته.
تقدم لها وأمسك يديها بين يديه قبل أن يقبل جبينها بحب وتقدير ثم أخذها لتقابل الضيوف الذي بدأوا في الوفود،
ورغم توتر هديل وخوفها من ألا تكون على قدر التوقعات إلا أن السهرة مرت بنجاح،
فقد كان أصدقاء وزملاء حسام لطفاء ذات لباقة اجتماعية وحين الذين لم ترتح لهم عاملوها باحترام،
فقد ما كدرها قليلًا هو ظهور سارة التي كان واضحًا في عينيها لهديل الغيرة منها ولكن سرعان ما تناستها.
حين انتهت تلك السهرة وذهب جميع الضيوف بقي حسام وهديل وحدهما مما فاقم من تصاعد توتر هديل وخجلها ففركت يديها بتوتر.
وضع حسام يده خلف كتفها مما جعلها تجفل وتحدق إليه فابتسم لها مستغربًا:
"مالك يا حبيبتي؟"
ابتسمت له بارتباك:
"مفيش كنت سرحانة بس."
ضحك بخفة قبل أن يذهب بها لغرفة النوم فارتفعت نبضات قلب هديل حتى خشيت أن يسمعها.
وقف أمامها يتأملها بحب ثم عانقها بقوة،
أغمضت عيونها بشعور من الارتياح والسلام يجتاحها.
بعد لحظات فتحت عيونها بتعجب حين أحست بشيء يبلل جانب حجابها فابتعدت قليلًا عنه لتصدم برؤية الدموع في مقلتيه والمنحدرة على خديه.
وضعت يديها على خديه قائلة بذهول ممزوج بالقلق:
"حسام أنت بتعيط؟ هو فيه حاجة؟"
هز رأسه بالنفي وابتسم بألم:
"برغم كل السعادة اللي حاسس بيها دلوقتي إلا أنه كمان مش مصدق أنه حلم عشر سنين أخيرًا اتحقق،
الحلم اللي فكرت في يوم أنه خلاص ضاع واندفن ولازم أدفن قلبي وراه،
بعد موت أمي الله يرحمها قفلت على قلبي كل حاجة ورميت نفسي في الشغل،
بس ده عمره ما منع إحساس الوحدة الصعب اللي كنت فيه،
ولا كل مرة بشوفك حتى لو صدفة وافتكر أنك ملك راجل تاني كنت بتوجع أوي،
مع أني ببقى مفكر أنه مبقاش فيه حاجة تأثر فيا خلاص،
الحلم اللي حلمناه مع بعض اتحقق والبيت اللي اتمنينا يجمعنا أخيرًا جمعنا،
وبرغم كل ده مش قادر أصدق أنه خلاص بقيتي معايا وبين إيديا،
خايف أكون بحلم واصحى في لحظة على نفس الكابوس واكتشف أنك لسة بعيدة وأنا لسة وحيد وقلبي خالي من غيرك."
ارتعش قلبها من حديثه والتمعت مقلتيها بالدموع،
لقد عبر عن مشاعره التي في نفس الوقت مشاعرها ونفس المخاوف التي تنتابها،
لم يكفِ حسام عن غمرها بمشاعره وحبِّه وحنانه منذ تزوجته وقبلها أحاطها براعيته في أزمتها،
وأقل شيء تفعله الآن هو مبادلته وإعطائه شيء من الحب الذي أحاطها به،
لذلك تحدت مخاوفها ومررت يدها على خده وحرصت على أن تنظر له تُظهر له قلبها في عينيها قائلة بصوت متحشرج من التأثر:
"حسام أنا مهما قولت مش هقدر أعبر عن اللي جوايا،
نفسي أقولك كل الكلام اللي في قلبي بس أنا لسة مش شجاعة كفاية،
بس عايزة أقولك أنا زيك بالضبط مش مصدقة أننا أخيرًا مع بعض،
كنت مفكرة الحلم ده انتهى،
ساعتها مكنش هامنني أي حاجة في الدنيا لأني خسرت الإنسان الوحيد اللي حبيته،
دلوقتي مش عارفة أقولك إيه غير أني مبسوطة أني معاك وإني بحبك... بحبك أوي."
التمعت عيون حسام بالمشاعر العنيفة لدى سماعها لكلامها فهذه أول مرة يسمعها تعبر عن شيء من مشاعرها بشكل صريح،
انتشرت السعادة على وجهه واقترب منها ببطء فأغمضت عيونها بخجل وترقب،
إلا أنهما انتفضا بدهشة حين ارتفع رنين الهاتف مفاجئًا مما اضطر حسام أن يبتعد عن هديل ليذهب ويرى من يتصل في هذا الوقت المتأخر!
رواية احرقني الحب الفصل السادس عشر 16 - بقلم ديانا ماريا
قطب حسام وهو يتساءل من قد يتصل به في هذا الوقت المتأخر.
فتوجه لهاتفه ليجد أحد أصدقائه يتصل به.
أجاب بقلق: "إيه يا كريم؟ فيه حاجة؟"
قال كريم بمرح: "عامل إيه يا عريس؟"
ارتخت أعصاب حسام وارتسمت نصف ابتسامة على فمه، وقد فهم الغرض من اتصال صديقه.
"متصل عليا علشان تسألني عامل إيه وأنت لسه سايبني من نص ساعة يا كريم؟"
ضحك كريم بشدة وقال باستفزاز: "آه بطمن عليك أنا والشباب، بس مش صاحبنا أوعى يكون بس عطلتك عن حاجة مهمة."
ضحك حسام بغيظ قبل أن يجيب من بين أسنانه حتى لا تسمعه هديل الواقفة خلفه: "حسابك أنت والشباب معايا أما أشوفكم بس، يحرق معرفتكم."
أغلق حسام الهاتف على صوت ضحك أصدقائه، ثم ألقاه أمامه.
والتفت بابتسامة لهديل التي مازالت تقف مكانها بتوتر.
كانت تفرك يديها وقلبها يكاد يثب من صدرها من شدة التوتر والقلق.
سألته بارتباك: "فيه حاجة ولا إيه؟"
ضحك حسام وقال بنبرة عابثة: "لا دي حاجة بين الشباب وبعضها، متهتميش بيها. المهم خلينا في نفسنا دلوقتي."
