في المستشفى كان يركض باحثًا عن مكان تواجدها، كان كالجسد بلا روح، لا يستطيع سماع أي صوت غير دقات قلبه الذي وكأنه سيخرج من مكانه هارباً نحوها. بعد مدة من البحث وصل أمام غرفة يراها من خلال الدائرة الزجاجية الصغيرة، تنام لا حول لها ولا قوة، مغمضة العين، شاحبة الوجه.
جهاز التنفس على أنفها وفمها، وحولها الطاقم الطبي. يبدو للبعض مشهد غير مؤثر، ولكن بالنسبة له قد سمع صوت قلبه وكأنه قد تحطم بكتلة حديدية، فلم يبق منه إلا الفتات فقط. بدأ يمر أمامه ذكرياتهم معاً منذ أول يوم رأى وجهها الملائكي كما كان يوصفه دائماً، صبره وحبه الواضح لها. ترقد أمامه دون حتى أن يعترف لها بحبها، أغمض عينيه بألم. وبجواره والده ووالدته التي تبكي بصمت خوفاً على "الفا" التي تعتبرها من أعماق قلبها ابنتها الروحية.
قاطعهم فتح الباب وخروج الطبيب منه، ويبدو عليه الإرهاق الشديد. الطبيب: خير يا جماعة إن شاء الله. هي بس زودت جرعة الدواء المرة دي، الحمد لله نفدت بأعجوبة. يونس بإستدراك: دواء إيه؟ يا ريت توضح معلش.
الطبيب بعملية: دواء منع الحمل. المفروض المدام تتابع مع دكتور بيساعدها إزاي تاخده بشكل صحيح، لأن الإفراط منه بيعمل تهتك في الرحم وكمان ممكن ندخل في أزمة قلبية أو جلطة. وللأسف ده اللي كان هيحصل لو كنتوا اتأخرتوا. كويس جداً إنكم جبتوها المستشفى على طول. يونس بتوهان: يعني مراتي هنا بسبب جرعة من حبوب منع الحمل! الطبيب بإيماء: بالظبط كده يا فندم. أنا هكتب لها محاليل وأدوية لازم تنتظم عليها. حمد الله على السلامة بعد إذنكم.
رحل الطبيب وترك يونس الذي وكأن الدنيا لا تقدر على حمله، فكانت قدماه لا تقدر على حمله. جلس على أقرب كرسي أمام باب الغرفة ووضع يديه على رأسه بألم لا يستطيع التصديق، وخصوصاً أنه في كثير من المتاعب الآن، فبدأ شيطانه يصور له أنها تكرهه وتنفر منه ولا تريد إنجاب الأطفال منه لدرجة تعاطي هذه الكمية الكبيرة في مرة واحدة. اقتربت منه والديه ينظرون نحوه بحزن على حاله. نواره بدموع: متزعلش نفسك يا يونس. أكيد في حاجة غلط يا ابني.
زهرة: متعملش كده أبداً، دي بتحبك. مهران بهدوء: المهم إنها قامت بالسلامة. وأي حاجة تانية نبقى نتكلم فيها بعدين. ثم أكمل بثقة: بنت أخويا زينة البنات يا يونس، أوعى تشك فيها. اللي بيكرهونا كتير يا ابني، بلاش تشمتهم فينا. يونس بجمود: أنا رايح الأرض وهبعد لكم حد من الرجالة ووردة علشان تروحوا بيها لما الدكتور يدي إذن الخروج. نواره بسرعة: وتسيبها في وقت زي ده يا ابني.
يونس بضيق: الأرض اتحرقت يما. هروح أشوف حالنا اللي اتدهور ولا أقعد جنبها أقول لها زي الحرامي. نواره بشهقة: انت بتقول إيه! مهران بصدمة: استنى أنا جاي معاك. خليكي انتي هنا يا أم يونس. رحل يونس ولديه الكثير من المشاعر المختلطة: الخوف على زهرة والغضب منها. حمل هم الأراضي والأموال والتساؤل من لديه الجرأة ليفعل هذا وهم في منتصف النهار. ورائه أبيه الذي لا يعلم ما الذي عليه فعله وسط كل تلك المصائب. في المنزل
كان يجلس مصطفى وهو على أحرم من الجمر، بالطبع لم يستطع الذهاب معهم بسبب عجز قدميه. كان شارد الذهن حتى جاءه الاتصال أخيراً. مصطفى بسرعة: طمنيني يما. خير. نواره بحزن: اسكت يا مصطفى، اللي حصل لنا ما حصلش لحد. وبدأت تقص عليه كل ما حصل مع زهرة، وبالطبع ما قاله يونس عن حرق الأرض. مصطفى بغضب: مين اللي اتجرأ وعمل كده؟ كل ده يحصل وأنا قاعد في البيت زي الولاية ومش عارف حتى أعاون أخويا.
