تيسبت أوصالي لثواني لحد ما فهمت إنه مشافش آدم. رطبت شفايفي ورجعت خصلاتي لورا بأيد مرتجفة وقولت ببسمة مصطنعة: _جيت عشان آخد ورق المشروع وأشوفك. همهم ليا وهو بيقرب بخطوات بطيئة: _تشوفيني؟ مش غريبة دي؟ بعدت عيوني عنه بكدب وأنا بفرك كفوفي بتوتر: _آه... عشان نروح لبابا سوا. ناظرني ببعض الشك فزاد توتري، قاطعه صوت رنة تليفونه، شاف الاسم وقال: _هستناكي برا.
خرج وهو بيجاوب على تليفونه، وهنا قدرت آخد نفسي براحة وأنا حاسة ببرودة أطرافي. بصيت ناحية باب الحمام اللي آدم دخل فيه وقولت بسرعة: _أخرج كمان شوية مش دلوقتي. سرعت بخطواتي لبرا عشان أمنع نوح إنه يدخل تاني. *** تجمع عائلي بيثقل روحي كالعادة. كنت بحاول أخرج من شرودي وآكل، لكن قاطعني صوت بابا وهو بيقول: _كفاية شغل في التصاميم لحد كده يا هنا، أنا هكملها. وقفت حركتي لما سمعت حديثه، عايز ياخده مني وأرجع تاني لوحدتي؟
أرجع تاني ماليش لازمة وتحت سيطرته نوح أكتر؟ ولأول مرة من سنين صوتي يخرج بإعتراض: _بس أنا عايزة أكمل لحد الآخر. تدخل نوح مقاطعًا حديثي: _وأنا مش حابك تكملي، كفاية كده. نفيت ليه بضيق ورجفة كفوفي: _أنا عايزة أكمل، هو خلاص مفضلش فيه كتير، خليني أكمله. نفي ليا بحزم: _وأنا قولتلك كفاية كده. نبرته ارتفعت ونظراته كانت متوعدة ليا، تدخل بابا بهدوء وهو بيسترسل أكله: _خليها تكمله يا نوح، أنت ومجاهد لسه وراكم شغل كتير. وجه
عيونه لباباه وقال بضيق: _بس يا بابا. قاطع حديثه بصرامة: _من غير بس، خليها تكمله. وهنا ارتفع طرف ثغري بإبتسامة رغمًا عني، لمحها نوح. *** روحنا البيت وكان طول الطريق صامت، خلاني أقلق منه. حاولت أتجاهله لحد ما طلب مني شاي. عملته ليه وحطيته على المكتب بهدوء، كان بيشتغل على ملفات، قصدي فقال من غير ما يرفع راسه: _حطي إيدك. مفهمتش كلامه، فمد إيده ليا، عطيته كفي بتوتر. حط إيدي على المكتب وبدأ يعد على صوابعه:
_بقيتي شجاعة متمردة وبتكسري كلامي. رفع عيونه ليا في النهاية وتابع بقسوة: _شكلك نسيتي إن في إيدي أعمل إيه؟ رفع كوباية الشاي بإيده التانية وكبها على كفي، حاولت أسحب إيدي وأنا بصرخ بألم لأنه كان سخن، بس هو اتشبث بإيدي ومنعني. عيونه كانت قاسية وحادة لدرجة إني خوفت منه أكتر. دموعي نزلت رغمًا عني من الألم. ساب كفي، فضميته ليا بوجع، ابتسم ليا ببرود وقال: _ده كان مجرد إنذار ليكي، تصبحي على خير يا حبيبتي.