لم تفهم، ولم يمهلها الوقت لذلك لأنه اقترب منها.
فتسارعت نبضات قلبها حتى أن معدتها ألمتها من الترقب.
تطلعت له ترجوه بعيونها ألا يخيب أملها ولا ينفر منها حين يراها، لأنها لن تتحمل.
وعلى غفلة، تقدم حسام منها وأحنى رأسه ليقبلها بحنان.
دهشت هديل في بادئ الأمر حتى أنها وضعت يدها على صدره، ولكن لم تدفعه عنها بل استرخت وأغمضت عينيها تشعر بذلك الحنان يتسرب إليها.
أبتعد عنها بعد قليل ليزيح حجابها.
فتناثر شعرها الأسود على كتفها.
رفعت يدها لشعرها وهي تبتسم بخجل.
ولكنه حين اقترب منها أكثر اختفت ابتسامتها وازداد خوفها، حتى أنها بدأت ترتجف بشكل طفيف.
لاحظ حسام الحالة غير الطبيعية التي بها، فأمسك بيدها وجلس على السرير وأجلسها بجانبه.
تحدث حسام بصوت دافئ: "هديل، أنا مش هعمل حاجة غصب عنك، مش عايزك متوترة كده. لو مش عايزة خالص، بلاش، أنا مش هغصبك على حاجة."
انعقد لسان هديل وشعرت بشيء يسد حلقها يمنعها عن الكلام والتعبير عن مشاعرها.
تذكرت ليلة زفافها الأولى التي مرت بوحشية عليها.
تعلم أن حسام ليس وحشًا ولن يؤذيها، ولكن رغمًا عنها تلك الذكريات تتدافع في عقلها.
أنها لا تخشى من حسام حقيقة، ولكنها تخشى ألا تتمكن من تلك الذكريات ومواجهة حياتها مع حسام بشجاعة.
رفعت عيونها المليئة بالدموع إليه، فمسح على شعرها وقال برقة: "ممكن ترتاحي النهارده لو عايزة."
هزت رأسها بالنفي.
فأدرك حسام أن توترها وصراعها أكبر مما يظن، فقال مرة أخرى بنبرة حازمة: "مش عايزك تتوتري، صدقيني أنا بحبك زي ما أنتِ، وأنتِ أحلى واحدة في عيوني."
ببطء وروية انخفضت يده لسحاب فستانها وأنزله للأسفل.
فأغمضت جفنيها بقوة وهي تشد بيد على الفستان، تخشى مواجهته ورؤية ردة فعله، وتخاف بأنها لن تتحمل نظرة الاشمئزاز في عينيه.
كانت حركات حسام خفيفة ورقيقة حتى يحررها من أي توتر يتملكها، حتى أصبح الفستان عند قدمها.
تسارعت أنفاسها وهي تخشى فتح عيونها.
شعرت بيد تحت ذقنها ترفع وجهها وصوت حسام يصلها هامسًا بصوت أجش: "افتحي عيونك الحلوين دول."
فتحت عيونها بتردد حتى قابلت عيونه، وهناك لم تجد نفورًا ولا اشمئزازًا، بل حبًا جارفًا يطل من عينيه.
فهدأت روحها واستسلمت بكل قلبها وحواسها لحبه.
كانت نائمة بارتياح ثم تقلبت فشعرت بالمكان خالي بجانبها.
حين استيقظت وتطلعت بجانبها لم تجد حسام، مما أثار استغرابها.
جلست وهي تضم الغطاء إليها.
فكرت حسام لم يظهر أي لمحة للنفور منها، ولكن هل ذلك شعوره الحقيقي أم أنه تحمل لأجلها؟
هل أرضته كامرأة؟
لقد كان حسام رقيقًا معها ولم يحملها أي نوع من الضغوط، بل أرادها أن تسترخي وتكون على طبيعتها.
لم تجد فائدة من الجلوس مكانها، فنهضت وأخذت ملابس لها ودلفت إلى الحمام.
استحمت ثم وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها.
لم تتفحص نفسها من فترة طويلة بتدقيق، هذه المرة كان هناك شيء مختلف حتمًا فيها.
كانت بشرتها أكثر نضارة وعيناها تلمع ببريق كان قد ظنته خبا ولن يعود.
ابتسمت وهي تمشط شعرها وتكمل ارتداء ملابسها حين سمعت طرقًا على الباب.
قال حسام بصوت عفوي: "هديل، مستنياك بره. الفطار جاهز."
أجابت بارتباك: "ح.. حاضر، جاية أهو."
نظرت لنفسها في المرآة وقد احمرت وجنتاها بخجل.
ارتدت بيجامتها بسرعة، كانت من الحرير الوردي الذي لائمها، ذات أكمام طويلة، فهي لم تكن شجاعة للغاية حتى تجلس أمام حسام بكل أريحية مع ندوبها.
خرجت للصالة لتجده جالسًا بانتظارها.
كان يرتدي ملابس منزلية مريحة مكونة من تي شيرت صيفي بنصف أكمام وبنطال مريح.
حين رآها تقترب منه بخجل، نهض ووضع يديه على كتفيها.
قبل جبينها بحب: "صباح الخير يا حبيبتي."
ابتسمت بخجل: "صباح النور."
جلست تأكل بصمت وهي لا تنظر له، حين سألها فجأة: "أنتِ لابسة بكم ليه والجو حر يا حبيبتي؟"
ارتبكت وقالت بابتسامة متوترة: "أنا مرتاحة كده."
فهم حسام السبب الحقيقي وراء تصرفها، ولكن رأى أن يتركها على راحتها.
أمسك بيدها وهو يبتسم: "مش هتتخيلي أنا مبسوط قد إيه دلوقتي. عايز أحط شوية أُسس لحياتنا مع بعض، هي مش قواعد على قد ما هو طريق واضح لينا إحنا الاتنين. أولًا، مش عايزك أبدًا لو زعلتي أو اتضايقتي في يوم من الأيام تخبي عني، لازم نصفي أمورنا مع بعض علطول، مش عايز وجود أي فجوة بيننا أبدًا. عايزك تثقي فيا ومتخافيش مني في يوم من الأيام، وأنه بإذن الله أنا علطول موجود عشانك كصاحب وزوج وحبيب، وحضني ليكِ دايما في أي وقت الدنيا تضيق عليكِ فيه."
