عندما سمع هذا الصوت الذي ينادي باسمه انتابه الهلع وازدَرَق ريقه وهو يلف وجه في اتجاهه ويحاول جاهداً أن يرسم الابتسامة. مصطفى بتوتر: خير يا معلم... حسن بابتسامة هادئة وهو يسحب الكرسي ليجلس عليه براحة: اقعد يا معلم مصطفى، عايزك في موضوع خاص. اتسعت حدقة عينيه وهو يقول في نفسه: يبقى عرف أعمل إيه دلوقتي يا رب، وكلهم سابوني ومشوا. نظر له حسن بتعجب من حالته وتوتره، ليلكزه في قدمه بخفة: فيك إيه يا مصطفى؟
ما تقعد خلينا نتكلم، ولا أنت مش عايز تتكلم معايا؟ مصطفى بسرعة: استغفر الله يا معلم... دا أنت فوق راسي. سحب إحدى الكراسي ومن ثم جلس بجواره، ومن ثم نظر له باهتمام وهو يدعو في داخله ألا يكون هذا الموضوع هو نفسه ما حدث منذ قليل مع سيد ومنى. ظهر التردد على حسن مما جعل مصطفى يتعجب بشدة. مصطفى بفضول: إيه يا معلم، شوقتني... خير؟ حسن: شوف يا مصطفى، أنا زي ابني وأنا هاجيلك دوغري. مصطفى بتوتر: يا ريت... اتفضل.
حسن بسرعة: بصراحة كده... أنا طالب القرب منك أنت والمعلم يونس، وكنت جاي ليكم بس لقيتك أنت بس اللي موجود، قلت أكلمك أنت الأول وبعدين نقول ليونس ونتوكل على الله. نظر له مصطفى وكأن لديه ثلاثة رؤوس وتحدث بعدم فهم: معلش يا معلم مش فاهم قصدك يعني... أصل إحنا معندناش عروسة عندك عريس لبنتي، يعني أنا أصلاً معرفش اللي هيجي ده ولد ولا بنت، ولا أنت ناوي تحجز من دلوقتي ولا إيه؟ ثم مين ده اللي عايز يناسبنا ومجاش اتكلم هو ليه؟
حسن بابتسامته المخيفة المعتادة: حيلك بس يا مصطفى... يا سيدي أنا العريس. اعتلت الصدمة وجه مصطفى وهو ينظر، وبدأ العته يظهر على وجهه وهو يقول بنبرة مرتعشة: عايز تتجوز بنتي يا معلم؟ طب مش عامل حساب إن ممكن ربنا يفتكرك قبل ما هي تيجي أساساً. ضرب حسن كفاً على كف وهو يستغفر ربه حتى لا يفتك بهذا الذي أمامه: يا بني ما تسكت وتسمعني بقى... أنا مالي ومال بنتك اللي لسه مجتش الدنيا دي، أنا عايز أتجوز حسنات.
مصطفى وهو يضع يده على خده في ملل من حديثه وهو يومئ له بعدم فهم، ولكنه اعتدل في جلسته وينظر له بتعجب: حسنات مين يا معلم؟ حسن بضحك: إيه يا بني سلامة الذاكرة...
حسنات مرات المقاول المرحوم اللي كنتوا شاريين منها الشقة اللي ساكنة معاكم في الدور الأول. أنا عارف إنها مقطوعة من شجرة وملهاش حد، بس برضه ميصحش يبقى فيه رجالة في البيت وأروح أكلمها هي الأول. قلت لازم أفتّحكم أنتم الأول ولو في نصيب، اللي هي عايزاه من جنيه لمليون رقبتي سداده. مصطفى وقد استدرك أخيراً: أنت بتتكلم جد يا معلم؟ بس أنت متجوز اتنين. أجابه وهو يعدل من
شاربه ولحيته بطريقة غريبة: وماله يا واد، الشرع محلل أربعة وأنا الحمد لله ربنا مقدرني صحة ومال، فيها إيه لما أتجوز؟ مصطفى بمرح: الله يزيدك يا معلم.... أنا هشوف الموضوع ده، عايز مني حاجة تانية؟ حسن بابتسامة: سلامتك يا ابن الغالي. مصطفى بضحك: سلام يا عريس.
وبدأ في خطواته متجهاً نحو المنزل، وتقريباً لم يكف عن الضحك ثانية واحدة، كان يضحك بضخب كبير وهو يتخيل حسنات وبجوارها حسن وهم يرتدون ملابس الزواج ويرقصون سوياً على إحدى الأغاني الرومانسية، الرقصة المعروفة سلو.
