الجو برد ديسمبر أثبت وصوله. لبست سكيرت طويلة وعليها قميص بالون الأسود وفوقهم بلطو بنفس اللون، وكالعادة ختمته بهيلز كانت بلون النبيتي. وقفت قصاد المراية وأنا بعدل خصلاتي. كنت هطلع لكني رجعت في كلامي وقررت أحط ميكب بسيط يضيع ذبول روحي. قعدت في مكتبي بعقل شارد. صورت الملفات اللي شفتها وإمضة بابا عليها. هو عارف أعمال نوح! يمكن يكون عارف إن نوح بيهددني كمان.
زفرت أنفاسي بثقل وأنا ببعثر خصلاني. قاطعني صوت طرق على الباب. أذنت بالدخول وكان هو. اعتدلت في جلستي وأنا حاسة بتوتر من وجوده. قعد على الكرسي القصادي بهدوء وقال بعد ثواني: "أنا جيت اعتذرك بعد آخر كلام بينا. حسيت إني ضغطت عليكي." عيوني ثبتت عليه وحسيت بتعجب من اعتذاره. هو حس إنه ضغط عليا؟ فكر فيا. رطبت شفايفي بخفة وجاوبته بثبات: "عادي ولا يهمك، حصل خير." نفس ليا ببسمة جذابة وقال:
"حاسك لسه زعلانة. أنا مش عايز أزعل الجسوسة الصغيرة." إيدي وقفت عن الحركة وعيونا اتلاقت. هو لسه فاكر طفولتنا! كان بيقولي كده بعد ما عرف إني بتجسس عليه أنا وأطفال الحي. تابع حديثه: "أنا بس مش قادر أشوف الناس بتتأذى وأسكت. لو عايزة توقفي الظلم تعالي النهاردة على العنوان ده." مدلي بطاقة صغيرة. ما اتأخرت إني أخده. سابها وطلع برا. *** "واخدني على فين يا حسن؟ بابا زمانه جاه." كان بيحاول يسحبني لبرا البيت وهو متوتر.
شدني من إيدي وقال: "هنلعب شوية." نفيت ليه بحزم وقولت: "لا بعدين. عايزة أقعد معاهم النهاردة." كان بيسحبني بإصرار لحد ما سمعت صوت تكسير حاجة. شهقت بخضة وقولت: "الصوت جاي من فوق. أنا هطلع أشوف ماما." كان بيمسكني كأنه بيحاول يعيق حركتي. دفعته بضيق وأنا بهرول بخطواتي للدور الفوق. قربت من أوضة ماما وبابا بس إيد حسن منعتني إني أدفع الباب. وهنا شفت بابا وهو بيعنف ماما.
جسمي تيبس مكانه من الخضة وعقلي مش قادر يتقبل المشهد. كتم حسن بوقي وهو بيسحبني تحت اعتراضي. فقال جمب ودني بهمس: "أنا كلمت بابا وزمانه جاه عشان يكلم عمو. تعالي." سحبني بقوة لبعيد. دموعي كانت بتنهمر بخضة وصورة ماما مش بتروح من خيالي. قعدت على الأرض بعقل شارد وأنا بفتكر كل مرة كنت بلاقي جرح على إيد ماما وكانت بتتحجج بالسكينة أو إنها اتخبطت. بابا اللي كان بيعمل فيها كده. هو اللي كان بيعنفها. نفيت براسي وأنا بقول بشهقات:
"إزاي؟ بابا بيعمل فيها كده إزاي؟ أنا مش فاهمة." انحنى حسن قصادي وربت على كتفي بخفة وقال بنبرة حزينة على حالي: "هنلاقي حل أنا وأنت. اهدي بس. بابا زمانه جاه وهيقفلها. مش هيخليه يأذيها. أنا معاكي." فقت من ذكري الماضي بعد ما حسيت بدموعي بتنزل على وشي بحرية. افتكرت أول صدمات طفولتي. تعنيف بابا لماما. وافتكرت حسن كان أحن شخص عليا وأقرب حد ليا.
ورغم عني عيوني راحت لصورة فرحي أنا ونوح. وشي كان دبلان وعينين حمرا أثر العياط. هو هددني بأغلى شخص عندي، مهاب أخويا. وقتها قالي إنه ارتكب جريمة قتل. كان قدامي يا أختار نفسي يا هو. جرعة مخدرات زيادة أدت لنهاية حياة شخص. *** كنت واقفة قصاد العنوان اللي آدم عطاهولي. فضولي قادني لهنا. جيت عشان أعرف. مشيت خطوات صغيرة لحد ما لقيت واقف قصادي. ابتسم بثقة وهو بيقرب مني وقال: "كنت واثق إنك هتيجي." تجاهلت ثقته وقولت: "عايز إيه؟
"عايز أثبتلك الحقيقة كاملة." شاور ليا على دخلة عمارة وقال: "اطلعي الدور التالت لأم عمر." عيوني راحت للمدخل ورجعتله تاني بعدم فهم. فتابع: "عشان تعرفي حقيقة نوح وتتأكدي من شغله." خايفة ومش فاهمة. مش عايزة أطلع لوحدي. أردف لما شاف ترددي: "لو هيكون أريحلك أنا ممكن أطلع معاكي." فضلت مترددة وعقلي بيحاول يدور على قرار. لكن فضولي قادني. أومئت ليه بخفة فقاد هو خطواتنا للمدخل.
ثواني وانفتح الباب. كانت ست في نص الخمسينات بتطالعنا بفضول. فقال آدم: "أنا اللي كلمتك في التليفون عشان قضية عمر." عيونها اتملت بالدموع وقالت بحزن: "أيوا اتفضل يا ابني." قعدنا بهدوء وقدمتلنا شاي. كنت ساكتة لكن عيني بتجوب البيت. صور شاب في بداية العشرينات مالية الصالة. شاورت على الصورة لما شافت نظراتي وقالت: "ده عمر ابني." ابتسمت ليها بخفة وقولت: "ربنا يخليهولك." قالت في ذات اللحظة: "ربنا يرحمه." عيوني اتسعت بصدمة لما
سمعت إجابتها وقولت بأسف: "أنا بعتذرك، مكنتش أعرف." نفت ليا بخفة وعيون دامعة وهي بتبص لصورة: "عشان كان لسه في عز شبابه. متوقعتش إنه يكون اتغدر بيه." اتدخل "آدم" هنا وقال: "هو كان شغال مع نوح." كملت هي كلامه: "نوح الدويري. هو منه لله. خلاه يتعرف على واحد تاني جره للشرب والقرف وعطاه جرعة زيادة خلته يموت." وانهارت من العياط في نهاية حديثها. الصدمة اتملكت مني لما ربطت الأحداث. الشخص التاني هو مهاب!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!