تضخم قلبها من التأثر والعاطفة حتى أنها لم تستطع الرد عليه، بل بقيت تنظر له بامتنان وحب.
ثم نهضت من مكانها واقتربت منه، مالت عليه لتعانقه وهي تلف يديها حوله.
قالت برقة: "أنا مش عارفة أقولك إيه، بس أنا هعمل كل اللي أقدر عليه علشان أكون الزوجة اللي أنت عايزها."
لف ذراعيه حولها بقوة: "أنتِ الزوجة اللي أنا عايزها من غير ما تعملي حاجة، صدقيني."
ابتعدت عنه مبتسمة، وعلى قدر ما تشعر بالسعادة من كلماته، فهناك شيء من عدم الارتياح يتخلل تلك السعادة.
هي ليست معتادة على تلك السعادة وتخاف أن يحدث شيء يخربها عليها.
قالت فجأة وهي تتذكر: "صحيح، أنا مكلمتش ماما من امبارح ولسه مجبتش موبايل. ممكن تديني موبايلك شوية؟"
أخرج هاتفه وأعطاه لها مع غمزة: "أنتِ تاخدي أي حاجة عايزاها من غير استئذان."
ضحكت هديل بإشراق قبل أن تتصل على والدتها لتطمئن عليها وعلى إخوانها.
لم ترد والدتها بعد اتصال مرتين مما أثار قلقها.
لاحظ حسام القلق على وجهها فسألها: "مالك يا هديل؟"
ردت بحيرة: "ماما مش بترد وأنا بدأت أقلق."
طمأنها حسام بنبرة واثقة: "متخافيش، لو فيه حاجة أكيد كانت هتتصل بيكِ."
لم تقتنع هديل واتصلت مرة أخرى وأخيرًا أجابت والدتها.
فقالت هديل بلهفة: "فينك يا ماما؟ بتصل عليكِ بقالي شوية مش بتردي ليه؟"
أجابت والدتها ببكاء منهارة: "الحقي يا هديل، أبوكِ وقع ولسه جايبينه على المستشفى دلوقتي وحالته صعبة أوي."
رواية احرقني الحب الفصل السابع عشر 17 - بقلم ديانا ماريا
تجمدت يد هديل على الهاتف تستوعب كلمات والدتها. وجهها المصدوم بدا بدون تعبير حتى سقط الهاتف من يدها على الطاولة. أدارت وجهها لحسام الذي قال بقلق:
"مالك؟ حصل إيه؟"
قالت بصوت بدا بدون إحساس:
"ماما بتقول إنه بابا في المستشفى، حالته صعبة أوي."
انتبهت هديل إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تنطق فيها كلمة "بابا". فهي لم تتحدث عن والدها أبدا خلال تلك السنوات ولم تكن تشير إليه من قريب ولا بعيد. استوعب حسام تلك الكلمات على الفور ونهض قائلا بسرعة:
"طيب أنا هغير وأجهز العربية على ما تلبسي."
ذهب لغرفة النوم بخطوات سريعة. بينما بقيت هديل مكانها تحدق أمامها بتيه، لا تستطيع تحديد شعورها ناحية والدها في تلك اللحظة. خرج حسام من غرفة النوم ليجد هديل مازالت جالسة مكانها شاردة. فاقترب منها ووضع يده على كتفها.
نظرت له بفزع لأنها كانت شاردة في تلك اللحظة.
"في إيه؟"
رد حسام بهدوء:
"قومي البسي علشان نروح المستشفى، يلا."
نهضت من مكانها بهدوء ودلفت لغرفة النوم لترتدي ملابسها. كانت تفعل كل شيء بشرود ودون شعور كالرجل الآلي، ولكن عقلها مشغول بالتفكير. هبطت لتجده في انتظارها. فركبت بجانبه بصمت. كانت صامتة طوال الطريق. وقد أحس حسام بما يعتمل في نفسها من صراع. فأمسك بيدها ليدعمها بصمت حتى لا تظل في حيرتها وحيدة.
نظرت له وفجأة قالت بخوف:
"حسام هو ممكن يموت؟"
رفق حسام بنظرة الخوف وإحساس الضياع الذي يسيطر عليها. فشدد على يدها وهو يقول بنبرة حانية ممزوجة بالثقة:
"متخافيش يا حبيبتي، بإذن الله خير. يمكن تعب بسيط، الله أعلم. إحنا هنروح وهنطمن عليه."
تجمعت الدموع في مقلتيها وقالت بصوت متهدج:
"حسام أنت سامحته؟"
ابتسم حسام ابتسامة باهتة:
"أنا نسيت الموضوع من زمان يا حبيبتي. لقيت أنه أحسن طريقة أعيش بيها حياتي وأعمل مستقبل أني أحاول أنسى أو أتناسى الماضي وبصيت لبكرة وبس."
صمتت هديل وهي لا تستطيع تحديد المشاعر التي تعتمل في قلبها ناحية والدها. وصلوا للمستشفى. فأسرعت هديل لوالدتها التي انهارت أكثر حين رأتها وعانقتها بقوة باكية:
"وقع يا هديل، وقع. ومكنش بيقول غير اسمك وبيطلب منك تسامحيه."
انقبض قلب هديل من حديث والدتها. فحاولت مواساتها ومبادلتها العناق، إلا أن يديها المرتعشة جعلت مهمتها صعبة. أقترب حسام وحاول أن يطمئن آمال المنهارة:
"متخافيش يا أمي، بإذن الله هيبقى كويس."
تطلعت له آمال وقالت برجاء:
"يارب يابني، بالله عليك تسامحه. هو محتاج أنكم تسامحوه."
ابتسم حسام وأمسك بيدها:
"صدقيني سامحته من زمان، متقلقيش واهدي وكل حاجة هتبقى بخير بأمر الله."
