في منزل عائلة يونس كانت سميه تجلس في شرفة غرفتها، لم يزر عينيها النوم طوال الليل. بدأت معدتها تؤلمها بعدم اطمئنان، فقد ألمها قلبها كثيرًا عندما علمت أن والدها راقد في المستشفى، لا حول له ولا قوة بسببها. "حقًا يا الله، إن أبي يصارع الموت بسببي أم بسبب أخي العاق، أم بسبب ظلم أولاد آدم؟
" زفرت بضيق عندما وجدت تلك الأفعى تدلف إلى الغرفة وهي تتغندر، مرتدية ثوبًا قصيرًا كالعادة من اللون الأحمر القاتم، وتضع الكثير من مستحضرات التجميل. وبالطبع لن تفوت أي فرصة في أن تثير غضبها. دلفت ووقفت أمامها وهي تضع يدها على خصرها، وتبتسم بطريقة مثيرة للاشمئزاز. سميه تناظرها ببرود وهدوء تام، فما بها إذا ظهر الآن ستحرق وجهها وجسدها التي تتباهى به. ناهد بخبث: "إيه يا سميه...
مالك زعلانه كده ليه، ولا هتعملي فيها البنت الصالحة؟ ما أنتي بعتيهم كلهم عشان الفلوس، ولا ناسيه؟ مش ده كان اختيارك وكنتي بتقولي عليا أنا رخيصة؟ بصي لنفسك، مفيش فرق بينا." ثم أكملت بنبرة غليظة يملؤها الحقد: "إحنا الاتنين اتساوينا يا سميه، شفتي بقى." لم يرف لها جفن واحد حتى، بل ظلت تنظر لها بنفس البرود. ومن ثم ابتسمت بهدوء: "إنتِ غلطانة يا ناهد...
أنا وإنتِ مش زي بعض. أنا مبعتش جسمي للرجالة عشان شوية فلوس مليش حق فيها، ولا خونت جوزي، ولا عمري حاولت أقتل حد." أكملت بعيون قوية وتمثيل: "عمرك ما سألتي نفسك لو ضاحي أخويا بعد الشر حصل له حاجة، إنتِ هيبقى مصيرك إيه؟ طب أنا وأخته ليا حق في الورث أنا وأمي وأبويا، وهما مش هيبخلوا ياخدوا حاجة، فكل ده هيبقى باسمي أنا. عن إذنك هاخد دش أغسل الزبالة اللي حلت عليا وعلى الأوضة." ثم أكملت بنبرة خبيثة: "باي مؤقتًا يا رخيصة."
حديثها وقع على أذنيها وكأنه صاعقة من السماء. فعلى الرغم من دهائها وذكائها، إلا أنها لم تحسب حساب لهذا اليوم الذي يرحل فيه ضاحي عن الدنيا. فسميه لديها كل الحق، فهو حتى الآن يتهرب من فكرة زواجهم بكثير من الحجج. غضبت كثيرًا واحتدمت الدماء في عروقها وهي توعد في سرها لسميه، التي أخذت بعض الملابس ودلفت للمرحاض دون أن تعطيها أي اهتمام.
همت ناهد بالذهاب، ولكن لفت نظرها ذلك العقد الذهبي جميل المنظر وغالي الثمن بشدة. فابتسمت بخبث وأخذته وخرجت سريعًا قبل أن تلاحظها سميه. داخل المرحاض كانت المياه الساخنة تنهمر فوق جسدها بانسيابية، وهي تضع يدها في خصلاتها الكثيفة وترجعها للخلف بإرهاق وألم. وتمسد باليد الأخرى على معدتها المنتفخة، تطمئن ولدها في نفسها. سميه بثقة: "قربت أوي يا حبيبي... جدو هيقوم بالسلامة وتيتا هتسامحنا."
ثم أكملت بصدق: "وهنروح لبابا، وحشني أوي وأنا عارفة إنه وحشك إنت كمان، بس خلاص فات كتير وباقي قليل." في منزل الإخوة
قد استيقظ مصطفى بفزع بسبب أحد الكوابيس التي كانت تطارده في الوقت القليل الذي خلد فيه للنوم. استغفر ربه واستعاذ من الشيطان، ومن ثم توضأ وأدى فرضه، وقرر صنع كوب من القهوة وانتظار أخيه حتى يستيقظ. كان يجلس على الأريكة في منتصف صالة المنزل الصغيرة يحتسي قهوته وهو يفكر بزوجته وحبيبته. فحتى الآن لا يقدر على طلاقها، لا يقدر أبدًا. على الرغم من طلبها بكل صراحة أنها تريد الطلاق. يحاول دائمًا إقناع نفسه أنها هي من اختارت البعد، هي من تركته في أكثر الأوقات التي كان يحتاج لحبها. حقًا نسيت حبهم؟
لا يعقل أن تكون هذه هي الفتاة التي عشقتني منذ الصغر. قاطع شروده يونس، والذي خرج من غرفة الأطفال يحك عنقه بألم ويبدو عليه الأرق. قوس مصطفى حاجبيه بتعجب، يرى ماذا كان يفعل هذا هنا في هذا الوقت المبكر. أطلق صوت الصفير من فمه، فالتفت له يونس وزفر بإزعاج. مصطفى بتلاعب: "صباح الخير يا يويو... إنت إيه اللي منيمك في الأوضة دي؟ مش عيب عليك، ده السرير قد دراعك، نمت عليه إزاي؟ يونس بغيظ: "بقولك إيه أنا مش ناقصك...
