الفصل 26 | من 66 فصل

رواية اخر نساء العالمين الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سهيلة عاشور

المشاهدات
18
كلمة
4,498
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

كانت تجلس على سجادة الصلاة في غرفه بسيطة خاصة ببنات العم مدني، تدعي الله راجية أن يحمي زوجها وأصدقائه الذين أصبحوا عائلتها التي تحبها وتعلقت بها بشدة. ظلت تبكي بحرقة، خائفة من أن يصيب أحد منهم مكروه. ولكن لفت نظرها تلك الورقة المطوية فوق الفراش الصغير، والتي أعطاها لها حسام قبل رحيله. اعتدلت في جلستها وجذبت الورقة فاتحة إياها لتجد مكتوباً بها بخط يد زوجها الحبيب: "متخافيش يا هبة...

متخافيش يا حبيبتي، ربنا عادل وهيرجعني ليكي. ووقتها هقدملك في الجامعة المفتوحة زي ما وعدتك وهتبقى حياتنا هادية وجميلة زي ما كنتي عايزة. أنا كمان عاملالك مفاجأة هتعجبك أوي، هتلاقي فلاشة جوه الظرف، شغليها على اللابتوب. بحبك."

امسكت الورقة تحتضنها بحب. زوجها الحبيب، حتى في هذا المأزق الذي هو به، فكر بها ووضع لها ما يطمئنها عليه في غيابه. هبت من مكانها بسرعة باحثة بعينيها عن جهاز الكمبيوتر المحمول، فوجدته بجانب الفراش على المكتب الصغير. فأخذته وجلست أعلى السرير وهو أمامها، وبدأت في تشغيله.

إذا بوجه أبيها أمامها، مما جعلها تتعجب بشدة. ولكنها لم تره مثل العادة، بل كان يرتدي الملابس الخاصة بالحرم المكي. فإذا بها تقوم بتشغيل هذا الفيديو ليقابلها أبوها بابتسامة صافية، تقسم بداخلها أن تلك هي المرة الوحيدة التي ترى فيها تلك الابتسامة. فإذا به يتحدث بصدق: "إزيك يا هبة يا بنتي...

أنا عارف إنك زعلانة مني، وجايز تكوني بتكرهيني كمان. بس أنا يا بنتي ربنا نور بصيرتي. صحيح جات متأخر، بس الحمد لله إنها جات. وأنا مطمئن عليكي مع جوزك، راجل وباين عليه بيحبك أوي. لما خدوني آخر مرة، أنا قلت هيرميني في السجن لحد ما أعفن. بس جالي وقال لي إنك إنتي اللي طلبتي منه يخرجني. ووقتها قال لي: 'أنا اخترت فيك'. بس أنا عارف أنا هعمل إيه يريح الكل. وقتها قال لي إنه هيسافرني أعمل عمرة، مكنتش مصدقة." أدمعت

عيناه بحزن على حالة ابنته:

"مكنتش متخيل إنه ممكن يعمل فيا كده. وهو شافني، وأنا كنت هقتلك. أنا أوحش من إنك تسامحيني يا هبة. أنا كنت في غفلة يا بنتي. أنا دعيت كتير لأمك المرحومة، على فكرة أنا كنت بحبها أوي. بس منه لله الهباب اللي كنت بشربه. أنا بطلت يا بنتي، والبركة في حسام باشا جوزك، هو اللي حطني على أول طريق التوبة والخير. وأنا اللي طلبت منه إنه يساعدني أبعتلك الفيديو ده. خلى واحد معرفة ليه معايا هنا دايماً وبيعمل ليا كل حاجة. الناس هنا جميلة أوي يا هبة، ولما عرفوا إني ابقى حمى حسام باشا، زادوا المعاملة احترام وود. جوزك شخص محترم وابن ناس، أوعي تفرطي فيه. وربنا ينصركم ويفرحكم دايماً زي ما طهرتوا قلبي وفرحتوه. سامحيني يا هبة."

