الفصل 2 | من 41 فصل

رواية أقبلني كما أنا الفصل الثاني 2 - بقلم فاطمة الزهراء

المشاهدات
20
كلمة
3,393
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

أختفت ابتسامة عاصم، فتابع يحيى الحديث بتنهيدة طويلة: "بدر اللي هو أنا عيد ميلادي بعد شهرين.. يحيى اللي عيده ميلاده النهاردة." مات، وضع عاصم الكعكة على الطاولة وجلس على الأريكة، ثم أمسك بيد ابنه وأجلسه بجواره وهو يقول بجمود: "لأ.. أنت يحيى وبدر الدين اللي مات.. وده مش الموضوع اللي جاي أتكلم معاك فيه.. أنا عاوز أعرف أنت بقالك كام يوم مش بتبات في الڤيلا.. ليه؟ زفر يحيى دفعة من الهواء وهو يتابع بنبرة ضيق:

"عشان عمي لطفي.. أنا مش ناقص صداع منه." أردف عاصم بجدية: "أنت عاوز تسيب أملاكك للطفي.. الڤيلا والمزارع كلها انت اللي هتورثها بعد موتي.. ولطفي ماهيطولش مليم أحمر.. أنا سايبه هو ومراته وبنته يعيشوا معانا بمزاجي." تحولت نبرة عاصم للعزم وهو ينهض: "يلا هنمشي من هنا." عقد يحيى حاجبيه بدهشة: "فين؟! "بس أنا لسة جاي من المزرعة الكبيرة وجعان." كاد يقطع عاصم بحدة:

"هناكل في الڤيلا.. مش هسمح للطفي أنه يتهنى بفلوسي.. يلا يا يحيى وبلاش رفض." جز على أسنانه وهو ينهض بضيق شديد، وقبل أن يتفوه بحرف تابع عاصم الحديث بجدية: "وأعمل حسابك من النهاردة هتبات في الڤيلا.. عشان خاطري." أومأ يحيى رأسه بدون اكتراث: "حاضر يا بابا.. يلا بينا." ثم تقدم بضع خطوات، ولكن والده أوقفه: "مش هتطفي الشمع؟ ألتفت برأسه وقال بابتسامة صفراء: "ما أنا قولتلك أنا بدر الدين مش يحيى." نفث عاصم هواء من فمه ليطفأ

الشموع وتحدث بلامبالاة: "كل سنة وانت طيب يا يحيى." ثم دلف بها للمطبخ ووضعها بالثلاجة وخرج مع ابنه ليتوجه إلى الڤيلا التي يسكن بها يحيى برفقة والده وعمه. ترجل يحيى هو وعاصم من السيارة عند وصوله إلى الڤيلا، ومن ثم دلفوا للداخل. كان لطفي هو وزوجته كوثر وابنتهم رواء جالسين على السفرة يتناولون الغداء. أمتعض وجه لطفي عند رؤية يحيى، فقال بسخرية: "شرفت يا يحيى.. بقالك كام يوم ماظهرتش."

جلس عاصم في مقدمة السفرة وبجانبه على اليمين ابنه، الذي قال ببرود ممزوج باستفزاز: "مشغول يا عمي.. مش ملاحق على المزارع ولا على السنتر." أبتسم عاصم على رد ابنه، فتابع هو الحديث: "ربنا معاك يا بني.. كل التعب ده هيروح ليك في الآخر بعد ما أموت." أغتاظ لطفي من تلك الجملة، لينهض بغضب ثم تمتم لهم: "أنا شبعت." توترت كوثر قليلاً لتستأذن تذهب لزوجها، نهض عاصم أيضاً وهو يقول: "أنا كمان شبعت."

ألتفت يحيى رأسه لوالده الذي دلف لمكتبه، ثم نظر لعمه فقال بنبرة تعجب: "هما مالهم؟ أقتربت رواء وجلست بجواره ثم أردفت بفضول: "يحيى.. هو انت ماشوفتش فارس النهاردة؟ أرتشف بضع قطرات من الماء ثم تحدث بخبث: "ليه؟ وحشك؟! أومأت رأسها بلهفة ثم تداركت نفسها وأردفت بتعليم: "لأ طبعاً.. إيه اللي أنت بتقوله ده.. أنا بسألك عليه عشان يعني ابن عمتي مش أكتر."

