الفصل 30 | من 44 فصل

رواية احتواء قلب الفصل الثلاثون 30 - بقلم عبير سليم

المشاهدات
21
كلمة
5,775
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

داخل إحدى العيادات النسائية وأثناء توقيع الكشف عليها: "خير يا دكتورة؟ "خير يا جميل. ألف مبروك، حامل في شهرين." "لا مش ممكن، استحالة أكون حامل. بصي تاني كويس يا دكتورة، أنا استحالة أكون حامل." "حبيبتي، أهو الحمل واضح قدامي. استني، هسمعك نبضات قلبه." تسمع ذكرى نبضات قلب جنينها وتحس بالرهبة من سماع دقات قلبه. "انتي إزاي ما كنتيش عارفة إنك حامل؟ "دي آخر حاجة ممكن تيجي في بالي، لأني بستعمل وسائل منع حمل. يبقى إزاي ده حصل؟

"ما فيش أي وسيلة آمنة بنسبة ميه في الميه، ولما ربنا يريد بيكون مفيش كلام." "طب أنا عايزة أنزله." "آه، قلتيلي تنزليه؟ لا والله، أنا آسفة. أنا ما بعملش الكلام ده. في دكاترة بيوافقوا، لكن هنا لأ. اتفضلي، الأدوية دي لازم تمشي عليها." تخرج ذكرى من عندها وهي مش مصدقة اللي سمعته، وتكلم نفسها: "معقولة أنا حامل؟ طب إزاي؟ ومن مين؟ حامل من شهاب ولا عدي ولا لاشين ولا أشرف؟ ولا مين ولا مين؟ أعمل إيه أنا دلوقتي؟ وأتصرف إزاي؟

ده أنا حتى معرفش مين أبوه. ياآآآه، يعني اللي في بطني ده ابن حر.. أم؟ يعني اللي عايرت هادي بيه هيحصلي؟ معقولة دي؟ لا، أنا مش ممكن أجيب عيل من الحر.. أم مهما حصل، أنا لازم أنزله، لازم." تروح لشهاب الشركة وتقابل عزت: "فين شهاب يا عزت؟ "في مكتبه، يعني هيكون فين؟ تروح مكتبه وتدخل ما بعد السكرتيرة تستأذن لها: "خير، إيه اللي جايبك عالصبح كده؟ "شهاب، أنا حامل." "طب تمام، ألف مبروك."

"شهاب، متستعبطش. اللي في بطني ده لازم ينزل." "دي حاجة تخصك انتي. تنزليه، تقعديه، براحتك انتي." "براحتي إزاي يعني؟ وانت السبب في كل ده." "وأنا مالي؟ جرى إيه يا ذكرى؟ متفوقي كده، توزني كلامك بدل ما تشوفي رد فعل مش هيعجبك. انتي إزاي تتجرئي وتكلميني بالطريقة دي؟ تقعد ذكرى وتعيط. "إيه يا جميل؟ ممكن أعرف سبب انفعالك ده؟ مع إنك المفروض إنك تفرحي بالخبر ده. يا ترى عشان انتي مش عايزاه؟ ولا عشان انتي مش عارفة مين؟ أيوه...

هههه صحيح، يا ترى مين؟ مين؟ تعالي نفكر كده. ممكن يكون ابني أنا؟ جايز. ممكن يكون ابن عدي؟ ممكن برضو. ممكن يكون ابن الواد الهلهولة اللي انتي ماشية معاه؟ ولا مين ولا مين؟ مانتي الصراحة بقيتي... و لا مؤاخذة." "وهي دي ما كانتش أوامرك عشان مصالحك وشغلك؟ "لا، ده تمام أوي وعز الطلب كمان. بس لازم تنزلي البلوة دي و بسرعة. انتي حامل في قد إيه؟ "شهرين."

شهاب يتصل على عزت ويجيلهم، ويطلب منه شهاب إنه يشوفلهم دكتور يكون بيعمل العمليات دي. وعزت يقوللهم: "تمام، عندي يا باشا. وحأتصل بيه حالا. أيوه يا دكتور، بقول لحضرتك في حد تبعي محتاج عملية، بس بسرعة الله يخليك عشان هي في التاني." "تمام، يعني تيجي لحضرتك الساعة ستة. ماشي يا دكتور."

