كان يسير كالثور الهائج، يقلب جيبه يبحث عن مفتاح السيارة. ومن كثرة الغضب، استغرق بعض الوقت حتى يخرجه من جيبه. فتح السيارة بيديه، وقبل أن يركب، كانت يد حسام على يده يمنعه من الركوب. حسام بزفر: كنت عارف أنك متسرع وهتطلع تجري عليها. تعالي خلينا نتكلم. يونس بغضب: ابعد من وشي يا حسام. سبني، أنا مش طايق نفسي. ابعد أحسن لك. حسام بإصرار: مش هسيبك تدمر حياتك. أنت مفكر لو رحت كده هترجع لك؟ بعد كده تبقى بتحلم.
كان في قمة غضبه ولم يتحمل مجادلة من أحد. وما كان أمامه سوى تفريغ غضبه في حسام، فهجم عليه يلكمه بشدة. ارتد حسام على أثرها للوراء، ونظر له بصدمة، فلم ير صديقه في هذه الحالة من قبل. يونس بغضب: ابن الـ***… عاوز يتجوز مراتي يا حسام. أنا هشرب من د -مه. سنين وأنا ساكت وصابر، بس خلاص جاب آخره معايا. كله إلا دي.
حسام بهدوء: معاك حق. بس لازم تهدى. أنا قدامك أهو، طلع اللي جواك فيا. بس مينفعش تحقق له اللي هو عاوزه. هو عاوزك أنت وزهرة تبعدوا عن بعض. لو رحت لها في حالتك دي، مش بعيد ترمي عليها اليمين. اهدى يا صاحبي. عقل كلام صديقه، فمعه كل الحق بالطبع، ويجب عليه استعمال عقله الآن. ظل لدقائق طوال يتنفس بغضب وصوت مسموع، وحسام ينظر له بترقب، وجهه المُحمر وعروقه البارزة. كان يخشى أن يصيبه مكروه من كثرة غضبه.
اقترب منه بحذر وجذبه من ذراعه بهدوء، وجلسوا سويا على حشائش الأرض في حديقة المنزل. يونس بحنق: اديني هديت. تقدر تقلي هعمل إيه دلوقت؟ حسام بابتسامة: هو مفكر أنه ممكن يأثر عليها ويضمها لصفه. أنا صحيح متعاملتش معاها قبل كده، بس معتقدش أبداً أن دا ممكن يحصل. وخصوصاً أن رجالتى قالوا لي أنه كان نازل شكلة مش مبسوط. أكيد وقفته عند حده. وبيني وبينك، لما تيجي منها هي أحسن. يونس بغضب: يعني إيه؟
أنا أقعد حاطط إيدي على خدي ومستني مراتي هي اللي توقفه عند كده؟ أنت اتجننت يا حسام؟ ما توزن كلامك شوية. حسام بسرعة: والله ما قصدي يا يونس. أنا أقصد أنه كده هيلاقي أنه الموضوع أصعب أكتر عليه وهيخاف ويعمل ألف حساب. متأخذنيش يا صاحبي، يمكن يكون كان مفكرها زي ناهد ويعرف يأثر عليها. زفر يونس بحنق وظل صامتاً لفترة يحاول السيطرة على شيطانه ويكف عن التفكير. فكلما تذكر أنه ذهب بيت زوجته وطلب منها الزواج، تغلي الد
-ماء في عروقه. وكلما تخيل أنه جلس معها ورآها وتحدث معها، يود لو يذهب ويفتك به. أخرج تنهيدة حارة. حسام وهو يربت على ظهره: اهدى يا يونس. أوعى تغلط المرة دي. حكم عقلك يا صاحبي، أنت عارف التهور مش هيعمل أي حاجة غير أنه هيأذيك بس. يونس بغضب: مش قادر يا حسام. مش عارف أسيطر على نفسي. عاوز أروح أخنقه بإيدي. من امتى بندخل الحريم في مواضيعنا؟ اتخطى كل الحدود ومبقاش همه حاجة.
حسام بهدوء: بالذكاء مش بالدراع، وأنت عارف كده كويس. اللي زي دا عاوز دماغك مش عضلاتك. أنا هسيبك تهدى، بس أبوس إيدك بلاش تحقق له اللي هو عاوزه، فاهم؟ يونس وهو يضغط على يده: طيب يا حسام. طيب. حسام بابتسامة: ومتقلقش، حبايبك أقل حاجة عشر سنين لكل واحد. يونس بارتياح: واثق فيك يا صاحبي. طول عمرك شاطر في شغلك. حسام بمرح: منتنى كمان طول عمرك شاطر يا باشمهندس، بس أنت اللي سبت الكار.
