لم يتوقف ثانية ليشرح له، بل هبط للأسفل راكضاً وقد انقطعت أنفاسه داخل صدره لمجرد أن أخاه وابنه الروحي قد يصيبه أي مكروه. ركض خلفه حسام وهو ينادي باسمه ليتأثر قليلاً ولا يتهور، ولكن عقله ليس بمكانه الآن، فكل ما يراه أمامه هو أخيه وفقط. كان الجميع في ريبة مما سمعوه، فذهبوا سريعاً للشرفة المطلة على الشارع، فإذا بعيون الفتيات تتسع بصدمة وقلق عندما رأوا مصطفى معلقاً من ملابسه على إحدى العلاقات الحديدية في مكان بيع اللحوم
(الجزّارة) الخاص بأشهر اسم في هذا الحي وهو المعلم حسن الجحش. دق قلب زهراء بخوف وبدأت دموعها في الهبوط عندما رأت يونس ومعه حسام يتوجهون نحو المكان، وعيون يونس لا تبشر بالخير بالطبع. ظلت تناجي ربها بأن يحفظ حبيبها وأخيه وصديقهم. في الأسفل
تعجب كثيراً عندما وجد أخاه في هذه الحالة، فكان معلقاً وكأنه إحدى الذبائح، وهذا المدعو بالمعلم حسن يجلس بجواره على إحدى الكراسي الخشبية، مرتدياً جلبابه البني اللون ويتنفس دخان هذه الأرجيلة وهو يضع قدم فوق الأخرى. زفر يونس بضيق، ولكنه هدأ قليلاً، فهو يعلم أن حسن يحبه ويقدره، ومن الواضح أن أخاه المعتوه أخطأ في إحدى الأمور. تقدم منهم ويبدو عليه القلق. يونس بضيق: في إيه يا معلم حسن؟ أي الشوشرة دي ومالك معلق الواد كده؟
لي دا يصح برضو أخويا أما يتعلق في وسط الحارة كده؟ دا العشم اللي بينا برضو يا معلم. نفخ بعض الدخان الملوث غضباً، ووضع الأرجيلة جانباً، ومن ثم هب واقفاً في مستوى يونس، ولكنه كان أقصر قامة منه. تحدث بطريقة غجرية كالعادة: مهو لو تعرف اللي عمله هتعرف إنّي مَجيتش يمّه عشانّك. أنا بس عاملك احترام، طول عمرك راجل ومجدع يا ابن الأصول. زفر يونس بضيق
وحسام يربت على كتفه ليهدأ: طب قلي يا معلم، نورني ولو ليك حق، انت عارفني، حقك هيجيلك لحد عندك. تحدث مصطفى بضيق وهو معلق من فوقهم: هو انتو هتتكلموا وأنا متعلق فوق كده وسط الدبايح؟ متنزلوني الأول. كبت حسام ضحكاته بصعوبة، فالموقف لا يتحمل أي سخرية: قلنا يا معلم، في إيه؟ أمر حسن إحدى رجاله بجلب كراسي من أجلهم، مما أضاق بيونس، فكل هذا يمر وأخوه معلق هكذا. ولكنه انصاع له حتى لا يعطي للموقف أكثر من حجمه. ومن ثم بدأ حسن بأخذ
نفس عميق وتحدث بحدة واضحة: شوف يا ابن الأكابر، من وقت ما حطيت رجلك في المنطقة دي وانت فوق راسنا كلنا، انت والجماعة بتوعك، صح يا بني ولا أنا غلطان؟ يونس بضيق: صح يا معلم. حسن: ولا عمري فكرت أجى عليك ولا أأذيك، والشهادة لله من وقت ما اشتريت شقتك هنا وانت ابن حلال وفي حالك. بس انت صعيدي ودمك حامي وعارف إن كله كوم وحرمة البيت دي كوم تاني خالص، صح يا ابن الأصول.