بقوا منتظرين بتوتر لفترة. كان حسام خلالها يدعم هديل معنويا بصمت من خلال جلوسه بجانبها وضمها له. خرج الطبيب بوجه غير مبشر بالخير. ليقفوا جميعا مترقبين كلماته الحاسمة. قال الطبيب بجدية:
"بصراحة مش هقدر اخبي عليكم الحالة صعبة ومش مطمئنة، بس إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه وهنستنى الكام ساعة الجايين. لو عدوا على خير بإذن الله يبقى إحتمال شفائه كبير أوي، إنما لو حصل العكس بقى...."
ترك بقية كلماته معلقة في الهواء ليستنتجوا النتيجة الحتمية. أخفت آمال بوجهها بين يديها وهي تشهق باكية. بينما لم تبدي هديل أي ردة فعل ظاهرة، ولكنها شعرت بأنها تريد البكاء بصوت عالي. نظرت لحسام بعيون دامعة وشفاه ترتجف قائلة:
"حسام أنا مش عايزاه يموت، أنا زعلانة منه أوي بس متمناش أنه يموت."
وضع يديه على وجهها حتى يجعلها تنظر إليه وقال برقة:
"بصي يا حبيبتي، هو دلوقتي محتاج دعمنا وأننا نقف جنبه وندعي له وربنا يعمل اللي فيه الخير. المهم تكوني جنبه دلوقتي."
خرجت الممرضة لتقول بتساؤل:
"مين فيكم هديل؟ المريض بيسأل عليها ومش راضي يهدى إلا لما يشوفها."
أشارت هديل لنفسها بتوتر:
"أنا هديل."
رافقت الممرضة حتى غرفة والدها المريض. دلفت له وصدمت بشدة وغصة احتلت قلبها من مظهره المُتعب والشاحب. متصل بأجهزة كثيرة ووجه شاحب، يتنفس بصعوبة. اقتربت هديل من والدها الذي كان يغمض عيناه وفتحها حين جلست بجانب سريره. جال بصره عليها بشوق قائلا بصوت مبحوح:
"هديل!"
"كنت خايف يجرالي حاجة قبل ما أشوفك يا بنتي."
انهمرت دموع هديل وقالت بصوت مرتجف:
"متقولش كدة، بإذن الله هتبقى كويس يا..."
ترددت للحظات وأغمضت عيونها قبل أن تتابع:
"يا بابا."
تنهد والدها بارتياح وقال بندم:
"ياااه، أخيرا سمعتك بتقوليها بعد السنين دي كلها، أد إيه وحشتني منك يا هديل."
تابعت هديل البكاء بصمت. بينما نظر لها بندم والشعور بالذنب يغمره وأردف بصوت متهدج:
"سامحيني يا هديل، أنا مكنتش الأب الكويس ليكِ. صدقيني أنا كنت فاكر أنه ده هيبقى في مصلحتك والله، أنا اتصدمت بعدها في الحقيقة ومكنش ليا وش حتى أعتذر منك. مقدرتش أقف قدامك وأبص في عيونك علشان أتأسف لك على اللي عملته فيكِ والنار اللي سيبتك مرمية فيها لوحدك. ولما دخلتي السجن حسيت بالعار من نفسي. إزاي أنا كنت أب وحش كدة؟ إزاي وصلتك للحالة دي؟ مكنتش عارف أعمل إيه غير إني أفضل زي ما كنت السنين اللي فاتت دي. كنت جبان وفضلت أكون جبان زي ما أنا، كان أسهل عليا كتير من إني أواجه أني معرفتش أكون أب ليكِ يا بنتي."
انهمرت دموعه مع كلماته الأخيرة وأجهش بالبكاء. فانحنت هديل على صدره وبكت معه على كل تلك السنين الضائعة التي لم يجدوا فيها غير الألم ولم ينعموا بلحظة راحة. كان والدها يمسح على رأسها ويعتذر لها ببكاء حار. حتى هدأت عاصفة البكاء ورفعت هديل رأسها، مسحت دموعها ثم أمسكت بيده.
قالت بصوت مبحوح من البكاء:
"أنسى كل ده دلوقتي وركز على نفسك، خليك بخير علشان تعوضني عن السنين اللي فاتت دي."
ابتسم من بين دموعه:
"أنا مش عارف هقدر أخرج من هنا ولا لا، بس أنا متطمن عليكِ وأنه حسام هيقدر يعوضك عن أي حاجة وحشة حصلت ليكِ أنا كنت السبب فيها."
شدت على يده لتقول برفض قاطع:
"لا، حسام حاجة تانية خالص. إنما بإذن الله ربنا هيشفيك علشان تعوض كل السنين اللي عيشتها من غيرك. حاول على قد ما تقدر وسيب النتيجة على ربنا، المهم تكون عايز تخف."
في تلك اللحظة سمعوا طرق على الباب ودخل بعدها حسام ليقول بابتسامة:
"ألف سلامة عليك يا عمي، عامل إيه دلوقتي؟"
أخفض والدها نظراته وقال بنبرة خجلة:
"الحمدلله يابني، كل اللي يجيبه ربنا خير."
رفع عيونه له قائلا برجاء:
"سامحني يابني."
أجاب حسام بابتسامة هادئة:
"العفو يا عمي، على إيه؟ المهم تبقى كويس وتخرج لنا بالسلامة."
أبعد والدها عيناه بندم. لقد كان كرم أخلاق حسام أثقل من أن يتحمله ضميره. عاد يحدق إليه وقال بصوت متعب:
"ياريتني كان ليا عين أوصيك على هديل، بس أنا عارف أنك هتاخد بالك منها كويس."
أقترب حسام ووضع يديه على كتفي هديل وقال بحزم:
"مش محتاج توصيني ياعمي، هديل في عيوني من غير كلام. وربنا يشفيك يارب على خير."
بعد قليل ولجت الممرضة لتأمرهم بالخروج حتى يرتاح المريض. أصرت هديل على والدتها بأن تعود للمنزل حتى تعتني بإخوانها وستبقى هي وحسام في البداية. رفضت والدها ولكن إصرار حسام وهديل جعلها تغادر مطمئنة.
كانت هديل ترتاح على كتف حسام ينتظروا أي إشارة أو خبر جديد. حين أتى الطبيب فنهضوا على الفور.
