نظرت له بعيون متسعة وقد تلجم لسانها من آخر كلماته. نفضت يدها عنه وهي تستمع حديثه، وهو يشرح لها أن المعلم حسن أصر عليه أن يتزوج ابنته كنوع من الحماية لها، مقابل أنه سوف يؤمن له الحماية والرجال، وأيضاً يساعده في استعادة ماله وحقه من هذا المدعو ضاحي. وقد تم الإشهار بهذه الزيجة مع القريب والبعيد، وكل هذا وهي متسعة العينين وتنظر له فقط.
ولكنها عبثت ما بين حاجبيها عند استيعابها لهذا الحديث، فهدرت به بغضب، تلزكه في صدره بقوة. زهره بصراخ: حق إيه ده اللي يرجع بجوازك من واحدة غيري يا يونس؟ يونس بهدوء: أنا قلتلك إن ده هو الحل الوحيد. أنا مضطر لده يا زهره. ده غصب عني مش بمزاجي. زهره بسخرية: والله مش بمزاجك يا يونس. والفرح الكبير والمصاريف دي كلها وعازم القريب والغريب. ده حتى في فرحنا معملتش كده يا يونس. وتقول لي غصب عنك يا شيخ؟ حرام عليك.
يونس بغضب: زهره... انتي عارفة إني مش بحب الطريقة دي. متعصبنيش. زهره بسخرية: أعصبك! انت لسه شفت عصبية يا يونس. أنا معنديش حاجة أخسرها خلاص. يونس بغيظ: زهره... متختبريش صبري. زهره بثبات: احنا كده وصلنا لآخر الطريق يا يونس. يا أنا يا الجوازة دي. يونس بخوف: يعني إيه يا زهره؟ زهره بقوة: يعني اليوم اللي تبقى فيه واحدة غيري على ذمتك يا يونس... ده هيبقى آخر يوم ما بينا. يونس بثبات: تمام يا زهره. اللي تشوفيه.
زهره بصدمة: يعني إيه؟ يونس بهدوء: يعني انتي... كانت تنتظر أن ينطق بتلك الكلمة السامة كما وصفتها هي. الكلمة التي وإن نطقها لسانه، تقسم أنها سوف يتوقف قلبها في الحال. فلم تتحمل يوماً في بعده أبداً. شعرت بهذا الشعور من قبل وتعلم أنها لن تتحمل أبداً. بدأت دقات قلبها في الارتفاع، ووجنتاها التي احمرت بشدة من الخوف والتوتر.
فإذا بالصدمة تعتلي وجهها عندما رأته يضحك بشدة حتى ادمعت عيناه ووقع أرضاً من فرط الضحك. عقدت حاجبيها بتعجب وهي تراقب أفعاله. أقسمت في داخلها أنه قد جن رسمياً. زاد غضبها من ضحكاته والتي لأول مرة تستفزها بهذه الطريقة. فهبت واقفة تنهره بغضب واضح. زهره بغضب: انت بتضحك على إيه يا بارد انت؟ وبعدين مطلقتنيش ليه؟ هي كلمة "انت طالق" بتضحك أوي كده؟ مكنتش أعرف.
هب واقفاً أمامها ينظر لها بحب ونظرات لم تفهمها. ومن ثم جذبها إليه فجأة يحتضنها بحب واحتواء. تعجبت هي منه كثيراً. أغمضت عينيها تشتم أكبر قدر من عبيره داخل صدرها. ولكنها أفاقت على حالها ودفعته بعيداً بقوة وغضب، وقد احمر كامل وجهها وعينيها من الغضب.
ومن ثم توجهت نحو خزانة ملابسها تجذب ملابسها بإهمال تلقيها على السرير. وهمت بجذب حقيبة سفرها من فوق دولاب الملابس. فإذا بيده تجذبها مجدداً ويجلسها على السرير وهو يحاول أن يثبتها مكانها لكي يتحدث تحت مقاومتها وضيقها منه. يونس بتوتر: اسمعي بس يا بت... اهدي واسمعيني. والله بهزر معاكي. أقسم بالله.