في إحدى العمارات الشاهقة والتي كانت تقطن بها ناهد منذ يومين كما أمرها ضاحي، وبالطبع تنفذ كل أوامره طمعاً فيه وفي المال. استيقظت تنظر بجوارها فإذا برجل في الخمسينات من عمره ينام عارياً بجواره. تذكرت ما دار بينهم، لتنظر له بتقزز لما كان يفعله بها بعنف وعدم مراعاة لأي شيء، فقط وحش ثائر يريد الفتك بفريسته. تذكرت لوهلة يونس وكم كان حنوناً رقيقاً ومراعياً، واحتل الحقد على وجهها لتزأر وتبدأ تتوعد في نفسها لهم. ومن ثم هبت من مكانها، ارتدت ملابسها، مدت يدها بجوار إحدى الانتيكات تأخذ تلك الكاميرا الصغيرة التي وضعتها عمداً، وأخذت المال من إحدى الأدراج كما أخبرها ذلك النائم قبل فعلتهم، ومن ثم اتجهت نحو قصر ضاحي.
كانت تجلس بألم، فبدأ طفلها بالتذمر من جديد، فهذه الغرفة الصغيرة شديدة البرودة ولا تستطيع التحمل، كما أن الطعام الذي يقدمه لها ذلك المعتوه كان طعاماً بارداً أيضاً، فلم يكن هناك أي سبيل للتدفئة. بدأت بعض الدموع تنزل من عينيها بقهر، فكل ما يشغلها الآن هو وصول ذلك الطفل بأمان، تخشى أن يصيبه مكروه. بدأت تمسد على بطنها بحنان وهي تقول بعض الكلمات الحنونة كنوع من بث الطمأنينة لطفلها. ومن شردت في ملامح زوجها وحبيبها مصطفى، تذكرت ملامحه الجذابة ومرحه وضحكاته التي كانت تجلب البهجة لهم جميعاً ولها هي بشكل خاص.
سمية بابتسامة: وحشتني أوي يا مصطفى... يا ترى هشوفك تاني؟ كان نفسي تكون موجود معايا وأنا حامل وتساعدني وتشيل معايا الهم... بس إن شاء الله كل ده هيتحل يا حبيبي وهرجع أنا وابنك سالمين. أنا مشفتش هو ولد ولا بنت عشان عايزة أتفاجئ، بس أنا حاسة إنه ولد إن شاء الله وهيبقى شبهك في كل حاجة، حتى دمك الخفيف.
قطع شرودها دَق خفيف على باب الغرفة، ومن ثم فتح الباب بهدوء لتدلف منه تلك الفتاة الجميلة الصغيرة، ولكن يظهر عليها التعب بشدة، حتى أنها كانت تسير بصعوبة كبيرة، تحمل صينية صغيرة عليها إناء صغير مغطى وطبق بجواره مغطى أيضاً. وضعت الطعام أمامها بهدوء، ومن ثم مدت يدها في جيبها لتخرج علبتين من الدواء. زينب بابتسامة جاهدت لتخرجها: أنا عملت لك شوربة عدس يا ستي، أنا عارفة زمانك بردانة...
ودي قرص أنا خليت الحارس يشتريها لكِ، ودي مقويات لكِ أنتِ تعبتي أوي وزمانك ضعفتي... أنتِ حامل ولازم تتغذي. سمية بهدوء: أنتِ بتعملي إيه هنا؟ أنتِ مش شكل ضاحي ولا شكل الأشكال الزبالة اللي بيجيبهم. زينب وقد فرت دمعة من عينيها: النصيب يا هانم... المهم دلوقتي تاكلي وتدفي نفسك... ثانية واحدة. أخرجت نصف جسدها من الباب تجذب شيئاً من الأرض، ومن ثم دلفت إليها وأغلقت الباب من جديد: دي بطانية تقيلة أنا جبتها...
اطمني، البيه هو اللي أمرني أهتم بيكي. هو والله مكنش في البيت غير دول، أصل البيه أكله ضعيف، ما أنتِ عارفة عشان كده مش بيجيبوا أكل كتير، بس أنا هقول لهم يتشروا فاكهة وخضار عشانك، اطمني. سمية بابتسامة: مش خايفة منه؟ أصل أنتِ كده تقريباً بتساعديني. زينب بابتسامة باهتة: معنديش حاجة أخسرها... ثم أكملت بغصة: خد كل حاجة خلاص بعد إذنك عشان لو لقاني اتأخرت ممكن ميجيبنيش عندك تاني.
أومأت لها سمية بهدوء، ومن ثم رحلت الفتاة تجر جسدها بضعف، فنظرت نحوها سمية بأسى من أجلها، فعلمت أن أخيها يبث حقده في المخدرات والفتيات الصغيرات اللواتي مثلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!