"أخبار بابا إيه يا دكتور؟"
ابتسم الطبيب:
"لا الحمدلله المؤشرات كويسة جدا، بس...."
ثم صمت. فقالت هديل بتوتر:
"بس إيه؟ في إيه يا دكتور؟"
ربت حسام على كتفها بنبرة هادئة:
"أهدي يا حبيبتي، باين كل حاجة خير. استني بس."
نظر للطبيب وقال بتفهم:
"اتفضل أتكلم يا دكتور، إحنا متقبلين أي حاجة طالما هيكون بخير."
أومأ الطبيب برأسه وتابع:
"الجلطة كانت شديدة شوية وده سبب له للأسف شلل."
شهقت هديل وهي تضع يدها على فمها. فضمها حسام إليه حتى يحتوي صدمتها. بينما تابع الطبيب حديثه:
"هي صحته بتتحسن، بس للأسف الشلل ده هيبقى دائم. ولو الوضع كان مستقر ممكن يخرج أسرع مما متوقعين، بس ده لو الخبر مأثرش عليه بشكل سلبي."
غادر الطبيب. بينما بكت هديل بين أحضان حسام:
"الحمدلله على كل حال. بس هو هيزعل يا حسام، إزاي هنقوله بس."
مسح على ظهرها بحنان وقال باقتناع:
"أنا متأكد أنه عمي مؤمن بالقضاء والقدر وده قدره من ربنا. المهم أنه ربنا يحفظه لينا وأحنا هنفضل سنده وعكازه علطول."
رفعت هديل عينيها وقالت بحيرة:
"أنت إزاي كدة يا حسام؟ إزاي كويس كدة حتى بعد اللي عمله معاك؟"
ابتسم حسام بخفة وقال بحب:
"طالما أنتِ معايا فأنا قادر أسامح وأعمل أي حاجة يا حبيبتي. المهم أنك معايا خلاص."
ابتسمت هديل من بين دموعها وعادت تضع رأسها على كتفه. فقبل حسام رأسها بحب وهم يفكروا كيف سيستقبل والدها الخبر. إلا أن ردة فعل والد هديل جاءت مخالفة لكل التوقعات. فقد استقبل الخبر بهدوء حامدًا الله على ما أصابه. لقد اعتبر أن هذا جزاء من الله حول ما فعله مع ابنته تلك السنوات. وهو قد تقبل ذلك بصدر رحب.
خرج من المستشفى بعد مرور أسبوعين. وقد تكفل حسام بكل المصاريف التي لزمته كما العلاج الذي سيحتاجه بعد ذلك. عاد والد هديل لمنزله. وقد تصافت تلك النفوس من كل ما حمِلته لسنوات طويلة. لقد أحست هديل أن علاقتها بوالدها ربما لا تعود كما كانت أبدا، ولكنها راضية للغاية حاليا بوضعها الحالي بحياتها الهادئة التي تنعم بها مع حسام وبين أهلها.
كانت تريد تعويض حسام عن الفترة التي قضوها في المستشفى. فهو لم ينعم بالزواج بل قضى ذلك الوقت في المستشفى معها ومع عائلتها. ففكرت في طريقة لتعويضه وإرضائه. إلا أن ذلك حدث من حسام نفسه حين عاد للبيت في مرة وناداها. فخرجت من المطبخ لتستقبله بحماس. وهي ماتزال ترتدي تلك المنامات المحتشمة جدا في وجوده.
كان يحمل هدية في يده. فنظرت لها هديل بحماس وشاكسته قائلة:
"دي ليا ولا إيه؟"
ضحك وهو يجلسها وجلس بجانبها:
"أكيد يا حبيبتي، أكيد مش للجيران."
ضربته على كتفه بمزاح. وقد ساهم في تلك الجرأة لتمزح معه دون خوف هو محاولات حسام حتى يشعرها بالراحة وأنه بالطبع لن يعاقبها على عفويتها كزوجها السابق. أخرج حسام من الحقيبة منامة حريرية تخطف الأنفاس من جمالها. كانت ذات لون مشرق وتصميم مميز. ولكن حدقت إليها هديل بتوتر حين انتبهت أن الجزء العلوي بدون أكمام نهائيا والجزء السفلي قصير حتى الركبة وربما أقصر من ذلك.
ابتسمت له بارتباك:
"شكلها حلو أوي يا حبيبي بس... بس أنا مش عارفة هقدر ألبسها ولا لا."
تضاءلت ابتسامة حسام وقال بعبوس:
"ليه؟ لو مش عجباكِ نرجعها وتختاري واحدة تانية على ذوقك."
زفرت هديل بإحباط:
"مش ده السبب، ما أنت عارف يا حسام."
لم يظهر حسام التفهم الذي كانت تتوقعه هذه المرة وقال بصرامة:
"لا مش عارف. أنتِ مراتي وأنا قولتلك ألف مرة أنا بحبك زي ما أنتِ. يبقى ليه لا خالص؟"
تلجلجت هديل من صرامته غير المعهودة ولم تدر بما تجيب. انتبه حسام لحدته فتنهد ثم اقترب منها قائلا بنبرة أكثر هدوء وهو يمسك بيدها:
"يا حبيبتي أنا مش عايزك تخبي نفسك مني. نفسي تمحي كل الأوهام اللي في دماغك دي وتعيشي حياتك طبيعي معايا على راحتك من غير كسوف ولا خوف."
أحنت كتفيها بوهن. فقبل حسام يدها ثم أبتعد وأعاد المنامة للحقيبة بابتسامة ضعيفة:
"خلاص لو مش عايزة مش هضغط عليكِ. أنا وعدتك قبل كدة مش هغصبك أبدا على حاجة."
ثم وضعها على الأرض ونهض حتى يغير ملابسه. بينما بقيت هديل مكانها تحدق للهدية. لقد ظهرت خيبة الأمل واضحة في عينيه رغم أنه لم يرد الضغط عليها. فهي تعترف أنها لا تحاول من أجله مثلما يحاول من أجلها، وهي ترغب بالفعل في تحقيق رغبته رغم ترددها. تناولت المنامة وأخرجتها من الحقيبة وهي تتفحصها. ثم زفرت بضيق:
"وهو كان لازم يجيبها مفتوحة كدة يعني؟ مش مرة واحدة كدة!"
