وفجأة وبين كل هذا الهدوء صدع صوت صرخات عالية من البناية المجاورة لها. نهضت من مكانها بفزع واستعدت حتى تهرب من المكان، ولكن أوقفتها تلك الصرخات الباكية. لم تمر ثوانٍ حتى وجدت رجلاً كبيراً في السن يهرول بتعب خارج البيت ويصرخ بأعلى صوته لطلب المساعدة، حتى سقط على الأرض بقوة. فركضت نحوه سريعاً. أردفت: خير يا حاج، في إيه؟
نظر لها الرجل باستغاثة وقد أسكتته دموعه فلم يقدر على الكلام. نظرت براء إلى البيت لتجده مشتعلاً ناراً، فشُهقت بفزع. بدأ الرجل في السعال بشدة وقال بصعوبة: مراتي محبوسة جوه.. أرجوكي الحقيها، خلي أي حد يلحقها، أنا مش بقدر أتنفس.
نظرت له براء بعيون متسعة وبدون أي تفكير ركضت إلى البيت سريعاً ودلفت إليه لتجد النيران مشتعلة به، ولكنها لم تكن منتشرة في البيت بأكمله، فحمدت ربها وتحركت بسرعة وتتبعت صوت صرخات زوجته حتى وصلت إلى غرفتها لتجدها مكومة في إحدى الأركان بخوف وصرخاتها لا تتوقف. ذهبت إليها سريعاً وحاولت أن تطمئنها وشجعتها حتى تنهض معها. قالت: أنا معاكي، متخافيش، قومي معايا، لازم نخرج من هنا.
ظلت صرخاتها متواصلة حتى بدأت تنتبه إلى كلمات براء، فهدأت قليلاً ونجحت براء في انتشالها من تلك النيران وخرجت من البيت. في تلك الأثناء كان جميع من في البناية قد انتبه إلى صرخاتها، وقد أتت المطافئ وأنقذت ما يمكن إنقاذه من المنزل. جلست براء مع السيدة وزوجها في إحدى الأركان أمام البيت. كانت السيدة مستقرة في أحضان زوجها القلق عليها، حتى ابتعدت عنه قليلاً ونظرت للجالسة بجانبها.
أردفت: أنا مش عارفة أقولك إيه.. ربنا بعتك لينا منين في الوقت ده، لولاكي مش عارفة كان جرالي إيه. نظر لها جمال وقال: أنا آسف إني خليتك تعرضي حياتك للخطر كده.. لو كنت فضلت جوه، لا كنت هقدر ألحق فاطمة ولا ألحق نفسي. نظرت له براء بحزن وقالت: مش فارقة كتير. طالعتها فاطمة بتساؤل وقالت: إنتِ معانا هنا في العمارة؟ لا.. أنا كنت جنب العمارة ولما سمعت صوت الصريخ جيت أشوف في إيه.. والحمد لله إني جيت في الوقت المناسب.
بس إيه اللي ممشيكي في الشوارع بليل لوحدك كده يا بنتي؟ غلط عليكي.. هما فين أهلك؟ نظرت لها براء بعيون دامعة ثم قالت: أنا لازم أمشي دلوقتي.. حمد الله على سلامتك. ونهضت من مكانها وجاءت لتمشي، ولكن فاطمة أمسكت يدها لتوقفها. نظرت براء إليها بتساؤل لتقول فاطمة: إنتِ إيه حكايتك؟
وكانت براء تنتظر تلك الجملة لتنفجر في البكاء، وقد ارتمت في أحضان فاطمة. صُدمت هي من رد فعلها، ولكنها قد نست كل شيء ومسحت على شعرها وتركتها حتى تنهي بكائها. وبعد لحظات هدأت قليلاً وابعدت عنها فقالت: أحسن دلوقتي. نظرت لها براء بعيون دامعة وقالت: أيوه. مش هتجاوبي عليا برضو؟ إيه اللي ممشيكي في الوقت ده لوحدك وإيه الشنطة اللي معاكي دي؟ أنا بسألك من قلقي عليكي يا بنتي. نظرت لها براء للحظات
ثم تنهدت بتعب وقالت: أنا هحكيلك كل حاجة. ثم قصت عليها كل ما مرت به منذ أن جاءت لتلك الدنيا، وكانت فاطمة وزوجها جمال متأثرين جداً بقصتها. وعندما انتهت كانت الدموع قد عرفت طريقها إلى عيون فاطمة فقالت: معقول كل ده مر عليكي؟ عيونك مليانة بحكايات لو اتقالت هتبكي الدنيا كلها. الحمد لله.. أنا راضية بأي حاجة بتحصلي وعارفة إن ربنا بيحبني عشان كده بيبتليني.. وعارفة إنه هيعوضني خير بعد كل ده.
