في غرفة الاجتماعات، حوالين الطاولة بابا "مجاهد" و "نوح". هو و "آدم" كان قاعد قصادي. كنت سامعاهم بصمت، قال بابا بهدوء: _طالت غيبتك يا آدم ليه كده؟ جاوبه بصوته الغليظ: _الشغل برا كان كتير، انت عارف بقا. اتدخل "نوح" وقال: _أنا افتكرتك مش هترجع تاني يا دوما، ايه الغبيطة الطويلة دي؟ كنت باعدة عيوني عنهم وبفرك كفوفي بتوتر. سحب "نوح" كفي وشابكه مع ايده قصادهم وقال: _ده انت حتى فوت فرح صاحب عمرك. عيونه جت على
تشابك ايدينا فقال بهدوء: _مقدرتش أحضر بس بعت هديتي ليكم. رفعت عيوني ليه بصدمة، مكنتش أعرف إنه بعت هدية. عيونا اتلاقت لأول مرة لكني بعدتها بسرعة عنه. وجوده قربك بالنسبة ليا. قال "نوح" ببسمة: _ناوي ترجع تاني امتى بقا؟ نفي ليه وهو بيريح ضهره على الكرسي: _لأ، مش ناوي أرجع تاني، هكمل هنا. ظهرت الصدمة على وشوشنا. "آدم" صفي كل حساباته هنا، ازاي هيرجع وليه؟ اتدخل بابا وقال: _هتبدأ من الأول، السوق هنا صعب عليك، مش هتعرف تسلك.
ابتسم بثقة وقال: _مفيش حاجة صعبة على حفيد عيلة عمارة، هرجع تاني وهحتكر السوق لأسمنا زي زمان أيام حسن أخويا. نظراته في النهاية تحولت لتحدي، وكأنه مقرر يوصل رسالة مشفرة للكل. *** غضبه كان زايد من وقت ما قابل "آدم". حطيت كوباية النسكافية قصادي بتوتر وأنا مقررة أنسحب. لكنه قاطعني لما قال بضيق: _النسكافية من غير لبن ليه؟ جاوبته بهدوء: _مفيش النوع اللي بتحبه خلص. عيونه بقت حادة وهو بيستقيم بغضب واتحرك قصادي:
_وليه مخلتيش حد يجيبه؟ رجعت خطواتين لورا: _مأخدتش بالي أنه خلص. ارتفع طرف ثغره بسخرية وحدف المج بكفه بإنفعال: _على طول نفس الغلط؟ بتنسي تفاصيلي دايماً. نفيت ليه بجسد مرتجف: _لأ والله، أنا كنت فاكرة إنه فيه. بتر حديثي وهو بيضربني كف على وشي. أختل توازني عني ووقعت على الأرض بقوة. انحني ليا وهو بيمسكني من خصلاتي عشان أبصله ونبس بغضب: _مكنتش ناوي أفرغ غضبي عليكي بس انتِ دايماً بتخرجيني عن شعوري. العيون اتملت بالدموع
وقولت بنبرة كلها رجاء: _أنا آسفة. وكأن ضعفي واعتذاري ليه كان ملاذه. روحه المريضة عطت شرارة البدأ، وكالعادة فرغ غضبه عليا، عنّفني نفسيًا قبل جسديًا. *** صحيت تاني يوم كالعادة، مش حاسة بجسمي. كنت نايمة في أوضتي لوحدي، الحاجة الوحيدة اللي قدرت أملكها في الدنيا. نزلت رجلي من على السرير وأنا حاسة بثقل. وقفت قصاد مرايتي وشوفت آثار الكدمات على طول دراعي. مستغربتش، شكلي بقيت معتادة عليه خلاص.