أمسكتها بتفكير قبل أن تأخذها وتدلف بها للحمام. بدل حسام ملابسه وخرج لينادي هديل التي ظنها في المطبخ فلم يجدها. ناداها مجددا بتعجب. حين سمع باب الحمام الذي بجانب المطبخ يُفتح وهديل تخرج منه مرتدية المنامة التي أحضرها.
وقفت هديل أمامه بخجل تحرك يديها مرتبكة. كانت خائفة من شكلها أمامه. ولكن كل تلك المخاوف مُحيت حين رأت نظرات الانهبار والإعجاب في عيون حسام. أقترب منها حسام وهو يطالعها بإعجاب:
"إيه الحلاوة دي كلها يا حبيبتي؟"
شعرت هديل بشيء من ثقتها المفقودة تعود إليها بسبب نظراته إليها التي كانت حقيقية في إعجابه بها.
"يعني بجد حلو عليا؟"
تفحصها من أسفل لأعلى مما زاد في خجلها وقال بشغف:
"هي لو مش حلوة عليكِ هتبقى حلوة على مين يعني؟"
ابتسمت باستحياء. فجأة أمسك بيدها وهو يقول بنبرة عابثة ونيته واضحة في عينيه:
"صحيح تعالي عايزك في موضوع مهم جدا."
قالت بدهشة:
"طب والأكل؟"
ضحك حسام بمشاكسة:
"يستنى!"
حملها بين ذراعيه فضحكت هديل بصوت عالي وشعرت بقلبها يرفرف كالفراشات.
مر عامان على زواجهما. مرا بسلام وبحب تخللهما بعض المشاكل البسيطة التي أغلبها بسبب غيرة هديل عليه. ومنذ تلك المرة تشجعت هديل أكثر أن تجلس على راحتها أمام حسام. خصوصا أنه بالفعل لا يجد أي ضرر في ندوبها أو جروحها بل ولا يبدو أنه يراهم أصلا. مما شجعها مرة تلو الأخرى على أن تكون على طبيعتها حتى صارت ترتدي مختلف الملابس أمامه دون حرج أو خوف. خاصة بعد أن خفت ندوبها كثيرا عن السابق بسبب المعالجة.
كانت جالسة بغيظ وحسام بجانبها لا يجرؤ على الضحك. مين قالت بحنق:
"عجبتك؟ قولي لو عجباك أروح اخطبهالك أحسن."
غرق حسام في الضحك بجانبها. بينما تناظره بحنق. بينما تابعت بسخط:
"إيه بتضحك أوي كدة؟ طبعا شكل الوضع عجبك طبعا ماهي قاعدة تتمايع عليك وحضرتك ساكت لها الظاهر مبقتش مالية عينك."
أنهت كلماتها بقهر واضح. فاقترب منها حسام ثم وضع يد عل كتفا يسحبها إليه واليد الأخرى تحت ذقنها حتى يجعلها تنظر إليه رغم تمنعها. حدق في عيونها بثبات وتحدث بعتاب محب:
"طب ينفع الكلام ده يخرج منك؟ إيه مش مالية عيني دي؟ أمال لو مكنتش عيني مستنية سنين علشان تلمح بس نظرة حلوة منك؟"
أرضى حديثه أنوثتها. ولكنها مازالت تتظاهر بالضيق. فتابع بجدية:
"دي عميلة عندي مش أكتر وأنتِ عارفة كويس أني لا يمكن عيني تشوف واحد غيرك."
ثم ابتسم بمرح:
"بس ده ميمنعش أني مستمتع جدا بغيرتك عليا."
رفعت حاجبها بعدم رضى:
"والله؟"
ضحك حسام ثم جذبها إليه ليقبلها بحب. فاستجابت له هديل. لقد كان حسام يستطيع بذكائه أن ينهي أي خلاف بينهما بأبسط الطرق ولا يطول الخلاف. لأن هديل أيضا لا تحب مخاصمته وترضى فورا بمحاولته للمصالحة. خاصة أن الخلاف بسيط ولا يستحق.
ورغم الحياة الهانئة التي تعيشها إلا أنها دائما كانت تشعر بالنقص بسبب عدم استطاعتها منح حسام طفل. ورغم تأكيده الدائم على الاكتفاء بها ذلك لم يمح ما تشعر به. ورغم ذلك لم تذهب لأي طبيبة حتى لا يخيب أملها.
كانت جالسة مع والدتها يتبادلون الحديث في جو من الترقب.
"يعني متأكدة يا ماما أنه نتيجة الثانوية العامة النهاردة؟ أنا سمعت بيقولوا لسة بعد أسبوع."
رفعت والدتها كتفيها بحيرة:
"والله ما أعرف يا بنتي، زمايله اتصلوا عليه وقالوا له بتظهر وهو جري علطول."
هزت رأسها ثم سألت والدتها:
"أمال بابا فين؟ ومالك ومليكة لسة مجوش من الدروس؟"
ضحكت والدتها:
"مالك ومليكة عند أصحابهم."
ثم تابعت بغيظ:
"أما أبوكِ قعد مع صحابه شوية وبعدين قالي دخليني عايز أنام ودخل ينام. مع أنه عارف أنه نتيجة إياد بتظهر. أقول إيه بس على قلبه مراوح!"
ضحكت هديل على والدتها. فبالفعل والدها غير قلق على نتيجة إياد لأن لا أحد منهم يضغط عليه حتى يحقق معدل عالي. يكفيهم أن يؤدي ما عليه فقط. قالت لوالدتها وهي على وشك أن تنهض:
"طيب أنا هقوم أشتري شوية حاجات. ولو إياد جه أو اتصل بلغيني."
حين نهضت شعرت برأسها يدور. حتى أنها اضطرت للإمساك بالطاولة حتى لا تقع. اسندتها والدتها بقلق:
"مالك يا هديل؟ حصل إيه؟"
صمتت هديل لأن موجة غثيان ارتفعت فجأة في حلقها. فقالت بصوت مخنوق:
"مش عارفة يا ماما، دوخت فجأة كدة."