يديها عزت العنوان، وذكرى تترجى شهاب إنه يكون معاها، لكنه يرفض بشكل نهائي. تخرج من عنده وهي خايفة، مش عارفة تعمل إيه لوحدها في حاجة زي دي. وييجي على بالها أشرف، تتصل عليه وتحكيله اللي حصل: "بس ده ما يرضيش ربنا يا ذكرى." "على أساس إن كل اللي أنا عايشاه فيه يرضي ربنا؟ جت على دي يعني؟ ولا أنت عايزني أجيب طفل مش عارفة مين أبوها؟ "أنا مش عارف أقولك إيه." "أشرف، أنا محتاجة حد معايا. أنا ما عنديش حد وخايفة أوي."

"حاضر يا ذكرى، وأنا استحالة أتخلى عنك في حاجة زي دي. الساعة خمسة بالظبط حكون عندك، وإن شاء الله تعدي على خير." يجلس بجوارها وقلبه يتقطع من أجلها: "تعالى يا أدهم، سيبها ترتاح." "لأ، أنا مش حقوم من هنا. أنا حفضل جمبها لحد ما تقوم." "هي نايمة دلوقتي، والدكتور قال إنها مش حتصحى قبل ست ساعات على الأقل." "ياآآآآه، معقولة اللي حصل ده يا مراد؟ يا عيني يا عمتي، معقولة؟ يا حبيبتي، عمرها اللي عاشته يكون وهم؟

منهم لله البني آدمين اللي بيعملوا كده. دي الحيوانات مبيهونش عليها ترمي لحمها، وهما يرموا لحمهم عشان شوية فلوس." "شهوة المال بيعمل أكتر من كده يا أدهم. قوم يا حبيبي، تعالى نطلع نقعد مع أبوك نشوف حنعمل إيه في اللي احنا فيه ده." تراه في منامها: "عبد الرحمن، وحشتني أوي يا حبيبي." "انتي اللي وحشتيني أوي يا جميلة." "شفت ولاد عمك اللي كنت معتبرهم إخواتك عملوا فيك إيه يا حبيبي؟ شفت حبهم للمال وصلهم لإيه؟

رموا ابنك يا عبد الرحمن، رموا ابننا في الشوارع. طب كانوا خلوني أشوفه ولو مرة؟ مرة واحدة بس." "واعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. ده قضا ربنا يا حبيبتي، وأكيد ليه حكمة عنده. وإن شاء الله حيرجع لحضنك." "يارب يا عبد الرحمن، يارب. تفتكر يا عبد الرحمن، تفتكر ابننا حيرجع لحضني؟ "اللي رجع يوسف لأبيه، ورجع موسى لأمه، قادر يرجعهولك يا حبيبتي."

"يارب، يارب، رجعلي ابني لحضني، يارب." قاعدين كلهم بيتكلموا ومش مصدقين كل اللي حصل: "حنعمل إيه دلوقتي يا بابا؟ "مش عارف يا مراد، مش عارف. أول مرة في حياتي أحس إني عاجز بالشكل ده. مش عارف ولا قادر أفكر في حاجة." "أنا حقلب عليه الدنيا كلها، لازم ألاقيه، لازم." "يا ريت نلاقيه بس. تفتكر حنعرف؟ إحنا بنتكلم في تلاتة وتلاتين سنة. عارف يعني إيه؟

يعني زمن تاني، وعمر تاني. ولا الناس هي الناس، ولا الدنيا هي الدنيا. إحنا ما نعرفش إذا كان عايش أصلاً ولا لأ. إبراهيم قال إن الدكتور أدى إسماعيل الولد بخلاصه، يعني ممكن يكون حصل له حاجة وراح. طيب، ولو افترضنا إنه عاش، طب حنعرف مكانه إزاي؟ يا ترى راح ملجأ ولا اترمى في الشوارع؟ طب يا ترى هو في مصر ولا فين؟

إحنا لو دورنا عليه حنبقى بندور على إبرة في كوم قش. حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل. يا ريتهم كانوا قالوا إنهم عاوزين الفلوس، وإحنا كنا سيبنالهم كل حاجة. إحنا لا ناقصنا مال ولا فلوس، وكان اتربى معاكم وبيننا وفوسطنا. ياآآآه على الناس والزمن بقى. معقولة يا ناس؟ معقولة ابن عبد الرحمن، أخويا وصاحبي وحبيبي وزينة الشباب كلهم، يترمى في كيس زبالة زيه زي ولاد الحرا.... ابن الأصول، ابن الحسب والنسب، يتعمل فيه كده؟