يونس بإيماء: صح يا معلم. بس معلش، أنا مش فاهم إيه دخل حرمة البيت دلوقتي في موضوع أخويا، وضّح لي. حسن بغضب: لما تبقى البت بنتي معدية والاقي أخوك والصبي بتاعك بيبصوا عليها وبيتمهمزوا، دا بقا خط أحمر عند المعلم حسن الجحش. وأول ما جيت قلت لك انت ابني وفوق راسي وأكدت عليك، كله إلا حريم بيتي. يونس بصدمة مما سمعه: يا معلم، أكيد فيه حاجة غلط. أنا أخويا من مش نوع الشباب دول، وكمان متجوز يا معلم، انت تعرف عننا كده؟
المعلم حسن بنبرة صادقة: الشهادة لله لأ. طول عمركم عيلة سمعتها النضيفة مسمعة في كل حتة، بس أنا مش هكذب عيني يا معلم يونس، وأخوك والصبي بتاعك غلطوا، وحقي أنا باخده بإيدي. حسام بضيق: يا معلم، طب مش ليه أهل تعرفهم؟ وبعدين أكيد فيه حاجة غلط، ميصحش اللي بيحصل دا. ثم أكمل بنبرة خبيرة: دا إحنا هنا عايشين بحسك وفي حمايتك، هنبص لبنتك إزاي بس؟
وبعدين دا إحنا اللي نتصدر ليها لو حاجة مستها تقوم تقول بنبص عليها ونتكلم، دا كلام المعلمين برضو. مرر يده في شعره الكثيف وهو يزفر بضيق: يا معلم، نزله بس وليك عندي، مش هنزله الحارة تاني لو دا يرضيك، ولو عاوز آخد الجماعة بتوعي ونمشي من هنا، بس أنا أحلفك على مصحف دلوقتي إن أخويا مستحيل يكون عمل كده. واللي يرضيك أنا تحت أمرك، أنا مقدر شعورك، من حقك تخاف على أهل بيتك من عيون الناس.
تلمس الصدق في حديثه، وبالأخص أنه يعرف يونس وعائلته حق المعرفة، كما كان مهران والد يونس صديق عزيز للغاية عليه، ويعلم بأخلاقهم وما حل بهم. زفر بحيرة وهو ينظر نحو مصطفى تارة، ويونس وحسام الجالسين أمامه تارة أخرى: أنا هسيبه عشان خاطرك يا يونس يا بني، ومفيش حاجة اسمها تبيع وتمشي دي، انت خلاص واحد من ولادي، وانت وأخوك وحريمكم في عنيا الاتنين. يونس بإطمئنان: ربنا يخليك يا معلم. دا العشم برضو. حسن بمقاطعة: بس بشرط واحد.
حسام بعدم راحة: خير يا معلم. حسن بحدة: يقولي أخوك والصبي بتاعه كانوا بيبصوا عليها لي. ثم أكمل بصدق: أنا واثق فيكم وفي حسن نيتكم، وعشان كده أنا بديهم فرصة أهو، واللي هيقولوه مهما كان أنا هصدقه إكراماً ليك يا معلم يونس. يونس بتوتر: طيب يا معلم، اللي تشوفه. ثم أكمل بتساؤل: أما فين أحمد يا معلم؟ الصبي بتاعي. مصطفى بصراخ غاضب ومضحك: حابسه جوه في التلاجة بقاله ساعة. الواد زمان دمه نشف. حسام بفزع: في التلاجة؟ إزاي دا؟
حسن بلامبالاة من صدمتهم: طلعوه يا واد من تحتيه وهاتوه هنا.
أومأ له رجاله، ومن ثم اتجهوا نحو المبرد الكبير والذي يحتفظ به بلحم البقر والماعز من التلف، فإذا بأحمد يجلس أرضاً منكمشاً على نفسه وجسده يرتجف بشدة، وجهه تكسوه الحمرة الشديدة من شدة البرودة. انحنى نحوه الرجال وجذبوه بقوة، ومن ثم اتجهوا نحو رب عملهم وأسندوه واقفاً، ومن ثم أشار له أن ينزلوا مصطفى، فاتجه نحوه إحدى الرجال والذي كانت بنيته ضخمة للغاية، فهو طويل القامة وملامح ضخمة غليظة وكثير العضلات والملامح الذكورية، فأمسكه بكف يده العريض وأنّزله أرضاً بذراع واحدة. نظر له مصطفى وهو يزدرق ريقه بتوتر.