نظرت لها فاطمة وابتسمت بحنان ثم نظرت إلى جمال ليفهم هو نظراتها، ثم ابتسم وقال لبراء: يرضيكي نفضل قاعدين في الشارع كده؟ كان نفسنا نستقبلك في ظروف أحسن من كده بس نعمل إيه بقى.. يلا يا بنتي معانا، أكيد مش هنسيبك تفضلي في الشارع كده لوحدك. نظرت لهم براء بتعجب وقالت: معقول هتخلوا بنت متعرفوهاش عندكم! حتى لو ساعدتكم مينفعش أحسبوا طلعت مش كويسة!
ابتسمت فاطمة بهدوء وقالت: مش عارفة يا بنتي.. بس أنا قلبي مرتاحلك وحاسة إنك مش هتأذينا.. مش كل الناس وحشة وقاسية كده، ما يمكن ربنا وقعنا في طريقك عشان نساعدك. نظرت لها براء ودققت في ملامحها ليرتاح قلبها وشعرت بالأمان ولأول مرة منذ عدة أيام. طالعت جمال أيضاً ليبتسم هو لها بطيبة. صمتت براء للحظات حتى قالت فاطمة: أنا عارفة إنك خايفة.. أقولك حاجة؟
وأنا كمان خايفة رأيي فيكي يبقى غلط.. بس قلبي عمره ما كان غلط وقلبي بيقولي إنك كويسة.. غير كده أنا مش هسمح إنك تفضلي في الشارع كده لوحدك بعد اللي قولتي ده.. من النهاردة مفيش قساوة من الدنيا تاني. نظرت لها براء وقد ترقرق الدموع في عيونها وقالت: وأنا من كتر القساوة قلبي اتكسر مليون حتة. ابتسمت فاطمة بحزن ثم أخذتها بين أحضانها وربّتت على كتفها.
نظر لهم جمال وقال: الوقت اتأخر يا فاطمة.. يلا نروح شقة أهلك نفضل فيها لحد ما نجدد اللي اتحرق في الشقة اللي فوق.. والمفتاح جبته اهو، الحمد لله إني عرفت أوصله. يلا.. هي كده كده مش بعيدة.
ثم نهض الثلاثة واتجهوا إلى شقة أهل فاطمة والذي تبعد عن شقتهم بشارعين فقط، وهي ما تبقي لفاطمة من ميراث أهلها. وأخذها الحديث مع براء وقالت لها أنهم يمتلكون محل صغير للخياطة. وقد فرحت براء بشدة وقالت لها أنها تجيد الخياطة والتطريز وأنها كانت تصمم الملابس لأخواتها بالدار. وظل الاثنان هكذا حتى وصلوا إلى البيت، فقال جمال بمزاح: هي لحقت تاخدك مني ولا إيه؟ لا كده هضايق. ضحكت براء بخفة وكذلك
فاطمة ثم قالت محدثة براء: إيه رأيك في الكلام ده؟ ابتسمت براء وقالت: عمري ما أعمل كده، ده حضرتك الخير والبركة. ضحك جمال ثم قال: إيه حضرتك دي.. من النهاردة تقوليلي بابا جمال. وأكملت فاطمة كلامه وقالت: وأنا ماما فاطمة. نظرت لهم براء بابتسامة واسعة وقالت: حاضر. نعود إلى الحاضر.. ترقرق الدموع في عيون براء عند تذكرت تلك الأيام وابتسمت ابتسامة هادئة صاحبتها تنهيدة. وفي تلك اللحظة
صدع جرس المنزل فقالت براء: أكيد ده بابا جمال. ذهبت بحماس إلى الباب وفتحته لتجده جمال بالفعل الذي قد أتى ومعه الفطور. صباح الخير يا ست البنات، صاحية بدري ليه كده؟ ضحكت براء وقالت: هقولك أنت كمان.. أنت نسيت إني عندي طلبية كبيرة لازم تخلص كمان أسبوع؟ يادوب أروح الأتيليه عشان ألحق أخلص اللي ورايا.
