الفصل 6 | من 15 فصل

رواية أقدار متباعدة الفصل السادس 6 - بقلم هنا محمود

المشاهدات
21
كلمة
1,296
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

بعدت عنه و عيوني متسعة بصدمة، فقولت بعدم فهم: _انت تقصد إيه يا مهاب؟ جاوبني ببرود: _نتكلم بعدين. تفكيري كان شارد في كلامه، يقصد إيه؟ يعني إيه بخون نوح؟ وإزاي يشك فيا أصلاً؟ اتجمعنا كلنا سوا وكأننا عيلة واحدة. بابا ومهاب وأخوات نوح وباباه ومامته. الكل كان فرحان برجوعه، بابا كان بيمدح فيه كل شوية ويضمه ليه فرحان برجوعه. كنت متابعاهم بهدوء. شاركهم نوح الحديث وهو بيبعثر خصلات مهاب ببسمة: _بس كبرت يا مهاب وبقى عندك عضلات.

بعد مهاب إيد نوح بضيق زائف وقال: _آه، وبقيت بصاحب بنات كمان. كلهم شاركهم الضحك، إلا أنا تابعتهم بعيون دامعة. مهاب بيحب نوح وبيعتبره أخوه الكبير، ما يعرفش هو عمل إيه في أخته! *** الكل مشي، مفضلش غيري أنا ونوح. وبعد محايلات وافق إننا نبات هنا. استنيت مهاب في الجنينة عشان لازم نتكلم. حاوطت مج النسكافيه، بعد ما حسيت بيه بيقعد جمبي التفت ليه بهدوء وقولت: _فهمني قصدك.

مد تليفونه ليا بصمت. سحبت منه وشوفته، كانت صورتي أنا وآدم وإحنا قاعدين في الكافيه سوا. _صاحبي شافك وصوركم. ورغم عني ابتسمت بسخرية على حظي العاثر. استنشقت أنفاسي بقوة وأنا بمد التليفون ليه. وش آدم ما كانش واضح قوي، فقولت: _إنت عارف مين ده؟ نفي ليا، فتابعت: _ده آدم أخو حسن الله يرحمه. بينا شغل، أنا المسؤولة عن مشروعه. طالع بصمت وكأنه بيتأكد من مصداقية كلامي. ارتفع طرف ثغري بسخرية على حالي وقولت بغصة:

_إنت إزاي تشك فيا كده؟ إزاي تشك في أختك بطريقة زي دي؟ أنا موحشتكش زي ما وحشتني؟ عيوني اتملت بالدموع رغم عني، فجاوبني ببعض الخجل: _أنا ما كنتش أقصد يا هنا، أنا بس عشان عارف إن كان فيه مشاكل بينك وبين نوح خوفت تكون علاقتكم باظت أكتر، وخصوصاً إني عارف نوح بيحبك قد إيه. طالعت عيونه لثواني طوال. هو كمان مش مهتم لمشاعري، بيفكر في نوح! إزاي وأنا ضحيت بكل حاجة عشانه؟ نبست بنبرة ثقيلة:

_إنت مفكرتش فيا، شكيت على طول، مفكرتش حتى تحضني وتطمني بعد غيابك الطويل ده، كل اللي فكرت فيه نوح؟ طب وأختك؟ افرض كنت بخونه بجد، كنت هتعمل إيه؟ هتقف ضدي؟ حسيت بإختناق. نهاية حديثه أثر الغصة، كنت بتكلم بضيق، حسيت قد إيه أنا لوحدي. حتى أخويا اللي استنيته ضدي. نفي ليا بعد ما شاف انفعالي. فتح دراعاته عشان يضمني، لكني بعدته. حاول تاني لحد ما حضني ليه وقال بنبرة متأسفة:

_مكنش قصدي والله كده، أنا بس اتخضيت لما شفت الصور، أنا عارفك وعارف إن عمرك ما تعملي كده. كلامه ليا ما كانش له أهمية، هو اتهمني بالباطل من غير دليل. مسح على خصلاتي وهو بيطبع قبلة رقيقة على مقدمة راسي وتابع: _حقك عليا متزعليش مني، إنت عارفة إن مليش غيرك. اتنهدت بثقل وأنا ببادله العناق. كنت محتاجة أتحضن، محتاجة أحس بوجود أخويا جنبي. ***

طلعت أوضتي فوق. من بعد ما اتجوزت نوح وأنا برفض لما نبات في بيت أهلي إننا نقعد في أوضتي القديمة، خايفة وجوده فيها يلطخ براءة ذكريات طفولتي. فتحت الباب بحرص على أمل إنه يكون نايم، لكني لقيته قاعد قُصادي على الكنبة مستنيني. استقام من مكانه وقرب مني بخطوات بطيئة لحد ما وقف قُصادي. مد إيده ومسك كفي المزين بالشاش ومسح عليه بخفة. طبع بوسة على كفي. مسح دموعي وقال بنبرة منخفضة:

_أنا آسف، حقك عليا. إنتِ دايماً اللي بتوصّليني لكده، ليه بتقفي ضدي؟ سحبت كفي منه ببرود وأنا برجع خطوة لورا بمنع أي تلامس بينا وقولت بحدة: _عشان إنت دمرتلي حياتي. إنت فاكر اتجوزنا إزاي؟ إنت هددتني بأخويا الصغير، خليتني أسيب بيت أهلي وأستحمل اللي بتعمله فيا عشانه هو بس. قرب مني بإنفعال وقال: _عشان تحبيني، عملت كل حاجة عشان تشوفيني وتحبيني، وإنتِ ولا هنا، مفكرتيش فيا. رجعت خصلاتي بإنفعال وقولت بغضب: _ولا هحبك، سامعة؟

إنت دمرتلي حياتي ومراهقتي، ضيعت شبابي، كل ندبة سببتها ليا في جسمي وروحي بتخليني أكرهك أكتر. أنا عمري ما هكون ليك، سامع. لأول مرة من وقت ما وقفت قُصاده من غير خوف. طاقتي خلصت، أحلامي راحت، روحي دبلت، مبقاش عندي قدرة أكتر من كده. أنا فكرت في الكل ومحدش فكر فيا! مسك دراعي بقوة مقرباً محياه مني، وأنفاسه الغاضبة ضربت نعومي بشرتي. نبس بقسوة: _ولا هتبقي لغيري، سامعة!