أغلقت الجهاز وأجهشت في البكاء وهي تدعو لله من قلبها على حفظ زوجها، وأقسمت بداخلها أنه يملك قلب غير كل قلوب أناس هذه الدنيا. *** يقفون أسفل العمارة السكنية الخاصة بهم، وقد تجهزوا وارتدوا -رغماً عنهم

-تحت إصرار حسام، ذلك اللباس الحامي من الرصاص، فهو يريد الحفاظ عليهم بقدر الإمكان. زفر يونس بضيق وهو ينظر إلى سلالم العمارة الذي يهبط من عليها حسام برفق وهو يتحدث إلى أحد ويعطيه أوامر بمراقبة إحدى المناطق القريبة من هذا المكان الذي يقيم به ضاحي مع الفتيات. نظر نحوهم الإخوة بضيق، وخاصة مصطفى الذي كان قلبه يلغي ولا يستطيع الهدوء أكثر من هذا. فهدر به بحدة: "انت ماشي تتمختر يا حسام؟ ما تخلص يا أخي حس بينا شوية."

تحدث حسام بعقلانية قائلاً: "اهدأ يا مصطفى، إنت بالذات اهدأ خالص. خلينا نعرف نتصرف بعقل." هدره مصطفى بغضب وقلب يتأكل من الخوف: "انت خليت فيا عقل؟ دا إنت حسابك تقيل معايا أوي، بس بعد ما نطمن عليهم خلصنا بقى." تحدث يونس بضيق منهم: "مش وقته شغل العيال بتاعكم ده، اهدأ يا مصطفى. وإنت يا حسام راعي شعورنا يا أخي، ويلا بقى."

أومأ له وأزال غطاء السيارة وبدأ في تشغيلها. ولكن قبل أن يستقلوا، وجدوا المعلم حسن وبعض رجال الحارة قادمين نحوه بهرولة، وبجانبهم الشاب أحمد (حمص) . تعجب يونس كثيراً، وخصوصاً مع صياحهم باسمه. توقف ينظر تجاههم بتساؤل. فوقفوا على بعد مسافة صغيرة وتقدم إليه حسن بقلق، ولكنه قال بصدق وقلب يهاب عليهم، تحدث بهدوء: "متخافش يا يونس. أحمد

سمع إن عندك مشكلة وقالي: 'خير يا بني، رقبتي سدادة ليك'. أنا مفهمتش منه أوي، بس أنا ورجالتي وأهل الحارة كلهم رهن إشارتك يا حبيبي. إنت مش لوحدك يا يونس، أنا في مقام أبوك. دا إنت ابن الغالي." نظر لذلك الرجل الذي كلما مر الوقت أيقن أن كنوز الناس ليسوا فقط من عاشرتهم لسنوات، بل يأتي أحدهم ويثبت لك خير هذه الدنيا، ومنهم هذا حسن ونعم الصديق والجار والأب الروحي لهم. تنهد يونس بحب ممزوج مع قلة صبره بسبب خوفه

على حبيبته وزوجة أخيه: "اطمن يا معلم، لما أحتاجك أكيد هكلمك. وأنا عارف إنك عمرك ما تتأخر عليا أبداً. ادعيلنا بس." ربت حسن على كتفيه وهو يعلم أنه في حال لا تسمح بالجدال. استقلوا السيارة وقاد حسام بسرعة في اتجاه ذلك المكان، وهو بعد كل عدد دقائق بسيطة يقوم بمهاتفة سيد للتأكد منه من هدوء الأوضاع وبقائهم في نفس المكان. ***

كانت زهره تحاول جاهدة في معاونة سميه على هذه الولادة المتعسرة للغاية. فكانت سميه تصرخ بقوة وهي تشعر بكمية كبيرة من الألم، وزهره تحاول جاهدة في معاونتها بخبرتها القليلة في تلك المواضيع. "لا مش قادرة يا زهره... بكت بقوة قائلة: "مش عايزة ابني يموت يا زهره، اتصرفي."

كانت زهره حالها لا يقل رهبة من سميه، فهي تجلس أمامها وهي تنتظر فقط خروج رأس الطفل لتكمل هي العملية، كما كانت تشاهد جارتهم وهي تلد ابنها. فلظروف قاسية اضطرت هذه الجارة أن تلد في المنزل. كانت متوترة للغاية، ولكن الله بث في قلبها القوة لكي تكون سبب في إبقاء هذه المسكينة وطفلها على قيد الحياة.

"اكتمي الصرخة على راس الطفل تنزل يا سميه. اجمدي يا حبيبتي عشان خاطر ابنك. أرجوكي يا سميه، أنا مقدرش أعيش من غيركم. عشاننا وعشان مصطفى يا حبيبتي، إنت قوية وتتحملي، حاولي تاني أرجوكي."