يونس وهو يهز رأسه بيأس: أنت ظابط ولا حرامي ولا تاجر مخدرات ولا إيه حكايتك؟ حسام بضحك: أنا أي حاجة في كل حاجة يا بيبي، أنت تؤمر. يونس بابتسامة: امشي يلا من هنا. حسام بمرح: طب ما تذوقش كده. سلا يا صاحبي. يونس: سلام يا صاحبي.
رحل حسام وترك يونس يفكر ويفكر، حتى شعر بألم كبير في رأسه. فظهور هذا العدو بشكل صريح وبدون أي خوف هكذا يشعره بعدم الأمان والارتياح، وعليه التخلص منه في أسرع وقت حتى لا يشكل تهديد لأي فرد من أفراد العائلة. ولكنه وجد أحد الطرق لإعادة زهرة للمنزل، مما جعله يرتاح قليلاً لفكرته هذه. فقد اشتاق لحبيبته كثيراً ولن يستطيع العيش ساعة أخرى بعيداً عنها. *** عند حسام.
كان يقود سيارته وهو يسير نحو اتجاه المنزل الذي يقيم به هو وعائلته. كان منشغل بالتفكير في يونس، فهو يشعر بالقلق عليه كثيراً، فصديقه تتوالى عليه الهموم واحدة تلو الأخرى. أوقف السيارة فجأة عندما رأى أحدهم مرمياً أرضاً، لا حول له ولا قوة. نزل من السيارة، وسارها ليقلب وجه المرمي أمامه، فإذا بفتاة شابة تتحدث بصوت متقطع وشفاه مرتجفة ووجه يبدو عليه الإرهاق الشديد. حسام بقلة حيلة: مش سامع حاجة. مالك في إيه؟ حاسة بإيه؟
الفتاة بصوت ضعيف: حاسة مسكرة. بسرعة لو سمحت. استطاع سماعها بصعوبة، ولكنه ركض مسرعاً نحو سيارته. تذكر أنه قد اشترى شوكولاتة سوداء اليوم ولم يأكلها. لحسن الحظ، قطع قطعة منها وقربها من فمها. أخذتها سريعاً وبدأت تمتصها بضعف. وبعد بعض الوقت، بدأت تفتح عينيها بضعف.
لم يجد حل سوى أنه اقترب منها، يحملها بين يديه وأجلسها في الكرسي الخلفي من السيارة. وانطلق سريعاً حيث المشفى. فمن الواضح من ملابسها وشكلها الخارجي أنها عانت كثيراً، ويجب عليه مساعدتها بالتأكيد. *** في منزل وردة.
قد أدت فرضها وأعدت طعاماً خفيفاً من أجل العشاء ومعه كوب من الشاي. وأشغلت التلفاز وبدأت تتذكر حياتها، مما جعل دمعة تفر من عينيها. تتذكر أنها لم تكن سوى فتاة يتيمة عندما بدأت تعي على دنيانا، وجدت نفسها وسط العشرات من الأطفال في دار الأيتام. تتذكر عندما أتمت السن القانوني للخروج من الدار، كانت أول مرة ترى الحياة على حق، ظالمة وغريبة. لم تكن كما كانوا يتحدثون عنها في الدار أبداً.
تتذكر أنها كانت تعمل في كل شيء وأي شيء حتى توفر قوت يومها. كانت تسكن في غرفة وهي والكثير من الفتيات، تكاد تكون آيلة للسقوط. وعندما وضع الله أمامها مهران، عندما ذهبت لجمع حبات الفاكهة من أرضه وعلم بحالها، بدأ في مساعدتها حتى اشترى لها بيت صغير ولكنه جميل للغاية ووفر لها عمل في منزله. وكان قاصداً أن يكون مجرد مساعدات في المنزل حتى لا يتعبها. كان مثالاً حقيقياً للأب والرجل الصالح. كم تمنت أن يكون والدها الحقيقي.
ونوارة التي طالما أغمرتها بالحنان والحب وكل ما تحتاجه. ومصطفى ويونس يعاملونها باحترام، ودائماً ما يطمئنوها أن لها إخوة وحمى في هذه الدنيا وليست وحيدة أبداً. ابتسمت بصدق عندما تذكرتهم، ولكن قاطع شرودها دَق خفيف على الباب. ذهبت وردت من وراء الباب، فهي تخاف من فتح الباب في الليل لأحد، وأيضاً ليس من العادة أن يزورها أحد في هذا الوقت. وردة بتوتر: مين؟ حسين بتلاعب: أنا حسين يا وردة. وردة بتعجب: إيه اللي جابك هنا؟
حسين بخبث: وحشتيني. فتحت عينيها بصدمة، ومن ثم تحدثت بغضب: أنت جرى لعقلك إيه؟ امشي من هنا وإلا هصوت وألم عليك الجيران وأهلي. اللي ميشتري يتفرج عليك. حسين بضحك: طب اعملها كده وأنا أقول لهم إنك اللي كنتي بتغرري بيا لهنا. وبعدين متنسيش دا أنا الدراع اليمين ليونس بيه. الكل هيصدقني. ولا إيه رأيك؟ وردة بضيق: يعني عايز إيه؟ حسين بضحك: سلامتك يا روحي. تصبحي على خير.
