الفصل 9 | من 14 فصل

رواية آخر نفس الفصل التاسع 9 - بقلم رشا روميه

المشاهدات
16
كلمة
1,868
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18

أنتِ عقاب لي أم أنتِ حظي الطيب، ياليت كل الظروف انعكست لتبقي لي وحدي. لم اجتمعت كل الأسباب لنفترق حتى قبل أن نقترب، غنية فريدة من نوعك تحبين صديقي، يا ليتك فتاة عادية... يا ليتك لي. تنهد زيد بتحسر ومازال يطالع حسناءه وهي تزيل كل تلك الشوائب عن وجهها الجميل. كلما أزالت الألوان المختلطة من وجهها زادت نوراً وإشراقاً أكثر. لمح هادي يدنو منه بملامح ممزوجة بالتقزز ليسأله زيد بفضول: _مالك؟ العفاريت طالعة في وشك ليه؟

ألقى هادي بجسده إلى جوار زيد متذمراً: _شوف لي حل أخلص من اللازقة دي، أنا مقدرش أكمل حياتي مع واحدة زيها. اعتدل زيد بدون فهم ليتساءل باستنكار عما يلمح له هادي: _قصدك مين؟ ياسمين؟ _هو فيه غيرها؟ أثار كامل انتباهه ليسأله بتلهف شديد: _وضح كلامك، عايز تسيبها ليه؟ انت مجنون؟ _ده أنا أبقى مجنون لو كملت، دي بقت مشوهة يا عم، فاهم يعني إيه؟ مشووووهه!

تحركت شفاه زيد باشمئزاز من صديقه سطحي التفكير وأراد لو يلكمه لكمة تجعله يفيق من عنجهيته وأنانية. كاد أن ينفجر به غضباً لمجرد التفكير بها بتلك الصورة، ثم سرعان ما تمالك نفسه متفكراً في الأمر أن تلك هي فرصته للتقرب من ياسمين، فكيف يضيعها؟ _ماشي، سيبها، بس رأيي خليك صريح وواجهها بكلامك ده، ملهاش لازمة اللف والدوران. تقوست شفاه هادي للأسفل وهو يلوح بكفيه رافضاً: _لالالالالا...

أنا حخلع من سكات، بلا مواجهة بلا وجع قلب، خليني كده في الخفيف خفيف. حرك زيد رأسه يميناً ويساراً بضيق من تصرفات صديقه يرفض تماماً أسلوبه وطريقته. رفع هادي حاجبيه مشيراً تجاه الأمام قائلاً: _الظاهر صاحبك لقى له حتة طرية تطري على قلبه. نظر زيد بنفس اتجاه إشارة هادي ليجد عامر قد جلس إلى جوار يارا، تعلو وجهه ابتسامة هائمة وكأن طيور الحب تحلق فوق رأسيهما، ليلوح بيده بغير اهتمام وهو ينهض من جلسته. _بس بس، خليك في حالك. ***

انتهز عامر فرصة انشغال الجميع بوقتهم المستقطع ليتجه نحو يارا والتي كانت بانتظاره أيضاً دون الإفصاح عن ذلك. _تعبتي؟ _لا عادي، وانت تعبت؟ _لا أبداً، أقعد معاكي ولا حضايقك؟ _لا خالص، اتفضل. لم تكن تعلم بأن تلك الرحلة ستكون باباً جديداً بحياتها وأن تقابل شاب كعامر يهتم بها ويتودد إليها بكل فرصة سانحة.

كان حديثهم عاماً للغاية لكنهم كانوا سعداء بذلك القرب الجديد لتولد تلك الشرارة بينهم وبداية إعجاب من الطرفين لم يكن ليحسبا له حساب. *** اتجهت زينة لهادي بعد تحرك زيد تحدثه عن عملها هي وياسمين معه، لكنه كان متعباً للغاية ولم يلبث الحوار معهم سوى دقائق قليلة. *** حاولت ياسمين إلقاء نظرة خاطفة على جرحها المتألم حين باغتها زيد بصوته الرجولي: _كنت فاكر إن الكهف دايماً ضلمة، بس غريبة أنا شايف نور جامد أوي.