بالفعل حاولت مرة أخرى في كتم صرخاتها، وقد زاد ألمها أكثر وتشعر وكأن قطعة من جسدها قد انفصلت عنها، مزامناً مع صوت بكاء طفلها الذي ملأ الأرجاء، ومعه صرخات زهره الفرحة. وقد رفعت رأسها للسماء تشكر الله بصدق وهي تنظر للطفل الذي بيدها، غير مستوعبة أي شيء، قائلة بتوتر من هول الصدمة: "سميه سميه... إنت عايشة؟ ابتسمت سميه بألم على تلك البلهاء: "أيوه عايشة... اطمني."

نظرت زهره حولها بخوف عندما فُتح الباب فتحة صغيرة، وقد قذف أحدهم حقيبة سوداء بهدوء في اتجاه سميه. ففتحتها بألم، حيث كانت زهره تحمل الطفل ولا تستطيع فعل شيء. فإذا بتلك الحقيبة بها بعض المطهرات وأدوات تعاونهم على إتمام عملية الولادة، ومعها ملابس وسائل استحمام للطفل الصغير. زُهلت عيونهم بشدة، فمن المعقول أن يكون ذلك الصخر -سـافـك الـدمـاء

-حن على أخته وابنها، قالت سميه بصدمة. فأتطلقت منها زهره سريعاً هذا المقص الذي ظهر بوضوح في أول الحقيبة وقطعت الرابط بين الأم ووليدها. "إيه دا بجد؟ خديهم بسرعة يا زهره ونضفي الولد ولبسيه، عايزة أخده في حضني. الله أعلم هيحصل إيه كمان شوية."

أومأت لها زهره بسرعة، وقد فردت لها سميه إحدى الأقمشة النظيفة التي كانت بتلك الحقيبة وأراحت عليها جسد الطفل برفق وبدأت في تنظيفه، وألبسته تلك الملابس التي جعلت منه ملاكاً بريئاً في كومة القمامة الخردة التي يقيمون بها. وبعدها أعطته لسميه، التي أخذته بلهفة تشم رائحته الذكية وتقبله بحب. وما أن لامسته بيدها، حتى استكان تماماً وكأنه علم أن تلك هي والدته. نظرت لهم زهره بحب وفرحة على نجاة حياتهم، وبدأت تعبث في محتويات

الحقيبة باهتمام لتجد ملابس أخرى للطفل وملابس لسميه وزهره أيضاً. تعجبت كثيراً وأقسمت أن هناك شيئاً ما يحدث دون علمهم. اقتربت من الباب بحذر وهي تطرق عليه بخفة ليظهر أحد الرجال، والذي من الواضح عليه أنه كان يتحاشى النظر إليها وينظر في الأرض بأدب.

تعجبت أكثر وقالت بفضول: "هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ ومين اللي جاب الحاجات دي؟ تحدث الحارس بهدوء وأدب: "اطمني يا زهره هانم. إحنا رجالة حسام ويونس باشا، وصلنا حالا، بس الواضح إنكم محستوش بينا بسبب صراخ الهانم. أتمنى تكون الهانم كويسة هي والطفل." أومأت له في صدمة وهي تنظر حولها لتجد في الغرفة المقابلة لهم رجال ضاحي مكبلين، ويظهر على وجههم آثار الضرب والكدمات تملأ وجوههم. "طب وضاحي موجود؟

"لا يا هانم اطمني. هو راح مكان مقدرش أعرف فين. الأوامر اللي عندي آخد حضرتك والهانم وأوديكي المستشفى اللي في الحارة، وأفضل معاكم أنا والرجالة. يا ريت تجهزوا بسرعة، المكان هنا مش أمان." نظرت له بخوف، فهي لا تعرفه حتى تصدق حديثه، ومن الممكن أن يكون مكيدة أخرى قد أُعدت لهم. ففهم على الفور من نظراتها، فقال لها بابتسامة هادئة:

"اهدي يا هانم، أنا بقول لحضرتك الحقيقة. وعشان تتأكدي، سيد ابن خالة يونس بيه جوزك هو واحد مننا، وواقف بره بيأمن المكان ومستني مصطفى بيه يوصل، وهو هيكون معاكم. اطمني خالص."

