الفصل 3 | من 14 فصل

رواية آخر نفس الفصل الثالث 3 - بقلم رشا روميه

المشاهدات
19
كلمة
1,839
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

لحظات من حبس الأنفاس وقد تساقط الجميع فوق بعضهم البعض أرضاً كالأوراق المتساقطه وسط صرخات فزعه وشعورهم بأنها النهايه قد أوشكت وإقتراب شبح الموت منهم. ليعم بعد مرور بعض الوقت الهدوء والإستقرار كأن شيئاً لم يكن ليبدأ الجميع بالإستناد والوقوف مرة أخرى محاولين فهم ما حدث للتو حين إستمعوا لصوت مشرف الرحلة قائلاً: _متخافوش ... دى العجله فرقعت ... حصل خير ... أستأذنكم بس ننزل من الباص عشان نغير العجله.

تحركوا تجاه باب الحافله للخروج منها بصورة متتاليه حين رمق "زيد" "ياسمين" بإستهزاء وهو يردف بصوت خفيض للغايه خصها هي فقط به لتستمع لكلماته المستهزئه: _عجله هاه ... مش كوارث وبلاوي سلسله الست "ياسمين" ... !!! عقصت أنفها وهى تضيق بين حاجبيها بقوة قائله بغيظ وهى تضربه بكتفها قبل أن تترجل من الحافله: _حتشوف.

حرك "زيد" رأسها رافضاً وهو يبتسم بخفه قبل مغادرة الحافله فقد شعر ببعض السعادة بهذا القرب منها حتى لو كان مجرد مشاكسه بينهم. ترجل الجميع إلى خارج الحافله بإنتظار أن يقوم السائق بتبديل هذا الإطار الذى إنفجر منذ قليل. تغيب عقلهم للحظات متوهمين أن هذا الإنفجار كان سوء حظ سببه ضياع سلسال "ياسمين" لكن سرعان ما إختفى هذا السبب الواهي عن أذهانهم منشغلين بالحديث سوياً منقسمين لعدة مجموعات.

جلست "ياسمين" أرضاً فمازال هذا الإحساس بالخوف يغمرها، وقد أخذ خيالها يتوقع السوء الذي ستتعرض له بعد ضياع السلسال. فهي إن لم تجد سلسالها الضائع ستكون قد وقعت بلعنة سوء الحظ ولا تدرك وقتها ما سوف يصيبها كما قال لها العراف من قبل.

فمنذ بضعة سنوات تقابلت بالصدفة مع أحد الدجالين هي وبعض صديقاتها، هذا الرجل ذو الملابس الغريبة فقد ارتدى جلباب مزركش بلون أخضر منقوش برسومات غير مفهومة باللون الذهبي والأزرق مرتدياً العديد من السلاسل والعقود الغريبة تحمل جميعها تمائم مختلفة جذبت انتباه "ياسمين" بقوة ليهديها إحداهم قائلاً بصوت مربك للنفس: _السلسلة دي تعلقيها في رقبتك وأوعى تقلعيها ... دي سلسلة الحظ والسعادة ...

لو قلعتيها أنا مش مسئول عن إللي حيحصل لك ... حتقعي في كوارث ملهاش حد .. ممكن تنهي حياتك كلها. طريقته الغامضة أكسبت تلك الهدية رهبة شديدة بنفس "ياسمين" لتحرص عليها جيداً طوال تلك السنوات لما ربطته بذهنها من حظ سعيد حالفها منذ ارتدائها لتصدق تلك الخرافة التي وضعها هذا العراف حول تميمة حظها. دنت "زينة" من "ياسمين" المتجهمة تخفف عنها ضيقتها لضياع سلسالها المحبب:

_خلاص بقى يا "ياسمين" .. سلسلة وراحت خلاص .. متحطيهاش في بالك. زفرت "ياسمين" بضيق مردفة: _دي سلسله حظي يا "زينة" من غيرها كل حاجة ممكن تقف وممكن يجري لي حاجة كمان. زمت "زينة" فمها بإلتواء خفيف متمللة من تفكير "ياسمين" الغريب: _إنتي بتصدقي يا بنتي الخرافات دي ... !!!! دي كلها أوهام ... مفيش كدة أصلاً. _لأ فيه ... مش إنتوا مش مصدقينى ... حتشوفوا ... وأولها عجلة الباص أهو. _بلاش تخاريف .. ده قضاء وقدر ... عادي بتحصل.

