في غرفة زهره كانت ممده على السرير بإرهاق تتابع حديث والدتها الغاضب والثائر بشده. كانت هي ايضا غاضبه منه، ولكن ما إن نطقت والدتها بهذه الكلمات حتى أصبح وجهها شاحبًا للغاية. فمجرد التخيل فقط أن تبتعد عن يونس ألم قلبها بشدة. نعم، غاضبة منها وحزينة للغاية، ولكنه زوجها وحبيبها، وأول مرة دق قلبها كان له هو فقط. كيف ستبتعد عنه؟
وفاء بغضب: أنا هاخد بنتي وأمشي. أنا ما كسرتش كلام عمها لما قال زهره هتتجوز يونس. أنا سكت وقلت لنفسي دا عمها وكبير العيلة وهو أدرى بمصلحة بنتي. رضيت أن بنتي تتأخذ على ضرة وقلت دا يونس وكله يوم ويونس كوم تاني هيخلي بنتي عايشة ملكة بكرامتها وعمره ما يظلمها. لكن أجي ألاقي بنتي بتموت أعرف من المستشفى أن بنتي كانت هتموت بسبب شريط كامل من حبوب منع الحمل. بنتي كان هيجيلها جلطة!
أكملت وهي مقوسة الحاجبين: وابنك يسيبها ويمشي. في واحد يسيب مراته ولحد دلوقتي ما يجييش حتى يطمن عليها. لي كان واخدها من الشارع؟ والله أعلم كمان هو مفكر... نواره بحزن: يا وفاء أنا أم. وحاسة بيكي وحقك تعملي أكتر من كده كمان. بس والله يونس ما يقصدش. المشاكل كلها جت على دماغه مرة واحدة. حقك عليا يا أختي. بس استهدي بالله.
وفاء بضيق: لا إله إلا الله. بس برضه مش هسيب بنتي هنا. أنا هاخدها معايا وكل واحد يروح لحاله. يلا يا زهره. زهره بتوهان: أنا... ثم تذكرت أنه يشك بها والغضب عمى عينيها: حاضر يا ماما أنا هاجي معاك. نواره بصدمة: تروحي فين وتسيبي بيتك يا زهره. ما كانش عشمي فيكي أبداً. الست لازم تبقى عاقلة يا حبيبتي كده غلط. بدل ما تقفي جمب جوزك في الظروف دي لا عاوزه تمشي. زهره بنغزة في قلبها: وهو كان فين يا ماما؟ لي ما وقفش جنبي؟
لي سابني وأنا خايفة ومرعوبة؟ لي يا ماما ها؟ هو مفكر بجد إني عملت كده بمزاجي صح؟ نواره بتلعثم: يا بنتي مش كده. أهدي بس أنت تعبانة. زهره بمقاطعة وغضب: لا يا ماما. أنا عارفة كويس أنا بقول إيه. محدش عارف يونس قدي وأنا متأكدة إنه بيفكر كده دلوقتي. وطالما هو مش واثق فيا. يبقى أمشي أحسن. هاتي لبسي يا ورده لميه في الشنطة. نواره بحزن: أهون عليكي؟ هتسيبينا وتمشي في أول مشكلة كده.
زهره بألم: ربنا وحده عالم غلاوتكم كلكم عندي. أنتو أهلي فعلاً بس أنا مش هقدر أقعد مع واحد بيشك فيا. أنا آسفة يا ماما. نواره بحزن: اللي تشوفيه يا بنتي. تعالي يا وفاء نسيبها تلبس براحتها. وفاء بإيماء: هستناكي تحت. خلصي بسرعة.
أومأت زهره بحزن، وما إن خرجوا من الغرفة وأغلقوا الباب حتى انفجرت في نوبة من البكاء وبدأت شهقاتها تعلو بحزن دفين. اقتربت منها ورده بحزن على حالها وجلست بجوارها واحتضنتها بحب، تربت على كتفها بحنان تحاول مواساتها. ولكن ما الذي سوف يعوضها عن بعد الحبيب؟ ورده بحزن: كفايا يا زهره. الله لا يسيء قلبك. هيقف من كتر العياط. كفايا. زهره بصوت متقطع: مش عاوزة أمشي يا ورده. مش عاوزة. ورده بدموع على حالها: طب لي قلتي هتمشي؟ لي بس؟
خليكي والنبي. هزت رأسها بنفي: ما بقاش ينفع خلاص. هو اللي بدأ وأنا اتحملت كتير. ورده بسرعة: ما تتسرعيش يا زهره. يونس بيه بيحبك. بلاش تظلميه وتظلمي نفسك كده. حرام عليكي. زهره بقهر: بقالي شهور متحملة صابرة وأقول يا بت اسكتي دا خلاص بقى جوزك. أي حاجة هتعمليها هتبقى لعب عيال.