في ذلك الوقت سمع كل من يحيى ورواء طرقًا على الباب، لتأتي الخادمة وتفتح الباب. دلف شاب، بدا عليه التعب ويتفوه بألم: "يا ساتر يا رب على ده شغل." سمع صوت يحيى بلؤم: "تعالى يا فارس." أقترب منهم، وبدون سابق إنذار جلس على السفرة ليأكل، مما جعل رواء تغضب في نبرتها: "فارس.." رد عليها وهو يمضغ الطعام: "جعان يا رواء." أردف يحيى بجدية: "عملت إيه في طلبية المانجا؟ "عليها." رد فارس بارتياح:

"سلمتها.. بقولك إيه يا ابن خالي.. بخصوص الدكتور اللي عامل زي الشوكة في الزور ده.. قدم بلاغ فينا إننا بنستخدم مواد مسرطنة في الزرع." لوى يحيى فمه بضيق واضح ثم قال بنفاذ صبر: "هو لسة مش ناوي يجيبها لبره؟ أومأ فارس رأسه وتابع بنبرة صريحة: "أنا جبتلك قراره.. اسمه سيف الأديب.. دكتور بشري." أستطرد يحيى بعدم فهم ثم حك ذقنه: "إزاي دكتور بشري؟ .. وبيفهم في الزرع؟ وإحنا من إمتى بنشغل دكاترة أصلاً في المزارع؟ أجابها بنبرة تفهم:

"يا ابني اصبر هقولك كل حاجة.. هي مراته باشمهندسة زراعية وبتشتغل عندنا.. وهي اللي بتقولوا كل حاجة.. وطبعاً الباشا عمل فيها ظابط وعاوز يخرب علينا." جز يحيى على أسنانه بضيق ثم قال بوعيد: "هيخرب على نفسه مش علينا.. إحنا مبنتاجرش بأرواح الناس ولا بنستخدم مواد كيماوية في الزرع.. اسم مراته إيه؟ أستأنف فارس بجدية: "سوزان." يحيى رأسه بحيرة وحدث نفسه: "طب إيه غرضها من إنها تقول حاجة مش موجودة؟

.. ممكن يكون حد باعتها عشان تشوه سمعتنا؟ .. بس مين؟ أيده فارس وقال بتأكيد: "ولاد الحرام كتير.. وخصوصاً إحنا معروفين بالجودة." نهض يحيى وأردف بهمس لنفسه: "سيف الأديب وسوزان." تطلع فارس لابن خاله وهو يصعد للطابق الثاني، ثم همس لرواء بفرحة: "وحشتيني." حدقته بغيظ ثم أردفت بتهكم: "هو أنا على بالك أصلاً." أبتسم لها ليكمل حديثه بأسف: "غصب عني.. الشغل نازل على دماغي أنا ويحيى." لتبتسم رغماً عنها، فهمست: "خلاص سامحتك."

رد عليها وهو يقول بتمني: "نفسي خالي يقولي على سبب رفضه ليا لما اتقدمتلك من سنتين." أجابته رواء بصدق: "بابا اتحجج بأنك هتشغلني عن الجامعة.. بس أنا دلوقتي في آخر سنة.. مش انت هتتقدملي تاني؟ رد عليها بمزاح وهو يعبث بالملعقة: "تاني وتالت وعاشر.. بس هو يوافق." صدح صوت لطفي بعصبية بعد أن خرج من غرفته: "فارس.. أنت جيت ليه؟ أمتعض وجهه ثم أجاب خاله بهدوء مصطنع: "عشان أقول ليحيى إني سلمت الطلبية يا خالي." أقترب

منه وتابع بنبرة غطرسة: "هي توحيدة مش بتأكلك عشان تيجي تاكل في بيت الناس؟ شهقت رواء من حديث والدها الفظ، ليحاول فارس أن يخفي إحراجه بقول: "بيت الناس ده يبقى بيت خالي عاصم يا خالي." أستطردت رواء الحديث بحرج: "مش كده يا بابا.. بالهنا والـ.." لم تكمل جملتها عند صراخ لطفي بغضب: "اخرسي انتي.. هتردي عليا؟ خرج عاصم من مكتبه على أثر ذلك الصياح، فقال بحدة لأخيه: "إيه اللي حصل لكل الزعيق ده؟ هدأت نبرة لطفي وهي يقول بخبث دفين:

