فاق مصطفى باكراً جداً على الرغم من قلة ساعات النوم التي حظي بها، ولكنه كان سعيداً ومتحمساً بشدة، يود لو يعاد هذا الإحساس الذي احتاج قلبه كل يوم حتى يشبع رغبته في الارتياح والهدوء والسعادة ويأخذ كفايته منه.
بدّل ملابسه سريعاً وذهب خارج غرفته يبحث عن باقي أفراد عائلته، فلم يجد أحداً سوى نوّارة تجلس تقرأ القرآن وهي ترتله حق تلاوته، فدائماً وتلك السيدة تمثل منبع الإيمان والحنان والحب أما لهم جميعاً، تمثل الأصالة وكل ما هو جميل، شعور الدفء يحتاج قلبك عندما تراها فقط. اقترب منها مصطفى وعلى وجهه ابتسامة مُحبة. مصطفى بهدوء على غير العادة وهو يقبّل رأسها: صباح الخير يا نوري.
أنهت وردها بصدق "الله العظيم" ومن ثم وضعت كتاب الله الطاهر جانباً ونظرت لابنها بحب وأشارت له بأن يجلس بجوارها. نوّارة بابتسامة: تعالي يا مصطفى... عاوزاك. مصطفى بمرح: أيوه بقا... قولي إنك عاوزة تستفردي بيا وتقتليني وتعبّيني في أكياس. نوّارة بيأس: هتكبر امتى؟ نفسي أعرف. دا انت خلاص فرحك الليلة، أكبر واعقل شوية يا مصطفى، مش كده. تنهدت براحة وهي تنظر له بحب:
أنا عارفة إن الدنيا مش سايعة فرحتك النهارده يا حبيبي. واللي أنا مستغرباه إنك أنت يا مجنون عرفت تنقي بجد سمية أصيلة وبنت حلال وصبرت عليك سنين وزي القمر. ربنا يا حبيبي يهنيكوا ويفتح عليكم أبواب الرزق. قبّل يدها بحب وعيناه تلمع من السعادة: يارب يا أمي. أنا كده اطمنت أكتر بعد الدعوة والكلام الحلو دا. أنا مش عارف من غيرك هعمل إيه. نوّارة بصدق:
بس أنا عاوزة أوصيك وزي ما وصيت يونس من قبلك. أنا عارفة إنك طيب وراجل يا مصطفى، بس لازم أعمل اللي عليا. أوعى في يوم تزعلها يا بني، إحنا بناخد بنات الناس نصونهم ونشيلهم جوه عينينا، فاهم يا مصطفى؟ مصطفى بإيماء: انتِ تأمري يا نوارة بيتنا انتِ. نوّارة بضحك: والله انت واد بكاش.
في هذه اللحظة كان قد استيقظ مهران وذهب نحو مكان نوّارة كما اعتاد كل صباح، ولكنه تعجب عندما وجد مصطفى يجلس على مقربة منها ويمسك يدها وينظر في عينيها ويبدو حالته غريبة. ذهب لهم وهو ينظر له بتعجب. مهران بزفر: انت يا واد انت قاعد جنب أمك كده ليه؟ قوم فز من مكانك شوف ورانا إيه. مصطفى بإستفزاز وقد عدّل من نفسه وأراح رأسه على قدم والدته: لا أنا عاوز أنام شوية. مهران بغيظ وهو يلكزه بعصاه: قوم يلا بطل البرود ده. مصطفى بمرح:
غيران مني يا مهران؟ كلهم كده يا نؤنؤ يا حبيبتي بيغيروا مني عشان أنا زي القمر. مهران بنفاذ صبر: قوم يلا نشوف الرجالة جات ولا لا. قوم بدل ما أدقك في الأرض وأعمل عليك خيمة للرجالة. قوم. زفر مصطفى بطفولة وذهب في اتجاه باب المنزل وهو يدب قدمه في الأرض كما الأطفال، ونوّارة تضحك عليه كالعادة من قلبها ومهران ينظر نحوه بقلة حيلة ويأس. مهران بشرود: والله يا أم يونس محدش هيجيب لنا الفضيحة اللي الواد أبو نص عقل دا. نوّارة بضحك:
انت بس اللي مش فاهمه يا مهران. دا مصطفى دل سكرة البيت. يلا اتوكل على الله، مع إنّي مكنتش موافقة على فرح الشارع ده، بس عشان خاطرك. زمان الرجالة على وصول. مهران بابتسامة: منتحرمش من ضحكتك يا أم يونس. كاد أن يكمل حديثه معها كما اعتاد، ولكن قاطعهما هذا الصوت وكان مصطفى بالطبع. مصطفى: يلا يا عم الحبيب الرجالة جات. مهران بغيظ: خلي بالك همّوته واخلص منه. نوّارة بضحك: معلش ابننا برضه. أنا هقوم أشوف المطبخ لحد ما البنات يجوا.
