في صباح يوم جديد، تجمعت أفراد الأسرة على مائدة الإفطار، والتي أعدتها زهرة بكل حب لأفراد عائلتها. يجلسون سوياً يتحدثون بود. يونس بجدية: إيه رأيك في أرض عم إسماعيل يا حج؟ بفكر نضمها لأرضنا ونشتريها. عارضها بسعر مقبول. مهران بثقة: اللي أنت شايفه صح يا يونس اعمله. أنت وأخوك اتفقوا سوا، أنا خلاص راحت عليا. مصطفى بمرح: متقولش كده يا مهور، دا أنت لسه شباب. طب دا اللي بيشوفك معايا بيقول عليك ابني.
نواره بضحك: بطل تنكش في أبوك يا واد، أنتم. مهران بغيظ: والله ما حد هيجيب أجلي غيرك. أنا قايم أشوف حالي بلا كلام. يونس بضحك: مع السلامة يا أبوي. ثم نظر لأخيه: ابقى خف على أبوك شوية، أنت عارف مش بيجيب هزارك ده. مصطفى ببرود: براحتي، أنا حر. مش أنتم اللي مش عاوزين تجوزوني البت ومقعدني جنبكم كده. يونس بضحك: يا بني هتتجوز إزاي وأنت متخرم كده؟ على الأقل فك الجبس، افهم بقى.
نواره بإنزعاج: سيبك منه يا يونس وكمل أكلك. مهما كبر هيفضل عيل برضه. زهرة بضحك: طب والله عامل للبيت حس وجو كده. مصطفى بغمزة: حبيبي اللي في صفي. يونس بغيظ: اتلم يلا، بدل ما أكسر الرجل التانية كمان. مصطفى بخوف: قاسي وتعملها. أنا هاكل من سكاتي. يونس: أنا رايح شغلي. عاوزة حاجة يا أمي أجيبها معايا؟ نواره بحب: سلامتك بالدنيا يا حبيبي. يونس بابتسامة وهو يقبل يدها: ربنا يخليكي ليا يا أمي. ثم نظر لزهرة بهدوء: تعالي عاوزك.
أومأت له وهبت من مكانها ذاهبة ورائه. وقفوا أمام باب المنزل، ينظر لها بتمعن وهي لا تفهم سبب ذلك. فقط ينظر لها يتفحصها كمن كان غائب عن حبيبته عمرًا كاملاً. وضع يده على خديها يتلمسهما برقة وحب، وعيونه تركز في عينها وهي تلمع ببريق الحب. يونس بهيام: يا بختي بصراحة. أنا أتحسد عليك. زهرة بخجل: في إيه يا يونس. أنت بتتحول ولا إيه؟
يونس بضحك: أنا غلطان اللي عاوز أرفع من معنوياتك يا ستي. على العموم، أنا كلمت حد أعرفه بيظبط لك ورق الجامعة. زهرة بسعادة: بجد يا يونس. ثم فاجئته باحتضانها له: ربنا يخليك ليا، أنا فرحانة أوي، شكراً. يونس بابتسامة: مفيش بينا شكر يا هبلة. أنا جوزك ولا ناسيه. أنا لازم أمشي عشان عندي شغل كتير. لما أرجع هقول لك كلام مهم أوي. زهرة بابتسامة: هستناك يا يونس.
يونس بمرح: أنا لازم أمشي عشان يونس دي بتضعفني والعمال هياكلوا وشي. مع السلامة يا وزة. ضحكت بخجل وهي تلوح له بطريقة طفولية، وابتسامتها تزين وجهها ذو الملامح الرقيقة. ظلت تراقبه حتى اختفت سيارته بعيداً. كانت شارده به وهائمة للغاية. ولكن قاطعها صوت تلك الشمطاء. صبا باستفزاز: ست زهرة، صباح الخير يا ستي. زهرة بغيظ: صباح الخير لأهل الخير يا اختي. إيه الخطوة اللي مش عزيزة دي؟ صبا بمكر: قلت أجي أساعد في البيت.
زهرة بحنق: لا مش محتاجين خلاص. اللي كانت مشغلاكي راحت بيت أبوها. عاوزه تخدمي روحي ليها هناك، أنا موجودة هنا. صبا بتمثيل البراءة: ودي تيجي يا ستي أسيبك لوحدك. دا وردة قالت لا متروحيش قلت لها أبداً أسيب ستي زهرة كده تتعب، حرام. زهرة برفعة حاجب: والله البت عندها ذوق مش زي ناس. صبا بعدم اكتراث: يلا نفسك في إيه قولي لي. أعمله على طول.