ضيقت ياسمين عيناها بعدم فهم متسائلة عن هذا الطريق المضيء الذي يشير إليه زيد: _فين؟ فين النور ده؟ خلاص حنخرج؟ علت عيناه تلك النظرة الهائمة التي سحبت ياسمين ببحورها دون عودة. _النور قدامي أهو، مش في أي حتة تانية، انتي النور اللي حينور لي طريقي. أشار بوجهه تجاهها لتتيبس بمحلها وقد ارتفعت دقات قلبها بقوة، أيغازلها؟ أهكذا يكون الغزل؟ ياله من إحساس رائع، لكن من الشخص الخطأ مرة أخرى.

ابتلعت ريقها باضطراب لتتهرب من مشاعر زيد التي فاضت حولها، لقد أحبت ذلك الغزل ولو مؤقتاً، لكنها لا يجب عليها فعل ذلك لتنفعل تنهره بقوة عن قربه المفاجئ. _زيد، لو سمحت، اعرف حدودك. تدارك زيد نفسه ليبقي مشاعره لنفسه قبل أن يتنحنح معتذراً. _إحم، آسف، أنا بس كنت جاي أقولك شكلك كده أحلى بكتير من المكياج واللبس الضيق اللي كل الناس مبتنزلش عينها عنك بسببه. جميلة، طبيعية، محتشمة.

هكذا أحبت وهكذا أثنى عليها بخلاف هادي الذي لم يعجبه الأمر. إطراء أحبته لكن طبعها الثائر جعلها ترفض ذلك منه لتهتف بحدة وتهكم بذات الوقت: _ولو، خليك في حالك يا أخ. _أخ! قالها زيد بتفاجئ ثم ابتسم بخفة عائداً إلى بقية الشباب. بينما تجمعت الفتيات لإخراج فراشهم للمبيت فقد كاد اليوم أن ينتهي أيضاً وهم مازالوا لا يدركون الليل من النهار. *** في المساء... بيت ياسمين. ترى من يرضى بنصف العمى؟ ألهذه الدرجة نرضى؟

جلست سعاد وعلى ملامحها ارتسمت علامات للرضا والراحة حين ارتضت بنصف العمى وقد وصلت باتصالات مندور المتواصلة بمكان رحلة ياسمين. شعرت بالراحة لمجرد معرفة إلى أين ذهبت تحديداً حتى مع عدم معرفتها بأي شيء عنها وعن وضعها وأحوالها، لكن يكفيها علمت أين ذهبت بالتحديد. ارتخى مندور بغرور وخيلاء لما توصل إليه كمن ظفر بعراكه مع الأسد ليجلس متفاخراً قائلاً:

_اطمنتي يا ستي، أهي طلعت رحلة تبع شركة معروفة ومشرف كمان، نتصل بقى بالمشرف نطمن عليها ويبقى كله تمام. _مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه يا مندور. _عشان تعرفي بس إنك متقدريش تستغني عني. بابتسامة جانبية ارتقتها كثيراً ثم أجابت كاذبة لما تشعر به: _مندور، الكلام ده قطعناه من زمان وخلاص. شعر مندور ببريق أمل جديد ليهتف مستغلاً تلك الفرصة: _اللي اتقطع يوصل وترجع المية لمجاريها. _إحنا في إيه ولا في إيه؟

_ده هو ده اللي إيه وإيه وإيه. ليكمل مندور استغلال فرصته جيداً وأخذ يحايل زوجته لربما ترضى لتعيد أسرته مرة أخرى، بينما لم تكن سعاد متشبثة تماماً برفضها لقربه. *** قضت ليلة أخرى ولم يتغير شيء وأهل الصباح، بينما الظلام مازال حالك بداخل الكهف. بدأت رحلة البحث عن مخرج مرة أخرى لكنها لم تستمر طويلاً حين تفاجأت المجموعة بنهاية هذا السرداب بطريق مسدود تماماً. وقفت المجموعة بصمت للحظات ما بين مشتت ومصدوم وفاقد للأمل.

