الفصل 59 | من 66 فصل

رواية اخر نساء العالمين الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم سهيلة عاشور

المشاهدات
19
كلمة
1,442
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

بعد مرور شهرين.

مرت الكثير من الأحداث عليهم، حيث أصبحت سمية في شهرها السابع، مما زاد من صعوبة مهمتها عليها. فمع قلة الطعام والتغذية والراحة، أصبحت وجهها شاحبًا، وبدلًا من أن يزداد وزنها، أصبح يقل بشدة. فهذا الضاحي اللعين أصبح يعاملها بقسوة وقوة واضحين جدًا، ولم يعد يبالي بأنها أخته أو أنها امرأة تحمل طفلًا في أحشائها. أصبح يعذبها كل يوم بالضرب والحديث السام، ورفع دعوة قضائية ضدها للطلاق من مصطفى. وكلما حاولت الوقوف أمامه أو الاعتراض، لم تلقَ منه سوى الصفعات التي كانت تهوي على وجهها، ومنعها من الغذاء والأدوية التي تحتاجها لإكمال فترة حملها.

وكانت زينب تحاول جاهدة أن تساعدها بإعطائها الطعام أو الأدوية، ولكن عندما كان يعلم بهذا، كان يعاقب زينب بطريقة وحشية لا تمس الإنسانية بأي طرف، حيث كان يُدمي جسدها من كثرة الضرب، وكان يغتصبها بوحشية حتى كانت تقع مغشيًا عليها ودمائها تغطي فراش السرير. وما كان من سمية سوى أن تصلي لله وترجوه أن يرحمها ويعجل بجمعها مع زوجها وحبيبها، وأن يشفي أباها الذي لا يزال يقبع في غيبوبته.

أما مصطفى، فكان يعيش حزنه وألمه في غرفته الخاصة، يبكي بحرقة وهو لا يستطيع حتى الآن استيعاب أو تصديق أن سمية، ومن كانت تعشقه بشدة، تريد الطلاق منه عن طريق القوة، تريد أن تجعل القاضي بينهم ليحكم لها بالطلاق رغماً عنه. ابتسم بسخرية عندما تذكر عينيها التي كانت تقطر عشقًا له، يقسم قلبه أن هناك ألف عذر لها، ولكن عقله ينهره بقوة قائلًا: "إن هذه المرأة لم تكترث لحزنك ولقلة حيلتك، هي فقط اكتراث لقلة حسابك البنكي". ولكن هذا فقط بداخل غرفته وحده أمام الله فقط، وعندما يخرج ابتسامته ومرحه المعتاد لا يفارق وجهه، والذي تهالك حزنًا.

أما حسام، فقد كثف عمله على قضية ضاحي وأصبح لا ينام لحظة واحدة في انتظار اللحظة التي ستحقق عدل الله ويعود كل شيء كما كان. فكلما نظر في وجه يونس حامل الهم، أو مصطفى الذي كاد أن يموت قهراً على زوجته وطفله التي تحمله في أحشائها، يؤنبه ضميره ويجعله لا يريد أي شيء سوى إنهاء هذا الهراء فوراً. ولكن مع ذلك، فقد زادت علاقته قوة بهبة كثيراً، فكانت حنونة، مراعية له ولعمله، ووقفت ساندة له عندما قرر الانتقال لهذا القسم القريب من المنزل. أصبحت زوجة مثالية وصديقة وفية لزهره ونعم فرد في هذه العائلة. وأيضًا أطلق حسام أباها من سجنه بعدما حذره بعدم اقترابه منهم لأي سبب، وهذا بالطبع كان عن طلبها اللحوح له، والذي في النهاية انصاع إليه.

أما يونس وزهره، والتي كلما زاد الوقت بينهم زادت قوة وترابط، وأيضًا عبث. فهذه الزهرة أصبحت كل يوم بحال مختلفة عن التي قبلها، في يوم تحبه، ويوم تنهره، ويوم تعشق رائحته وتشتمها مثل الكلب البوليسي المدرب، ويوم آخر تنفر منه. واحتار يونس معها كثيراً، ولم يعد يعرف كيف يرضيها، ولكنه يكفيه لها أنها بجانبه. فقد أقسم أنه أصبح طفلًا في حبها، يغار عليها بشدة ويحاول أن يتحكم في هذا، فهو يعلم أنها ليست دمية، بل إنها بشرية ولديها حياة من حقها أن تعيشها. ولكن قلبه يرفض هذا بالطبع، ولطالما كانت "معركة القلب والعقل محسومة في أمور الغرام بالطبع".