ده انتوا متعرفوش عبد الرحمن ده كان إيه! دي البلد كلها كانت بتحلف بأخلاقه. الدنيا كلها كانت نفسها تناسبه، كان مخللي جده ماشي ورأسه مرفوعة للسما،

وكله بيقول له: يا خير ما خلفتوا وربيتوا، يا حسان. يقوم يحصل له كده. إخلاص، عمتكم ليه، وعيشتها على ذكراه، ما كانتش من شوية. لا، ده عبد الرحمن يستاهل يتحزن عليه العمر كله. وعلى قد ما عمتكم عاشت معاه، عمرها ما اشتكت منه ولا جت مرة زعلانة. بالعكس، دي كانت ست ستات كبهم، والضحكة مبتفارقش وشها. ده راح للي خلقه من الحسد والعين اللي كانت عليه. يا حبيبي،

الكل كان بيبصله ويقول: ده مش بني آدم، ده ملاك ماشي على الأرض. آه يا وجع قلبي عليك يا عبد الرحمن. أكيد هو حاسس إن العيل اللي نايم في حضنه ده مش ابنه، مش من صلبه. ويا وجع قلبي عليكي يا أختي." "وإحنا مش حنسكت يا بابا، وحنرجع لها ابنها، يعني حنرجعه، حتى لو لفينا الكورة الأرضية كلها. ابن عمتي جميلة لازم يرجع، مهما كان التمن." "أيوه، إحنا حنمشي ورا أي خيط يوصلنا لأي حاجة، وإن شاء الله حنوصل."

"أيوه، بس متنسوش إن الوحيد اللي ممكن يدلنا هو موسى، لأنه هو اللي وداه القاهرة ورماه هناك. والكلام ده من عمر تاني، والدنيا اتغيرت، وأكيد الخرابة دي اتعمرت وبقت عمارات. ده غير إنه هو نفسه ممكن يكون نسى المكان. حيعرفه ويفتكره إزاي بس بعد السنين دي كلها؟ "أي حاجة يا بابا، أي إشارة تدلنا، وإحنا إن شاء الله حنوصل. إن شاء الله."

"يارب، يارب، دلنا عليه، يارب. يا أرحم الراحمين، يارب المستضعفين، ملناش غيرك، يارب. قر عينها بيه، يارب، ورجعه لحضنها، بحق ما نجيت يونس وهو في بطن الحوت. أنجدها من اللي هي فيه، بحق ما رجعت موسى لحضن أمه، ورجعت يوسف لأبوه. رجعه لحضنها، يا قادر يا كريم. يارب. بحق قولك: إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. رجعهولها يارب، أنت القادر على كل شيء." "يا ترى أنت فين يا ضنايا؟ عايش ولا رحت للي أحن عليك من اللي من دمك؟

أنت فين يا ابن عبد الرحمن؟ أنت فين يا بن جميلة؟ أنت فين؟ "أنا أهو، أنا أهو يا حبيبتي." "حبيبي، أنت كده اتأخرت على شغلك." "أنا اتأخر على الدنيا كلها، المهم ممشيش غير لما أطمن إنك فطرتي، وبعدين أنا مورييش حاجة ضروري." "يا حبيبي، يا هادي، ربنا يخليك ليا يا حبيبي يارب. بس أنت كده بتدلعني أوي، وأنا كده أخلاقي حتبوظ." "حبيبتي تدلع زي ما هي عايزة. يلا بقى، اشربي اللبن ده." "لأ، وحياة حياتك عندي، مش طايقة والله."

"عشان خاطري يا جنه، وعشان خاطر جنتي الصغيرة." "أنت خلاص حكمت إنها بنته؟ "آه، أنا قلبي حاسس إنها بنت." "وإن فرض طلعت ولد بقى؟ "كل اللي يجيبه ربنا كويس، بس أنا، قلبي حاسس إنها بنت، وأنا نفسي في بنت أوي يا جنه." "ياآآآه، للدرجة دي؟ "وأكتر مما تتخيلي. نفسي أوي يكون عندي بنت، وتبقى بنتي وأختي وصاحبتي وحبيبتي وكل دنيتي." "وأنا يا هادي؟ "وانتي نور عيني، انتي الملكة، أم أميرتي، يا أميرة قلبي أنا."