وضعت يدها على معدتها:
"شكلي خدت برد في معدتي لأني حاسة أني عايزة أرجع وعندي قَرفة كدة بقالي كام يوم من الأكل."
نظرت لها والدتها بتفكير وقالت فجأة:
"طب تعالي نكشف، فيه دكتورة شاطرة في أول الشارع."
قالت هديل بتعب:
"لا، الموضوع مش مهم..."
إلا أنها لم تكمل. لأن الدوار عاد أقوى من السابق. فأصرت والدتها:
"لا لازم نروح، أنتِ مش شايفة نفسك."
وتحت تصميم والدتها رضخت هديل لرغبتها وذهبت معها للطبيبة. عادوا بعدها للمنزل ووالدتها تسندها. بينما هديل تحدق أمامها بعدم تصديق. حتى دلفوا لغرفتها القديمة وساعدتها والدتها لتجلس على السرير. ثم جلست بجانبها. التفتت لوالدتها وأمسكت بيديها قائلة بعدم تصديق:
"ماما هو اللي بيحصل ده حقيقي؟ بجد اللي سمعناه ده؟ ماما أنا حامل بجد!"
انهمرت دموع والدتها بسعادة وأكدت لها:
"اه يا حبيبتي، أنتِ حامل. ألف حمد وشكر ليك يارب."
اضطربت أنفاس هديل وهي تتذكر ما حدث حين ذهبت للطبيبة التي اكتشفت أنها طبيبة نسائية. ورغم امتعاضها إلا أنها طاوعت والدتها وانتظرت بملل أثناء فحص الطبيبة حتى تنتهي وتخبرها أنها ليست حامل وأن ما بها مجرد تعب عادي. إلا أنها صُدمت كليا حين جلست أمام الطبيبة التي قالت مبتسمة بعد بضعة أسئلة:
"مبارك يا مدام هديل، حضرتك حامل."
ظلت هديل تحدق إليها بعدم تصديق ورمشت عدة مرات حتى تستوعب ما يقال لها. حدقت إليها الطبيبة باستغراب:
"مدام هديل أنتِ كويسة؟"
قالت والدتها بفرحة:
"هي بس مش مصدقة من الفرحة يا دكتورة، أصلها متجوزة بقالها كتير يا حبيبتي وكانت فقدت الأمل."
وضعت هديل يدها على يد والدتها وقالت بهدوء غريب:
"استني بس يا ماما."
عادت تنظر للطبيبة وهي تقول بألم ممزوج بعدم الاستيعاب:
"بس ده مستحيل يا دكتورة، أنا عندي مشاكل كتيرة تمنعني من الخلفة وأنا قايلة لحضرتك من الأول."
ابتسمت الطبيبة وقالت بصراحة:
"مش هكدب عليكي بعد الفحص واللي عرفته منك فعلا صعب جدا تحملي، بس إرادة الله فوق كل شيء وأنتِ فعلا حامل. بس لازم أكون صريحة معاكِ حملك ده حساس جدا ومحتاج اهتمام ورعاية ومتابعة زيادة فوق العادي. وكمان ممكن ده الحمل الوحيد اللي تقدري تحمليه، بس محدش يقدر يحزم طبعا لأنه كل ده في علم الغيب. زي ما كان مستحيل تحملي ودلوقتي أنتِ حامل وبالحسابات في أربع شهور كمان."
شهقت هديل بقوة وارتجفت وهي تستوعب أخيرا حقيقة ما يحدث. بدأت تبكي باضطراب وشعورها يتأرجح بين السعادة وعدم التصديق. رفقَت الطبيبة بحالتها وقالت بلطف:
"مدام هديل، الإنفعال الزيادة مش حلو علشانك. ده غير أنه لازم ترتاحي طول الوقت ومتعمليش أي مجهود جسدي ونفسي."
قالت والدتها بلهفة:
"مش هتتحرك من مكانها يا دكتورة وأنا مش هخليها تشيل معلقة حتى."
أومأت الطبيبة ثم كتبت لها بعض الفيتامينات والمثبتات للحمل وأوصتها بالراحة النفسية والجسدية والمتابعة بشكل مستمر كل أسبوع بسبب حساسية حملها.
عادت للحظة الحاضرة وهي تبكي في حضن والدتها. وضعت يدها على معدتها وهتفت:
"أنا حامل يا ماما، أنا حامل!"
ردت والدتها بفرح:
"الحمدلله يارب، الحمد لله. ربنا كريم والله. المهم تهدي يا حبيبتي، الدكتورة قالت بلاش انفعال."
ابتعدت عنها فجأة وقالت وهي تنظر حولها بشيء من الضياع:
"حسام! لازم أقول لحسام، فين تليفوني؟"
مسحت والدتها على شعرها وقالت بحنان:
"ارتاحي أنتِ وأنا هتصل عليه."
تمددت هديل على الفور بطاعة:
"أنا مرتاحة ونايمة أهو، مش هتحرك من مكاني خالص."
ثم نظرت لبطنها بخوف. فابتسمت والدتها بعطف عليها وخرجت لتتصل بحسام وأخبرته أن هديل متعبة وقد ذهبت للطبيبة. فقال إنه سيحضر على الفور. ولم تخبره بحمل هديل ورأت أن من الأفضل أن تخبره هديل بنفسها.
أتى حسام على وجه السرعة تاركًا عمله وسأل بخوف حين فتحت له والدة هديل الباب:
"مالها هديل يا ماما؟ حصل لها إيه؟"
ابتسمت آمال على لهفته وخوفه على هديل وقالت بمراوغة:
"هي مريحة جوا، أدخل اسألها هتقولك."
عقد حسام حاجبيه بعدم فهم ودلف لهديل التي وجدها شاردة وهي تضع يدها على بطنها. جلس بجانبها على الفور وأخذ يديها بين يديه بلهفة قلقة:
"مالك يا حبيبتي؟ في إيه؟ الدكتورة قالتلك إيه؟"
نظرت له هديل وقد تدفقت السعادة داخلها حتى طغت على مشاعرها. نظر حسام للدموع التي بدأت تنهمر على وجهها باضطراب وتشوش. بينما قربته هديل منها وحدقت في عيونه وقالت ببهجة شديدة:
"أنا حامل."
