تململت في سريرها بإنزعاج بسبب ذلك الصوت الذي يعكر مزاجها كل صباح. نهضت من مكانها وأنهت رنين هذا المنبه المزعج. تنهدت بتعب ثم اتجهت إلى الحمام وغسلت وجهها ورتبت شعرها. ثم خرجت واتجهت إلى المطبخ لتعد لها بعض القهوة. جلست على إحدى المقاعد بالمطبخ لتحتسي قهوتها الساخنة وهي تقرأ إحدى الجرائد. وبعد لحظات أحست بيد توضع على كتفها فابتسمت بهدوء والتفتت لها. أردفت: -ماما فاطمة.. صباح الخير.
-صباح النور يا حبيبتي.. صاحية بدري ليه؟ ده أنتِ نايمة متأخر. -أعمل إيه؟ ما انتِ عارفة أن عندي شغل كتير. -ربنا يقويكي يا حبيبتي.. هو فين بابا جمال؟ صحيت الصبح ملقتهوش جمبي. -خرج يتمشى شوية.. انتِ عارفه أنه بيحب يخرج بدري كده يستمتع بأول النهار. ضحكت المرأة المسنة بحب وقالت: -طول الأربعين سنة اللي عيشتهم معاه وهو متعود يعمل كده.. بس ولا مرة قالي تعالي اتمشى معايا الصبح بدري. -يمكن عشان مش عايز يزعجك في عز نومك.
-أقنعتيني يا ستي. ضحكت براء ثم نهضت من مكانها وقالت: -تحبي أحضرلك إيه على الفطار النهاردة؟ نظرت لها فاطمة بحب وقد تكونت بعض الدموع في عيونها. لتلاحظها براء فاقتربت منها بسرعة ومسحت دموعها وقالت بقلق: -مالك؟ في إيه؟ ليه الدموع دي؟
-دي دموع الفرحة يا بنتي.. مكنتش أعرف أن ربنا بيحبنا أوي كده علشان بعتك لينا.. من سبع سنين للنهارده وأنا بحمد ربنا كل ما أبص في وشك كل يوم الصبح.. بحس قد إيه ربنا عوضني بيكي عن كل حاجة في الدنيا.. أنا مكنش مكتوبلي إني أخلف بس برضو ربنا رزقني بإحساس الأمومة وكمان اداني زوج عظيم و.. قاطعتها براء لتقول: -وأب عظيم كمان.. عمري ما هنسى اليوم اللي اتجمعت معاكم فيه.
-حبيبتي ربنا ما يحرمنا منك.. سيبيني بقى أنا اللي أحضر الفطار النهاردة.. ارتاحي. ابتسمت لها براء وجلست على إحدى الكراسي في المطبخ وسرحت بذاكرتها قبل سبع سنوات لتعود إلى اليوم التي تركت فيه الملجأ. قبل سبع سنوات.. خرجت براء من الملجأ بعد أن ودعت جميع أخواتها وسط دموعهم الغزيرة. وقبل أن تخرج من باب الدار ركضت حنين نحوها لترتمي في أحضانها ببكاء وقالت: -بالله عليكي ما تمشي.. خليكي معايا.
-غصب عني.. لو عليا مش عايزة أسيبك أبداً.. خلي بالك من نفسك ومهما حصل في الدنيا مصيرنا نتجمع تاني.. خليكي فاكرة ده. نظرت لها حنين بدموع ثم ابتعدت عنها براء وخرجت إلى الشارع وظلت تجوله بعدم تركيز وقالت في نفسها: -أنا آسفة إني كذبت عليكي يا كريم.. بس أنا قررت إني أبعد وأقلب صفحة يامن من حياتي لأني مش هستحمل وجع تاني.. يارب أنا عارفة إنك مش هتسيبني لوحدي أنا مليش غيرك.