والله يا بنتي من غيرك كان زمان المحل ده اتقفل من زمان.. شطارتك كبرته لحد ما بقى أتيليه كبير وبقى ليكي اسم معروف في السوق كمان.. جيتي أنتِ وحلّيتي كل مشاكلنا ونورتي حياتنا. ابتسمت براء بحب وقالت: أنا معملتش حاجة، ده واجب عليا.. مش أنتوا عيلتي برضو. ابتسم جمال وقال: الله ينور عليكي يا بنتي.. يلا بقى عشان ناكل، أنتوا مش جعانين؟ أنت جبت فطار.. دي ماما فاطمة بتجهز الفطار. لا خليها تيجي بلاش تتعب نفسها.. يلا.
ضحكت براء وجاءت فاطمة ثم جلسوا جميعاً حتى يتناولوا فطورهم. *** يعني إيه؟ هعرفك كل حاجة في وقتها.. بس ممكن بكرة تعدي عليا في البيت.. ملك عايزة تشوفك يا ستي. تنهد يامن بضيق وقال: مش عارف، عندي شغل في الشركة مش هقدر أسيبه، وأنت عارف إن أمي بتسأل كتير وأنا مش عايز أي أسئلة منها. لسه علاقتك متوترة معاها برضو؟
أيوه.. للأسف هي أمي عشان كده لازم أعاملها بطريقة كويسة وده اللي بيحصل.. بس متطلبش مني أكتر من كده، بسببها أنا بعاني بقالي سبع سنين.. بسبب معتقدات المجتمع الغلط أنا خسرت أكتر حاجة حقيقية في حياتي. نظر له كريم بحزن وظل يستمع إلى صديقه حتى قال يامن بانفعال: كان ذنبها إيه هي عشان تتعاقب على حاجة ملهاش دخل بيها.. كان ذنبها إيه أنها تترفض وتتعامل بالقسوة دي؟
هي متستاهلش كده.. حتى أنا كسرتها وخذلتها حتى لو كان غصب عني.. إحساس إني حتى مش عارفة هي كويسة ولا لا دلوقتي.. عايشة ولا.. توقف عند تلك الكلمة ليزفر بضيق مرة أخرى، وقد أحس كريم بمدى الألم الذي يشعر به صديقه ففضل الصمت. وبعد لحظات قال يامن: هحاول أجي بكرة حاضر.. أنا مقدرش أرفض طلب لملك. ابتسم كريم وقال: ربنا يريح بالك يا صاحبي. وبعد لحظات صدع هاتف كريم رنيناً برقم زوجته نسمة فنهض من مكانه
ورد عليها لتقول بسرعة: ها، قلتله؟ قالك إيه؟ وافق يجي؟ أهدي إيه كل ده! رد عليا بس. ابتسم كريم وقال: أيوة يا ستي جاي بكرة بإذن الله. ابتسمت نسمة وقالت: كويس أوي.. وأنا هكلمها عشان تيجي بكرة برضو.. وبكده يتقابلوا.. يارب بس تُلفت نظره، عايزة أفرح بيهم. هتلفت نظره متقلقيش. وأنت متأكد كده ليه؟ أنتِ قولتيلي اسمها إيه صاحبتك دي؟ اسمها براء. ابتسم كريم وقال: بس يبقى هتلفت نظره. يارب.
أنهى كريم معها المكالمة وعاد إلى يامن لينهض الآخر من مكانه، ودع صديقه ورجع إلى بيته ليجد والدته كعادتها تقرأ إحدى المجلات الخاصة بالأزياء والموضة. وقبل أن يتجه إلى غرفته انتبهت له وقالت: اتأخرت ليه؟ مش قولتلك أرجع بدري. كان عندي مشوار مهم. مشوار إيه؟ مشوار يخصني يا ماما.. أنا مش صغير عشان تعرفي كل تحركاتي كده، أنا عندي ٢٧ سنة! طب كويس إنك عارف إنك مش صغير.. مش ناوي تتجوز بقى؟
أعتقد أنتِ عارفة رأيي في الموضوع ده من زمان. ما تكبر بقى.. مكنش حب مراهقة وراح لحاله. لا مكنش حب مراهقة! وبعد إذنك مش عايز أتكلم عن الموضوع ده تاني.. وياريت تشيلي فكرة الجواز من دماغك. قال تلك الجملة ثم تركها تستشيط غضباً وذهب إلى غرفته ليغرق في دوامة الندم مرة أخرى. في اليوم التالي..