إلتزمت "ياسمين" الصمت قليلاً قبل إقتراب "هادي" و"عامر" و"زيد" نحوهم. أسرع "هادي" بخطواته تجاههم ليجلس إلى جوار "ياسمين" موجهاً حديثه لـ"زينة": _ماا ... تقومى كدة تتمشى لك شوية ... ولا تاخدى لك لفة مع "عامر" و"زيد". شعر ثلاثتهم أنهم غير مرغوب بهم وسط "هادي" و"ياسمين" لتجيب "زينة" أولاً بتملل: _اااه ... هي بقت كدة ... ماشى ... أنا قايمة.

وقفت "زينة" تبحث بعينيها عن وجه تذهب إليه بهذا المكان الخالي تماماً من أي شيء فقط تعطلت الحافلة بالطريق الصحراوي يحيطهم الرمال فقط من الجانبين. ربما كانت تنتظر دعوة من أي من "عامر" أو "زيد" لمصاحبتها لكن التزم كلاهما الصمت وتراجعا معاً مبتعدين عن الثنائي المحب كما طلب "هادي". لم تجد بد من أن تتجه نحو "يارا" المنزويه بالقرب منهم بدلاً من بقائها بمفردها.

رسمت "زينة" ابتسامة مختنقة فوق ثغرها سرعان ما تلاشت بعد وقوفها مع "يارا" لكن كان الصمت جلياً تماماً وفضلت "زينة" مراقبة "هادي" و "ياسمين" عوضاً عن التحدث مع "يارا"، كذلك كانت مهتمة للغاية بإستراق السمع لما سيقوله لها "هادي" فربما يحدثها بما طلبه منها من قبل وتخشى من رفض "ياسمين".

بدأ "هادي" حديثه مع "ياسمين" بطريقته الحنونة الساحرة التي جذبتها إليه، تلك الطريقة الناعمة التي تليق بمظهره المنمق للغاية وملامحه الوسيمة الملفتة للنظر. فـ"هادي" كان أوسمهم جميعاً حسن المظهر منمق الملبس لأبعد حد يبدو عليه الثراء والتنعم، لكن ذلك أكسبه بعضاً من الغرور فهو مدرك أنه محط الأنظار وغاية لبعض الفتيات، لكن "ياسمين" أطاحت بتلك الهالة الواهية ليصبح هو متتبعها منتظراً رضاها وقبولها به في حياتها.

مجرد اختيار "هادي" لـ"ياسمين" أشعرها ذلك بالإطراء لتجلس بزهو شديد وهي تعلم جيداً أن هناك عيون كثيرة حاقدة على اختياره لها خاصة بالقرب منه، لكنها استعاضت بأن تكون ثقيلة رافضة بدلاً من أن تظهر بمظهر تلك الفتاة الخفيفة التي طار عقلها بقربها شاب مثل "هادي" منها كما أوصتها "زينة". نظر "هادي" بهيام تجاه "ياسمين" قائلاً: _تصدقي ... نور الشمس مخلي عينيكى لونهم حلو أوى ... يا ريت معايا الكاميرا عشان أصورهم.

أمالت "ياسمين" شفتيها بابتسامة خفيفة ثم أردفت بمشاكساتها المعتادة: _سلامة نظرك ... هو إنت أول مرة تشوفهم ولا إيه. _لأ طبعاً ... كل مرة بشوف عنيكى وكأني بشوفهم لأول مرة. يأخذها أسيرة بحديثه الناعم بكل مرة، كم يطربها تغزله بها دوماً لتشعر كما لو كانت تحلق فوق السحاب، لكنها سرعان ما تتراجع وتتشبث بموقفها المعارض حتى لا يمل منها ويظل يتابعها بكل مكان. _ثبتنى أنا بقى بالكلمتين دول. _شكلك لسه زعلانة على السلسلة بتاعتك ...