"آه، ولما تكبر وتتجوز تعمل فيها زي اللي أنكل صلاح بيعمله في فهد؟ مش كده؟ "ههههههه، مش عارف الصراحة. موعدكيش حبيبتي. الأكل ده كله يتاكل عشان خاطري، وأنا حخبط على ماما عشان تجيلك حبيبتي. متقلقيش، عشان أنا ممكن أتأخر النهارده شوية." "ربنا معاك يا حبيبي، ترجعلي بالف سلامة ياربي." يقبلها من رأسها ويضع يده على بطنها: "خلي بالك من نفسك ومن ماما يا جنتي." "لا إله إلا الله." "محمد رسول الله."

تقوم جنه بالراحة وتتوضأ وتقعد عالكرسي تصلي عشان مبتقدرش توطي، بتدوخ بسرعة، وتدعي ربنا يكمل حملها على خير ويرزقها بالذرية الصالحة. يوصل هادي الشركة ويبدأ يشوف شغله، ويتصل على فهد. فهد وقتها كان في المحكمة وخارج: "ياآآآه، الحمد لله. أنا مش مصدق والله. معقولة ابني طلع براءة؟ "حمد الله على سلامته." "الله يسلمك يا أستاذ فهد. صراحة، حضرتك طلعت فهد بصحيح." "ههههههه." "اتفضل حضرتك، دي بقية أتعابك." "طب، خللي والله." "إيه ده؟

حضرتك تستاهل الدنيا كلها والله. ربنا يباركلك في صحتك ياربي." يسمع فهد رنات التليفون المتواصلة ويرد: "صباح القشطة اللي بالمكسرات يا برنس." "ههههههه، حبيبي صباح الفل. أنت فين يا بطل؟ "لسه خارج من المحكمة حالاً." "حتروح ولا ممكن تجيلي شوية؟ "طب بص، حقولك. حروح للبت نجلا أفطر معاها أحسن. صاحبك واقع من الدور العاشر، وأطمن عليها، وآخد دش وأغير هدومي وأجيلك." "يا خوفي لا تروح وترتاح وتنساني." "أريح فين يا حسرة؟

ما خلاص. أريح ولا غيره. جايلك يا أخويا، جايلك. مش عارف أنا. لا لحقت انبسط ولا أشرب الشيشة. آآآه، هي الليلة دي اللي كانت السبب. جدر البطاطا اللي كان السبب. يا ضنايا." "ههههههه، أنت ملكش حل وربنا." بعد مرور عدة ساعات، يسمعون صوت غالية وهي تنادي عليهم. يدخلون إليهم فيجدون جميلة قد فاقت من نومها، وغالية جالسة على كرسيها المتحرك بجوارها. يلتفون جميعهم حولها، وهي في حالة شرود، تشعر وكأنها في كابوس تريد أن تستيقظ منه:

"هو إيه اللي حصل؟ هو اللي حصل ده كان حقيقي ولا أنا كنت بحلم؟ "اهدي يا حبيبتي، عشان خاطري." "ليه، ليه يعملوا فينا كده؟ ليه يا ناس؟ ليه ابني، ابني أنا، يترمى في الشوارع؟ ابني أنا بتتحط في كيس زبالة؟

آآآآه، آآآه. مش قادرة، مش قادرة أصدق ولا أستوعب. مش قادرة. آآآه يا وجع قلبي، آآآه. أنا عايزة أقطعهم بسناني، عايزة آكل لحمهم بسناني. آآآه يا بني، اااه يا ضنايا. تسع شهور وأنا بحلم باليوم اللي حاخده في حضني. بحلم باللحظة اللي حضمه فيها لصدري وأشم فيه ريحة عبد الرحمن. ده هو ده كان أملي الوحيد وعزائي الوحيد في غيابه عني. يقوموا بكل جبروت ياخدوه؟ إزاي؟ إزاي ده حصل؟

أنا مش قادرة أتخيله. مش قادرة. مش قادرة. شايفاه وهو جوة الكيس والكلاب بتنهش فيه، وأنا فاكرة إنه راح. راح. لاءءء، لاءءء. أنا عايزة ابني. عايزة ابني يا ناس. يا ترى أنت فين يا قلب أمك؟ يا ترى فين أراضيك يا حبيبي؟ يا ترى كبر ولا راح قبل الأوان؟ طب لو كبر، عاش إزاي؟ حد خده وقال له إنهم أهله ونساني؟ نسى أمه؟ ولا يكون اتربى في الشوارع ولا في الملاجئ وعاش عمره وهو فاكر نفسه ابن حرا....

