حنين!! نظرت لها الفتاة للحظات حتى اتسعت عيونها وقالت: -براء!! دي انتِ ثم نهضت من مكانها بسرعة واحتضنتها، وكأنها مثل الغريق الذي وجد قشة صغيرة أمامه. نظرت لها براء بصدمة، وفي لحظة تذكرت كل أيامهم في الملجأ سوياً، ضحكاتهم ودموعهم. ولكن ما الذي حدث لها حتى تصل إلى تلك الحالة؟ أردفت براء: -إيه اللي جابك هنا؟ ومين اللي على إيدك ده؟ وشكلك مبهدل كده ليه؟ تكونت بعض الدموع في عيون حنين لتقول بقهرة:
-الدنيا هي اللي وصلتني لهنا.. ده ابني. -ابنك! يعني متجوزة؟ إيه اللي مقعدك هنا في عز البرد ده؟ تنهدت حنين بتعب لتقول: -مش وقت كلام.. قومي معايا يلا. نظرت لها حنين بتساؤل: -هنروح فين؟ -بيتي.. أكيد مش هسيبك في الشارع كده.. قومي يلا ولما تهدي تفهميني كل حاجة. ابتسمت حنين وجاءت لتنهض من مكانها، ولكنها تأوهت بألم. شهقت براء بفزع وقالت: -في إيه مالك؟ -لا متقلقيش.. أنا بس من كتر السقعة عضمي بيوجعني لما أجي أتحرك كده.
نظرت لها براء بحزن، ثم ساعدتها وحملت ابنها عنها، ورجعت بها إلى البيت. قلقت فاطمة على براء وأحست أنها قد تأخرت قليلاً. أخذت هاتفها حتى تتصل بها، ولكن في تلك اللحظة وصلت براء إلى البيت ورنت جرس المنزل، فذهبت فاطمة بسرعة حتى تفتح لها. أردفت: -اتأخرتي ليه يا بنتي قلقتيني عل.. وتوقفت فجأة عندما وجدت براء بصحبة فتاة أخرى. ابتسمت بتحفز وقالت: -معلش يا بنتي ماخدتش بالي.. اتفضلوا.
دخلت حنين برهبة إلى المنزل ومعها براء، وأخيراً جلسوا سوياً. وفي تلك الفترة نام ابن حنين بين أحضانها. ذهبت براء إلى المطبخ حتى تخبر فاطمة أن تعد لهم بعض الطعام، ولكنها قبل أن تخرج من المطبخ أمسكتها وقالت: -مين دي يا براء؟ أنتِ دخلتي و مفهمتنيش حاجة. -دي واحدة من اخواتي في الدار يا ماما.. مش عارفة أيه اللي وصلها لهنا بس حالتها متبهدلة أوي مكنتش أقدر اخليها في الشارع أكيد. -أنتِ واثقة فيها يعني؟
-أيوه متقلقيش.. أنا بس بستأذنك أنها تبات هنا النهاردة لحد ما أعرف إيه حكايتها. -أكيد يا بنتي.. مادام واثقة فيها خلاص، غير كده الوقت اتأخر يادوب ترتاحوا. ابتسمت براء وخرجت إلى حنين لتجدها تنظر إلى البيت بتساؤل، فجلست أمامها وقالت: -أنا مش مصدقة أنك قاعدة قدامي دلوقتي! أنا عايزه أعرف كل حاجة، إيه اللي حصل فيكي و إيه اللي وصلك لهنا؟ تنهدت حنين بضيق وقالت:
-بعد ما مشيتي من الملجأ وأنا الدنيا بهدلتني يا براء.. بعد ما مشيتي فضلت اعيط أربع أيام، مكنتش مستوعبة إني ممكن مشوفكيش تاني خلاص وكنت قلقانة عليكِ وعمالة أفكر إيه اللي حصل فيكي. -أنا كنت عارفة أننا هنتقابل لاني واثقة في ربنا.. بس مكنتش أتمنى اني اقابلك و أنتِ بالحالة دي.. أنتِ اتجوزتي أمتى و فين جوزك و أزاي سايبك تفضلي في الشارع كده!