هدأت في مكانها فجأة عندما استمعت لحديثه. تنظر له وعينيها قد امتلأت سريعاً بالدموع وهي تنظر له بعدم تصديق وعتاب. نظرتها التي افتكت بقلبه حرفياً. فكاد أن يبكي هو الآخر. أمسك كفيها بحنان وهو يقربهم نحو شفتيه يقلبهما بخبث، وهو يشتم رائحتهم بحب. يونس بصدق: والله ما أعرف أبص لواحدة غيرك حتى لو على موتي. أنا كنت بهزر بجد.
ثم أكمل بجدية: كنت فاكراكي مش هتصدقي وهتعرفي إني بهزر. مكنتش أعرف إنك هتزعلي بجد. قلت أنكشك شوية. يا ستي أنا آسف. بس عشان خاطري كفايا عياط. أنا مقدرش أشوف دموعك دي تنزل عشان أي حد حتى لو علشاني. أنا آسف يا حبيبتي. خلاص بقى يا ورق العنب مش كده؟ قلبي مش هيستحمل.
ابتسمت بخفة على آخر كلماته. ولكنه عبثت من جديد سريعاً مما جعله يبتسم بحب على طبيعتها والتي لا تتغير أبداً. ترك يدها ومد يده في جيبه أخرج منها علبة قطنية زرقاء راقية للغاية. ومن ثم مد يده إليها. فأخذتها منه بتعجب وهو ينظر لها ينتظر ردة فعلها بتوتر كمن ينتظر نتيجة الاختبار.
فتحت العلبة بفضول بعدما مسحت دموعها بأناملها الصغيرة. فإذا بخاتم باللون الفضي يبرق بطريقة جميلة للغاية. يتوسطه قلب صغير من الكريستال المقلد. ولكنه كان رقيق وجميل للغاية. فإذا بها تصرخ عندما قرأت الورقة الصغيرة المعلقة به. فإذا هي بماركة فضة معروفة وغالية الثمن نوعاً ما (pandora) زهره بصدمة: هو ده بجد ولا تقليد؟ يونس
بابتسامة جذابة وإحراج: كان نفسي أجبهولك ألماس بس انتي عارفة الظروف. سألت واحد صاحبي بيشتغل في الفضة قلي دي ماركة معروفة وحلوة جداً. فا جبته ليكي. زهره بعتاب: بس دي غالية أوي يا يونس. لي بس تجيب حاجة غالية كده؟ احنا أولى بكل قرش دلوقتي. وبعدين أنا كنت عاوزة خاتم فضة عادي بـ 150 أو 250 جنيه بالكتير. مش 5 آلاف جنيه. حك مؤخرة رأسه بطريقة فهمتها هي لتتسع عينيها بقلق وهي تسأله: انت أكيد مجبتش أغلى من 5 آلاف صح يا يونس؟
اوعى تكون صرفت الفلوس اللي حوشتها من شغل الورشة. يونس بسرعة: لا مش لدرجادي أكيد. بصي هو طلع لي علبة وبصراحة ده عجبني أوي. متخيلتهوش على حد غيرك. فا جبته وخلاص بقى. المهم عجبك. زهره بضيق وهي تضع يدها في خصرها وتعقد حاجبيها: بكام يا يونس؟ يونس: 7 آلاف بس. زهره بصدمة وسرعة: لا لا. لازم نرجعه. حرام انت طالع عينك في الشغل وبتيجي كل يوم مش قادر تتحرك. أنا مش عاوزة حاجة خلاص. يلا خد روح رجعه وهات الفلوس.