ترقرق الدموع في عيونها مع آخر جملة لتتساقط على وجنتيها الشاحبة. مسحت دموعها بسرعة حتى لا يلاحظها أحد ونظرت أمامها لتجد أنها قد وصلت إلى محطة القطار. دلفت إلى المحطة وأخرجت كل ما تمتلكه من نقود من حقيبتها الصغيرة المصنوعة من الصوف والتي قد صنعتها بيدها. وجدت أنها تمتلك بعض النقود فقط والتي تكفي لشراء تذكرة إلى مدينة الإسكندرية وبعض اللقيمات حتى تتناولها.
فكرت للحظات ثم عزمت أمرها واشترت التذكرة وصعدت إلى القطار مودعة تلك المدينة بذكرياتها المؤلمة. وبعد ساعات قد حل المساء ووصل القطار إلى مدينتها الجديدة. ترجلت منه وقالت بصوت خفيض: -اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه المدينة وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها.
خرجت من المحطة لتسير بين شوارع المدينة بلا هدف، حتى تعبت وأحست ببعض الجوع. فأخرجت ما تبقى من مالها واشترت بعض البسكويت عله يسكت معدتها الجائعة. جلست على إحدى الأرصفة لتتناوله وقد شردت مرة أخرى كعادتها. لتفيق هذه المرة على ذلك الشاب الذي يطالعها بجراءة. انتفضت من مكانها ونهضت من مكانها وسارت بخطوات سريعة حتى شعرت به خلفها تماماً. وقال هذا الشاب: -استني بس.. أنتِ شكلك مش من هنا صح؟ نظرت له براء بخوف وقالت:
-ملكش دعوة.. امشي وسيبني في حالي. -لا أمشي إيه.. معقول أمشي وأسيبك في الشارع في الوقت ده كده ميصحش. تجرأ أكثر ليمسك يدها بقوة. صرخت هي بصوت عالٍ: -أنت قليل الأدب.. أبعد عني يا إما هصوت وألم عليك الناس. حاول هذا الشاب أن يكتم فمها بيده ولكنها وضعت يده بين أسنانها. ليصرخ هو بألم وركضت من مكانها سريعاً لتصطدم بفتاة في العشرينات من عمرها. نظرت لها الفتاة بتعجب وقالت براء بسرعة: -أرجوكي ساعديني.. في راجل بيرخم عليا.
-اهدي.. متخافيش.. فين الراجل ده؟ التفتت براء وقالت: -هناك ا.. وتوقفت عن الكلام عندما وجدت أن هذا الشخص قد اختفى. تنهدت بتعب وأمسكت رأسها. ولاحظت الفتاة توترها هذا لتقول لها: -انتِ إيه اللي ممشيكي لوحدك في الوقت ده.. طبيعي أي حد يشوفك يرخم عليكي. -النصيب.. وأنا يعني لو كان ليا مكان كنت فضلت في الشارع كده. -مش فاهمه.. انتِ إيه حكايتك؟ -ولا حاجة.. آسفة لو عطلتك معايا.. عن إذنك.
-استني.. مينفعش تمشي لوحدك.. قوليلي رايحة فين وأنا هوصلك. نظرت لها براء للحظات ثم ترقرق الدموع في عيونها وصمتت. ساد الصمت للحظات حتى قالت الفتاة: -تعالي معايا. نظرت لها براء بخوف وقالت: -أجي معاكي فين؟ أنا معرفكيش. -أكيد مش هخليكي تفضلي في الشارع كده.. أنتِ شكلك هربانة من أهلك ولا إيه؟ -لا والله أبداً. -أومال إيه.. بتحبي حد يعني كنتي هتهربي معاه وهو خلى بيكي؟ تنهدت براء بقلة حيلة لتقول الفتاة:
-طيب مش وقت كلام.. باتي عندي الليلة دي والصبح يحلها ربنا.. أنا اسمي مي. -وأنا براء. ابتسمت لها مي ثم سار الاثنان حتى وصلا إلى بيتها ودلفا إلى الداخل وسط توتر براء ورهبتها من المكان. جلست مي على الأريكة وشاورت على إحدى الغرف وقالت: -اقعدي في الأوضة دي وارتاحي.. شكلك تعبتي أوي النهاردة. -أيوه أنا عايزة أنام بس.. شكراً جداً. -العفو. دلفت براء إلى الغرفة وجلست على السرير لترتاح قليلاً.