دخلت أخد شاور وفتحت الماية السخنة، كانت حرارتها عالية بتنزل على جروحي زي النار، لكني مهتمتش بوجع جسمي، وجع روحي كان أكبر بكتير. خرجت من الحمام وقعدت على السرير وأنا سايبة شعري ينزل قطرات الماء على الأرض وعلى جسمي. مبقتش متحملة أكتر من كده، بس مفيش في أيدي حيلة. ضميت جسمي ليا وأنا بغمض عيوني، مستسلمة لشعور الألم. إيدي كانت بتمسح على شعري، كنت أتمنى تكون ماما جنبي وأتمتع بحضنها الدافي.
فقت من شرودي على صوت رسالة كانت منه، محتواها: "بكرة تلبسي حاجة تليق بيا وتداري أي أثر". قفلت الموبايل وغمضت عيوني وأنا بستسلم ليأسي في الحياة. *** ثوب أسود طويل ليه ياقة ضيق وبأكمام طويلة، يخفي أي أثر لجريمة. حطيت بعض مستحضرات التجميل تضيع شحوب بشرتي، وختمته بجزمة وشنطة بنفس الألوان، المشابهة لحياتي. نزلت تحت، كان واقف بيستقبلني بإبتسامة الراضية عن مظهري، وقد إيه كرهت نفسي الخاضعة ليه.
قرب مني خطوات ثابتة وعلى وشه نفس الإبتسامة. رفع كفه يعيد خصلاتي لورا ورفع إيدي وهو بيخرج علبة من جيبه. _أنا آسف، مكنتش أقصد، انتِ اللي عصبتيني. كان أنسيال مرصع بالألماس، حاوط معصمي بيه وهو يداعب وجنتي بإبهامه. مش أول مرة يعملها، اتعودت عليه يغلط ويعتذر بهدية وأنا أقبل. همهمت ليه بخفة وأنا بتخطاه وتوجهت للعربية. طول الطريق كان صامت وأنا حبيت ده. كنت بتابع السما بعيون شاردة لحد ما وقف قصاد قصر العيلة.
نزلت معاه بهدوء، مسك كفي بإيده وبدأنا نمشي سوا. كل اللي يشوفنا بيحسدني، متجوزة رجل أعمال غني، اكسسواراتي كلها ألماس، لبس من ماركات عالمية، واللي بطلبه بيجيلي، بس أنا عايشة زي الشبح من غير روح. استقبلنا أهله بترحاب وقعدنا في جو عائلي سوا. حاولت أندمج معاهم عشان يكون شكلي طبيعي، لكن وقفني لما دخل. كان هو "آدم". عيونا اتلاقت لثواني لكني بعدتهم بسرعة.
أنفاسي ارتفعت، وجوده بيذكرني بآخر لحظاتي السعيدة، وبفقدان حسن أخوه. رحب بيه الكل، وهنا عرفت إن التجمع ده احتفالاً برجوعه، هو ابن صديق العائلة المقرب. اتجمعنا على طاولة الغدا كلنا. كنت حاسة بتوتر وكأن قبضة بتعصر معدتي، مشاعري مش فاهماها، بس أنا شايفة مراهقتي فيه، وقت ما كنت مش شايلة هم حاجة. ودون إدراك مني، رفعت عيوني لليمين وشوفته "نوح"، جوزي، وهنا شوفت حاضري التعيس.
استأذنت منهم وروحت الحمام، خوفت لأضعف قصادهم ووقتها مش هيرحموني. وقفت قصاد المراية بعد ما حاولت أهدّي أعصابي. وجوده عرفني قد إيه حياتي اتدمرت. تحملت غلط مش ليا، وكلّه لأجل العيلة. خرجت بعد وقت، لكن جسمي رجع خطوة بتفاجؤه لما لقيت واقف قصادي. لابس بدلة سودا ورفع خصلاته السوداء لفوق وبيتناول سيجارة. ابتسمت ليه بإرتجاف وأنا ببعد عنه، لكنه وقفني لما قال بصوته الغليظ: _أنا فاكرك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!