"يا عاصم يا أخويا.. أنا بزعق على بجاحة فارس." قاطع عاصم الحديث بصوت عالٍ نسبياً: "بجاحة فارس؟ كل ده عشان قال بيت عاصم.. طب هو قال حاجة غلط؟ .. فارس مش ابن أختي الصغيرة بس.. غلاوته عندي في مقام يحيى.. ولآخر مرة هقولهالك يا لطفي.. فارس يدخل ويخرج براحته.. ده بيته." ثم نظر لابن أخته ودفعه لكي يتقدم للأمام وهو يقول بجدية: "اطلع فوق في أوضتك يا فارس." رفض فارس وهو يقول بنفي: "مش لازم يا خالي.. أنا كنت جاي عشـ.."

أستمر عاصم بدفع فارس وهو يردد بحدة: "بقولك اطلع فوق." تنهد فارس وأطاع أمر خاله الكبير، ثم رمق خاله لطفي باستفزاز قبل أن يصعد السلم. أحتقنت الدماء بلطفي، ثم أبتسم باصطناع وصاح بتنهيدة: "أنا خارج برا.. عندي مشوار مهم." بمجرد خروجه من الڤيلا، أغلق الباب بعصبية وتوجه لمكان عزم عليه. دلف فارس إلى الغرفة التي يأتي إليها بين الحين والآخر، ثم تمدد على الفراش ونظر للسقف بشرود.

فارس هاشم محمد، في السابعة والعشرون من عمره، ابن توحيدة شقيقة عاصم ولطفي. توفي زوجها ولم تنجب سوى ابنها الذي يعشق رواء. حاول مراراً وتكراراً خطبتها، ولكن خاله لطفي دائماً يرفض. بمنزل "سيف الأديب". دلف إلى الداخل وهو يبحث عن زوجته، هتف بعصبية: "سوزان.. يا سوزان.. انتي فين؟ خرجت من الغرفة بقلق لتردد: "في إيه يا سيف؟ أمسك سيف بكف يدها وجلسوا على الأريكة، ثم مد يده الأخرى بملف ما ليتحدث بنبرة تأكيد:

"كلامك صح.. العينات اللي بعتناها للمعمل طلعت مسرطنة." أتسعت مقلتيها في صدمة لتتابع بتوتر في نبرتها: "طب وهنعمل إيه؟ أراح ظهره على المسند وقال بجدية: "مافيش حل غير إني أروح أتكلم مع مدير المزرعة.. عاصم القاضي." أردفت سوزان بتلقائية: "الكلام دلوقتي مش مع باشمهندس عاصم.. هو مابيجيش كتير.. الشغل على ابنه يحيى وابن أخته فارس." أومأ رأسه بسرعة ليقول بتفكير:

"خلاص.. هبقى أروح لواحد منهم.. انتي بقى خلي عيونك مفتحة عشان دي أرواح ناس." غمغمت سوزان بنعم، ثم قامت لتعد له الطعام، بينما هو دلف إلى غرفة طفله النائم ذو العامين، فقبله وشرد قليلاً في ماضيها. *استرجاع الماضي*

كان الصغير سيف ذو الحادية عشر عاماً في دار الأيتام بعد أن توفي والديه. كذلك ذهب عكاشة وميسرة لتبني طفل لعدم قدرتهم على الإنجاب بعد يوسف ذو الستة أعوام. تم الاتفاق مع مديرة الدار وهي "علوية فتحي" ليأتي اليوم الذي سيغادر فيه. لم يرغب في ترك رفاقه، لتجاريه ميسرة بابتسامة: "أنا هجبلك لعب كتير ومش هضربك." صرخ سيف ببكاء: "لأ.. أنا عاوز أقعد مع صاحبي." أردفت علوية بغضب: "انت مابتسمعش الكلام ليه؟ عاتبتها ميسرة بهدوء:

"لو سمحتي براحة.. ده عيل صغير... انت مش نفسك يكون ليك أوضة تنام فيها لوحدك وفيها لعب كتيرة.. تعالى يا حبيبي."