نواره بطيبة: أهم حاجة إنكم بخير يا ابني. الباقي مش مهم. وانت بإيدك إيه يا حبيبتي، متحملش نفسك فوق طاقتك. الدكتور قال شوية ومرات أخوك تفوق وهجيبها وأجي. حسين جاي هو ووردة. مصطفى بضيق: طيب يما ترجعوا بالسلامة. سلام. ما إن أنهى المكالمة حتى رمى الهاتف بإهمال وغضب وظل يفكر حتى ألمه رأسه. فهو يحب أخيه كثيراً ويعلم ما به من ضيق الآن وهو لا يستطيع حتى معاونته بالحديث أو أن يكون بجواره، وهذا جعله غاضباً بشدة.
في منزل أهل ناهد كانت تجلس وابتسامة الانتصار على وجهها وتضحك بسعادة حتى أدمعت عينيها من كثرة الفرحة لديها. سمعت والدتها صوت ضحكاتها العالية فأتت إليها ونظرت لها بتعجب، منذ متى وهي تضحك من قلبها هكذا. فادية بتعجب: خير يا رب. مين مات! ناهد بضحك: خلصت منها أخيراً. البت دي كانت هم على قلبي كده. فادية بعدم فهم: مين زهرة؟ ناهد بتأكيد: هي ست زفتة. طارت في الهوا. فادية بسخرية: وفاكراكي يونس هيسيبها كده بالساهل؟
ده دايب فيها وغير كده دي بنت عمه ولا ناسيه. ناهد بغل: لا مش ناسيه. بس اللي عملته ده حتى لو مش هيطلقها زمانه مش طايق يسمع اسمها حتى. ده يونس وأنا حافظاه، كله عنده إلا إنك تعملي حاجة من وراه وخصوصاً لو حاجة كبيرة زي دي. لو مش هيطلقها دلوقتي يبقى هيطلقها بعدين. فادية بفرحة: والطريق يبقى ليكي لوحدك زي زمان؟ لأحسن من ساعة ما المحروسة دي شرفت وعليكي قل قوي.
ناهد بكره: على رأيك يما. أنا كنت أول مرة أحس إنه هيطير من إيدي. ده حتى منع الخلفة طول السنين دي مكنش بيتكلم معايا فيها أبداً ولا عمره قلي نكشغ ولا عايز أتجوز علشان أخلف. تيجي في الآخر حتة بت مفعوصة زي دي تاخده من إيدي و... قاطع حديثها مع والدتها رنين الهاتف فردت والابتسامة على وجهها: أيوه يا صبا. مش ناسيه حلاوتك متقلقيش وهزودها أوي كمان. صبا: عندي ليكي خبر مش عارفه يفرحك ولا يزعلك. ناهد بتساؤل: خبر إيه ده؟
صبا: الأرض الكبيرة اللي نص البلد بتاعة يونس بيه اتحرقت النهارده كلها. مش باقي فيها حباية محصول واحدة سليمة. ناهد بصدمة: إزاي ده حصل؟ ومين اللي عمل كده؟ صبا: محدش عارف. بس واضح إنها مقصودة ومن ناس واصلة. اللي يحرق أرض كبيرة زي دي وفي نص البلد في النهار ده حد قلبه ميت. أغلقت الهاتف وهي تحركه في يدها بتفكير، ومن ثم هبت من مكانها وجلبت عبائتها وحجابها وارتدتهم سريعاً وهمت بالذهاب. فادية بتعجب: على فين العزم إن شاء الله.
ناهد بسخرية: هروح أواسي جوزي يما. واجب برضه، مهو أبو ابني في الآخر. سلام. في المستشفى وأخيراً وبعد الكثير من الوقت وقد اقترب مغيب الشمس، أفاقت زهرة وهي تمسك رأسها بألم وجسدها بالكامل يؤلمها بشدة، تشعر وكأن أحدهم كان يبرحها ضرباً. زهرة بألم: آآآه أنا فين. نواره بسرعة: حمد الله على السلامة يا بنتي. وقعتي قلبي عليكي. زهرة بعدم فهم: هو إيه اللي حصل يماما؟ في إيه؟
نواره بتوتر: هقولك. وحكت لها كل ما حدث وزهرة تفتح عينيها بصدمة لا تستطيع تذكر أو تصديق هذا الكلام. زهرة بصدمة: أنا معملتش حاجة والله. أنا عمري ما خدت حاجة، أنا كنت لسه بفكر إزاي محصلش حمل. نواره بحزن: عارفة يا بنتي، انت متعمليش كده. أكيد في حاجة غلط. زهرة ببكاء: ويونس صدق يا ماما. سابني ومشى وأنا كنت بموت. نواره وهي تحضنها بحب: معلش يا بنتي، اللي هو فيه مش سهل. الله يكون في عونه، دي بضاعة بآلاف وفاتحة بيوت ناس.