طب إيه رأيك حجيب لك سلسلة محصلتش قبل كدة. تذكرت "ياسمين" سلسالها لتتجهم قليلاً قبل أن يتخذ الحديث مجرى آخر بسؤاله: _فكرتي يا "ياسمين" في العرض إللي عرضته عليكي ... ولا لسه باباكِ معارض. ابتلعت "ياسمين" ريقها لتتحول نظراتها نحو "زينة" أولاً قبل أن تعود بنظراتها نحو "هادي" محاولة رسم ابتسامة كاذبة فوق محياها قائلة ببعض من التلعثم: _اه .. أاااا ... بابي مش موافق خالص ... يعني ... موضوع الشغل ده ... مش أاااا.

لحقتها "زينة" على الفور حين لاحظت أن "هادي" سيسأل "ياسمين" عن رأيها النهائي بعرضه السخي: _جرى إيه يا "ياسمين" .... لازم التقل ده يعني. ثم نظرت تجاه "هادي" محدثة إياه بثقة تامة: _أصل إنت يا "هادي" متعرفش عمو "مندور" ده صعب إزاي ... بس متقلقش ... أنا و"ياسمين" كلمناه وهو تقريباً معندوش مانع .. بس لازم نبدأ بقى أحسن عمو "مندور" و"ياسمين" مسافرين فرنسا كمان شهرين. رفع "هادي" حاجباه بإندهاش: _شهرين ... !!!

ده كدة لازم نبدأ بعد ما نرجع من الرحلة على طول. رفعت "زينة" حاجبيها وأخفضتهما بمعنى بالتأكيد ليتجه "هادي" بحديثه نحو "ياسمين" قائلاً: _تمام ... يبقى معادنا أول ما نرجع على طول ... اوك. شعرت "ياسمين" بأنها قد تورطت للغاية لكنها لم ترفض أيضاً لتومئ بالموافقة مجبرة على ذلك فقد ورطتها "زينة" بما قالته لـ"هادي".

تآكلت الغيرة بقلب "زيد" وهو يتابع حديث "هادي" مع "ياسمين" لكنه بكل مرة يجبر قلبه على التراجع فهو صديقه ولن يخونه، لكن قلبه خائن ولا يتوقف عن النطق بإسمها فقط. انتهى السائق من تبديل الإطارات ليعلن مشرف الرحلة على عودتهم للحافلة لإستكمال طريقهم. ليعود كل منهم لمقعده لتلوم "ياسمين" بشدة صديقتها "زينة" على ما ورطتها به للتو لتردف بصوت خفيض للغاية: _كدة برضه ... ورطينى معاه ... أنا مش مرتاحة يا "زينة".

إستدارت "زينة" قليلاً بمقعدها لتردف بإقناع تام لـ"ياسمين" بأن هذا هو القرار السليم: _ورطة إيه يا بنتي ... دي فرصة جايه لنا من ذهب ... واحد زي "هادي" مصور محترف في مجلات عالمية حيخلينا في حتة تانية ... عايزنا نصور عرض ملابس حيشهرنا ونكسب فلوس منحلمش بيها ... نقوله لأ ليه. _بس كان لازم تفهميه إننا أغنياء أوى كدة. أجابته "زينة" بتهكم بالغ: _هاه .. أمال أقوله إننا فقراء وبنعدي اليوم بيومه ...

الناس الغنية إللي زي دول بيدوروا على الأغنياء إللي زيهم ... أمال أنا بخليكي تلبسي زيهم ليه ... وتحطي مكياج زيهم ليه ... عشان نبقى شبههم ... ساعتها نشتغل معاهم ونكسب فلوس كتير ... ده .. غير إن "هادي" وقع لشوشته ولا حد سمى عليه في هواكي. زفرت "ياسمين" بضيق فهي بالفعل انصاعت لكل آراء "زينة" بضرورة مواكبتها للموضة والأزياء وبدلت من ملابسها حتى أصبحت ترتدي كما تخبرها صديقتها كأولاد الأغنياء، لكن الكذب يؤرقها تماماً.

_بس يا "زينة" ... مش حابة الكدب ده ... بيخنقني أوى. _بس بس ... متبقيش فقرية ... خلينا نعيش بقى بدل الفقر إللي إحنا عايشين فيه ... ولا عاجبك حالنا. إلتزمت "ياسمين" الصمت بعد حديثها مع "زينة" فهي تتحدث بمنطقية للغاية لكن مازال بداخلها قلق وضيق لكذباتها المتتالية لرسم صورة لا تماثل حقيقتها أمام "هادي" وبقية زملائهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...