أومأت له وبدأ قلبها يرتاح قليلاً، ودلفت للداخل سريعاً بوجه متبسم شاكر لله. وقد أخبرت سميه بما عرفته، ليشرق وجهها مع بعض الألم الذي وبالطبع لا تزال تشعر به. ولكن زهره تقدمت منها سريعاً تعاونها في الارتداء، ومن بعدها ارتدت هي الأخرى وبدأوا في التحرك سوياً. فقد دلف سيد إليهم كما طلبت زهره لكي يكون قلبها مرتاح. فحمل منها الطفل برفق وهو يحمد الله على سلامتهم، فقد أتى بالرجال بعد خروج ضاحي قاصداً تنفيذ خطته في صفقة السلاح

تلك قبل وصول الشرطة إليه. ووقتها استغل سيد الفرصة بعد توجيهات حسام له، ودلف هو ورجاله وقضوا على كل رجال ضاحي. وكان سيد يحمل معه تلك الحقيبة الذي أعطاها الحارس لهم كاحتياط لأي شيء سيحدث. وقفوا قليلاً أمام السيارة يستنشقوا الهواء الذي قد سلب منهم في تلك الساعات القليلة التي قضوها مع ذلك المغتل كما أسموه. نظرت

سميه حولها وهي تقول بأمل: "سيد... فين مصطفى؟ مش قلتوا هيجي؟ "متخافيش يا سميه، هو كويس. هو بس هيسبقنا على المستشفى لأنها أقرب ليه من إنه يجيلنا هنا. إحنا عايزين نطلع من هنا بأسرع وقت، ووقتها كل حاجة تتحل."

أومأت له باقتناع، فهي تعلم وتثق أن أي شيء سيفعلونه هو الصواب. استقلوا السيارة، وسميه تحتضن ولدها بحب، وزهره بجوارها تتمسك بها وهي تحتضن ذراعها بحب أخوي. وسعادة قلبها لا توصف. وسيد يقود السيارة وهي ينظر خلفه يراقب الطريق بحذر، ومن خلفهم الحرس متجهين نحو المستشفى، وقد بدأ ظهور الإعياء على سميه من جديد. ***

يقفون في إحدى الأماكن شبه الصحراوية، يصفون السيارة ويغلقون أضوائها في انتظار قدوم ذلك الشخص الذي سوف يساعدهم في التخلص من هذا الضاحي للأبد. طال الوقت حتى حل الليل عليهم، وبدأ صوت أنفاس اثنتيهم يعلو، بالطبع من دون مصطفى، فقد أصر يونس عليه أن يذهب هو ويراعي النساء، فعلى واحد منهم أن يدبر أمرهم حتى تتطمئن قلوبهم. تقدم أحدهم منهم، فسحب يونس سلاحه وجعله متخفياً بجانبه حتى يكشف هوية ذلك القادم. فإذا به هو رجله المنتظر، فتح باب السيارة ونزل منها يلقي عليه السلام، ومن خلفهم حسام، وبدأ "الشيخ عامر" كما يطلقون

عليه يشرح لهم ما دار: "متقلقش يا يونس يا بني. الـ*ـكلب ضاحي موجود دلوقتي مع التاجر اياه، ورجالتكم محاوطين المكان وعاملين نفسهم رجالة الشيخ. ووقت الاستلام هيتقبض عليه. متزعلش مني يا يونس، بس أنا مش عايزك إنت تتدخل يا بني في الموضوع ده. أنا عارفك شايل منه ياما أوي، وأخاف تأذي نفسك."

زفر يونس بضيق وهو يقسم إذا رآه سوف يمزقه أرباً. فهناك ألف سبب لا حاجة للتوضيح، فقد تمادى هذا الضاحي معه كثيراً منذ سنوات. ولكنه أراد تحكيم عقله لآخر لحظة، فأما للشيخ بهدوء وقال: "اطمن يا شيخ عامر. أنا كل اللي عايزه، أطمن إنه أخد جزاؤه وبعد عني وعن أهلي خالص، وكفاية عليه اللي عمله. أنا عندي عيلة مسؤولة مني." ناظره الرجل بفخر وقال:

"عفارم عليك يونس، راجل وعاقل زي أبوك الله يرحمه. يلا دلوقتي، الوقت. هنطلع هنا والرجالة هينزلوا لحد عندك بالتصوير وكل الأدلة علشان كل حاجة تبقى في السليم زي ما الحكومة بتحب وتاخد حقك كامل إن شاء الله."