وإنت إيه اللي مقعدك؟ هما من إمتى بتصحى بدري؟ ده إنت بعد موضوع امبارح ده تنام يومين." ثم أكمل بضحك مفرط حتى أدمعت عيناه: "بصراحة المعلم حسن ده معلم صحيح، شفت كان معلقك إزاي؟ بجد كنت مسخرة." مصطفى بغيظ: "ده إنت رخم بجد... ثم أكمل بمرح: ما خلاص بقى وبعدين اتكاتروا عليا." يونس بضحك: "أيوة أيوة."
قاطع حديثهم خروج زهرة وهي تبتسم بتلاعب ليونس، فهي تعلم أنه غاضب منها كثيرًا، ولكنها تقدمت نحوهم بتصنع، ومن ثم ألقت تحية الصباح عليهم، وكالعادة ابتسامتها تزين وجهها. مصطفى بتلاعب: "صباح الزهر يا زهرة." يونس بغيظ: "شكلك عاوز تتعلق تاني صح." زهرة بضحك: "أنا هروح أحضر الفطار عشان يدوب أنزل امتحاني." هربت من أمامه فلم تستطع كتمان ضحكاتها أمامه. أما هو فنظر نحو مصطفى بغيظ وغيره. فمصطفى يعلم مداخله ويعلم الطرق ليثير غيظه.
مصطفى بتلاعب: "بس متقتليش برضه، إيه اللي نيمك في أوضة الأطفال؟ يونس بغيظ: "صبرك عليا..... تركه واتجه خلفها وهو يستمع بصوت ضحكاته، فأبتسم وهو يهز رأسه بيأس. فأنه يشعر به ويعلم حق العلم قدر الألم الذي يحمله بداخله، ومع ذلك أنه لا يظهر هذا أبدًا. أخيه الصغير وابنه الروحي يتألم وهو لا يستطيع أن يفعل أي شيء، فقط يجلس في دور المتفرج فقط. في المطبخ
كانت تعد طعام الإفطار بالحب كالعادة، وهي تستمع لإحدى التسجيلات الصوتية الخاصة بإحدى بمادة امتحان اليوم. فهذه عادتها، تستمع لتسجيل المحاضرات حتى تستذكر دروسها. ترفع يدها تضع الأطباق، فلفت نظرها خاتم الفضي ذا القلب الأحمر، والذي ما إن رأته ابتسمت وقبلته بحب. فهذا الهدية قريبة لقلبها بشكل لا يوصف، باتت طوال الليل تحتضن يدها بحب. قاطعها ذلك الذي احتضنها من الخلف، فاجأه مما أصابها بالفزع. زهرة بفزع: "يونس...
إيه اللي بتعمله ده؟ إنت ناسي إن مصطفى موجود معانا؟ يونس بعبث: "يعني إنت بس اللي تعملي اللي على كيفك ولا إيه؟ ثم أكمل وهو يمثل طريقتها: "والله بقا ده اللي عندي." زهرة بخجل: "يونس بجد أوعى، والله هعيط لو دخل علينا وانت مقرب مني كده." قدر ذلك، فهو يعلم قدر خجلها والتي لا تتحكم بها أبدًا. ظل ينظر لها بحب وهي كالعادة تبتسم بخجل. زهرة بوجنتين محمرتين: "إنت هتفضل باصص كده؟ يلا عشان متأخرش على الامتحان."
يونس بإيماء: "ماشي.... ومن ثم أكمل بغمزة: الحساب يجمع بعد الامتحان." هرولت من أمامه بسرعة للخارج، وهو ظل ينظر في طيفها بهيام كبير وعلى وجهه ابتسامة جذابة تظهر محاور وجهه. تجمعوا سويا على مائدة الإفطار، بعدها ساعدها يونس ومصطفى في وضع الأطباق تحت نظرات العبث والغزل من يونس. وظل مصطفى يشرح لهم ما حدث أمس بطريقته التي جعلت زهرة كادت أن تصرخ من فرط الضحك.