نظرت لها زهرة وهي تضرب كفاً على كف من كثرة الحنق من هذه الفتاة التي باتت تكرهها بشدة من كثرة أفعالها الخاطئة. وتركتها ودلفت للداخل. فدلفت ورائها صبا بسرعة. *** داخل المنزل. كان يجلس مصطفى أمام التلفاز ومعه والدته، والذي كان يلح عليها أن تجد له حل في موضوع زواجه من سمية، وهي تنظر له بحدة طفيفة تارة وتضحك تارة أخرى. ولكن قاطعهم رؤيتهم لزهرة، وجهها محتقن من الغضب. نواره بتعجب: في إيه يا بنتي؟ يونس زعلك في حاجة؟
زهرة بهمس: ست ناهد مشت. بس يابت زيلها هنا. نظرت نواره خلفها فوجدت صبا تقف بملابسها التي لا تليق أبداً، فكانت ترتدي جلباب بيتي ضيق للغاية وتقف بطريقة غريبة وهي تمضغ اللبانة الخاصة بها. نواره بنفور: ملكيش دعوة بيها يا بنتي. لما يجي يونس يمشيها هو. متحرقيش دمك يا حبيبتي. زهرة بضيق بصوت عالي: لما بشوفها كأني شفت عفريت، مش طايقاها. مصطفى بضحك: متخافيش. لو يونس هيتجوز تاني مش هتبقى دي، اطمني.
زهرة بشهقة: هو ممكن يتجوز عليا يا ماما. صح، ما اللي يتجوز التانية يتجوز تالت ورابع كمان. ثم أكملت بغضب: يومك مش فايت معايا يا يونس. نواره بضحك: بقا الأبله دا يضحك عليكي. أنت مالية عين ابني بزيادة، متفكريش. ثم أكملت بمرح: وبعدين معاكي بقا عمك الحج واخد على أكلك أنت وهيجي جعان. مفيش غداء النهارده. زهرة بابتسامة: عنيا ليكوا. ثم نظرت لمصطفى وهي تمثل الغضب: وأنت حسابك معايا بعدين، يا عانس.
ضحكت نواره عليهم بشدة، فمزاحهم يفرح قلبها. حيث أنها ترى أن زوجات الأخين، بفرض سمية الزوجة المستقبلية لمصطفى بالطبع، هم الأفضل وسوف يحمون بعضهم بحبهم وودهم لأزواجهم ولهذه العائلة. أما مصطفى قد نظر لوالدته بطريقة غريبة وهو يمثل البكاء. نواره بتعجب: فيك إيه يا واد؟ حاجة بتوجعك؟ مصطفى باندماج: عجبك كده يما؟ حتى زهرة بتقول عليا عانس. مين هيبص في وشي دلوقتي.
أطلقت نواره ضحكة صاخبة من أعماق قلبها، فلا أحد يستطيع إسعادها بتلك الطريقة سوى مصطفى فقط. *** في منزل أهل سمية. كانت سمية تصنع الغداء مع والدتها بتناغم، وهي تلح عليها في زيارة مصطفى. سمية بإلحاح: يما فيها إيه، نفسي أعرف. منا طول عمري بروح عندهم البيت.
أم سمية بحزم: بتروحي تساعدي الناس اللي خيرهم مغرقنا من أول ما جينا البلد. ولو إني كنت عاملة نفسي مش عارفة إنك رايحة عشانه، بس أنا عارفة إن بنتي راجل ومحدش يعرف يضحك عليها. سمية بملل: وإيه اللي جد يا ماما دلوقتي يعني؟ إيه الفرق؟ أم سمية: لا فرقت دلوقتي. بقت علني عاوز يتجوزك وأنت عاوزة تتجوزيه. يبقى متدخليش بيته إلا وأنت على ذمته، أو للضرورة. سمية بإلحاح: ما هي دي ضرورة أهي. عاوزة أطمن عليه والنبي.
