في صباح يوم جديد. وما إن أشرقت شمس يوم جديد، تململت زهرة من مكانها بتكاسل. باتت تكره أن تفيق من نومها، حيث أنها لا تراه بجوارها ومعها كما اعتادت، فتتذكر ما هي به ويعتلي الحزن وجهها. قامت من مكانها وتوضأت وأدت فرضها، وبعدها استمعت لضجة كبيرة في المنزل، فخرجت ولا تزال ترتدي ملابس الصلاة التي كانت تعطيها منظرًا بريئًا وساحرًا للغاية.
عندما خرجت، وجدت جميع أفراد العائلة موجودين ومعهم يونس، والذي ما إن رآها حتى ظل محدقًا بها وكأنه لم يرها منذ سنوات، فكل دقيقة في غيابها كأنها سنوات طوال، لو يستطيع تخطيها أبدًا. ما إن رأت نظراته هذه حتى توترت كثيرًا وأصابها الخجل، ونظرت لوالدتها التي كانت تنظر لها بابتسامة مطمئنة. مهران بابتسامة: تعالي يا بنت أخويا. نهون عليكي تسيبينا كده؟ نوارة بحب: لقيناكي هتتأخري في زعلك، قلنا نجيلك إحنا. زهرة بخجل: نورتوا البيت.
وذهبت وجلست بجوار والدتها في صمت، وهي تشيح بعينيها بعيدًا عن يونس. مهران بصدق: إيه يا زهرة يا بنتي؟ البيت وحش من غيرك. هتفضلي سايبانا كده كتير؟ ولا انتي كارهة العيشة معانا؟ زهرة بتوتر: والله يا عمي مش قصدي بس... نوارة بعتاب: بس إيه يا زهرة؟ يصح برضه تسيبي أهلك وناسك في ظروف صعبة زي دي؟ دا أنا قلبي كان بيتقطع عليكي، مفكرتيش فيا ولا في زعلي، سيبتيني لوحدي ومشيتِ؟ زهرة بحزن: انتي عارفة يا ماما أنا مشيت ليه و...
مهران بمقاطعة: أنا مفهمش الكلام دا. اللي تزعل تزعل في بيتها. عندك البيت طويل عريض، ازعلي في المكان اللي يريحك، بس متسيبيش بيت أبوكي وعمك وبيتك وتمشي. إحنا نمشيه لو عاوزة، بس انتي... بالطبع كان يقصد يونس بآخر حديثه. حقًا قد حاصروها في الحديث ولم تعرف بماذا ترد القول عليهم، ولكن لمعت نظرات والدتها التي كانت تحذرها من قول أي شيء خاطئ. ظلت صامتة وتنكس رأسها أرضًا. مهران بهدوء: يلا قومي جهزي نفسك، هتروحي معانا.
زهرة بسرعة: بس يا عمي... وفاء بمقاطعة: قومي يا زهرة، اسمعي كلام عمك يا بنتي. يلا جهزي نفسك. نظرت لوالدتها بصدمة. ألم تكن أنتِ التي وعدتني بأنها سوف تنفذ رغبتي؟ لقد أقنعك ببساطة يا أماه. وقفت تنظر للأم بعتاب، ومن ثم ذهبت نحو غرفتها تجمع أشياءها، وبداخلها الكثير من المشاعر المختلطة والغريبة. نظرت وفاء نحو يونس بتفحص، كانت تنظر له من أعلاه لأسفله بدقة، مما أصابه بالتوتر من غرابة نظراتها.
وفاء بهدوء: بعد إذنك يا حج مهران، أنا عاوزة يونس في كلمتين. مهران بهدوء: حقك يا مرات أخويا. قوم يا يونس مع مرات عمك. وقفت وفاء واستأذنت منهم، ومن ثم نظرت ليونس نظرات ذات مغزى واتجهت نحو الشرفة. ذهب ورائها. وقفت تنظر أمامها بثبات، وهو يقف بجوارها ينظر لها بترقب لكي تتحدث، ولكن مرت بعض الدقائق دون أن تتفوه بأي كلمة منها، أصابه بالتوتر أكثر. وفاء بهدوء: أنا جوزتك بنتي عشان خاطر عضم التربة يا يونس، وأنت عارف دا صح.