مصطفى بلسان فلت وكالعادة: انت حقيقي ولا روبوت؟ ما شاء الله جثة. جبته منين دا يا معلم؟ نظر له جميع الموجودين بغضب، فانكس رأسه أرضاً والتزم الصمت. من ثم وجهوا نظرهم نحو أحمد الذي كان يقف بين هؤلاء الرجال يرتجف بدرجة كبيرة، حتى أشفق عليه حسن وأمر الرجال بإحضار غطاء له وكوباً من الشاي، وأجلسه على إحدى الكراسي القطنية، فبدأ في استعادة وعيه قليلاً.
حسن بخشونة: أنا بس إكراماً للرجالة دي، قال هذا وهو يشير على يونس وحسام الجالسين باحترام، وخصوصاً يونس لأنه راجل من ظهر راجل. غير كده كنت سيبتك في التلاجة لما روحك تطلع. اتفقت معاهم إني هسيبكم، بس تقولولي لي كنتوا بتبصوا على بنتي ومركزين معاها كده وكنتوا بتقولوا إيه. أنا عارف إنكم مش من شباب اليومين دول، وأكيد فيه سبب وأنا هصدقه. فا قولوا.
نظر مصطفى نحو أحمد بتوتر وازدرق ريقه بخوف مما سوف يحدث إذا أخبره بالحقيقة، فالكل يعرف همجية وقوة هذا المدعو حسن، فهو كبير تلك المنطقة ولديه حاشية من الرجال الوحوش كما يطلقون عليهم. حسن بحدة: إلاّه! جرا إيه منك ليه؟ انت هتقعدوا باصين لبعض كده؟ ما تخلصوا وتتكلموا زي الرجالة بدل ما أرجعكم التلاجة تاني. أحمد بسرعة وتوتر: خلاص يا معلم، أنا هقولك على الحقيقة وربنا عالم بنيتي.
عندما انقضوا من تناول فطورهم على إحدى السيارات المتنقلة الخاصة بصنع طعام الإفطار المصري الشعبي، ذهبوا في اتجاه الورشة الخاصة بهم وبدأوا في أداء روتينهم اليومي من إجراء كشف بالمطلوب منهم والتنظيف وغيره. فشرد أحمد أمامه وبدأ يبتسم بحب رويداً رويداً وعينيه مسلطة أمامه بترقب. لاحظه مصطفى فتقدم منه ولزقه في معدته بقوة لكي يتأكد منه. مصطفى بتعجب: في إيه يا بني مالك؟ بقالي ساعة بنادي عليك.
أحمد باستدراك: معلش يا معلم، محدش بالي. كنت عايز مني إيه؟ مصطفى بقلق: مالك يا بني في إيه؟ متقلقنيش عليك، إيه اللي شاغل بالك؟ أشار بعينيه في اتجاه إحدى الفتيات الصغيرات والذي عمرها لا يتجاوز الخمسة عشر عاماً، وقد لاحظ مصطفى أنها تنظر لهم خلسة في خجل. قوس مصطفى حاجبيه دلالة على عدم فهمه لما يحدث، فابتسم أحمد وتنهد بحب.
أحمد بصدق: بحبها أوي يا معلم. من أول ما عيني جات عليها من سنة وأنا كل يوم بفكر فيها طول الوقت. لما بشوفها قلبي بيدق جامد أوي، ببقى فرحان بس في نفس الوقت خايف أوي. مصطفى باستماع: لي؟ إيه اللي مخوفك؟
أحمد بضيق: دي تبقى فاتن بنت المعلم حسن الجحش، يعني عمره ما هيرضى بيا. وكمان أنا لسه صغير، أخاف لما يجي وقت جوازي تكون اتجوزت. والله يا معلم بشتغل هنا في الورشة وبعد كده دليفري في مطعم، بس عشان لما أتقدم أكون جهزت شقتي ومعايا فلوس أجيب لها دهب يليق بيها. بس تفتكر أبوها هيصدقني؟ وكمان مليش أهل يقفوا جنبي. مصطفى بحب: إحنا أهلك. شوية بس كده تكبر شوية وتعقل تظبط حالك، وأنا هكلم يونس ونيجي معاك نخطبهالك.