بقى حسام للحظة يحدق إليها بدون ردة فعل حتى اتسعت عيونه بذهول وبدأ يتنفس بصوت مسموع:
"أنتِ إيه؟"
ابتسمت هديل ابتسامة عريضة وهي تؤكد بصوت أعلى:
"أنا حامل يا حسام، حامل!"
تهلل وجهه و ظهرت السعادة الشديدة في عينيه واندفع إليها يعانقها. فتعلقت هديل به ولفت يديها حول عنقه وهي تضع يدها في شعره. قال حسام بنبرة مخنوقة من الغِبطة:
"أنا مش مصدق نفسي، الحمدلله يارب."
ضحكت هديل واختلط الضحك مع البكاء وهي ترد من بين دموعها:
"ولا أنا مصدقة، الحمدلله يارب، الحمدلله."
أبتعد عنها قليلا ونظر في وجهها. وقد لاحظت الدموع التي تجري على خديه. فوضعت يدها على وجهه وهي تهتف مرة أخرى:
"أنا حامل يا حسام، الحمدلله يارب."
ضحك كلاهما بسعادة غامرة. بينما اختلطت دموعهما. فأدار وجهه ليقبل يدها بحرارة. وراقب المشهد من بعيد والدتها وأخاها الذي حضر أخيرا وفي يده الورقي التي بها معدله. أسند إياد الذي غدى شاب وقد ازداد طوله وتحسنت صحته حتى أصبح يمارس حياته بشكل طبيعي رأسه على كتفه والدته التي وضعت يدها على فمها حتى تكتم صوت بكائها. لم يخجل من دموع السعادة التي انهمرت لأجل أخته على وجهه. أخته التي عانت لزمن طويل من أجله فقط. راقبها بعيون محبة وقلبه ملئ بالارتياح والسعادة من أجلها. نظر للورقة التي بيده وضحك بصوت منخفض. إن على معدله العالي الذي حققه أن ينتظر الآن للخبر الأهم والأسعد في حياتهم جميعا.
بعد مرور ثلاثة أشهر أخرى على الحمل وحرص الجميع من حول هديل على سلامتها وسلامة الجنين الذي حفظته بحب داخلها. اضطرت لأن تخضع لعملية قيصرية مستعجلة بسبب رحمها الذي لم تنتهي مشاكله. كانت شاكرة لنعمة الله ونبضات الحنين التي تسمعها في كل مرة تنبض داخلها. كانت تملأها بنوع جديد من الفرح والرضى. لم ترد معرفة نوع الجنين. فهي شاكرة لأي شيء يأتيها من الله وأحبت أن تترك ذلك للمفاجأة. حين فتحت عيونها وجدت حسام أمامها فقالت بتوق:
"حسام البيبي عامل إيه؟ هو كويس؟"
قبل يدها ثم قال بحب:
"حمدا لله على سلامتك يا حبيبتي، كل حاجة بخير الحمدلله. بس عندي ليكِ مفاجأة صغننة كدة."
عقدت حاجبيها بحيرة. إلا أن حيرتها لم تدم طويلا لأن الباب فُتح ودخلت والدتها حاملة الطفل بين ذراعيها. يتبعها والدها على كرسيه المتحرك. تطلعت له هديل بشوق وحب وجلست بمساعدة حسام. مدت يديها لتأخذ الطفل منها. إلا أنها تجمدت حين دلف إياد بعدها وهو يقول بمرح:
"لا بس ده شغل فاخر والله، اتنين مرة واحدة!"
اتسعت عيون هديل بصدمة وهي تنقل نظراتها بين الطفل الذي تحمله والدتها والذي يحمله إياد. ثم التفتت لحسام وقلبها ينبض بقوة:
"أنا مش فاهمة حاجة!"
ضحك حسام بخفة ثم نظر للأطفال بحب:
"بقى عندنا بنتين زي القمر يا حبيبتى."
نظرت هديل للطفلتين ورددت بصدمة:
"بنتين؟"
رفعت يد مرتجفة بإشارة إصبعين:
"اتنين؟"
في تلك اللحظة ولجت الطبيبة التي قالت بإشراق:
"حمدا لله على سلامتك يا مدام هديل. الصراحة كانت مفاجأة غير متوقعة بالنسبة لنا. لما طلعنا البنوتة الأولى ولقينا لسة فيه واحدة جوا. طلعت كانت مدارية في أختها وأنا مكنتش بشوفها على السونار."
ضحك الجميع ماعدا هديل التي نظرت للفتاتان بشوق. ثم فتحت ذراعيها قائلة:
"هاتوهم عايزة احضنهم."
تناولت الفتاة الأولى على ذراع ثم الثانية على الذراع الأخرى بمساعدة حسام. حدقت إليهم بحب فطري يملأ قلبها. وقبلت كل واحدة منهم. ثم أغمضت عيونها حتى تسيطر على الدموع التي بهما. إلا أن هناك بالفعل دموع تسللت من بين جفنيها ليتساقطوا على خديها. شعرت بيد على خدها. فتحت عيونها لتجد حسام يمسح دموعها ويقول بحنان:
"ليه الدموع دي دلوقتي يا ديلا؟"
ابتسمت له:
"مبسوطة، مبسوطة أوي يا حسام. الحمدلله ربنا كريم أوي وعوض ربنا حلو أوي."
جلس بجانبها وهو يضمها إلى أحضانه مع طفلتيه. وقبل جبينها بحب. ثم حدق للطفلتين بحب:
"وأنا الحمدلله مبسوط، مبسوط بكل حاجة في حياتنا مع بعض وببناتنا."
ثم حدق لعيونها بهيام:
"وبيكِ."
كانت مشاعرها أكبر من أن تصيغها في مجرد كلمات. إلا أنها عبرت عنها بعيونها ونظراتها له. حمدت الله في سرها مرة أخرى. فقد كانت راضية وسعيدة بتلك الحياة بشدة. وتأملت وجود أهلها حولها وأطفالها في أحضانها. ثم أغمضت عيونها واسندت رأسها على صدر حسام لتنعم بأمان حضن حبيبها الأول والوحيد.