تنهدت بتعب وقد شعرت بقبضة قوية في قلبها من هذا المكان ولكن بالنسبة لها كان أفضل من الشارع بكثير. استلقت على السرير بسرعة لتغفو في نوم عميق عله يخفف من الألم التي تشعر به في قلبها. وفي اليوم التالي.. استيقظت براء وفتحت عيونها ببطء لتنتفض من مكانها حين تجد رجل يقف أمامها وينظر لها بقوة. خرجت صرخة قوية منها ليقترب هذا الرجل منها ويكتم صوتها بسرعة. وهنا دخلت مي إلى الغرفة وحدثت الرجل: -إيه رأيك.. مش قولتلك حلوة؟
عجبتك ولا إيه؟ نظر الرجل إلى براء بتفحص ونظرة الإعجاب في عينيه وقال: -عجبتني بس.. دي قمر.. جبتيها منين دي؟ ضحكت مي بخفة وقالت: -دي وقعت في طريقي لوحدها.. معرفش إيه حكايتها.. هربانة ولا إيه؟ لقيتها ماشية لوحدها في الشارع في عز الليل. ابتعدت براء عن هذا الرجل بسرعة وقد تكونت الدموع في عيونها وقالت: -إيه اللي أنتِ بتعمليه ده.. ابعدوا عني. ثم نظرت إلى مي وقالت: -وسعي من قدامي خليني أمشي. نظرت لها مي بسخرية وأردفت:
-هو دخول الحمام زي خروجه ولا إيه.. أنتِ دخلتي هنا بمزاجك آه بس مش هتخرجي بمزاجك.. لا اسكتي شوية مش عايزة صداع. طالعتها براء بعصبية ثم هجمت عليها وقالت: -أنتِ بني آدمة حقيرة وأنا غلطانة إني وثقت في واحدة زيك. -أنتِ اتجننتي!! قالت مي تلك الجملة ثم صفعت براء بشدة لتسقط على الأرض مغشياً عليها. نظرت لها مي بتهكم ثم طالعت الرجل الواقف أمامها وقالت: -قدامك أهي.. بس حسابي الأول وهاخد ضعف اللي اتفقنا عليه. -وده ليه بقى؟
-هو كده.. لو مكنش عاجبك. -ماشي يا قمر انتِ.. تؤمري.. بس أنا عايزها صاحية وفايقة. -مليش دعوة.. أنت حر.. خدها دلوقتي لو عايز. -أخده فين؟ أنتِ اتجننتي ومراتي! خليها عندك لحد ما أظبط الدنيا. -ماشي. ثم أخذت منه بعض النقود وخرج هو من المنزل. وبعد ساعات استيقظت براء لتجد نفسها على الأرض. نهضت من مكانها بسرعة ما أن تذكرت ما حدث معها قبل أن تفقد وعيها. ترقرق الدموع في عيونها ولم تعرف ماذا تفعل للحظات.
حتى اتجهت إلى باب الغرفة وفتحته ببطء. وعندما لم تجد أحد بالخارج أخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة وركضت سريعاً نحو باب المنزل. وقبل أن تفتحه أمسكها مي بسرعة وقالت: -انتِ رايحة فين! نظرت لها براء بدموع وقالت: -الله يخليكي خليني أمشي.. حرام عليكي اللي عايزة تعمليه فيا. -ده أنتِ تشكريني إني لقيتلك حد ياخدك من الشارع اللي قاعدة فيه ده. صرخت بها براء: -أنا أقعد في الشارع أحسن ما أكون واحدة مش محترمة زيك.
-أنتِ عارفة لولا إن الزبون عايزك سليمة كنت قتلتك هنا ولا حد يعرف بيكي حاجة! خشي قدامي. دفعته براء بعيداً عنها وقالت: -لا مش داخله.. أنا همشي من هنا. وبدون أي مقدمات صفعتها مي بقوة على وجهها وحاولت سحبها للداخل. ولكن براء قاومت بشدة وتشاجر الاثنان. وفجأة التقطت براء إحدى الأشياء الصلبة بجوارها وضربت مي على رأسها بقوة ليختل توازنها. صرخت براء بفزع حين وجدت الدماء تنفجر من رأسها وسقطت مي على الأرض فاقدة الوعي.