فتحت فمها بصدمة وغضب من هذا المعتوه، فكأنه احتسى أحد المشروبات المسكرة ولم يكن يعي ما يقوله. مشت بهدوء نحو إحدى الفتحات بجانب الشرفة، وجدته قد ذهب. ضربت كفاً على كف بحيرة من فعلته هذه. ولكنها ابتسمت بخجل عندما تذكرت آخر كلماته. وردة بحيرة: يا ترى ناوي لي على إيه؟ *** في المنزل. كان مصطفى لازال على الأريكة، ولكنه اعتدل في النوم عليها. حيث كان ينام على بطنه ويرفع قدميه عالياً ويهزها بطريقة غريبة وهو يتحدث في الهاتف.
مصطفى بفخر: برافو عليكي يا زهرة. شاطرة. بنت عمي بصحيح. أيوه كده، وقفيه عند حده. زهرة بحيرة: هي إيه حكاية الراجل ده؟ أنا مش مرتاحة. ما تقلي يا مصطفى. مصطفى بهدوء: هقولك بس مش دلوقتي. موضوع طويل أوي هحكيلك عليه بعدين. ثم أكمل بابتسامة: بس أنا سعيد سعادة لا توصف. أخيراً خلصنا من ناهد للأبد. زهرة بتعجب: ودا إزاي يعني؟ مصطفى بسعادة: هحكيلك. اعتلت الصدمة وجهها بشدة، وبدأت الشهقات تتوالى واحدة تلو الأخرى ومصطفى يقص عليها.
زهرة بصدمة كبيرة: إزاي قدرت تعمل كده؟ ثم أكملت بحزن: أكيد يونس زعلان أوي؟ مصطفى بزفر: هو زعلان بحق. دا متبهدل على الآخر. كل ما يطلع من حفرة يقع في غيرها. أنا بقيت خايف يحصله حاجة يا زهرة بجد. زهرة بحزن: إن شاء الله هيعدي من كل ده ويرجع أحسن من الأول. مصطفى بخبث: مش هيرجع زي الأول إلا بيكي أنت. وأنتِ عارفة ده. زهرة بكبرياء: أنا كرامتي اتهانت يا مصطفى. وبصراحة مش هسمح لنفسي إني أتهان تاني.
مصطفى بتلاعب: وأهي كانت غمة وانزاحت من قدامك، وطريقك ليه بقى مفتوح. متضيعيش الفرصة دي من إيدك. أنتِ بتحبيه يا زهرة، متظلميش نفسك. استهدي بالله كده. زهرة بهدوء: لا إله إلا الله. بس. كانت ستكمل حديثها إلا الصوت الذي جعلها تصمت تماماً. حيث دلف يونس للمنزل يجر قدمه بضعف. ورأى مصطفى نائم بهذا الوضع الغريب، مما جعله يهز رأسه بيأس من أخيه الذي لن يكبر أبداً.
يونس بمقاطعة: أنت إيه اللي مصحيك دلوقتي ومالك نايم زي اللي بيشمس ظهره كده ليه؟ وبتكلم مين في ساعة زي دي؟ مصطفى بسرعة: إيه كل ده؟ لوك لوك هتحقق معايا. ثم أكمل بغمزة: بكلم زهرة. عندك مانع يا يونس؟ قال آخر كلامه بطريقة مستفزة كثيراً، مما جعل يونس يزفر بحنق ويهم مسرعاً نحو غرفته هو وزهرة. أما مصطفى، فكان يضحك بشدة على غضب وغيره أخيه.
ذهب يونس للغرفة وما إن دلف إليها ووجدها فارغة. حزن بشدة، فطالما كانت تملؤها زهرة حب وحنان وجنون بعض الشيء. ينظر لكل ركن بها وهو يتذكرها ويبتسم بألم من أن يكون قد خسرها. جلب إحدى بيجاماتها والتي قد نسيها، قربها منه، يشم راحتها بنهم، ومن ثم احتضنها وخلد للنوم سريعاً بسبب الإرهاق والتعب. *** عند ضاحي. أحدهم: البت شكلها صعبة يا ضاحي. أنت ليه مصمم عليها أوي كده؟ ما تشوف طريقة تانية، إشمعنى الطريقة دي؟
ضاحي بهدوء: البت دي الشوكة اللي هت -كسر ظهر يونس للأبد. ض -ربة مش هيعرف يقوم منها أبداً. أنا عارف يونس دا أكتر من أبوه وأمه، وبكرة هثبت لكم صحة كلامي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!