لاء، لاء، مش ممكن. استحالة. استحالة. لاءءء. ابني أنا. لاءءء." "عشان خاطرنا يا عمتي، عشان خاطرنا. والله حنجيبهولك لو كان في سابع سما. وحياة غلاوتك عندنا وحياة كل دمعة من عيونك، لحنرجعه لحضنك يا عمتي." "بجد، بجد يا ولاد؟ حترجعولي ابني؟ "إن شاء الله يا عمتي، إن شاء الله يا حبيبتي، حيرجع." "وحايقوللي ماما؟ حيناديني بالكلمة اللي اتحرمت منها طول عمري." "إن شاء الله يا حبيبتي."

"انتوا عارفين وأنتم صغيرين لما أمكم ربنا يخليهالكم تعبت، وقتها إنتوا ناديتوني بماما.

لكن أنا مرضتش وقلتلكم: لاء، أنا اسمي عمتي. إنتم ملكمش غير أم واحدة ربنا يخليهالكم. مع إن كان نفسي أسمع كلمة ماما دي منكم، بس خفت على مشاعر أمكم، خفت تزعل وتفتكر إنها ممكن تسيبكم لحد غيرها. أصرت إنكم متنادوش حد بماما غيرها هي وبس. لكن أنا نفسي أسمعها أوي، نفسي أسمعها منه هو، من ابني، من ابني اللي اتحرمت منه تلاتة وتلاتين سنة. ياآآآه، معقولة يكون كبر وبقى راجل؟ معقولة حشوفه؟ معقولة أحمل عيني منه قبل ما أروح لأبوه؟

يحضنونها ويطمئنونها أنهم أكيد حيلاقوه إن شاء الله. في العيادة، تفتح عينيها فتلاقيه قدامها: "حمد الله على سلامتك يا ذكرى." "الله يسلمك يا أشرف. طمني يا أشرف، خلاص؟ "خلاص يا ذكرى." ذكرى تعيط. "لزمته إيه العياط دلوقتي؟ "مش مصدقة اللي أنا فيه ده. معقولة أنا قعدت مع هادي كتير أوي وما حملتش، وبعد ما سيبنا بعض، وفي خلال كام شهر أحمل، وأبقى كمان مش عارفة أنا حامل من مين؟

ده أكيد ذنبه لأني عايرته بأصله. اديني أهو كنت حجيب طفل يتقال عليه إنه ابن حرا... "خلاص يا ذكرى، اللي حصل حصل. والمفروض إنك تتعلمي من اللي حصل وتعتبريه إنذار من ربنا. فوقي يا ذكرى، فوقي وارمي اللي راح ورا ضهرك. وفوقي بقى، لأن اللي ممكن يحصل معاكي بعد كده ممكن يكون أكبر مني ومنك ومن الدنيا كلها." "أنا متشكرة جداً يا أشرف، أنا مش عارفة أقولك إيه." "على إيه بس يا ذكرى؟

"كفاية وقفتك معايا. ربنا يخليك يارب. ما جتش من البني آدم اللي اسمه شهاب." "ولا يهمك يا ستي. أنا عايزك بقى تشربي العصير ده، وساعتين وأروحك ترتاحي." "أشرف، ممكن تبات معايا النهارده؟ خايفة أتعب ومليش حد جنبي." "حاضر يا ذكرى، وبكرة إن شاء الله حبعتلك الشغالة تقعد معاكي لحد ما تبقي زي الفل." "ماشي يا شهاب. أما أوريك بقى أنا تتخلى عني كده. ماشي يا شهاب، أنا حوريك ذكرى حتعمل فيك إيه."