إنتِ هتفضلي معايا بمزاجك أو غصباً عنك. لو فكرتي في أي حاجة، متنسيش أنا ممكن أعمل إيه في أخوكي، هخليكي تجري ورا في السجون. سحبت إيدي منه بقسوة وخرجت من الأوضة وأنا بضرب الباب بحدة. إيدي كانت بترتجف، بكرهه قُربه ليا. اتجهت لغرفتي القديمة ولذكريات طفولتي. فتحت الباب وقفلتة ورايا بالمفتاح عشان ما يفكرش يجيلي. الحيطان عليها نقوش ورد باللون الزهري، السرير أبيض زي الأميرات، وريحتها لسه مسك زي ريحة ماما.

اتحركت فيها بخفة وأنا بلمس كل حاجة بأطراف صوابعي وكأني عايزة المس الماضي. وقفني صورة ليا أنا وحسن. كان أول يوم مدرسة لينا في ابتدائي. غرتي قصيرة ورفعة شعري ديل حصان، لابسة لبس المدرسة ومخلية حسن هو اللي يشيل شنطتي كالعادة. ابتسمت بخفة على ذكرى اليوم ده. تمعنت النظر في الصورة لحد ما لاحظته هو. واقف بعيد عننا لدرجة إنه مش ظاهر، لكني عرفته. هو آدم. وهنا سرحت في ذكرى لطفولية لينا. _آدم ده غريب أوي، دايماً بيقعد لوحده.

نبستها حد من صحابنا في الحي وإحنا بنراقبه من بعيد زي العادة. وقفت أنا وقولت: _زمانه زعلان عشان مامته مشيت وسابته. اتدخل طفل تاني من جيراننا: _عشان غريب أكيد خافت منه. كنت شايفة مختلف، هو بس محتاج حد معاه، هو وحيد. دافعت عنه بقوة: _متقولش عليا كده، هو بس لوحده. اتحداني وقال بسخرية مني: _خلاص، لو هو كويس وإنتِ مش خايفة منه، روحي له. ولا إنتِ بتعملي نفسك شجاعة؟ ضميت معطفي ليا بحزم وقولت: _هروحله أنا، مش خايفة أصلاً.

اتسحبت لمطبخ بيتنا وخدت أكل منه بسرعة. هرولت بخطواتي لبرا القصر وروحت بيتهم. الخوف سيطر عليا وندمت إني قبلت التحدي وادعيت الشجاعة. هو الفتي الغامض اللي قالوا عليه بياكل الأطفال الصغيرة. بس هو أخو حسن، الطف صديق ليا، أكيد هيكون زيه. فتحت باب الأوضة بحرص ووقفت قُصاده. خليت نظراته تتجه ليا بتساؤل. عيونه حادة ونظراته باردة خلت الخوف يتسلل قلبي أكتر. رطبت شفايفي وقولت بسرعة:

_أنا مش جاية أضايقك، كلهم بيقولوا عليك وحش، بس إنت أخو حسن يبقى أكيد هتكون لطيف. أنا جيت عشان أثبتلهم إنك طيب ومش بتاكل الأطفال. كرر كلمتي بتساؤل: _باكل الأطفال؟ همهمت ليه وأنا مد الأكل من بعيد: _أيوه، كلهم بيقولوا عليك كده عشان عينيك بتخوف، بس أنا عارفة إنك زعلان عشان مامتك مشيت، بس متزعلش، هي أكيد هترجع. وقفت قدامه بأدب بعد ما حطيت الأكل قُصاده وقولت: _إنت مش بتاكل. طالعني ببرود وقال: _إنتِ عرفتي منين؟

شاورت على بلكونة بيتنا مكان صحابي، خلتهم كلهم يستخبوا بسرعة وقولت: _من هناك. بشوفك على طول. همهم ليا وقال: _إنتِ دخلتي منين؟ جاوبت بفخر: _أنا حافظة كل حتة في البيت هنا عشان أعرف أهرب أنا وحسن. خبيت بوقي بإيدي نهاية كلامي بعد ما أدركت اللي قولته، أنا اعترفت عليهم! ارتفع طرف ثغره ببسمة خفيفة على تصرفاتي. رتبت خصلاتي وقولت وأنا بقعد جمبه: _أنا هقعد هنا عشان أثبتلهم إنك كويس زي حسن. همهم ليا وقال: _بس أنا مش كويس زي حسن.

نفيت ليه بإصرار: _مفيش حد وحش، ماما دايماً بتقولي كده. فقت من ذكرياتي وأنا بمسح دموعي و ببتسم بهدوء. ده كان أول لقاء بينا، كنت بالنسباله طفلة وهو بالنسبالي شخص غامض. قضيت مراهقتي عندي فضول ليه ومشاعر مش قادرة أفهمها، وقابلته تاني في شبابي. بصيت من البلكونة على قصرهم وخصوصاً مكان ما كان بيقعد تحديداً. حياتي كانت دافية وهادية قبل ظهور نوح فيها. وهنا فكرت في كلام آدم. ممكن لو ساعدته يرجع نوح أفضل في أمان أنا ومهاب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...