في غرفة زهراء ويونس. قد فاقت زهراء من وقت مبكر وأخذت حماماً دافئاً لتستعد لليوم الذي انتظره الجميع وليس العروسين فقط. انتقت عباءة منزلية متسعة ومريحة وجلست أمام المرآة تحاول تمشيط شعرها والذي تواجه دائماً صعوبة في تمشيطه بسبب طوله وكثافته. في هذه الأثناء كان قد استيقظ يونس وظل يراقبها بحب، فهو يعشق غضبها الطفولي عندما تحاول فعل الشيء ولا تستطيع.
هبّ من مكانه وعلى وجهه الابتسامة التي باتت تسحرها وتأسر قلبها، اقترب منها وهي تناظره عن طريق المرآة. أخذ منها المشط وأخذ يمشط شعرها بلطف بيده وبالأخرى يربت عليه ويتلمسه بحنان. يونس بنبرة هائمة: تعرفي إني بحب شعرك أوي. زهراء بحب: وتعرف إني بحبك أوي. يونس بعبث: دا إحنا بطلنا نتكسف ووشنا يقلب زي الطماطم بقا. نصايح نوّارة دي مش كده؟ زهراء بخجل: يونس. يونس بضحك وقد انحنى عليها يقبّل وجنتيها بحب:
ربنا ما يحرمني من بداية يومي بوشك يا قلب يونس. وضع المشط على المرآة بعدما انتهى من تمشيط شعرها ودلف للمرحاض لكي يستعد ليومه، أما زهراء فأردت حجابها وأحكمته عليها ومن ثم دلفت للأسفل لكي تساعد نوّارة والفتيات في إعداد الطعام. في منزل سميّة.
كانت تجلس سميّة ووردة ووالدتها سميّة معاً يتناولون طعام الإفطار، وكما تم الاتفاق بينهم أن يوم الحناء يكون في منزل وردة ويوم العُرس تكون وردة معهم، فهم يعتبرونها من ضمن العائلة ويودون أن يكونوا سوياً في هذه الأيام الجميلة السعيدة بالنسبة إليهم. يأكلون ويمرحون وتنظر لهم والدة سميّة بحب. سميّة بمرح: فيكي إيه يما؟ مالك مبحلقة لينا كده ليه؟ وردة بضحك: انتِ فظيعة بجد يا بنتي. والدة سميّة: أقول إيه بس يا وردة.
بنتي عرفاها. فرحانة ليكم يا سميّة، وعلى قد فرحتي على قد إنكم هتقطعوا فيا أوي، بالذات انتِ يا وردة هتسكنين بعيد عننا بعد كل سنين العشرة الحلوة بينا دي. وردة بحزن: والله هتوحشوني أوي، بس هخلي حسين يجبني ليكم كل شوية وهقرفكم. سميّة بمرح: وهو سي حسين بتاعك ده هيخليكي تطلعي بره البيت ده؟ مجنون. وردة بحدة مصطنعة: احترمي نفسك يختي. ثم أكملت بضحك: وبعدين انتِ آخر واحدة تتكلمي عن الجنان ده، مصطفى أبراج مخه طايرة كلها.
والدة سميّة بضحك: والله معاكي يا بنتي. أنا خايفة عليهم هما الاتنين. مجانين إلا ما في حد فيهم عاقل يعقل التاني. سميّة بغيظ: ما خلاص بقا انتو اتفقتوا عليا انتوا الاتنين ولا إيه؟ كانت ستكمل وردة في مضايقتها ولكن دق هاتفها يعلن عن اسم حبيبها والذي سيصبح زوجها في خلال الساعات القليلة القادمة. ابتهج وجهها تلقائياً وهمت بالرد سريعاً. وردة بحب: صباح الخير يا حسين. سميّة بسخرية: الحق يما ملحقش يتكلم، شوفي وشها.
قامت من مكانها وهي تنظر لها بغيظ وذهبت بعيداً لكي تحادثه على انفراد. حسين بهيام: يسعد صباحك يا وردتي. أخيراً هتبقى ليا الليلة. الفرحة مش سايعاني. هنبعت ليكم المزينة. وردة بضحك: انت لسه برضه مسميها المزينة؟ حسين بضحك: مانتي عارفة أنا على قديموا. يلا هسيبك بقا عشان تلحقي تخلصي اللي وراكي. بعد الدقايق والله عشان نبقى مع بعض يا حبيبتي. بحبك. وردة بخجل: وأنا كمان. مع السلامة. حسين بغزل: مع السلامة مؤقتاً يا حبيبتي.