وما أن أنهى تلك الجملة وجد قبضة رجال حسن تمسكهم في تلابيب ملابسهم بقوة. أحمد بخوف: بس يا معلم، دا اللي حصل. ولو عاوزني أحلفلك على مصحف، ولو عاوز تجازي حد وتاخد حقك منه، أنا موجود. المعلم مصطفى راجل محترم وعمره ما بص بره بيته، والكل يشهد بكده. ناس محترمين وما ينفعش يتبهدلوا علشاني.
ساد الصمت قليلاً، ومن ثم هب حسن واقفاً في هدوء مريب واتجه نحو أحمد، والذي ما إن رآه فوقف هو الآخر، وظل حسن يمشطه بعينيه من أعلاه لأسفله في غموض. حسن بهدوء: اتفضلوا امشوا. وانتوا على راسي وأنا آسف ليكم، بس دول ولادي يا يونس، وأنا عاوز أقرب ودنه شوية. يونس بهدوء واحترام: ولا يهمك يا معلم. انت ابونا وتعمل فينا اللي انت عايزه. يلا بعد إذنك.
ذهب الجميع إلى منازلهم، وأخرج يونس من جيبه بعض ورقات المال وأعطاهم لأحمد وطلب منه أن يرتاح. ولكن قبل أن يرحلوا، طلب حسن من يونس الحديث معه، فأومأ له بهدوء وانصرف الباقون وهم يأخذون أنفاسهم بسرعة من روعة الموقف. في المنزل
ما إن لاحظوا وقوفهم حتى هرولوا سريعاً نحو الباب وفتحوه في انتظارهم، وهبه التي اصفر وجهها بشدة وبدأت تشعر بالدوار وهذا بسبب مرضها المزمن، فهذه المواقف ترعبها كثيراً. وزهرة التي احمرت عينيها بشدة من شدة الخوف والبكاء. فدلفوا جميعاً دون يونس، وهذا ما أقلقها كثيراً. زهراء بتساؤل: أما يونس فين؟ مجاش لي؟
حسام بهدوء: اطمني، الموضوع اتحل. هو تحت المعلم حسن، قال عاوزه في كلمتين. يلا إحنا يا هبه نطلع نرتاح وتاخدي علاجك قبل ما تتعبي. بالفعل أخذ زوجته الحبيبة وصعدوا لمنزلهم الذي في الطابق العلوي، ودلف مصطفى بإرهاق من أحداث اليوم لغرفته لكي ينعم ببعض الراحة.
انتظرته ساعة واثنتين، ونظرت من الشرفة أكثر من مرة. ظلت تسير في غرفتها ذهاباً وإياباً من شدة توترها، ولكن لم يأتِ. كادت أن تنفجر من شدة القلق عليه. وما كادت أن تخرج من غرفتها قاصدة النزول لمكانه، إلا أنه دلف أمامه بوجه مكفهر ويبدو عليه الحزن. ركضت نحوه تحتضنه وكأنه غاب عنها سنوات وليست ساعات. "في إيه يا يونس؟ كنت فين يا حبيبي؟ دا قلبي كان هيقف من القلق. عمل فيك حاجة؟ رد عليا."
نظر إليها نظرات غريبة حزينة وهي تحاوط وجهه بيديها الصغيرتين الرقيقتين وتهز رأسها بهستيرية. "إيه يا حبيبي؟ قول." ساد الصمت لدقائق، ومن ثم تحدث بكلمة واحدة فقط: "هتجوز."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!