استيقظت براء من نومها وارتدت ملابسها وحجابها وخرجت من الغرفة ثم ودعت فاطمة وجمال وذهبت إلى الأتيليه الخاص بها وبدأت براء عملها سريعاً حتى تنهي الطلبية قبل الموعد المحدد. وفي تلك الأثناء دلف إليها صاحب المحل المجاور لها، وهو رجل في العقد الثالث من عمره، ملامحه هادئة ووسيم نوعاً ما، يمتلك ابتسامة جميلة تخطف كل القلوب.. إلا قلب براء الذي قد سُلب منها قبل سنين. نظر لها خالد وقال: صباح الخير. التفتت له
براء وابتسمت بهدوء وقالت: صباح النور يا خالد.. أخبارك إيه النهاردة؟ بقيت بخير لما شفتك. نظرت له براء بتوتر نوعاً ما بسبب كلماته تلك وقالت: خير.. كنت عايز حاجة؟ فرك خالد شعره بتوتر وقال: لا، أنا جيت عشان أطمن عليكي بس.. هو لازم أكون عايز حاجة يعني؟ فيك الخير. شكلك مشغولة مش كده؟ أيوه بصراحة. طيب هستأذن أنا.. لو احتاجتي حاجة أنا موجود جمبك تمام. ابتسمت براء بتحفز وقالت: ربنا يخليك، شكرًا.
نظر لها خالد بابتسامة وألتفت ليخرج من المكان. وفي تلك اللحظة دلف أحد الرجال إلى الأتيليه ليقف خالد مكانه وينظر له بتساؤل. تخطاه هذا الرجل وذهب ليقف أمام براء وقال: خلصتي الطلبية ولا لسه؟ نعم؟! لسه فاضل أسبوع.. أكيد لسه. الطلبية دي الشركة طلبتها من فترة.. مكنتش أعرف إنك مش قد كلمتك كده يا أستاذة. اتجاهت إليه براء ونظرت له بثبات وقالت: ياريت تتكلم معايا بنبرة أحسن من كده.. وعموماً أنا كلامي مش معاك، أنا كلامي مع رئيسك.
رئيسي هو اللي باعتني عشان أقولك الكلام ده.. وبيقولك إنه مش عايز يكمل الصفقة دي ومكتفي بتصاميمك اللي اتعملت خلاص.. ودي تم الحساب عليها في أول الصفقة. نظرت له براء بدهشة وقالت: ده إزاي يعني؟ هو لعب عيال! أنتوا التزمتوا معايا بكلام مينفعش تغيروه. ده شيء يرجع لرئيس الفرع.. أنا جيت أوصل الكلام مش أكتر.
وأنا لو كنت من الأول أعرف إني بتعامل مع شركة مش قد كلامها كده، مش كملت معاكم.. وبالنسبة للتصاميم أنا مش هقدمها.. ونص المبلغ اللي كان مدفوع هيكون عندكم خلال أيام.. اتفضل من هنا. أنا عندي أوامر إني أرجع بالتصاميم. واقترب منها قليلاً ليقف خالد أمامه وقال بنبرة حادة: أعتقد أنت سمعت كلامها.. اتفضل أمشي من غير شوشرة. نظر له هذا الرجل للحظات ثم خرج من المكان. وهبطت براء على كرسي مكتبها بتعب.