ترقرقت الدموع في عيون حنين وانفجرت في البكاء، وكأنها كانت تنتظر تلك الجملة حتى تبكي. زاد قلق براء عليها وتساءلت ماذا حدث لها حتى تصل إلى تلك الحالة. وبعد لحظات هدأت قليلاً وبدأت في الكلام. أردفت:
-بعد ما مشيتي بـ 3 سنين، كنت كملت الـ 18 سنة ولازم أخرج من الملجأ. في الوقت ده في راجل كان بيجي يزور الملجأ كتير و كان مرتاح مادياً.. وقبل ما أخرج بيوم، قالولي اني عاجبه الراجل ده وأنه عايز يتجوزني على سنة الله ورسوله.. طبعاً أنا فرحت جداً، خصوصاً أنه كان مش كبير أوي في السن و مكنش متجوز.. كانت فرصة كويسة ليا بما إني مش عارفة هقابل إيه، وافقت علطول و أنا كنت عارفاه كشكل قبل كده فقولت مش مشكلة هتعود عليه.
أول شهرين عدت كل حاجة على خير، لحد ما بدأت أكتشف فيه حاجات كتير وحشة، بس قولت مش مشكلة و عديت كل حاجة عشان مكنتش عايزة بيتي يتخرب، خصوصاً اني مليش حد غيره.. أنا كان نفسي أخلف جداً بس كل شهر مكنتش بطلع حامل.. تعبت ونفسيتي تعبت، واستغربت أن معاملته اتحسنت معايا شوية بس قولت مش مشكلة.. وانصدمت لما عرفت بالصدفة أنه كان بيحطلي برشام منع الحمل في الأكل عشان مش عايز يخلف مني.. بيقولي أنا مش عارفلك نسب أصلاً.. قولتله طب ليه اتجوزتني مادام ما أنت بتستعر مني كده.
نظرت لها براء بتأثر وقالت: -وقالك إيه؟! صمتت حنين بخجل وحزنت على قدرها. قالت بحزن: -اتجوزني عشان كان عايز يبيعني بعدها. شهقت براء بصدمة وقالت: -إيه! يعني إيه؟ وضحي. -كان ناوي بعد ما يتجوزني بسنة ولا اتنين أنه يسافر بيا لأي دولة عربية و بعدين يبيعني.. و طبعاً أنا مليش أهل محدش هيسأل عليا. -ينهار أبيض! ده بني آدم حقير! صمتت حنين بقهرة. فقالت براء: -وهربتي منه أزاي و خلفتي ابنك ده منين؟
-بعد سنتين طلعت حامل و خبيت عنه الموضوع.. لحد ما حجم بطني فضحني.. ضربني كتير وقتها والحمدلله أن ابني محصلهوش حاجة.. وبسبب حملي كل اللي كان في دماغه اتدمر.. ولما مبقتش مفيدة بالنسباله رماني في الشارع بمجرد ما ولدت.. ورجعت أنا وابني وفي الشارع تاني. -ووصلتي إسكندرية أزاي؟
-كان في واحدة بنت حلال بتشغلني معاها ببيع مناديل أو أي حاجة.. في يوم قالتلي أنها نازلة إسكندرية، بيقولوا الشغل هنا كويس، قالتلي تعالي معايا جيت.. هي كده كده مش فارقة.. بس بعد ما جيت معاها ملقتش مكان أفضل فيه.. ملقتش غير الرصيف اللي قدامي.. أنا اتبهدلت أوي يا براء.. من يوم ما مشيتي أنا مشوفتش يوم حلو.. الحمد لله على كل شيء. نظرت لها براء بدموع وقالت:
-كل ده موجود في قلبك يا حنين.. وأنا اللي كنت فاكرة أن الدنيا جت عليا. ابتسمت حنين بحزن. نهضت براء من مكانها بدون أي مقدمات واحتضنتها وقالت: -متخافيش من حاجة أختك هنا.. أنا مش هسيبك ترجعي للبهدلة دي تاني خلاص.. والأيام الحلوة هترجع تاني، أنا مش هسيبك يا حنين.. أنا عيلتك كلها، مش عايزة أخاف و محدش هيقدر يجي عليكِ تاني. بكت حنين كالأطفال، لم تكن حنين ذات الاثنين وعشرين سنة، بل تلك الفتاة التي بعمر الخامسة عشر. وبعد
لحظات ابتعدت عنها وقالت: -بس أنتِ اختفيتي فين بمجرد ما خرجتي يا براء؟ ناس كتير كانت بتيجي تسأل عليكِ كل يوم.. كنتِ محبوبة من الكل. -ناس زي مين؟! صمتت حنين للحظات ثم ابتسمت وقالت: -زي يامن.. تغيرت ملامح براء وقالت: -مش عايزة الموضوع ده يتفتح يا حنين.. الشخص ده كان صفحة في حياتي واتقفلت خلاص. -ليه يا براء؟ -خلاص بقى يا حنين.. غيري الموضوع.