"خلاص يا إبراهيم، اللي حصل حصل. ولو عايزين تكفروا عن اللي عملتوه، يبقى لازم تساعدونا نلاقيه بأي شكل." "وأنا مستعد أعمل أي حاجة يا حاج، بس ابن عبد الرحمن يرجع." "موسى، أنت الوحيد اللي تقدر تدلنا على المكان اللي رميته فيه." "بس أنا مش فاكر يا حاج، دي حاجة فاتت عليها سنين طويلة."

"أي حاجة يا موسى، إن شاء الله حتى بالتقريب. موسى، القاهرة كبيرة وشوارعها أكتر، وإحنا محتاجين نمسك الخيط من أوله. وإن شاء الله حنوصل. إحنا ح ناخدك وأنت حاول تفتكر على قد ما تقدر المنطقة اللي أنت حطيته فيها. إحنا عارفين إنها أكيد اتغيرت وبقت حاجة تانية خالص، بس يمكن تشوف علامة، تفتكر حاجة تدلك على المكان، وبعد كده إحنا ربنا يقدرنا على اللي بعده." "حاضر، حاضر. والله وربنا معاكم يارب، يمكن ده يخفف غضب ربنا علينا شوية."

"أنا في سؤال عايز أعرف إجابته. هو أنت إيه اللي وداك القاهرة؟ ليه ما رميتهوش في أي مكان هنا وخلاص؟ "دي كانت أوامر إسماعيل. هو اللي طلب مني أبعد بيه عن المكان هنا خالص، لأن هنا كان ممكن يتشك ويتعرف، خصوصاً لما يسألوا عن الستات اللي ولدوا في اليوم ده. فخاف وصمم إني لازم أروح بيه أي مكان تاني. وعشان القاهرة أقرب حاجة لينا، قلت خلاص أرميه هناك، وبكده عمر ما حد حيقدر يعرف هو مين ولا جاي منين."

"خطط ودبر لكل حاجة. نسى إن في رب العالمين اللي شايف ومطلع على كل شيء. "إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير". صدق الله العظيم." "صدق الله العظيم. تمام، اعمل حسابك بكرة الصبح في نور ربنا حنكون متحركين من هنا." "والحاج إسماعيل حيعرف حاجة عن الكلام ده؟ "لأ، إياك يعرف حاجة يا موسى. الكلام ده كله سر بينا لحد ما كل حاجة تبان."

يمر الليل عليهم كلهم، ما بين حبيب يتمتع بأحضان حبيبه، وما بين مريض يتألم، وما بين عاصي يفعل المعاصي، وما بين قلبها يتألم أم تبكي طفلها وتناجي ربها أن يعيد لها فلذة كبدها. يمر الليل، يأتي النهار، وهو يحمل معه من الأمل والتفاؤل ما يجعلنا نفتح ذراعنا للحياة من جديد. يجلسان في النادي يتحدثان سوياً، وصوت ضحكاتهما تبعث السعادة في نفوسهما: "لأ، كفاية، مش قادرة. اسكتي بقى." "اسكت؟ وهو ده فيه سكوت؟

ده فهد مخه ضرب خالص يا عيني. تخيلي أدخل ألاقيه حاطط الشيشة قدامه وقاعد بيكلمها: يا خسارتك يا حبيبتي، ملحقتش أتهنى بيكي يا غالية. آآآه، وأنا اللي كنت فاكر نفسي حبقى شهريار. خلاص بقيت أبو العيال. وبدل ما كنت حرجع وأنا معايا أزايزتين بيبسي نسكر بيهم، حرجع وأنا معايا الكوافير والبامبرز ودوا الكحة والإسهال. وبدل ما نروح نسهر في تايت كلاب، حنسهر عند الدكاترة وإحنا مستنيين دورنا." "فهد، أنت بتعمل إيه يا حبيبي؟

"بودعها يا نجلا. حودعك. آه، آخر وداع. آخر وداع. مين السبب؟ ميهمنيش. مين السبب؟ حكم السنين عليا وعليك انكتب. مش هسألك مين اشترى ومين اللي باع. حسابي وراح يا هوا. اهئ اهئ." "فهد، أنت بتعمل إيه؟ فهد، أنت حصل لمخك حاجة؟ "آه يا أختي، آه. كنت فاكر نفسي حعيش كل يوم ليلة من ألف ليلة وليلة. اديني أهو عايش بين العلاج والأدوية، وشامم ريحة البامبرز في مناخيري." "ههههههه، الله. وأنا مالي يا لمبي؟ مش أنت يا أخويا السبب؟