زهرة بغضب: أنا مراته يا ماما وكنت بموت. أكيد الفلوس اللي راحت مش أهم مني. الفلوس تتعوض. ثم أكملت بحزن: وواضح إن أنا كمان أتعوض عادي. نواره بسرعة: متقوليش كده يا حبيبتي. انت مشفتيهوش كان عامل إزاي. اهدي بس وكل حاجة ليها حل. يلا خلينا نساعدك تلبسي. بت يا وردة تعالي يلا.
دَلفت للغرفة وردة والتي كان بوجهها الحزن والقلق والغضب أيضاً. ولكنها احتضنت زهرة بحنان فهي تحبها بشدة وبالطبع حزينة من أجلها وقلقة عليها. ساعدوها في ارتداء ملابسها كاملة واستندت على وردة وكانت تشعر بالألم الشديد في جميع أنحاء جسدها. بدأت في السير ببطء بجوار وردة ومن خلفهم نواره التي كانت تنظر لحالها بحزن. وما إن وصلوا للسيارة تبادلت نظرات الغضب بين وردة وحسين والتي كانت واضحة بشدة. ساعدت وردة زهرة في الجلوس وجلست بجواره تحضنها بصدق وبجوارهم نواره التي كانت تربت عليها بحنان.
في أراضي يونس كان يقف وأمامه الكثير من العمال الذي بعضهم الغاضب والفرح والحزين وحامل الهم. ينظر لهم بترقب، بالطبع أحدهم من فعل هذا وهو سوف يجده بالتأكيد. يونس
ببرود عكس ما في داخله: اللي حصل ده محدش فيكم له ذنب فيه ومحدش فيكم هيقدر يتحمل يوم من غير ما ياكل هو وولاده وانتو أكيد عارفين الخساير كتير. فـ اللي عايز يفضل معايا نعمر الأرض من جديد ويصبر عليا في اليومية بتاعته أهلاً بيه وأشيله فوق رأسي العمر كله. واللي عايز ياخد فلوسه ويمشي يا مرحب برضه بس مشوفش وشه تاني. علشان اللي ميشيلنيش في وقت الأزمة ميبقاش معايا في وقت العز والفرح، ولا أنا غلطان يا رجالة. اللي عايز يمشي يقول.
ساد الصمت بين الرجال وهم ينظرون لبعضهم البعض بثبات، ولكنه لاحظ أحدهم يهم بالذهاب فنظر له ببرود يحفر ملامح وجهه جيداً في رأسه. الرجال في صوت واحد: إحنا معاك يا يونس بيه. يونس بإبتسامة: اصرف اليومية للرجالة من فلوسي يا عم محمد وخليهم يروحوا ويروحوا بكرة كمان. مهران بهمس: شايفك شاكك في حد. يونس بثبات: معلوم. هيبقى تحت رجلك النهارده بس سيبه ياخد الأمان الأول.
مهران بفخر: ابن أبوك صحيح وهنعدي الأزمة دي زي ما كتير عديناها سوا. ثم سأله بترقب: انت هتعمل إيه مع زهرة. يونس ببرود: الخاين ملهوش عيش معايا. في منزل عائلة يونس كانت زهرة تمدد جسدها في غرفتها وعيونها لم تكف عن البكاء أبداً وبجوارها نواره ووردة. وردة بحزن: كفايا يا ست زهرة. عيونك تعبوا من العياط، الله يرضى عنك كفايا. نواره بود: يا بنتي صبري نفسك. هو حد كان لامك على حاجة فيكي إيه بس.
زهرة بغضب: ولما ابنك يسيبني كده ويمشي ده معناه إيه يا ماما هااا. نواره بحزن: يا بنتي اللي هو فيه و.... كانت ستحاول تهدئتها ولكن قاطعهم هذا الصوت الذي صدم البعض من وجوده. وفاء بثبات: أنا هاخد بنتي وهمشي. بنتي ملهاش عيش في البيت ده تاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!