تطلعوا فيما حولهم بيأس لتبدأ أنظارهم وهمساتهم التي تحولت لصراخ منفعل تجاه زيد كما لو كان هو فقط المسؤول عما يحدث لهم. _حنعمل إيه دلوقتي؟ الطريق طلع مسدود! _ما تقول ياااا، قائد مش انت اللي خليتنا نمشي! _يعني إيه؟ مفيش مخرج؟ كانوا يلتمسون منه حلاً لما آلت إليه الأمور، لكنه صمت تماماً وهو يتطلع بوجوههم اليائسة تتشبث بآخر أمل لهم بوجود حل عنده. لكن اليأس أصابه أيضاً لتتهاوى قوته قائلاً بصوت خافت استطاع الجميع سماعه

بوضوح بهذا المكان الصامت: _للأسف، مش عارف، ده آخر الطريق، معنديش حل يا جماعة. لكن قبل انهيارهم قالت يارا: _طب ما ممكن نرجع يمكن حد يكون وصل لحاجة. أومأ الجميع بالموافقة لتبدأ رحلة الرجوع لمدخل الكهف فربما تكون وصلت مجموعة أخرى لمخرج من الكهف. *** بيت ياسمين. حملت حقيبة يدها وهي تخرج مسرعة ومازالت تسند الهاتف إلى أذنها قائلة: _أنا نزلت خلاص يا مندور، استنى!

استنى إيه بس، ده انت بتقول إن المشرف نفسه محدش عارف يوصل له، والمعلومات عنهم واقفه ومش عارفين هم فين بالضبط، ماشي ماشي، أنا جايه لك في السكة على طول أهو. أغلقت باب الشقة من خلفها متجهة لمقابلة مندور للذهاب لشركة الرحلات، فبعد محاولات عدة للوصول لمشرف الرحلة لم يتمكنوا من الوصول إليه، فهاتفه أيضاً مغلق ولم يجدا سبيلاً سوى الذهاب لمقر الشركة نفسها للاستفسار عن الأمر ومعرفة أين هم تحديداً. *** الكهف.

أكملت ياسمين طريقها ومازال الألم يدب بجسدها لكن فضولها لم يمنعها من الاقتراب لخطوات تجاه زينة الصامتة منذ الأمس لتتساءل بتعجب: _مالك يا زينة؟ ساكتة أوي من امبارح مش عوايدك؟ تنفست زينة بضيق وهي تردف بغموض: _مفيش. ألحت عليها ياسمين بالسؤال فهي ليست من طبعها الصمت بتلك الصورة، كما شعرت بضيقها من خلال ردها المقتضب. _مالك بجد؟ إيه اللي مزعلك؟ فكرت زينة لبعض الوقت قبل أن تجيب تساؤل ياسمين بصوت ضعيف:

_مخنوقة من صاحبتك دي الصراحة، حساها سهوّنة كده مش مرتاحة لها خالص. أجابتها ياسمين بنفي قاطع: _حرام عليكي، دي طيبة وغلبانة. اشرأبت زينة برأسها قليلاً قبل أن تلقي شكوكها بقلب ياسمين أيضاً: _دي غلبانة دي! طب خدي بالك بقى أحسن شكلها بترسم على تقيل. أنهت عبارتها وهي تضرب كتف ياسمين بخفة وهي تستكمل محذرة ياسمين من يارا. _دي وقعت عامر في يوم، وشايفاها كمان بتحاول تقرب من هادي الصبح.

اتسعت عينا ياسمين العسليتان باندهاش لتعيد بصرها تجاه يارا ثم تنظر تجاه هادي كما لو تود أن تتأكد من حديث زينة. بذات الوقت وقفت يارا برفقة هادي لتلاحظها ياسمين والتي شعرت بمدى سذاجتها ومدى خبث يارا وشرها، أيعقل أن تكون بمثل تلك الوضاعة، أيعقل أن تكون أعطتها حجماً أكبر من حجمها واهتمام لا تستحقه مدعية صفة الطيبة والضعف. التفتت نحو زينة وقد امتلأت عيناها بتساؤلات عدة حين هتفت: _معقول ده؟ ممكن تكون بالخبث ده؟

معقول ضحكت عليا وخدعتني بمظهر البريئة الغلبانة؟ _شفتي بقى، المثل بيقولك إيه، حرص ولا تخون، وأنا من يوم ما شفتها مش مرتاحة لها. _الظاهر عندك حق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...