نظرت لها براء بفزع وخوف ثم خرجت من البيت سريعاً ونزلت إلى الشارع لتركض بفزع بعيداً عن المكان. أخذت تركض بشدة حتى تعبت وجلست على أحد الأرصفة لتبكي بقهرة. وحدثت نفسها بصوت عالٍ: -أنا ليه بيحصل فيا كده.. يارب لو كل ده بسبب ذنب عملته وأنا مش عارفة اغفرلي.. يارب أنا خايفة ومليش غيرك أكلمه.. هو ليه كله بيتخلى عني.. أنا فيا حاجة وحشة طب.. يارب.
قالت تلك الجملة ثم انفجرت في البكاء وظلت تسير بعدم هدف حتى وصلت إلى مكان هادئ وجلست مكانها بتعب وغلبها النعاس لتنام مكانها. وبعد ساعات استيقظت من نومها لتجد نفسها على نفس وضعها. اعتدلت في جلستها وشعرت ببعض الجوع. فبحثت عن بعض النقود في حقيبتها لتجد بعض الجنيهات. ابتسمت بحزن ونهضت من مكانها واشترت لها بعض الطعام وجلست على الرصيف مرة أخرى لتتناوله. وفجأة وبين كل هذا الهدوء صدع صوت صرخات عالية من البناية المجاورة لها.
كان يجلس في إحدى الأماكن المطلة على النيل مباشرة ويستمع إلى بعض الموسيقى الهادئة. حتى شعر بمن يجلس بجواره. ألتفت إليه ليجده صديق عمره.. كريم والذي قال له: -كنت عارف إني هلاقيك هنا. نظر له يامن وأبتسم ابتسامة صغيرة وقال: -عاش من شافك.. مختفي ليه الفترة دي؟ قولتلك بعد الجواز والخلفة هتتغير مصدقتنيش. ضحك كريم بخفة وقال: -أعمل إيه.. غصب عني والله.. أنت عارف تعب نسمة وإني أنا اللي شايل كل حاجة وملك متعلقة بيا أوي.
ابتسم يامن وقال: -أتصدق وحشتني أوي.. مجبتهاش معاك ليه؟ -عشان أركز معاك.. أنا مش عاجبني حالك.. هتفضل تعاقب نفسك لحد امتى؟ -لحد ما القدر يجمعني بيها تاني. -طول السنين دي وإحنا بندور عليها ومفيش فايدة.. أفرض العمر جرى وأنت متجمعتش بيها برضو. -عمري ما هسامح نفسي.. أنا كسرتها يا كريم.. هي وثقت فيا وأنا مكنتش قد ثقتها.. أنا ظلمتها.
-وأنت كمان اتظلمت يا يامن.. للأسف هي اختفت قبل ما تعرف إن كل اللي حصل ده مكنش بمزاجك وإنك كنت محبوس ومش قادر تطلع من أوضتك.. كفاية اللي بتعمله في نفسك ده والعقاب مش هيجيب نتيجة.. انتوا الاتنين اتظلمتوا. زفر يامن بألم وحاول أن يغير الموضوع فقال: -خلاص أقفل الموضوع ده.. أنت مال وشك.. حاسس إنك تعبان؟ -عندي دور برد مبهدلني يا عم.. ورغم كده جايلك وأنت على الكورنيش في الجو ده. ثم أبتسم كريم بمزاح وقال:
-وبلاش تقفل الموضوع.. أنا شايف إنك لازم تتجوز يا يامن! -أنت اتجننت يا كريم.. أنا مش ناقص.. الله يخليك.. أنت مينفعش تطلب مني كده لأنك عارف أنا عايز إيه. -واللي يوصلك للي انت عايزه! -يعني إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!