أغلقت الهاتف وهي تحتضنه بحب وتشرد في هذا اليوم الذي سوف ينتهي في أحضان حبيبها. دارت برأسها عندما شعرت بأنفاس أحدهم تصدم عنقها، ولكنها فُزعت عندما رأت سميّة تقف خلفها وتمد رأسها للأمام بحركة غريبة وتفتح عينيها تنظر لها بدقة. وردة بصراخ: يخربيتك! وقعتي قلبي. إيه اللي موقفك كده؟ سميّة بضحك: بتصنت عليكي. يلا يا هبلة عشان الميكب ارتست قربت تيجي.
بدأت الفتيات في أولى خطوات التجهز من أجل العُرس، وقد انضمت فتيات المدينة من الأصدقاء والأقارب والمعارف، ومن بعدها على منزل العريس لكي تقوم الاحتفالات. في منزل عائلة مهران. قد حل الليل وجميع التجهيزات قد حُضرت، فالمنزل زُين ومعظم المدينة زُينت أيضاً، فأُضيئت الأنوار وأقيمت الذبائح وأشهى الطعام منذ الصباح رائحته تفوح من المنزل، صوت الضحكات والسعادة يملئ المكان.
تجهز حسين ومصطفى وقد قرروا الالتزام بالجلباب والملابس الصعيدية، وحسام الذي قلدّهم بالطبع ويونس الذي انضم إليهم أيضاً، على الرغم من أنه ليس كثير الارتداء لهذه الملابس ولكنه أراد تشجيعهم، فهو بمثابة الأخ الأكبر لهم.
وزهراء التي ارتدت فستاناً قصيراً ومتحرراً من اللون الذهبي وشعرها الكستنائي الناري تركت له العنان خلف ظهرها، فالعرس ليس مختلطاً ولن يراها أحد سوى النساء، وكذلك العرائس واللواتي كانوا في أبهى صورهن، الفساتين البيضاء الملائكية والتي لاقت بهن ومعها تحررها أظهرت ملامحهم الأنثوية الجميلة، مستحضرات التجميل التي أضافت لهن لمسة خاصة.
وهبة التي انضمت إليهم بفستانها المحتشم الذي انتقاه لها حسام والذي لاق بها كثيراً، تعرفت على الفتيات وتوددت لهن كثيراً. كان الجميع سعيداً، عند النساء تعالت أصوات الأغاني التقليدية والضحك عليها والتصفيق معها تارة، والأغاني الشعبية والرومانسية تارة أخرى. وعند الرجال اشتعلت المواويل الصعيدية ومارسوا بينهم التحطيب، وكان الجميع سعيداً للغاية.
ومع اقتراب الانتهاء من هذه الليلة حدث ما لم يكن على بال أي أحد منهم، فكان الأغلبية قد رحلوا وقد احتشمّت الفتيات بشيء فوق ملابسهن، ولكن قبل إغلاق الباب للانتهاء جاء أحد لم يود أي أحد برؤيته أو وجوده أبداً، وذاتاً في مثل هذا اليوم.
نظر الجميع إليه والصدمة تعتلي وجوههم، كيف تجرأ لهذه الدرجة يقف هذا الضليل الوغد بينهم دون أي حياء أو خوف. ينظر في أعينهم بقوة وكأنه يخبرهم أنه أنا وهذا مقامي، ومن منكم يظن نفسه قادراً على مواجهتي فليوريني نفسه. مصطفى بغضب: إيه البجاحة اللي انت فيها دي؟ انت إزاي تيجي هنا؟ انت مفكر نفسك مين؟ يونس وقد أمسكه من تلابيب ملابسه وعيناه تطق من الشرار: انت جيت لموتك. مش هتطلع من هنا حي، انت فاهم؟ انت جيت لنهايتك معايا.
قال ببرود: إيه يا يونس بيه؟ انت هتمنعني آجي فرح أختي؟ دا حتى عيب يعني. سميّة بحزن ودموع: ابعد عننا بقا. أنا بكرهك، انت مش أخويا. أنا مليش إخوات، اطلع بره. يونس بغضب: سمعت قالتلك إيه؟ بره! لكمه يونس في وجهه بقوة مما جعل أنفه يسيل منها الدم. نظر له بمكر وبابتسامة غامضة وهو ينظر نحو زهراء التي ارتجف جسدها بشدة واقتربت من يونس تحتضنه بخوف. قال بثقة:
مش بعيد يا يونس بيه. قريب أوي وهتشوف الذل اللي أنا شفته السنين اللي فاتت. وانت يا سميّة من دلوقتي بخيرك يا تبقي مع أخوكي أو جوزك وأهله. سميّة بكره: قلتلك مليش إخوات، اطلع بره حياتي. منك لله. ... : يبقى انتوا اللي اخترتوا. مش هتلحق توحشني. عشان هنتقابل قريب وانت راسك المرفوعة دي في الأرض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!