صمت خالد للحظات حتى قال: هتعملي إيه دلوقتي؟ مش عارفة.. بس أنا لازم أروح الشركة وأشوف رئيس الفرع. طيب وقت ما هتكوني رايحة قوليلي أروح معاكي. نظرت له براء بتساؤل وقالت: شكراً يا خالد.. بس أنا شايفة إنه ملهوش لازوم. لا إزاي يعني.. لازم يعرفوا إنك مش لوحدك وإن وراكي رجالة. ربنا يخليك.. بس بجد ملهوش لازوم. براء أنا مش باخد رأيك.. بعد إذنك أبقي قوليلي وأنتِ رايحة. تنهدت براء بضيق وقالت: حاضر يا خالد.. وشكراً. نظر لها
خالد بعيون تشع بالحب وقال: العفو على إيه بس.. دي أقل حاجة أقدر أقدمهالك. ابتسمت براء بتحفز وخرج هو من المكان وتنهدت هي بضيق. مرت ساعات طويلة حتى أنهت عملها وخرجت من المكان وأغلقت جيداً ثم تحركت حتى تذهب إلى بيتها. كانت شاردة نوعاً ما، ولكنها انتبهت حين شعرت أن شخصاً ما يتبعها! *********************
وصل يامن أسفل عمارة كريم وترجل من سيارته واتجه إلى البيت. رن جرس المنزل وما أن فتح له صديقه الباب حتى ركضت ملك لترتمي بين أحضان يامن وكانت بعمر الثلاث سنوات. حملها يامن بين يديه بابتسامة عريضة وقال: حبيبة عمو يامن.. وحشتيني أوي. ابتسمت ملك بفرحة وظل الاثنان معاً يلعبون سوياً بوجود كريم حتى اتجهت إليهم نسمة بابتسامة جميلة وقالت ليامن: ده البيت نور والله. ده بنورك طبعاً.. أخبارك إيه؟ أنا الحمد لله.. أنت عاش من شافك.
الدنيا بتلهي بقى. ماشي يا سيد. وفي تلك اللحظة صدع جرس المنزل لينظر يامن إلى كريم بدهشة وأردف: أنت مستني حد ولا إيه؟ قالت نسمة: متشغليش بالك.. دي واحدة صاحبتي جاية تزورني.. معلش بقى أصلها مسافرة بكرة ومكنش ينفع تسافر غير لما تشوفني. براحتك أكيد ده بيتك. ربنا يخليك.
ابتسمت نسمة بحماس ثم ذهبت لتفتح الباب لصديقتها، وبعد ثوانٍ فتحت لها الباب لتطل منه فتاة عشرينية لا تمتلك شيئاً من اسمها على الإطلاق، فكان منظرها جرئ نوعاً ما مع هذا المكياج الذي يعطيها سن أكبر قليلاً من سنها. احتضنت نسمة صديقتها وقالت: نورتي يا براء. لا براء إيه.. انتِ عارفة إني مش بحب الاسم ده.. قوليلي بيري زي ما متعودة. حدثتها نسمة بصوت خفيض وقالت: من النهاردة لازم تحبيه.. يامن بيحب اسم براء.. وإيه لبسك ده؟
أنا مش قولتك النهاردة بالذات البسي كويس. ما هو كويس أهو. أعمل إيه فيكي.. مفيش فايدة. خلاص بقى.. مش وقت الكلام ده. تنهدت نسمة بضيق ثم دخل الاثنان واتجهوا إلى يامن وكريم الجالسين. نظر يامن للفتاة الواقفة أمامه بتساؤل وهي تطالعه بابتسامة ساحرة. أعاد يامن نظره إلى ملك فابتسمت نسمة وقالت: دي صاحبتي.. اسمها براء.
نظر يامن أمامه فجأة وكان وقوع الاسم على أذنه كافياً حتى يستعيد كل ذكرياتهم التي حاول أن يدفنها في رأسه. اتجهت إليه براء أو بيري كما تحب أن ينادوها الناس ومدت يدها إليه. نظر يامن إلى كريم بحدة ليبعد كريم نظره عنه، وبدون أي مقدمات نهض يامن من مكانه وقال: أنا لازم أمشي حالاً. نظرت له نسمة وقالت: تمشي إزاي بس.. ده أنت لسه واصل. معلش مرة تانية.. عن إذنكم.
ونهض من مكانه وخرج من البيت سريعاً وقد لحق به كريم، واستطاع الوصول إليه قبل أن ينطلق بسيارته. ترجل يامن السيارة بعصبية كبيرة ليقول كريم: مشيت ليه؟ بتسألني مشيت ليه؟ أنت ليه بتتعامل معايا على إني عيل صغير.. أنت فاكر إني مش فاهم كل اللي أنت بتعمله ده!