أومأ لها باحترام، ثم أكملت: لما أبوك الحج مهران كلمني وطلبها ليك، أنا خفت. قلت بنتي الوحيدة هجوزها على ضرة وهبهدلها، واشمعنى أنت؟ لي مش مصطفى؟ مهو عازب وأصغر في السن. كان عندي ألف سبب يخليني أقف قدام الحج مهران وأقول لأ. عارف أنا وافقت ليه يا يونس؟ يونس بترقب: ليه؟
وفاء بابتسامة: عشان قلبي قالي كده. قالي راحة بنتك معاه هو وبس. ولما اتجوزتوا وكنت شايفة حبك مالي عينيها ووشها، قلبي كانت هيرقص من الفرحة. كانت بتحكيلي إنك بتجبيلها كل حاجة وبتدافع عنها وصاين كرامتها.
ثم أكملت بتنهيدة ضيق: بس لما جيت آخدها وشفت ردة فعلك بعيني، قلت لنفسي أنا مش هسيبه يشم ريحتها تاني أبدًا. أنا بنتي غالية أوي يا يونس، أنا فنيت عمري عليها. كان ممكن أتزوج بعد عمك الله يرحمه، منا كنت صغيرة وقتها وكان بيتقدم لي ناس كتير ومحترمين وولاد ناس، بس قلت لأ، كفايا عليا إن في يوم كنت مراته وربنا سبحانه وتعالى هيجمعني بيه في الجنة وهيعوضني عن سنين عمري اللي راحت. وكفايا عليا أشوف بنتي بتكبر قدامي وناجحة وسعيدة في حياتها، دا لوحده بيخليني أسعد شخص في الدنيا. بس أنت يا يونس هدمت السعادة دي. لأول مرة أشوف بنتي بتسهر تعيط ومقهورة على نفسها كده.
يونس بحزن: أنا والله ما كنت أقصد إن كل دا يحصل، دا أنا روحي فيها، مقدرش أبدًا أشوفها زعلانة كده و... وفاء بمقاطعة: كلامك مش مهم يا يونس. مفيش حاجة ليها لازمة بعد حزن بنتي أبدًا. أنا هخليها تروح معاك المرة دي، ودا مش عشانك لا، دا عشان الراجل اللي شايلني أنا وبنتي سنين وعمري ما شفت منه إلا كل احترام وصدق. بس لو اتكرر تاني، أو لو حسيت إن بنتي زعلانة حتى زعل عادي، هطلقها منك يا يونس. ودا مش تهديد، أنا بس بعرفك.
تركته وذهبت، وهو ينظر في طيفها بصدمة وخوف من حديثها، ولكنه يعلم أن لديها كل الحق، فهي وحيدتها والذي تلقته منه لم يكن قليلًا أبدًا. *** في غرفة زهرة.
كانت تجمع باقي ثيابها بعدما ارتدت ملابسها المكونة من فستان رقيق باللون النيلي ومعه حجاب أبيض مزين ببعض الورود من نفس لون الفستان. كانت لا تستطيع تحديد شعورها أبدًا. بالطبع كانت تشتاق إليه كثيرًا وتريد قربه من جديد بكل الطرق، ولكن قد أُهينت كرامتها بشدة، ووالدتها وضعتها في موقف لا تُحسد عليه، حتى أنها لم تترك لها فرصة لتبدي رأيها بما يحدث.
أخرجت تنهيدة تعبر عن حيرتها، قبل أن تدلف والدتها للغرفة وتنظر لها بابتسامة صافية. وفاء بهدوء: أنا عارفة إنك زعلانة مني، وإن مش دا اللي كنتي عاوزاه يحصل. بس دي الأصول يا حبيبتي. زهرة بحزن: كنتي خدتي رأيي حتى يا ماما؟ أنت كسفتيني قدامهم. وفاء بنبرة حنونة: بالعكس، أنا غليتك أكتر ما انتي غالية كمان. احترام عمك ومراته ملوش دعوة باللي بينك انت وجوزك. قعدتي عندهم شهور أهو، حد فيهم زعلك في حاجة؟
زهرة: لا طبعًا، دول مفيش في حنيتهم عليا. وفاء بهدوء: عشان كده أنا وافقت تروحي معاهم. احتراما ليهم بس، مش عشان أي حاجة تانية. حتى لو هروح أجيبك بكرة، بس هما جم لحد بيتنا وشارينك، يبقى لازم تروحي معاهم. فهمتي يا حبيبتي؟ زهرة بإيماء: فهمت يا ماما. معاكي حق. وفاء بابتسامة: فكري براحتك النهاردة. وقليلي ناوية على إيه، وأنا معاكي في أي قرار. يلا يا زهرة عشان منتأخرش عليهم.