في يوم زفاف حسن وحسنات.

كانت زهره تقف أمام مرآة غرفتها تعدل من ربطة خمارها الفرنسي وردي اللون، ومعه فستان فضفاض رقيق من نفس اللون، كان يليق بشدة مع بشرتها البيضاء وعيونها الواسعة الجميلة. كانت تدور حول نفسها وهي تبتسم بسعادة على ملابسها التي أحبتها بشدة، فقد اشتراها لها يونس خصيصًا لكي تحضر تلك المناسبة. كان يونس يقف على باب المرحاض الملحق للغرفة، بعدما أخذ حمامًا باردًا ينعش جسده بعد تعبه مع الرجال في مراسم الزفاف التي أقيمت في الحارة. ينظر لها ويرسم ابتسامة حانية على ثغره وهو يدقق في تفاصيلها الهادئة الرقيقة التي طالما تجعل قلبه يذوب بها. لاحظت خياله في المرآة أمامها، فابتسمت كالعادة وعيونها تلمع حبًا صادقًا يافعًا لحبيبها.

زهره بخجل: أنت لسه ملبستش... كده هنتأخر. يونس بابتسامة: أنا هلبس في دقيقة يا ورق العنب يا دايب أنت. زهره بضحك: ارحمني بقى... بكرة هعملك ورق عنب طالما بتحبه أوي كده. اقترب منها واحتضنها من الخلف وهو يستنشق رائحة عبيرها الآخاذ: أنا بحب ورق العنب أكيد... بس أنت ورق عنب مختلف طعم كده. ضحكت بخفة وهي تضع يدها على فمها وتحرك وجهها يمينًا ويسارًا بيأس من

هذا الرجل الذي لا يتغير: مش بقولك قعدتنا في الحارة هنا خلتك بيئة أوي يا يونس. يونس بعبث: عاجبك ولا مش عاجبك يا بت. زهره بمرح: لأ إزاي... ده إحنا أوامر ماشية على الأرض. كاد أن يكمل غزله وعبثه معها، إلا أن قاطعهم دق أحدهم على الباب، ولم يكن سوى مصطفى: ما تخلص يا عم يونس خلينا نروح نجيب العروسة من الكوافير... أنا عارف إيه الفضيحة اللي إحنا فيها دي، رايحين نزف تيتا وجدو.

قهقه يونس وزهره بشدة، فلديه كل الحق، فمن الأساس منذ بداية هذه الزيجة ولم تفارق الابتسامة والضحكة وجوههم. يقسمون أن هذه الخطوة إن لم تكن حلالًا من الله، لم يكونوا ليخطوها أبدًا. يونس بضحك: خلاص يا عم هنيجي اهو. هم يونس بارتداء بنطال كلاسيكي أسود وقميص من نفس اللون، واكتفى بهذا القدر، فكان لطيفًا للغاية وجذابًا لقلبها ولقلوب الكثيرين. زهره بمرح: إيه الحلاوة دي يا يونس... ده إحنا مش هنلاحق على المعجبين.

يونس بابتسامة: وأنتِ هتسيبي يونس كده ليهم عادي؟ تغيرت ملامح وجهها هجأه للغضب: طب بس واحدة تفكر وأنا كنت أوريها وأوريك. يونس بضحك: طب وأنا مالي دلوقتي؟ زهره بابتسامة على ضحكته: اهو كده وخلاص.

مد يده لها لتمسك يده، ويظهر خاتم زواجهم سوياً بطريقة منمقة جميلة، ويخرجوا لهذا مصطفى، والذي كان قد انتهى من ارتداء ملابسه المكونة من حلة بنية اللون، والتي لاقت بوجهه البريء والحزين في نفس الوقت. نظر لهم بحب وسعادة من أجل أخيه وأخته الروحية، ولكن ما بداخله لا يستطيع مداراته أكثر من ذلك، فأصبحت عيناه تتحدث عن كل شيء. مصطفى بمرح: إيه الحلاوة دي... عصافير كنارية يا ولاد، بصراحة كده كده هتغطوا على العرسان.