-عموماً أنا من ساعة ما مشيت من الملجأ وأنا معرفش إيه اللي بيحصل هناك.. بس أنتِ لازم تحكيلي إيه اللي حصلك في السنين دي. وفي تلك اللحظة دلفت فاطمة وبيدها الطعام، وضعته أمامهم ونهضت براء حتى تساعدها وقالت: -تسلم ايدك يا ماما.. روحي ارتاحي دلوقتي أنتِ تعبتي النهاردة. -ماشي يا حبيبتي.. بس لو احتاجتوا حاجة أنا صاحية. ثم نظرت إلى حنين وقالت: -حبيبتي البيت بيتك ها مش عايزة تتكسفي مننا. -ربنا يباركلك شكراً.
ابتسمت فاطمة وذهبت إلى غرفتها. نهضت براء من مكانها وكانت ستذهب إلى إحدى الغرف لترتبها حتى تنام بها حنين، ولكنها أمسكتها من يدها لتوقفها. أردفت: -استني.. أنتِ رايحة فين؟ أنتِ مقولتليش إيه اللي حصلك بعد ما مشيتي من الدار. ابتسمت براء وقالت: -معقول هنخلص كل الكلام النهاردة ولا إيه.. أنا عايزاكي تنامي وترتاحي وبكرة نتكلم.. يلا.
نهضت حنين ومعها براء واتجهت إلى إحدى الغرف حتى تقيم فيها. نظرت حنين حولها برهبة ثم جلست على السرير بتوتر. فقالت لها براء: -أنا في الأوضة اللي جنبك لو احتاجتي أي حاجة تعاليلي. -أنا مش مصدقة اللي بيحصل معايا.. من كام ساعة بس مكنتش عارفة هعمل إيه وهفضل أبَات في الشارع لحد امتى.. لو حد جالي قبل كام ساعة وقالي اني النهاردة هنام في بيت وأنا مش سقعانة مكنتش هصدق.. أنتِ ظهرتي منين يا براء! ابتسمت براء وجلست بجانبها ثم قالت:
-محدش عارف تدبير ربنا هيوصلنا لفين.. ربنا ليه حكمته في كل حاجة بتحصل معانا.. أنا عايزاكي تهدي وتنامي دلوقتي عشان ابنك محتاجك.. يلا تصبحي على خير. ثم خرجت من الغرفة وتركت حنين بمفردها. ترقرقت الدموع في عيون حنين وتركت ابنها على السرير وسجدت على الأرض وظلت تبكي بانهيار، وكأنها كانت تنتظر تلك الفرصة حتى تخرج كل ما بقلبها. سمعتها براء وهي تبكي ولكنها تركتها. لم تكن الدنيا راحمة حتى مع هذا الملاك الصغير.
في اليوم التالي، استيقظت براء باكراً بنشاط على غير عادتها كل يوم وذهبت إلى حنين بسرعة ومعها بعض الملابس من خزانتها لتجدها تطعم ابنها. وعندما رأتها كانت سوف تنهض من مكانها ولكن براء منعتها وجلست بجانبها. أردفت: -لا ارتاحي.. أنا جيت اطمن عليكِ بس.. اتفضلي. ثم مدت يدها بالملابس لتمسكها حنين بتساؤل: -إيه دول؟ -قومي خدي دش وغيري هدومك كده عشان هنخرج. جرى الخوف في أوصال حنين لتقول: -هتمشوني!
أنا عملت حاجة طيب والله ما قربت من حاجة طول الليل. نظرت لها براء بصدمة وقالت: -إيه اللي أنتِ بتقوليه ده! لا طبعاً. أحست براء بمدى رهبة حنين فجلست بجانبها وقالت: -حنين حبيبتي.. أنا عارفة أنك شوفتي كتير بس خلاص والله.. أنا من النهاردة معاكي وكل حاجة هتبقى كويسة.. وعد مني اعيشك أحلى سنين عمرك، مفيش زعل ولا عياط ولا قهر تاني.. هفضل معاكي لحد ما تبني نفسك واحدة واحدة.. بس بلاش تخافي أرجوكي، احساسك ده بيقتلني.
ابتسمت حنين بدموع وقالت: -أنا آسفة يا براء بس غصب عني.. شوفي كل كلامك ده و برضه خايفة، أنا مبقتش بعرف أحس بالأمان. -أنا هعلمك يا ستي.. أنا كمان كنت زيك، كنت فاكرة أن كلها فترة وماما فاطمة وبابا جمال يتخلوا عني.. بس اديني معاهم بقالي سبع سنين أهون. نظرت لها حنين بتساؤل. فقالت براء: -عارفة انك مستغربة مين دول؟ دي حكاية طويلة أوي نبقى نحكيها في الطريق، قومي يلا عشان اعرفك على بابا جمال، أنتِ مشوفتيهوش امبارح.