بعد رفض وبكاء سيف، تم إقناعه من قبل ميسرة وعكاشة، وها هو الآن استقل السيارة برفقتهم وظل ينظر من الزجاج والعبرات تنهمر على وجنتيه. الشيء الوحيد الذي أخذه هي صورة تجمعه مع رفيقه. مرت الأيام وكبر سيف في جو من العائلة، فقد أحبه عكاشة وزوجته ميسرة، عدا يوسف الذي يبغضه. تزوج سيف من فتاة أحبها وهو في عمر الخامسة والعشرين، وساعده عكاشة قبل وفاته. ولم يبق لسيف ذكريات من دار الأيتام سوى الصورة الذي قام بتكبيرها وعلقها على حائط غرفة ابنه.

*عودة للحاضر* أفاق سيف من ذكرياته ليقف، قابله الصورة وهمس بحنين مختلط بشوق: "وحشتني أوي." دلف سوزان خلفه، ثم احتضنته خلف ظهره وهمست بعشق: "حبيبي سرحان في إيه؟ تنهد سيف بصوت مسموع ليقول بسعادة: "فرحان إن ربنا رزقني بأهل وزوجة زيك.. وإنك قبلتيني وأنا يتيم ماليش أهل." قبلت سوزان زوجها وردت عليه بفرحة: "أنا أهلك يا سيف.. وربنا ما يفرقنا عن بعض.. وابننا يكبر وسطنا يارب."

ألتفت إليها، ثم قبل رأسها وسحبها لخارج غرفة الطفل النائم. في شقة "أشرف سند". أستعدت مكية للخروج بعد أن وضعت اللمسات الأخيرة من المكياج وصففت شعرها، لتدخل أختها الصغيرة مودة صاحبة السادسة عشر عاماً. فتحت خزانة ملابس مكية ونبشت بها حتى أخذت طرحة. وقبل أن تذهب صاحت مكية بضجر: "استني هنا.. انتي واخدة الطرحة دي على فين؟ ألتفت لها مودة، ثم وضعت الطرحة على رأسها وأجابتها وهي تنظر للمرآة:

"كلها كام يوم والمدارس هتفتح.. والطرحة دي لايقة على طقم." أردفت مكية ببرود: "المفروض تستأذني مني.. جايز أرفض." فمّت مودة فمها لتهتف بسخرية: "وترفضي ليه؟ .. انتي قلعتي الحجاب.. الكلام ده كنتي قولتيه لما كنتي محجبة مش دلوقتي." دلف الشقيقة الثالثة مريم صاحبة الثمانية عشر ربيعاً ووالدتها هالة. تساءلت مريم: "إيه الصوت العالي ده؟ لتتابع مودة الحديث بسخرية: "رافضة آخد طرحتها." جلست مريم على الفراش وأستأنفت كلامها بتفكير:

"طب وانتي زعلانة ليه يا مكية.. أنا أصلاً بفكر آخد طرحك كلها.. انتي آآ.." صاحت مكية بغضب: "أنا حرة يا ناس.. طرحي مش هديها لحد." مقتهم هالة بغضب وهي تبادر في الكلام: "جرا إيه يا بت.. من ليها.. ناقص تضربوا بعض قدامي.. فيها إيه يا مكية إنها تاخد طرحتك.. بطلي أنانيتك." أسرعت مودة في استفزاز شقيقتها: "أنا مش عارفة هي متكبرة على إيه.. بالوحمة اللي في وشها دي." مقت هالة ابنتها الصغيرة بغضب، لتخرج من الغرفة بضيق.