ولا أنا اللي جبته لوحدي؟ خلاص لو مش عايزة، إحنا لسه فيها." "لسه فيها إيه؟ بخرب بيتكن." "آه، عادي. إحنا ممكن نسرحه." "نسرحه إزاي يعني؟ على أساس إنه حبيع مناديل ولا إيه؟ بت انتي عارفة لو فهد حصل له حاجة وربنا، بصي، حروح فيكي فداه. آه، ده حبيب أبوه، ده عشق الروح، ده أمل العيلة كلها. يا بت! "الله. مش أنت اللي قاعد عمال تبكي عالأطلال؟ طب أعملك إيه أنا دلوقتي؟ أرقصلك رقصة تجيب أجله؟

"والله شكلي كده أنا اللي حجيب أجلك في إيدي لو ما سكتي. يعني بلاش أفك عن نفسي شوية." يبص للشيشة: "خد، أملي وراح. راح." "طب أنت موديها فين دي؟ "حوديها لرجب البواب عشان يظبط الدنيا. هو يظبط وأنا أعياط." "طب ما تسيبها وخلاص." "مينفعش طبعاً. انتي عايزة ولادي ياخدوا عن أبوهم فكرة صح؟ قصدك فكرة غلط؟

لاء، يا ماما، لازم ولادي يجوا يلاقوا سجادة الصلاة والسبحة والمصحف قدامهم عشان يحفظوا القرآن، مش الشيشة والصاجات. هتهم اللي منهم لله السبب. كل ده من عينيهم السكان اللي في العمارة. أنا عارف، كانوا بيدونا كل عين وعين لما جابونا الأرض. وادينا أهو قاعدين نلعب كوتشينة. يارب يكونوا مبسوطين كده." "ههههههه، ههههههه. لاء، أنا مش قادرة. لاء، كده كتير وربنا." وفجأة يلاقوا اللي قدامهم. "شهاب! "إيه ده؟ أنت هنا بتعمل إيه؟

"إيه، بالراحة علينا. وبعدين أنا أجي المكان اللي يريحني. عاملين إيه يا قطط؟ "أحسن منك يالا. اتوكل على الله." عينه تيجي على بطن جنه اللي يا دوب فيها بروز بسيط أوي باين بالعافية، لكن هو أخد باله، لأنها كانت فرحانة بحملها ولابسة فستان واسع. "مبروك. شكلك حامل. يالا، اهو كان حلمك على الله تحققيه وترتاحي. بس مش كنتي تستنضفي شوية وتنقي حد يبقى أبو ابنك يكون عليه القيمة؟

بدل ما انتي رايحة تجيبيله أب لا حد عارفله أصل من فصل ولا ليه نسب. واحد لقيط تربية شوارع وملاجئ. ابن ولا مؤاخذة. هههههه." "اخرس، قطع لسانك. هادي ده سيدك. أشرف منك ومن عشرة زيك. وضفره برقبة عشرة من عينتك. إيه جابك لهادي عشان تتكلم عنه؟ ولا تجيب سيرته على لسانك القذر ده؟ "بس كده؟ من عينيه. حروح أستحمى وأجيلك." "قسماً بالله لو ما مشيت لكون ملبساك قضية. غور أمشي." "جنه حبيبتي، انتي كويسة؟

"أيوه، أيوه يا نجلاء. أنا تعبانة يا نجلاء. أنا عايزة أروح." "صباح الخير يا فاروق." "صباح النور يا غالية." "الولاد صحيوا؟ "صحيوا من بدري وراحوا، وربنا معاهم يارب." "يارب يا فاروق، يارب. يارب يرجعلك ابنك يا جميلة، يارب. بحق قلبها الأبيض ونيتها الصافية ووقفتها معايا في مرضي ومساعدتها للغلبان والمحتاج، يارب تجبر بخاطرها وترجع لها ابنها لحضنها. ياربي." يقود مراد السيارة وأدهم جنبه، وإسماعيل وموسى قاعدين وراهم:

"ادخل من هنا كده. أيوه هنا. ياربي، أنا حاسس إني أول مرة أشوف المكان ده." "حاول يا موسى، حاول. الله يخليك، حاول تفتكر أي حاجة، علامة، حاجة، محل، أي حاجة." موسى بيفكر بصوت عالي: "أنا يوميها ركبت العربية ووقفت بيها بعيد وركنتها في مكان كان جنبه شجر كتير. أيوه، افتكرت. كان في شجرة توت. أيوه، أنا متأكد، لأن وقتها وقعت عليا واحدة. وحتى أنا وقتها دست عليه وهو مرمي ع الأرض."