يونس بيأس: "يا بني أنا قلت الواد هيجي خايف ومش هيقدر ينزل الحارة تاني... إنت عمال تهزر." مصطفى بضحك: "كنت مرعوب والله، قلت لنفسي ده مجنون ويخلص عليا عادي... بس والله الموضوع يضحك، أصلك مش شفت الترلة اللي شغال عنده ده وهو شايلني زي اللي شايل عروسة لعبة." زهرة بضحك مفرط: "آه بطني، لا خلاص مش قادرة." يونس بغيره: "ضحكتك أوي." زهرة بعبث: "أوي يا يونس." يونس بمرح: "ماشي هعديها عشان مبسوطة بس."
أمسكت ذراعه تحتضنه بحركة لاإرادية منها بحب، مما جعل مصطفى ينظر لهم بحب داعيًا في نفسه أن يرزقهم الله أضعاف حبهم لبعضهم ويعطيهم كل ما هو أفضل. هبوا واقفين بعدما دق هاتف زهرة برقم أحد بنات الحارة، والتي تعرفت عليها من وقت قريب، فهي طالبة معها في نفس الجامعة. يونس: "مش أنا قلتلك متصاحبيش حد يا زهرة وأنا هوديكي وأجيبك."
زهرة بإلحاح: "والله يا يونس منى دي طيبة خالص وكمان دي بنت المعلم حسن، وإنت عارفه وعارفهم كلهم، وهي بتحبني أوي والله." مصطفى بنظرات ذات مغزى: "خلاص يا يونس وكده كده المعلم حسن حبيبنا من زمان وكان أعز صاحب لأبونا الله يرحمه."
كان يحاول أن يثبت أخاه من حالة الخوف والغيرة التي بدأ أن تزيد على يونس كثيرًا منذ وفاة والديهم حتى الآن. فهو يخشى أن تمل زهرة من هذه التحكمات المبالغ بها، حيث يريد أن تبقى علاقتهم قوية وسليمة. أما يونس بإستسلام لهم، مما جعل زهرة تبتسم بسعادة وهي تتمسك بيده حتى يهبطوا للأسفل سويا. في ورشة يونس
قد فتح بابها بمساعدة من مصطفى وأدخل زهرة وأنزل لها إحدى الكراسي، ينظفها باستخدام يده من الأتربة التي كانت تغطيه، ومن ثم أشار لها أن تجلس عليه. نظرت له بحب كبير، ومن ثم جلست وأمسكت يده التي نظف بها الكرسي بيديها الاثنين وكأنها تضمها. دائمًا ما تغمره بطريقتها اللطيفة والمحببة لقلبه. مصطفى بعبث: "يا عم الحبيب... هنروح نزور الواد أحمد ولا إيه." نظر له دون أن يترك يدها: "آه أكيد هنروح....
نخلص بس الشغل وناخد زيارة نروح أمه زمانها اتخضت عليه جامد الله يصبرها." مصطفى: "خير إن شاء الله..... الحمد لله إنها عدت على كده. إلا قولي صحيح هو المعلم حسن كان عاوزك في إيه." يونس: "وعدني إنه في المناسب لو لقاه يستحق بنته هيحوزهاله.... عشان إنت عارف هما الاتنين صغيرين. أصل البنت اللي أحمد بيتكلم عنها دي فاتن الصغيرة عندنا 15 سنة، صغيرة أوي على الجواز، وأحمد كمان هو صحيح بميت راجل وجدع بس برضه صغير."
مصطفى بتأييد: "معاك حق... إن شاء الله تكون من نصيبه، شكله رايدها في الخير." قاطعهم فتاة في نفس سن زهرة بملامح هادئة وبشرة خمرية وملابس محتشمة، مما جعل يونس يطمئن قليلاً. تلوح لزهرة بيدها، فابتسمت لها. زهرة: "دي منى يا يونس... أنا هروح بقى عشان هنتأخر." يونس بإبتسامة: "أول ما تخلصي تطمنيني عليكي... لا اله الا الله." زهرة: "محمد رسول الله... ومن ثم نظرت لمصطفى بضحك الذي كان يراقبهم
وهو يقوس فمه بطريقة مضحكة: يارب مجيش ألاقيك متعلق من رجلك المرة دي." نظر لها بغيظ ولأخيه الذي كان يضحك عليهم بشدة. في منزل عائلة يونس حيث كان يجلس ضاحي في المكتب الكبير ويدقق النظر في بعض الأوراق يدرسها بدقة. ولكن قاطع انشغاله دخول هذه الشمطاء وهي تحاول أن تغريه بملابسها الفاضحة وخبرتها. ناهد بصوت ناعم: "بقولك إيه يا حبيبي." ضاحي بعدم تأثير فقد اعتاد عليها: "نعم يا روحي." ناهد بدلال: "هو إنت هتكتب عليا إمتى."
ضاحي بتمثيل الغباء: "يعني إيه... ناهد بدلال أكبر: "يعني هنتجوز إمتى....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!