يونس بضحك: يا بني ارحمنا بقى... أوعى تنزل تحت تفضل تضحك زي الأبل كده، خلي بالك المعلم حسن مش مرتحلك أساسًا من ساعة ما كان بيتقدملها وأنت كنت شغال ضحك زي اللي بيتفرج على مدرسة المشاغبين. مصطفى بقهقه: أعمل إيه بس والله ما كنت عارف أمَسك نفسي. زهره بضحك: بصراحة معاه حق... ده أنا ما كنتش عارفة أمَسك نفسي من الضحك. Flash Back:

طلب يونس من زهره أن تصطحب هبه لمنزل حسنات ليطرحوا عليها فكرة مبدئية عن موضوع الزواج. بالفعل في اليوم الآخر اجتمعت زهره وهبه معًا، وفي طريقهما لشقتها، وما إن اقتربوا حتى استمعوا لكلمات إحدى الأغاني الرومانسية للفنان عمرو دياب، مما جعلهم يتعجبون قليلاً، وخصوصًا مع صوت الحسنات الذي كان يعلو على صوت كلمات الأغنية نفسها. هبه بتعجب: إيه ده هي عاملة حفلة ولا إيه؟ زهره بعدم فهم: أنا عارفة بقى...

دي ست بحالات، خبطي خلينا نخلص من الموضوع ده يارب توافق عشان تحل عننا شوية. هبه بضحك: بتغيري عليها أوي. زهره بابتسامة: طبعًا مش جوزي... يلا خبطي. كادت أن تضع هبه يدها على الباب، فإذا به مفتوح وتظهر لهم حسنات من خلفه، وهي مرتدية إحدى الفساتين القصيرة نوعًا ما، وبها الكثير من الورود الحمراء والصفراء، وتاركة لشعرها المستعار العنان، وتضع الكثير من مستحضرات التجميل، قائلة لهم بنبرة دلال غريبة: إيه يا بنات خير...

كنتوا عاوزين حاجة؟ وضعت زهره يدها على خصرها وهي مرفوعة الحاجب بسخرية: شكلك كده عارفة إحنا جايين ليه... ورأيك واضح. حسنات بغيظ: يوه يا بت إنت هو إنت مش سيبالي فرصة أفرح خالص. هبه بضحك: معلش يا ست حسنات امسحيها فيا، نقول مبروك. حسنات بدلال: ادوني وقت أفكر. نظرت لها زهره بغضب وأمسكت بيد هبه همت بالذهاب: يلا يا هبه دي لسه هتفكر. كادت أن تذهب، ولكن أمْسَكَتْها

حسنات بسرعة: حيلك حيلك يا ست زهره مالك يا أختي شايطة فينا لي... أيوه موافقة. زهره بضحكة ولكنها كبحتها سريعًا: نقول للرجالة يجوا إمتى؟ حسنات بسرعة: النهارده بالليل. ثم أكملت بدلال مع حركة جسدها بطريقة غريبة: إذا المعلم يحب يعني. زهره بضحك بإستسلام: ماشي يا حسنات. هبه بابتسامة: ألف مبروك مقدمًا يا عروسة.

أخبرت زهره الرجال بما حدث، وبالفعل في الليل حضر الجميع للذهاب لتقديم الزواج من حسنات، زهره ويونس ومصطفى وهبه وحسام والمعلم حسن، وإحدى رجاله وابنته منى، والتي كانت لا ترضى بالطبع، ففي النهاية تلك الحسنات سوف تكون زوجة أبيها وضرة لوالدتها، فكيف لها أن تتقبل، ولكنها في النهاية فتاة مؤمنة بالله وتعلم أن هذا حقه الشرعي، وخصوصًا أنه لم يكن في يوم مقصر معهم أبدًا. جلسوا سوياً في صالة منزل حسنات، والتي كانت متسعة ونظيفة ومرتبة وبها أثاث فاخر.

مصطفى بمرح: والله هتاخد حتة مننا كده يا معلم حسن... دي الغالية ومياخدهاش إلا الغالي. المعلم حسن بامتنان: ربنا يخليك يا مصطفى يا بني... ده العشم برضه. نظر له مصطفى بتعجب وهو يميل على أذن حسام قائلاً: الحق يا عم ده صدقني. لزقه حسام بقوة ليعتدل سريعاً ناظراً نحوهم بابتسامة بلهاء، لتضحك الفتيات عليه بشدة، ولكن يصمت الجميع للحظات عندما وجدوا حسنات تطل عليهم بتلك الطلة الغريبة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...