"تمام، نحاول ندور كده ونسأل لو في شجرة توت. بس يارب تكون لسه موجودة." يسألون ناس كتير ومحدش يدلهم على حاجة. شجرة توت إيه دي اللي بيسألوا عنها بعد أكتر من تلاتين سنة؟ والناس اتغيرت وناس راحت وناس جت. لفوا المنطقة كلها من شرقها لغربها، مفيش حد معدي غير وسألوه لو في شجرة توت قريبة من هنا. ومفيش حد عارف يدلهم، والكل يقول لهم: "منعرفش والله." لحد ما حسوا إنهم عطشانين أوي.

"مراد، اركن هنا، أنا حنزل أجيب حاجة نشربها. عطشان أوي، مش قادر." "ماشي يا أدهم." ينزل أدهم ويروح السوبر ماركت ويطلب عصائر، ويلاحظ إن فيه راجل عجوز قاعد بيقرأ الجورنال في المحل: "سلام عليكم يا حاج." "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أي خدمة؟ "أيوه، كنت عايز أسألك عن حاجة الله يخليك، لو تعرف تدلنا عليها." "قول يا ابني." "كان في هنا في المنطقة دي من أكتر من تلاتين سنة شجرة توت. فاكرها يا حاج؟ "شجرة توت؟

الصراحة يا ابني معرفش. أصلي أنا أصلاً مش من هنا. بس استنى، عمر! يا عمر! "أيوه يا عم." "بقولك يا عمر، هو كان في هنا زمان شجرة توت؟ "شجرة توت؟ شجرة توت؟ "انت قصدك شجرة التوت اللي قريبة من هنا؟ آه، افتكرتها. بس دي مش هنا، دي بعد المنطقة اللي بعدينا." "أيوه، هي هي. فين مكانها لو سمحت؟ "لأ، دي مش موجودة من زمان." "مش موجودة إزاي يعني؟

"أيوه، بص حضرتك، هو كان في فعلاً شجرة توت وكنا حتى وإحنا صغيرين بنروح نهزها وناخد التوت ونأكله. بس من زمان أوي. ومن ييجي عشرين سنة كده الأرض دي اتباعت، وشالوا الشجر كله، بما فيهم شجرة التوت. حتى إحنا وقتها زعلنا أوي. واتبنت مكانها عمارة عالية، اللي هي برج الصفوة. يا عمي، مش عارف أنت عارفه ولا لأ." "آه، عارفه طبعاً. دي فعلاً عمارة كبيرة أوي، دي واخدة الشارع كله."

"يعني أنت تقصد إن برج الصفوة ده اتبنى مكان شجرة التوت دي؟ "أيوه." "أنت متأكد؟ "أيوه والله متأكد. أصل شجرة التوت دي كان ليها ذكريات كتير معانا، وياما لعبنا عندها." "طب أنا أوصلها إزاي؟ "بص حضرتك، شايف المحل اللي عليه تندة زرقا ده؟ "أيوه شايفه." "الشارع اللي بعده، لاء، اللي بعده. تدخل فيه طوالي لحد آخره، حتلاقي قدامك مدرسة خاصة. تدخل من جنبها يمين في يمين، وتسأل عن برج الصفوة. ألف مين يدلك عليه."

"أنا متشكر أوي. الحساب لو سمحت." "خلي والله." "ربنا يخليك يارب." "مية جنيه." يطلع أدهم ميتين جنيه يديهمله ويمشي. "الباقي حضرتك." "مش مهم خلاص. متشكر أوي." يروحلهم العربية ويركبهم. "اتأخرت أوي كده ليه يا أدهم؟ "عرفت مكانها يا مراد. عرفت مكان شجرة التوت." "بجد يا أدهم؟ "بجد يا مراد."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...