يونس بحزن: أنا بس كان نفسي أحس إني أقدر أشتري ليكي حاجة قيمة وماركة زي زمان. شعرت أنها أحزنته حقاً. فأخذت الخاتم مرة أخرى وهي تتفحصه بحب. فوجدت أنه حفر اسمه عليه باللغة الإنجليزية مما جعلها تبتسم بحب وهي تنظر له. ومن ثم رفعت رأسها وأشاحت بخصلاتها بعيداً بطريقة مرحة وهي تحتضن الخاتم بسعادة.
زهره بصدق: أنا عمري ما كنت بحب الحاجة عشان ماركتها أو سعرها. أنا كنت بحب الحاجة عشان منك انت يا يونس. كل يوم بستناك وأنت راجع وجايب لي شيبسي وأندومي وحلويات وببقى مبسوطة أوي عشان دايماً فاكرني وفاكر اللي بحبه وعاوز تفرحني. وبعدين انت إزاي تقول إنك مش قادر تجيب لي ده؟
انت كل شهر بتنزل تجيب لي لبس وميك أب وجزم وكل حاجة أكتر من الأول كمان. وما شاء الله الورشة شغالة زي الفل وبناكل أحسن أكل وعايشين في بيت كبير وجميل. وكفايا عليا دخلك عليا كل يوم بضحكتك دي. أنا هاخد الخاتم أصلاً ومش هديهولك. أنا كنت برخم عليك. ثم أكملت بغضب وقد تذكرت ما فعله بها منذ قليل: ولا انت فاكر إنك بس اللي بتعرف تضحك وتزعل الناس التانية.
نظر لها بحب. يا الله كم هي جميلة ورقيقة في كل حالاته. غضبها وفرحها وحزنها. كأنها أجمل مخلوقة خلقها الله وصورها بأحسن صورها. وهذا القلب التي تملكه الذي يحمل حب ودفء الدنيا بأسرها. أخذ منها العلبة وأخرج الخاتم. ومن ثم أمسك كف يدها وأدخله في إصبعها برقة وقبل يدها وهو يغمض عينيه يستمتع بقربها هذا.
يونس بصدق: مهما حصل عاوزك تتأكدي إني عمري ما أبص لغيرك. قلبي مش هيسمح لي بدا يا زهره. قلبي مش عايز ولا شايف غيرك. مش بقدر أميل لحد أصلاً. انتي مالية عليا حياتي ومالكة روحي بين إيدك. انتي بالنسبالي آخر واحدة في الدنيا. آخر بنات حواء. ثم تنهد تنهيدة طويلة ونظر لها ببريق عينيه العاشق المعتاد: انتي بالنسبالي "آخر نساء العالمين".
نظرت له بعشق وقد احمر وجهها بخجل وانتفخت خديها بطريقة لطيفة للغاية. ولكنها صدمته عندما ضمت يدها أمام صدرها وهي تلف وجهها في الجهة الأخرى. زهره بغضب مصطنع: بس ده مش معناه إنك صالحْتني. انت زعلتني ولازم آخد حقي منك. تعجب كثيراً من رد فعلها ولكنه ابتسم بتسلية وقد وضع يده أسفل خده ينظر لها بتلاعب: طب هتاخدي حقك إزاي؟ هتحبسيني؟ نظرت له بتحدي. فهو يستخف بها ولكنه لا يعلم
أن معشوقته أصبحت خبيرة به: لا يا حبيبي. انت هتروح زي الشاطر كده تاخد مصطفى في حضنك وتناموا سوا في أوضة الأطفال. (حيث أنه لا يصح أن ينام بغرفة الزوجية الخاصة بأخوه) يونس بصدمة وغيظ: زهره متهزريش. أنا صدقت إنه حل عني من ساعة آخر مرة. متبقيش رخمة. كتمت ضحكاتها بصعوبة وهي تمثل الغضب: والله بقى ده اللي عندي.