ثم أكملت ببكاء: كنت ببص عليه وهو رايح يبات عندها يا ورده. وهو ماشي ببقى بضحك علشان مخليهوش يشيل همي. بس قلبي كان بيبقى بيتعصر من الوجع وأنا عارفة إنه هيكون قريب منها إزاي. مجرد التخيل بس كنت بنام وأنا دموعي على وشي. وأقول لنفسي هو مش بيعمل حاجة حرام. دي مراته ومراته الأولى كمان. أنت اللي جاية دخيلة وسطتهم وأسكت. كل شوية تفضل تتلكك ليا وتضايقني بالكلام وأنا أعديها هزار وتريقه وأقول علشان خاطر يونس. بس خلاص تعبت أوي يا ورده. تعبت.
ورده ببكاء: مش عارفة أقولك إيه. اللي أنت فيه دا صعب أوي. بس علشان خاطري بلاش تمشي. البيت هيبقى وحش من غيرك أوي. ثم تحدثت بصدق وجدية: أنت عاوزة تسيبيه لناهد يا زهره؟ هتبقي مبسوطة وهما مع بعض كده. عاوزاها تستغل الفرصة. أنت بتحبيه مش هتتحملي ده.
زهره بابتسامة منكسرة: بقالي شهور متحملة وهي في حضنه يا ورده. مش فارقة بقى أكون بعيدة أو قريبة. كده كده أول ما ناهد تخلف أنا هتركن على الرف. وكمان الحبوب دي هتعملي مشكلة في الخلفة أكيد. ورده بتساؤل: أكتر حاجة شاغلة بالي مين اللي بيديكي الحبوب دي؟ زهره بلا مبالاة: أكيد ناهد. هيكون مين غيرها أصلاً. ثم أكملت بسخرية: بس تفتكري يونس هيصدق إن الملاك البريء بتاعته تعمل كده؟
ورده بضيق: أنا مش عارفه هو طايقها إزاي. دا حتى الخلفة من أول ما اتجوزوا ما حملتش ولا مرة إلا المرة دي بس. ثم أكملت بتعجب: سبحان الله بقالهم زي أربع أو خمس سنين متجوزين. جايه بعد جوازكم تحمل؟ زهره بتعجب: ما حملتش ولا مرة إزاي؟ يعني في مشكلة عندها؟
ورده بنفي: محدش عارف. حتى عمرهم ما راحوا للدكتور عندنا. دي عيبة قال إيه لما راجل يروح يكشف عن تأخر الخلفه وطلع عنده عيب يبقى كده مش راجل وسيرته تبقى على كل لسان. علشان كده ما كانوش بيروحوا يكشفوا. بس صراحة يونس بيه ما كانش مستعجل على الخلفه. كان سايبها لله. زهره بصدمة: هو أنت إزاي عارفة كل ده؟ أنت ما كملتيش حاجة شغالة هنا.
ورده بابتسامة: البيت هنا مفتوح لكل أهل البلد. وأنا بقا يا ستي يتيمة كنت في الملجأ. ولما طلعت منه مهران بيه الله يكرمه جاب لي أوضة قريبة من هنا. ومت وقت للتاني كنت باجي أساعد في البيت. بس من قبل جوازك بشوية كنت شغالة عند ست كبيرة في السن في إسكندرية. شغلانة كان جابها لي مصطفى بيه. بس بعدين عيالها جم فا جيت هنا تاني. طلبتني ناهد أشتغل مع الصفراء اللي اسمها صبا هنا. زهره بضحك: حلوة الصفراء دي.
ثم أكملت بعبوس: أنا شاكة في البت دي يا ورده. بعد ما شربت العصير اللي هي كانت عاملاه أنا تعبت كده. أكيد هي اللي حطت لي الحبوب. ورده بتأييد: والله وأنا. ما فيش غيرها. دي كلبة فلوس من يومها. ثم أكملت بمكر: أنا هخليها تيجي هنا وأنت شوفي شغلك معاها ونعرف هي ولا لا ومين وراها. زهره بعدم فهم: بس أنا ماشية. وبعدين لو هي أكيد هتخاف تيجي. ورده بابتسامة: مش هتمشي. وهجيبها إزاي دي؟ سيبيها عليا أنا. يلا قومي.