جذبتها من يدها بحنان واتجهت نحو الخارج، ومن ثم ودعوا بعضهم البعض، وذهبت زهرة معهم. *** أسفل منزل زهرة. كان يونس يفتح لها الباب الذي بجواره. لم تنظر له حتى، واتجهت نحو الباب الخلفي وفتحته وركبت به. نظر لها بغيظ وهو يزفر بغضب. مهران بضحكة مكتومة: يلا يا أم يونس، اركبي ورا مع زهرة، وأنا هركب مع يونس نتكلم شوية.
أومأت له نوارة وهي تبتسم بتلاعب، فمن الواضح أن زهرة لن تهدأ أو تسامح بسهولة. ظلوا يتحدثون في أمور العمل وأمور أخرى، وحاول يونس كثيرًا أن يوجه لها الحديث ويمزح معها، إلا أنها لم تعطيه الاهتمام، تنظر أمامها في الطريق فقط. *** في المستشفى.
كان حسام يقف أمام باب الغرفة التي تقبع بها هذه الفتاة، ومعها أحد الأطباء، وقد قام بوضع بعض المحاليل الطبية وحقنها ببعض الإبر العلاجية. وكل هذا وهو يراقبها من الخارج. ظل واقفًا يتأمل وجهها الشاحب الخالي من الحياة، يبدو أن هذه الفتاة تخبئ الكثير من الألم بداخلها. بعد الكثير من الوقت، خرج الطبيب. حسام بهمة: خير يا دكتور؟
الطبيب: الحمد لله إنك لحقتها. كانت ممكن تدخل في غيبوبة، بس عدت على خير. لازم تاخد بالك منها ومن أكلها كويس يا حضرة الظابط، صحتها في النازل، ودا غلط جدًا على مريض السكر. حسام بصدمة: هي عندها السكر؟ بس دي صغيرة أوي. الطبيب بتعجب: حضرتك مكنتش تعرف إزاي؟ حسام بهدوء: لأني معرفهاش أصلًا الحقيقة، أنا بس بساعدها. الطبيب بجدية: كده لازم حد من أهلها يكون موجود عشان... حسام بمقاطعة: مفيش داعي يا دكتور. أقدر أدخلها؟
الطبيب بإيماء: أكيد اتفضل، هي شوية وتفوق. تركه وتقدم نحو الغرفة، وفتح بابها واتجه نحو سريرها. كانت تنام لا حول لها ولا قوة. ظل يتأمل ملامحها. كيف لفتاة يبدو عليها صغر السن أن تكون صاحبة مرض مزمن؟ يرى كيف كانت تعاني من الحياة حتى تصل لهذه الحالة. ثيابها يغطيها الأتربة، وجهها مليء بالحكايات. شعر بفضول ليستمع لها كثيرًا. قاطع شروده رنين هاتفه. حسام بإرهاق: أيوه يا أمي.
الأم بقلق: برن عليك بقالي ساعات يا حسام، ووجعت قلبي عليك. لي كده؟ حسام: آسف يا حبيبتي، بس غصب عني حصل معايا حاجة. لما أجي هحكيلك. يلا مع السلامة. الأم بقلة حيلة: ماشي يا حسام، لما تيجي. أغلق الهاتف ووجه نظره إليها، ووجدها بدأت في فتح عينيها البنية، والتي كانت تتميز باتساعها، فكانت تعطيها منظرًا خاطفًا للأنفاس. حسام بابتسامة: صباح الخير. صحيتي من صوتي؟ الفتاة بهدوء وهي تتحدث بضعف: لا أبدًا. شكرًا ليك أوي.