تابعت هالة الحديث بملل: "لسة مصممة إنك تروحي الكورس ده؟ أومأت مكية رأسها بسعادة: "ده كورس تنمية بشرية لتعليم الثقة بالنفس." أغمضت هالة كلتا عينيها بعدم حيلة، ثم سألتها بهدوء: "وانتي يا مكية ناقصة ثقة بالنفس.. يا بنتي بلاش لف ودوران.. أبوكي صابر عليكي عشان آخر سنة ليكي في الجامعة." عبس وجه مكية بغضب: "ليه يعني هتحبسوني في البيت.. أنا بعد ما أتخرج هشتغل وهجمع فلوس عشان أعمل عملية التجميل وأشيل الوحمة." أكملت

هالة حديث ابنتها بجدية: "ولما تشيليها هتقولي إيه للناس اللي بيدعموكي.. هيكون رد فعلهم إيه لما يعرفوا إنك كدابة؟ فركت مكية في رأسها بحيرة كي تجد إجابة، ولكن لم تجد، فنطقت بحيرة: "آآ.. ماعرفش.. بس هبقى أفكر في كدبة.. أنا دلوقتي هروح الكورس عشان أتعلم كلمتين وأبقى أقولهم على النت عشان الناس تحبني أكتر.. ومش هتتأخر.. الساعة تمانية هكون هنا." علمت هالة بأن الحديث مع ابنتها دون جدوى، ثم قالت بجدية:

"ربنا يكفيكي شر نفسك يا مكية.. أكتر حاجة خايفة عليكي منها.. هي نفسك." أبتسمت لوالدتها باصطناع، ثم خرجت من العمارة لتتوجه لذلك السنتر. عند دخولها، استمعت لهمسات الشباب، حتى جلست على مقعد بجانب فتاة. سمعت شاب يهمس لرفيقه: "ياريتني كنت الكرسي.. أم وحمة يا عسل." أبتسمت مكية، لتقول لها الفتاة الجالسة بجوارها:

"انتي شخصية متواضعة جداً وأحلى حاجة فيكي إنك راضية بحالك.. انتي شخصية نادرة.. أغلبية الناس رافضين شكلهم.. لكن انتي عكسهم." أبتسمت مكية، ثم تحدثت معها في أمور عامة. وصل يحيى بالسنتر الخاص به، جلس على أحد المقاعد والنخبة الذين يعملون في السنتر لم يعبأ بأحد، وبدأ في قراءة كتاب. لتتحدث فتاة بهدوء: "حضرتك بقالنا أكتر من سنتين بنشتغل هنا وعمرنا ما اتكلمنا.. أنت تعرف اسمي الأول؟ نظر لها يحيى ولم يعرف بماذا يقول لها،

فتحدث شاب آخر بجدية: "طب تعرف اسمي؟ "أنا." لتقول فتاة أخرى بنبرة مرح: "وأنا." أنهض يحيى من مجلسه، ثم أردف بنبرة سريعة ممزوجة بشرود كأنه يتهرب منهم: "آآ.. أنا لازم أدخل القاعة عشان المحاضرة." دلف إلى إحدى القاعات حيث الشباب مجتمعين لأخذ محاضرة عن التنمية البشرية. حدقت مكية بمقلتيها بعدم تصديق، لتهمس لنفسها: "مش معقول.. الواد الملون هو الدكتور.. نهار أسود." ثم أرخت جسدها حتى لا يشاهدها، وهي تهمس: "أكيد مش شايفني."

لتأتي أعينها بأعينه الرمادية، فأسرعت بخفض بصرها. نطق يحيى بجدية: "للشباب اللي أول مرة تاخد عندي.. هعرفكم بنفسي.. أنا الدكتور يحيى القاضي.. أخصائي تنمية بشرية.. قبل ما ندرس تنمية بشرية.. يعني إيه تنمية بشرية؟ .. بالبلدي كده يعني إن الإنسان يكتشف نفسه وقدراته ويطورها عشان حياته تكون للأحسن ويكون واثق من نفسه." ألقى على مكية نظرة غامضة ليكمل حديثه:

"المحاضرة النهاردة هتكون عن الإفراط بالثقة بالنفس.. كل حاجة لما بتزيد عن حدها بتتقلب ضدها.. زي الثقة بالنفس بتتقلب بغرور.. هقولكم حكاية.. في اليونان القديمة كانت فيه أسطورة بتقول إن واحد اسمه نرسيسوس كان شايف نفسه أوي وإن مافيش حد في جماله.. كان مغرور لدرجة فظيعة.. قبل اختراع المرايا كان كل يوم يروح عند البحيرة ويبص على انعكاس نفسه في المية لحد ما وقع وغرق ومات.. وروحه اتحولت لوردة النرجس.. وهنا بقى ظهر مصطلح النرجسية ومريض النرجسية بيتصف بالغرور والتكبر والأنانية."