زهره بتعجب: أقوم فين؟ ورده بغمزة: علشان تمشي يا ست زهره. زهره برفعة حاجب: هو إيه اللي هتمشي ومش هتمشي. هس فاذورة ولا إيه؟ ورده بضحك: يلا بس خليني ألبسك. على مهلك براحة. ساعدتها في الارتداء ومن ثم جمعت كل ملابسها سريعا في إحدى حقائب السفر الكبيرة. وهوا بالنزول للأسفل. في صالة المنزل الكبير كان يجلس كل من وفاء ونواره ومصطفى. والتي انضمت لهم سمية للتو. فلم تستطع الانتظار أو الاستماع لوالدتها بعد سماعها بالذي حصل معهم.
سمية بحزن: دي عين والله يا عين خالتي. إن شاء الله ربنا يعوض عليكم. أهم حاجة إنكم بخير. نواره بحب: عشتي يا بنتي. أصيلة. مصطفى بضيق: لسه برضه عاوزة تاخدي زهره يا مرات عمي. وفاء بحزن: أيوه يا ابني. مصطفى بزفر: وهو كان إيه اللي حصل يعني؟ دا إحنا لسه بنحاول نعرف. فكري تاني يا مرات عمي. ثم أكمل بمرح: أنا بقا بصراحة معرفش أقعد في البيت من غير زهره. يرضيكي أسيب ليهم البيت؟ وفاء بقلة حيلة: سيبها لله يا مصطفى. يلا يا زهره.
زهره من أعلى السلم: نازلة أهو. كانت تنزل ببطء ولا زالت تشعر بألم كبير. فمفعول هذه الأدوية قوي للغاية. تنزل وهي مستندة على ورده. وما إن اقتربت من مكان جلوس والدتها حتى وقع بصرها على يونس ومعه مهران الذي قد دخلا للبيت للتو. نظروا نحو زهره والتي كانت ملابسها منظمة ومعها حقائب ويبدو عليها الرحيل. مهران بتعجب: خير يا زهره يا بنتي. ثم نظر بابتسامة نحو وفاء: أهلاً بيكي يا مرات أخويا. نورتي بيتك. جايه تنورينا.
وفاء بثبات: لا يا حج. أنا جايه أخد بنتي. كفايا عليها وجع وبهدلة لغاية كده. مهران وقد توقع هذا من الأساس: بنتك هنا تاج على راس الكل. وربنا شاهد ومن بعده بنتك واهي قدامك اسأليها. اللي حصل دا سوء تفاهم. وأنا بنفسي مش هسكت إلا لما يتحل. نواره بسرعة: شفتي يا وفاء. أهو مهران قالك بنفسه. أنا عارفة غلاوته عندك. سمية بحزن: الله يخليكي يا خالة. خليكوا معانا. زهره دي نوارة البيت كله. من غيرها البيت ضلمة.
وفاء بهدوء: دا مش قراري. دا قرار زهره واللي هي عاوزاه أنا هبقى معاها فيه. زهره وهي تنظر نحو يونس: ساكت لي؟ يونس ببرود: عاوزاني أقول إيه؟ أخدك بالحضن بعد اللي عملتيه؟ ولا ناسيه خيانتك ليا؟ بتستغفليني وعاوزاني أعملك إيه؟ زهره وقد تجمعت الدموع في عينيها وخيبة الأمل على وجهها: معاك حق. يلا يا ماما.
كان الجميع يقف وعو في حالة من الصدمة مما تفوه به يونس منذ قليل. فما كان عليه قول هذا الحديث الجارح وخصوصاً في هذا الوقت. تلقى نظرات الحزن والغضب من الجميع. أما هو كان نظره عليها هي فقط. يُشبع عينيه منها. يعلم أنه كالذي ذبح نفسه بالسكين ببطء. فبعدها بالنسبة إليه يعني موته. وأثناء سيرها نحو الباب ومعها والدتها تساندها. جائت تلك الحية تركض وهي تضع يدها على معدتها وتعلقت برقبته تقبل وجهه وتتحسسه بلهفة كاذبة. وهو كان مستسلماً لها تماماً.
ناهد بتمثيل: يونس حبيبي. أنا كنت هموت من القلق عليك. الحمد لله إنك بخير. اقتربت منه حتى التصقت به بالطبع قاصدة هذا واحتضنته. أما هو نظر تخو عيون زهره التي كانت تراقبهم بألم. واحتضنتها أيضاً وهي ينظر داخل عينيها بغموض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!