أنا كنت عارف إن النهاردة مش أنا لوحدي اللي معزوم.. بس مكنتش متخيل إنها هتوصل بيك لكده.. للدرجة دي استهزأت بمشاعري واللي بحس بيه.. فاكر إني ممكن أنجذب للبنت دي بس لمجرد إن اسمها براء.. أنت إزاي كده بجد!! نظر له كريم بحزن وقال: والله ما كان قصدي كل ده.. أنا بس كنت عايز أساعدك.. أنا مش هاين عليا اللي بتعمله في نفسك ده! أنا حر!!
كله بيفكر بطريقة أنانية ومحدش بيفكر أنا عايز إيه.. أرجع لمراتك يا كريم ويا ريت تحترم رأيي بقى. قال تلك الجملة ثم استقل سيارته وأنطلق بها إلى شقته الذي اشتراها بعيداً عن بيت والدته، وكان يلجأ لها حين تخنقه ذكرياته. تنهد كريم بضيق ثم عاد إلى بيته. ****************************** كانت شاردة نوعاً ما ولكنها انتبهت حين شعرت أن شخصاً ما يتبعها!
نظرت خلفها سريعاً فلم تجد أحد. استدارت مرة أخرى وسرعت من خطواتها قليلاً حتى شعرت بمن يضع يده على كتفها لتلتفت بخوف: أهدي.. ده أنا.. متخافيش. نظرت براء للواقف أمامها بفزع: بابا جمال.. وقفت قلبي ليه كده. ضحك جمال بخفة وقال: حقك عليا معلش.. أنا بس لقيت الوقت اتأخر شوية محبتش إنك تروحي لوحدك دلوقتي.. وبصراحة في موضوع كده عايز أكلمك فيه ومش عايز يكون قدام ماما. نظرت له براء بابتسامة وسار الاثنان معاً، وبعد
لحظات من الصمت قال جمال: أنا كنت عايز أكلمك بخصوص خالد. نظرت له براء بتساؤل وقالت: ماله خالد؟ صمت جمال للحظات ثم تنهد وقال: خالد طلب أيدك مني من فترة يا بنتي.. بس أنا مرضيتش أقولك عشان حسيت إنك مش مستعدة دلوقتي.. بس هو عاد طلبه تاني الفترة دي ومصمم عليكي عشان كده لازم أقولك وأعرف رأيك. نظرت له براء بعيون متسعة وتوقفت مكانها ليحركها هو وأردف: متقنعنيش إنك مكنتيش حاسة بإعجابه. لا حاسة بس كنت بحاول أتجاهل الموضوع.
طيب إيه رأيك في كلامي؟ تنهدت براء بضيق وصمتت للحظات ثم قالت: أنا مش هقدر.. مش هقدر أبني عيلة جديدة غير لما أعالج الخدوش اللي موجودة في روحي.. أنا لو وافقت على خالد هكون بظلمه معايا وهو إنسان كويس ومحترم جداً مش عايزة يتأذى نفسياً بسببي.. أنا مش مستعدة للخطوة دي خالص. أنتِ مش مستعدة.. ولا خايفة؟ توترت براء من
كلماته تلك لتقول بانفعال: مش عارفة.. وحتى لو خايفة ده حقي.. على الأقل كان من حقي أخاف في الدنيا دي.. أنا كبرت لقيتني مجردة من كل الحقوق.. مكنش ليا الحق إني أزعل ولا أعيط.. لا أفرح ولا أي حاجة.. لحد ما ربنا وقعني في طريقكم وكل حاجة في حياتي اتغيرت.. بس أنا مش قادرة أنسى اللي حصلي.. مش قادرة أنسى كل القسوة اللي قابلتها.. أنت فاهمني يا بابا جمال. فاهمك يا بنتي.. بس حاولي تدي نفسك فرصة تحبيه.. خالد كويس وشاريكي.
ابتسمت براء بقهراً وقالت: شاريني عشان أنا بنتك.. لكن لو عرف حقيقتي هيغير رأيه.. لو عرف إني تربية ملاجئ على رأي الناس مش هيفكر يبصلي حتى.. وأنا مش حمل كسرة تاني.. أنا مش هستحمل إني أتعاير تاني بسبب الموضوع ده. فهمت قصدك يا بنتي.. وأنا عمري ما هجبرك على حاجة.. أنا هكلم خالد بكرة وأعرفه قرارك.. اتفقنا. ابتسمت براء وتنهدت براحة. وقبل أن تتكلم سمعت صوت خلفها: براء مش بنتك!! يا ترى مين اللي سمعهم؟ إيه اللي هيحصل؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!