أستمر يحيى بالشرح، مما جعل مكية تغضب، لتحدث نفسها: "ده بيلقح عليا.. أنا جاية عشان آخد كورس ثقة بالنفس مش عشان يقطم فيا وهو فاكر نفسه دكتور نفسي." شعرت مكية بالملل، حتى أنها لم تكتراث بشرح. لا إرادياً تثاءبت. رمقها يحيى بجمود وهو يكمل شرحه. بعد انتهاء المحاضرة الأولى، خرج الشباب وهم يحدثون بعضهم، عدا مكية التي انتظرت الجميع لكي يرحلوا. هندمت خصلات شعرها وأسرعت إليه قبل أن يرحل، وقالت بابتسامة مصطنعة: "يا دكتور."

نظر لها، فأكملت مكية الكلام بنفس نبرتها: "أنا ماصدقتش إن حضرتك جاري.. أنا فرحانة جدا." أدخل كفيه في جيب بنطاله وهو يردد بجدية: "فرحانة؟ هتفت مكية بسعادة مصطنعة: "جداااا يا دكتور... آآ.. يعني بخصوص اللي حصل في الصبح فأنا آسفة يعني.. كنت لسة جاية من اللوكيشن.. أصل كنت ضيفة في برنامج نجوم من السوشيال ميديا و آآ يعني كنت متلخبطة شوية." ثم أصدرت ضحكة خفيفة مصطنعة، ليقول بعدم اكتراث: "انتي عاوزة إيه؟

أرجعت مكية خصلة من شعرها خلف أذنها وتابعت بنفس النبرة المصطنعة: "آآ.. بخصوص الواجب اللي حضرتك طلبته منا كتير جدااا وهياخد ورق أكتر للكتابة." نظر في أعينها وأردف بلامبالاة: "اتكلمي دغري." تحولت نبرة مكية للجدية: "أنا هكون مشغولة بالتصوير على النت فمش هقدر أكتب المقالات دي كلها.. يعني لو تساعدني." لم يرد يحيى عليها وأكمل طريقه، لتقف أمامه وهي تقول برجاء:

"اعمل معروف ليا.. أنا عارفة إنك بتقول عليا مغرورة.. ساعدني المرة دي عشان أساعد حضرتك في أيام تانية كتير." أخفض رأسه إليها واستمر بالتقدم إليها وهي ترجع للخلف حتى التصقت بالبنش، ليقول بتأكيد: "لو ساعدتك مرة واتنين وتلاتة وعشرة هتطلبي إني أساعدك تاني وتالت ورابع وعاشر.. مش هتزهقي." أبعدت مكية رأسها للخلف قليلاً عندما قرب رأسه إليها، فتحدثت بتوتر: "وفيها إيه لما تساعدني.. ده أنا.. إيه ده.. استنى."

لم يستمع لحديثها، بل انصرف وغادر المكان، لتحدث نفسها بتعجب: "هو ليه بيكلمني كده.. هو أكيد مابتابعش حاجة على النت؟ وصل لطفي إلى مكان ما حيث رفيقه الذي كان ينتظره. لاحظ عبوس وجه لطفي، ليردف بتأكيد: "أكيد اتخانقت مع أخوك." جلس بجواره وقال بغضب: "ومش هبطل خناق يا شيبوب غير لما فلوسه آخدها." أقترب شيبوب منه وتكلم بحيرة: "انت هتقتل عاصم؟ تفوه به بعصبية واضحة: "لأ طبعاً.. أنا لو قتلت عاصم.. يحيى ابنه هيقش كل حاجة." رمش

شيبوب بعينيه وتابع بقلق: "قصدك إنك هتقتل يحيى.. من دلوقتي بقولك أنا بعيد عن الموضوع ده.. كفاية اللي حصل زمان." أغتاظ لطفي من خوف رفيقه، فصاح بحدة: "انت اللي غبي مابتفهمش.. من ١٣ سنة لما اتفقت معاك عشان تقتل مرات عاصم وأولاده."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...