حسام بهدوء: ولا يهمك يا ستي. تعالي يلا عشان أوصلك. الفتاة بخوف: لا مفيش داعي يا باشا، أنا هروح لوحدي. حسام بتعجب: لوحدك إزاي؟ هو انتي قادرة تقفي أصلًا؟ يلا يا بنتي وهنجيب معانا ممرضة تسندك، متخافيش. كانت ستعترض، ولكنه ذهب من أمامها يطلب أحد الممرضات ويخبرها بطلبه، وبالطبع وافقته بعدما استأذنت من أحد الأطباء، والذي كان يعرف حسام ووافق، حيث أنه حامي هذه المنطقة ولديه الكثير من الاستثناءات.
ساعدتها الممرضة في الوقوف، وبدأت في إسنادها وركبوا السيارة سويًا، وكل ثانية تقريبًا كان يتابعها حسام عن طريق المرآة أمامه، أما هي فكانت تستند برأسها على كرسي السيارة وتنظر أمامها بسرحان، بعدما أخبرت حسام بعنوان منزلها. بعد القليل من الوقت، وصل أمام منزلها، والذي كان منزلًا بسيطًا للغاية، حتى أنه كان من الطراز القديم ويبدو عليه متهالكًا بشدة.
فتح لهم باب السيارة وساعدها الممرضة مجددًا، ومن ثم اتجهوا نحو باب المنزل. فتح لهم رجل يبدو أنه في الخمسينات من عمره، وجهه بغيض للغاية ويبدو عليه الغضب، ولكن عندما رأى حسام هدأ قليلًا، فهيأة حسام تعطي له هيبة كبيرة. الرجل (رشوان) : كنتي فين يا بت يا هبة؟ وانت مين يا بيه؟ حسام بهدوء: أنا الظابط حسام يا حج، وبنتك تعبت وأنا خدتها المستشفى ولسه جاية دلوقتي. معرفتش أتواصل معاك لأنها مش معاها موبايل.
رشوان بملل: كتر خيرك يا بيه. يلا يا بت خشي. جذبها من يدها وهو يرسم ابتسامة صفراء أمام حسام والممرضة، ثم تفوه بسخرية: رشوان: لامؤاخذة يا بيه، البيت مش من مقامك، مش هعرف أقولك اتفضل. حسام بعدم راحة: ولا يهمك. المهم اطمنا عليها. بعد إذنك. ذهب حسام، وهبة تنظر له، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها، فلأول مرة تشعر بأن أحدًا يحن عليها كل هذا الحنان، شعرت وكأنه طوق للنجاة، ولمن ها هو ذاهب الآن.
ما إن أعطى حسام ظهره لهم وأغلق رشوان الباب، لم يخطُ حسام بضع خطوات إلا وسمع صوت صراخ أحدهم ينادي باسمه بضعف. هبة بصراخ: الحقي يا حسام بيه. الحقني. *** في منزل عائلة يونس. كانت وردة تطهو الطعام وهي منشغلة كثيرًا، ولكنها سعيدة، فقد علمت بالطبع أن صديقتها وأختها الروحية سوف تأتي اليوم. قاطعها سقوط حجر صغير على قدمها. وردة بألم: آه. جه منين ده؟
اتجهت نحو باب المطبخ لم تجد أحدًا، فدَلفت للداخل من جديد، ولكن جاءها حجر آخر مما أصابها بالغضب. اتجهت مرة أخرى نحو الباب وظلت تنادي بصوت عالٍ. وردة بغضب: مين اللي بيرمي الطوب ده؟ اطلع من مكانك. اطلع. قاطعها أحدهم وهو يضع كف يده على فمها يكتمه تمامًا، وهو ينظر لها والابتسامة على وجهه، ودلف بها داخل المطبخ من جديد وألصقها بالحائط، وكان قريبًا منها كثيرًا، مما جعلها تشعر بالنفور منه. نزع يده من على فمها،
وكانت تنظر له بغضب كبير: أنت باين عليك عقلك ضرب على الآخر. إيه شغل العيال ده؟ أنا مش هسكت لك على فكرة وهقول ليونس بيه لما يرجع. اقترب منها أكثر وهو ينظر داخل عينيها بتلاعب: طب منا عاوزك تقولي لي. هستناه لما يجي. وردة بتوتر: ابعد عني. أنت مالك مقرب كده ليه؟ ابعد وإلا... اقترب أكثر وهو ينظر لها بخبث: وإلا إيه؟ كانت ستهُم بالرد عليه، ولكن قاطعها صوت أحدهم وهو يتحدث غاضبًا: والله عال، قلبتوا البيت كباريه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!