مقدرتش أتكلم معاه أكتر من كده. انسحبت من قصاده ودخلت أوضتي اللي حافظة وجعي. دموعي كانت بتنزل زي النار على بشرتي، مبقتش قادرة أستحمل أكتر من كده. حياتي، أحلامي، شبابي، كل حاجة أخدوها مني! شعور الخنقة بقى بيزيد وأنفاسي تقلت. ضميت جسمي ليا وأنا بحاول أوقف دموعي وآخد نفسي برفق، ورغمًا عني هو جه في بالي آدم. يمكن عشان معرفش غيره؟ ولا عشان هو الوحيد اللي كان حنين معايا! ***
لافة إيدي بشاش أبيض بخفي بيه ندبة جديدة، وعيوني شاردة في الأمواج المتلاطمة قصادي، مش قادرة أعرف سبب حبي للبحر، يمكن عشان غدار وموجه قاسي زي حياتي! قاطع شرودي جلوسه قصادي. رفعت عيوني ليه وناظرته بهدوء. عيونه اتوجهت على كفي، فقاطع شرودنا لما قال: _إيه اللي حصلك؟ نفيت ليه بخفة وأنا بداري إيدي. طلبت إني أقابله، عايزة أعرف سبب إنه يتسحب لمكتب نوح؟ عندي فضول ليه؟ يمكن يكون هو سبب نجاتي! _أنت عايز إيه من نوح؟
سؤالي كان غير متوقع ليه، لكنه متفاجئش، ملامحه لسه باردة زي ما هو، فجاوبني: _هكون عايز منه إيه؟ رطبت شفايفي وقولت: _أنا عارفة إن من بعد موت حسن وعلاقتك بالكل اتغيرت، ليه رجعت دلوقتي؟ والأهم، كنت بتعمل إيه في مكتبه؟ سند بإيديه على الترابيزة وقال: _علاقتي اتغيرت بيه ليه؟ تعرفي إيه؟ قطبت حواجبي بتعجب من سؤاله، لكني نبست: _معرفش، ده اللي لاحظته وخصوصًا بعد ما سافرت. وجاوبني، كنت بتعمل إيه في مكتبه؟
عيونه ثبتت عليا للحظات وكأنه بيحاول يتأكد من صحة حديثي: _في ملفات محتاجها عنده، في شغل مش تمام بيتم في الشركة وناوي يربطه بمشروعي معاكم. _يعني إيه؟ تقصد إيه؟ وبعدين مين قالك أصلًا؟ اعتدل في جلسته واتكلم بهدوء: _مصادري الخاصة وصلتني لده. جوزك بيشتغل في حاجات مش قانونية. هتتعبي عن ده وتسيبيه يكمل عادي ولا تبقي مع الحق؟ ممكن يكون هو طوق نجاتي أو هلاكي! مش قادرة أثق فيه وأبقى معاه، مين هيحميني من بطش نوح؟ عيوني اهتزت
بخوف وقولت بإنفعال زائف: _بس ده جوزي، إزاي تقول عليه كده؟ ارتفع طرف ثغره بجانبية وقال: _لو كنتي معاه من الأول مكنش زمانك خبتيني في المكتب. التوتر زاد عليا، خايفة أقول حاجة تتحسب عليا بالسوق وأدخل مشكلة أكبر مني! تابع حديثه بتساؤل: _اتجوزتي نوح ليه يا هنا؟ استقمت من مكاني عشان أنهي النقاش بينا، لكن كلامه وقفني: _كنتِ أقرب حد لحسن، علاقتكم كانت غريبة بالنسبالي، إزاي كل ده راح وبسرعة، إزاي نسيتيه؟ حسن كان بيحبك.
كورت قبضتي بضيق من تشكيكه فيا، جاوبت بحدة: _حسن كان أكتر من أخويا، عمر ما حد فينا فكر في التانية بطريقة تانية، وأنا أكتر حد اتأثر بموته. ارتفع طرف ثغره بسخرية وقال: _عشان كده اتجوزتي بعديه على طول؟ زفرت أنفاسي بثقل وقولت بيأس: _أنت مش عارف حاجة. اعتدل في جلسته وقال بإصرار: _يبقى فهميني، اثبتي عكس ده. خليكي مع الحق. التفت عشان أمشي، ناهية النقاش بينا بعد حرب نظراتنا. لو كملت أنا اللي هبقى في الخطر. ***
عيوني كانت بتتابع الطرقات والبسمة شاقة وشي وأنا بستنشق هوا نقي. مهاب أخويا رجع من السفر بعد غياب 3 سنين! أخويا الصغير واللي حربت عشانه. ذكرى من الماضي داهمتني بعد ما استنشقت نفس عميق. من 3 سنين. عيوني كانت دبلانة من كتر البكاء على فراق صديق طفولتي وإن ممكن أخويا الصغير يضيع من بين إيديا. _أنت بتعمل ليه كده يا نوح؟ هتستفاد إيه؟ أنا مش بحبك. قرب مني بعيون حادة وقال ببرود:
_بس أنا بحبك. هخليكي تحبيني. اختاري أخوكي ولا نفسك. فقت من شرودي بعد ما وقف قصاد بيتنا. مسحت دمعة فرت من عيني من غير ما أحس وهرولت بخطواتي لمهاب بعد ما لقيته واقف برا مستنيني. رميت نفسي في حضنه وضميته بقوة. دموع فرقتني بدون إدراك، ضميتيه بكل قوتي وكأني بطمن نفسي بوجوده، بس أنا محستش بإستقباله ليا وفرحة. بعدت عنه وأنا بمسح دموعي وقولت ببسمة: _فيه إيه يا مهاب؟ أنا مش وحشاك؟ انحنى ليا وقال قرب ودني بهمس:
_أنتِ إزاي تخوني نوح؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!