نظر لها بضيق ومن ثم أخذ ملابس النوم الخاصة به وتوجه بالفعل في اتجاه غرفة الأطفال وحاول جاهداً أن لا يراه مصطفى. أما هي بعدما أغلق الباب ظلت تقبل الخاتم بحب وسعادة كبيرة. في منزل هبه وحسام.
قد حضرت لهم بعض الشطائر الخفيفة مع كوباً من الشاي وجلسوا على الأريكة الكبيرة أمام شاشة التلفاز. وكان حسام يجري بعض المكالمات الخاصة بالعمل. فحتى لو كان في إجازة هذا لا يمنع أنه محاط بالكثير من المسؤوليات. نظر نحو هبه التي كانت شاردة وتبتسم ابتسامة أذابت قلبه بشدة. أنهى مكالمته ونظر لها وهو يحرك حاجبيه بتلاعب. حسام بمرح: اللي مفرحك كده؟ ولا تكوني فرحانة فينا؟ ده إحنا كنا هنتحط في التلاجة. ضحكت بخفة على حديثه
ومن ثم تحدثت بشعور صادق: أنا مكنتش أعرف إني هكون مرتاحة وسطهم كده يا حسام. طيبين وولاد حلال أوي. أنا حبيت زهره أوي. حبها هي ويونس غريب وجميل أوي. انت مش شفت كانت قلقانة عليه. مع إني كنت مرعوبة بس كنت بحاول أداري. بس كالعادة السكر فضحني. بس هي مكنتش عارفة تداري وعمالة تعيط وتقول يا رب رجعهم كويسين. استر يا رب. كانت بتقول الدعوة بالجمع بس أنا عارفة إنها كانت طالعة من قلبها ليه هو وبس. لهفتها عليه جميلة أوي.
نظر لها بحب. فهي رقيقة حتى في وصفها: هما فعلاً غراب جداً. اتحطوا في مواقف كتير وحشة. بس بصراحة زهره دايماً واقفة في ظهر يونس. هبه بتعجب: لحد دلوقتي مش عارفة أستوعب إزاي كانت الزوجة الثانية ليه. حسام باقتناع: ربنا لما بيبعت العوض مش لازم يكون بطريقة مباشرة. يعني يونس في الأول كان بيقول لعمي مهران الله يرحمه لي أنا أتزوجها وأنا متزوج ومصطفى مش متزوج. اهو هو أولى بيها. متخيلة؟ هبه بصدمة: بجد؟
ده طول ما إحنا قاعدين بيشد حجابها يعدله بس عشان شعرتين كانوا طالعين من الجنب. ده أنا حاسة إنه غار عليها لما أنا سلمت عليها. حسام بضحك: شفتي بقى. سبحان مغير الأحوال. هبه بتساؤل: مامتك وباباكي عاملين إيه؟ وحشوني أوي. حسام بهدوء: اطمني كويسين ومبسوطين جداً وبيسلموا عليكي. ثم أكمل بغمزة: وبيوصوني عليكي يا ستي. قوليلي هو أنا محتاج توصية؟
أشاحت بوجهها بعيداً وهي تبتسم بخجل. ومن ثم ركضت من أمامه متوجهة نحو غرفة النوم مما جعله يصرخ ضاحكاً: مسيرك تجيلي يا قمر. كان سيذهب خلفها ولكن أوقفه صوت الهاتف وهو يعلن عن وصول إحدى الرسائل. فقرأها باهتمام ومن ثم أجاب بجملة عابرة "هنفذ قريب أوي". ومن ثم اتجه خلفها وناموا سوياً. في غرفة مصطفى. كان يمدد جسده على السرير وهو ينظر لمجموعة من الصور عن طريق الهاتف والتي تجمعه بحبيبته سمية.
فرت دمعة هاربة من عينيه بحزن على فراقها. على الرغم من موقفها معه، إلا أنه لا يستطيع نسيانها أو كرهها. ظل يحارب ذاته حتى قارب النهار على الشروق، ومن ثم خلد للنوم بتعب من أحداث اليوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!