نظر لها بحزن، فهو يعدها أخته. ولكنه طمأنها بأن خلاصها وخلاصهم قريب. واقترب من إحدى الأبواب الصغيرة الخفية في جدار سور الحديقة وخرج سريعًا دون أن يراه أحد.
لتجلس سمية أرضًا تبكي بقهر، وقدماها لم تعد تحملها. ففي هذا الوقت تحتاج المرأة للراحة ووجود من تحبهم حولها، وخصوصًا زوجها، تكون مرتاحة ومرفّهة. أما هذه فتقنط في منزل رجل يتاجر في الممنوعات، وربما يكون سفّاكًا للدماء البشر. رجل دمر حياتها وحياة زوجها وسلب منهم السعادة، وهي لم تكن إلا عروسًا تريد أن تسعد بأيامها. رفعت عينيها للسماء تناجي ربها بقلب مرتجف وعيناها محمرتان من أثر البكاء، وحجابها الذي انزلق من على رأسها حيث كانت تضعه بإهمال.
"يارب ارجوك ساعدني وعني يارب... أنا تعبت يارب." "سمية... انت بتعملي إيه هنا؟ *** أمام منزل الإخوة. توقفت السيارتان، فهرولت في اتجاههما هبة، والتي كانت خائفة بشدة أن يكون أصاب زهرة مكروه. تدلف زهرة من السيارة ومنى تمسك بيدها تعاونها. وهبة احتضنتها بقوة وهي تطمئن عليها. مصطفى: "طلعوها يا بنات وخلوها ترتاح."
أومأت له الفتيات في هدوء وهن يتجهن بها نحو السلم. وتسير ببطء ووجهها بالكامل تكسوه الحمرة وعيناها متورمتان من أثر البكاء الذي استمرت به لساعات. فإذا بحسنات تفتح باب شقتها بقوة وسرعة كالعادة، وهي تنظر لزهرة بزعر من مظهرها. حسنات بشهقة: "لا إله إلا الله. في إيه... مالك يا بت؟ نظرت لها الفتيات بغضب مما جعلها تضع يدها في خصرها بغنج وهي تحرك شفتيها يمينًا ويسارًا: "الحق عليا قلقت عليها... هو كده خير تعمل شر تلقى."
ومن ثم دلفت لمنزلها من جديد وأغلقت الباب بقوة كعادتها، مما جعل الرجال ينظرون لها بتعجب. تلك المرأة غريبة الأطوار كما يطلقون عليها. ومن ثم سحبوا يونس ليذهبوا على مقهى الحارة بعد اعتراضه. وأجلسوه على إحدى الكراسي إكراهًا، وسحبوا كرسيين وجلسوا قبالته. ونظروا له بعتاب يعرفه. فزفر بضيق وملل، ومد يده في جيب بنطاله ليخرج علبة سجائره ويبدأ في إشعال إحداها ويدخنها بشراهة. ليأخذها حسام منه بغضب ويقوم بإخمادها في الطبق الدائري الصغير الرخامي الذي أمامهم على الطاولة الصغيرة.
يونس بضيق: "حسام أنا مش ناقصك... قوم انت وهو شوفوا حالكم." حسام بحدة طفيفة: "يونس انت غلطان... حرام عليك ده انت كنت هتموت الواد. من امتى وانت بتتصرف بقلة عقل كده؟ يونس بغضب وغيره: "وانت كنت عاوزني أشوف واحد ماسك إيد مراتي وبيقربها منه وأعمل إيه؟ أقف أتفرج ولا أسقف... ولا أتحزم وأرقص؟ ضحك مصطفى على آخر كلماته بشكل تلقائي، فكان يونس يفعل حركات بيده مثيرة للضحك. فنظروا له الاثنان بضيق مما جعله يسكت سريعًا.
مصطفى بهدوء: "حسام معاه حق يا يونس... وكمان انت كان ممكن تلبس نفسك تهمة. يعني يبقى هو اللي غلطان وانت اللي تتحبس. ده انت فعلًا كنت بتموته. ده أنا وحسام وشباب الجامعة مكناش قادرين عليك. كنت عامل زي الثور الهائج محدش عارف يوقفك... حسام بتنهيدة حارة: "لو مكناش موجودين يا صاحبي كنت هترتكب جناية. ده انت أكتر حد فينا بيراعي ربنا يا يونس...
يا سيدي بلاش عشانك، مشفتش مراتك كانت عاملة إزاي. انت خوفتها أوي، حرام عليك. دي مبطلتش عياط، كانت هتموت من الخوف." تنهد يونس بضيق وهو يضع رأسه بين كفيه ويهزها يمينًا ويسارًا بقلة حيلة: "مش عارف أنا عملت كده إزاي... أنا عمري ما استقويت على حد أبدًا وانتو عارفين. بس لما شفته قريب منها كده أنا مقدرتش أستحمل. محدش فيكم حاسس باللي جوايا... أنا جوايا نار بتغلي. مكنتش أعرف إن حبي صعب كده، مكنتش أعرف إن غيرتي قاسية كده...
غضبي كان عاميني، مكنتش شايف أي حاجة غير إنه لمسها. حتى مشفتش دموعها. أنا مشفتش غير صورته قدامي وأنا بكسر إيده اللي لمسها بيها... حسام بحزن من أجل صديقه: "عارف يا صاحبي وحاسس بيك... بس لازم تحاول تتحكم في غضبك، على الأقل عشانها هي." مصطفى بزفر وقد لاحظ منى وهي تسير في اتجاه منزلها: "قوم منى نزلت أهي... أكيد سابوها ترتاح. قوم روح لها يا يونس، هي محتاجاك أكتر من أي حد. أوعى تتعصب عليها، أنا عارفك...
أومأ له في هدوء، وهو لم يعد يقدر على الحديث من الأسى. واتجه بجسد متثاقل في اتجاه منزله. *** في منزل الإخوة.
كانت تجلس هبة بجوار زهرة، والتي أبدلت ملابسها لمنامة وردية اللون وفكت ربطة شعرها. وبدأت تدلك باطن رأسها بحنان، وزهرة تغلق عينيها بألم وهي تتخيل منظر الدماء التي تغطي وجه هذا الشاب. ومظهر يونس الذي وبالفعل بث في قلبها الرعب أن يصيبه مكروه وهو في هذه الحالة، أو أن يلقنها صفعة أو لكمة وهو لا يشعر. فكان مثل المصارع وهو في ذروة غضبه. قاطعهم رنين جرس الباب. فهمت هبة بالفتح لتجده يونس. لينظر للأسفل باحترام.
يونس بهدوء: "زهرة عاملة إيه؟ هبة بابتسامة: "أحسن دلوقتي... تعالي ادخل ليها. أنا كنت هطلع عشان أحضر الغداء لحسام بعد إذنك." ابتعد عن طريقها لتصعد لمنزلها. ودلف يونس ينظر نحو غرفتهم بحيرة. ومن ثم دلف إليها ينظر لمنامها المتهالكة ووجهها المحتقن من شدة البكاء. شفتيها منتفختين وعينيها متورمة بشدة. اقترب منها وهو حزين بشدة من أجلها، وبدأ يؤنب نفسه أنه السبب فيما هي فيه. يونس بصوت متخشرج: "زهرة....
حبيبتي ردي عليا علشان خاطري، بلاش تعملي فيا كده." فتحت عينيها تنظر له بعتاب، ومن ثم أشاحت بنظرها بعيدًا وعيناها تذرف الدموع. فأقترب منها يجلس بجوارها وهو يسلط نظره عليها بحب. "يهون عليكي يونس يا قلب يونس."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!