ابتسمت حنين ونهضت من مكانها وحضنت براء، قالت: -شكراً أوي يا براء.. أنتِ اللي ليا في الدنيا، أرجوكي اوعي تتخلي عني أنتِ كمان. -خليكي واثقة فيا. تنهدت حنين براحة ثم ذهبت لتبدل ملابسها المتسخة من الشارع. عند يامن..
في الصباح الباكر، استيقظ يامن بقلق وسرح في أفكاره. كان بُعد كريم عنه يزيد لحظة عن لحظة وكأنه ليس صديق عمره. ظل هذا الإحساس بداخله حتى هذا اليوم وقرر أن يواجه صديقه بما يشعر به، فليس من عادته أن يخبئ عنه شيئاً لفترة طويلة. جهز نفسه واتصل به ليرد عليه كريم: -الو. -عايز أشوفك ضروري. -وأنا كمان.. كنت لسه هكلمك. -كويس. -نتقابل في المكان بتاعنا اللي على الكورنيش.. كمان ساعة. -اشمعنا كمان ساعة؟
-هروح أطمن على ملك قبل ما أجلك عشان كنت عند ياسر. صمت يامن للحظات وزاد تساؤله عن سبب قرب كريم من ياسر تلك الفترة. أردف: -تمام يا كريم.. هستناك.
ابتسم كريم ثم خرج من المكان واتجه إلى بيته ليجد والدته مع ابنته تلاعبها. ذهب إليهم وحمل هو ابنته واتجه بها إلى غرفتها وظل يلعب معها لوقت طويل حتى أحست هي ببعض النعاس، فحملها بين يديه ووضعها في سريرها وقبلها من جبينها. ابتسمت الفتاة الصغيرة ببراءة ثم غطت في نوم عميق. خرج كريم من غرفتها ومن البيت بأكمله واتجه إلى المكان الذي سوف يقابل فيه يامن. وبعد ساعات وصل إليه ليجده جالس بهدوء. جلس بجانبه وساد
الصمت للحظات حتى قال كريم: -عارف أنك زعلان مني. -كويس أنك حاسس أنك قصرت في حقي. -أنا عارف.. بس غصب عني يا يامن. التفت له يامن بعصبية وقال: -غصب عنك إزاي يا كريم! أنت فجأة بعدت عني ولا بقيت تتكلم معايا حتى، كل كلامك بقى مع ياسر.. أنت مش شايف أن ده غريب شوية. -إحنا بينا شغل عشان كده كلامنا الفترة دي زاد. -ميخصنيش السبب يا كريم، أنا ليا بيك أنت.. أنت اتغيرت فجأة، أنا عملتلك حاجة طب؟ -لا أكيد.
-طب ليه بتعمل كده.. أنا مبقتش فاهم حاجة، وشغل إيه اللي مع ياسر وأنا معرفهوش؟ -تبع الشركة. -الشركة اللي هي أصلاً بتاعتنا! كريم هو أنت مخبي عني حاجة؟ -هخبي عليك إيه يا يامن. -طب أومال فيه إيه.. حاسس إنك عارف حاجة ومش عايز تقولي. -الموضوع مش كده.. أنا آسف حقك عليا بس بجد أنا مكنش قصدي تزعل مني، ولو أنت مش غالي عليا مكنتش جيت لحد هنا.. خلاص بقى. صمت يامن للحظات فقال كريم بمزاج:
-طيب تعالى نروح نتغدى في المطعم اللي أنت بتحبه. -مليش نفس. -قوم بقى متبقاش رخم.. أنا اللي عازمك متقلقش. -لا والله.. متشكر يا سيد. نظر له كريم للحظات فابتسم يامن رغماً عنه وصافح صديق عمره ونهض الاثنان من مكانهما بعد أن تم صلحهما. استقلا السيارة وانطلق بها كريم نحو أحد المطاعم. وفي تلك الأثناء صدع هاتف كريم رنيناً وكان في جيبه، فحاول أن يخرجه من جيبه ويرد عليه فقال يامن: -حاسب يا كريم مش وقت مكالمات دلوقتي.
-ممكن تكون مكالمة مهمة استنى. وأبعد نظره عن الطريق لحظة حتى يخرج هاتفه. وفجأة ظهرت شاحنة كبيرة في الطريق وأحدثت ضجة عالية فصرخ يامن: -حاااسب!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!