زفرت أم سمية بحنق: بت انت، اسمعي الكلام وإلا بلاها جوازة خالص، سامعة؟ سمية بتأفف: يوه. *** في منزل أهل ناهد. كانت تتحدث عبر الهاتف بغضب وهي تمسك بعض رزم المال، حيث كانت تقوم بعده. ناهد بغضب: يعني إيه مش لاقي واحدة حامل في ولد؟ كلهم بنات، مفيش ولا واحدة حامل في ولد. اتصرف، مليش دعوة. إن شاء الله تجيبه من دار أيتام، أي حاجة. أنت فاهم؟ أهم حاجة يكون ولد وصحته عافية.
ومن ثم أغلقت الهاتف ورمته بإهمال، وأخذت تعد باقي المال ببرود. فادية بتعجب: يا جبروتك يا شيخة. إيه البرود ده؟ ولا كأن جوزك طاردك من بيته وكان هيرمي عليكي اليمين. ناهد بسخرية: عاوزاني أقعد جنبك وأعيط؟ هو أنا لو قعدت جنبك اندب حظي وألطم مين هيأكلنا يا ماما؟ فادية بغضب: أنت اتجننتي يا بت ولا إيه؟ بتكلمي أمك كده. ناهد بضحكة سخرية: منا تربيتك. عاوزاني أطلع مش بقوم من على سجادة الصلاة ولا إيه؟
نظرت لها أمها بغضب، ومن ثم تركتها ودلفت لغرفة نومها. أما ناهد كانت تبتسم بخبث وهي تكمل عد المال الخاصتها. *** في المطبخ. كانت تطهو الطعام بجد، وهي تقلب بالملعقة هنا وتضع المنكهات هناك، وتكشف غطاء لوعاء وتغطي آخر. وكل هذا وصبا تقف تقطع بعض الفواكه ببرود، وهي لازالت تمضغ علكتها بطريقة أثارت استفزاز زهرة كثيراً. زهرة بغيظ: ولما أنت واقفة عمالة تاكلي لبن وتتلكعي هنا وهناك، كان إيه اللي جابك؟ ولا هي غتاته وخلاص؟
صبا ببرود: يوه، مش بعمل العصير يا ستي. طب دا أنا عملت لك كوباية عصير هتحلفي بيها. زهرة بغيظ: لي؟ كنتي اخترعتيها ولا إيه؟ مش خلصتيها؟ يلا امشي ومتجيش تاني يلا، وإلا هنده الغفير. حملت أغراضها وذهبت وهي تمثل الحزن، تحت أنظار زهرة التي كانت تقف فاتحة فمها من هول الصدمة. ولكنها أكملت صنع الطعام بعدم اكتراث، حتى أنهته بعد وقت طويل. فقد أرهقت للغاية. جلبت إحدى كراسي المطبخ وجلست عليها، ونظرت نحو العصير التي صنعته صبا.
زهرة بسخرية: أهو الواحد يستفيد منها بحاجة. وتناولت كأس العصير في يدها وبدأت تتجرع منه حتى أنهته، وهي تتنهد بتعب. فقد أروى عطشها تماماً. *** في أراضي العائلة. كان يونس يعمل بجد في بعض الأوراق الذي جهزها من أجل بيع بعض الأراضي وشراء الأخرى، وسجل المحصول. فهناك الكثير من العمل الذي عليه إنجازه. ولكن قاطعه صوت عويل عال للغاية وحركة سريعة. فهب من مكانه يركض خلف الصوت.
وما إن فتح باب مكتبه حتى وجد النيران تأكل أرضه ومحصوله. تسللت الصدمة إلى وجهه، ولكنه أفاق سريعاً وأخذ يساعد العمال في تطفئة هذه النيران. وبعد مدة طويلة أخمدوها أخيراً. ولكن قد فات الأوان، فقد تأكل المحصول كله تقريباً، وأصبحت أرضه الخضراء اليافعة رماداً مظلماً. أحد العمال بعويل: يا خرب بيتنا. بيوتنا هتتقفل من بعد الأرض دي. الآخر: هنعمل إيه يا يونس بيه؟ دا المحصول راح كله، مفيش حباية سليمة.
كان في حالة لا يرثى لها. لا يستطيع التفكير ولا يستطيع التصديق من الأساس. هو فقط ينظر أمامه وعيونه مليئة بالحزن والصدمة. وما كان ينقصه سوى هذا الاتصال. دق هاتفه برقم والدته، فأغلق الاتصال. ولكنها كررته كثيراً مما جعله يرد عليها. يونس: .... نواره ببكاء: الحقنا يا يونس. زهرة مرمية في الأرض وقاطعة النفس. الحقنا يا بني. *** يتبع.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!