أومأ له بهدوء، وبدأوا في الصعود خلف الرجل، ومن ثم أشار لهم بالوقوف بجانب إحدى الفتحات الكبيرة في ذلك المكان. وبدأ في الاستماع لما يحدث بداخلها، ويونس ينظر بطرف عينيه حتى يفهم ما يحدث حوله، وحسام كذلك وهو ممسك سلاحه الناري وقد قام بتجهيزه لطلب أي أمر. بدأ التاجر في عرض الكثير من الصناديق المحملة بالسلاح، وبدأ على ملامح ضاحي السعادة والانتصار، وبدأ يحسب ما سوف يجنيه من مال من كل تلك العدد المهول من الأسلحة. فوضع أمامه

تلك الحقائب الكبيرة المليئة بالمال الذي أخذه من كل الأملاك الخاصة بيونس ومصطفى عندما ابتاعهم. وفي هذه اللحظة، التم جميع الرجال عليه فجأة من ظهره، وقبل أن يطلق أي رد فعل، كانوا يكبلونه بقوة، ويدلف يونس وحسام ومعهم الشيخ عامر يقفون أمامه. عندما أيقن ما حدث به، تسلل الغضب إليه وعمى عينه أكثر، وبدأ

يتفوه بكلمات غير مفهومة: "مش هسيبك يا يونس، هخلص عليك. هخليك تتمنى الموت. ضحك بطريقة غريبة ثم قال: خدتها منك يا يونس، حبيبة القلب. بس تعرف، عندك حق. البت قمر، بس خلاص بقت بتاعتي وخدت منها كل حاجة كنت عايزها."

سمعتم صوت صفير القطار يخرج من أذن يونس الآن. لم يتحمل هذا الهراء الذي يخرج من فمه، فإذا به ينقض عليه يلكمه بعنف حتى جعل أنفه ينـزف الـدمـاء. وكاد أن يكمل، ولكن أمسكه حسام بسرعة يكبل يديه ويبثه بكلمات تجعل منه هادئاً. وأخذ الرجال ضاحي تحت الحراسة المشددة، وتحفظوا على الأموال، وأخذوا أيضاً الأسلحة النارية، حيث كانت من جلبها هم رجال الشرطة حتى لا يضر التاجر الذي امتثل الشرف بالطبع ونفى كل علاقاته لتلك التجارات وغيرها. احتضن حسام يونس بسعادة

وهو يهتف بفرحة كبيرة: "وأخيراً يا عم، دا كان زي الهم على قلبي. شهور قليلة يا صاحبي من المحاكمة وحقك هيرجع ليك. واطمن، ضاحي وناهد خلاص مفيش ليهم أثر في حياتنا." زفر براحة وقال: "الحمد لله، أخيراً العذاب ده انتهى. يلا بينا بقى، أنا مش قادر أستنى أكتر من كده، عايز أطمن عليهم." اقترب منه حسام هامساً في أذنه بتلاعب: "عليهم ولا عليها؟ نظر له بغيظ وقال: "دا إنت يا أخي بارد برود. يلا يا بني قدامي."

ضحك الجميع على مزاحهم، ومن ثم شكرهم يونس بصدق على مجهودهم معه، واستقلوا سيارتهم متجهين بسرعة للمشفى التي تقيم بها الفتيات. ***

كانت تجلس زهره تضع يدها على معدتها وهي متسعة الأعين، لا تستطيع تصديق ما قالته لها الطبيبة منذ قليل. فعند سميه والطفل، أصر سيد بشدة على أن تُفحص زهره أيضاً ليطمئن قلب ابن خالته على زوجته. فبدأوا بالفحوصات، ومن ثم عرضوها على طبيبة نسائية متخصصة، ووقتها أخبرتها بأنها حامل في شهرها الثالث. وكيف أنها لم تكتشف هذا من قبل. فرحت بشدة، لا تنكر هذا، ولكنها غير مستوعبة قليلاً، حيث أن تلك الحبوب المدمرة التي كانت تعطيها لها ناهد، أخبرهم الطبيب أن نسبة حدوث الحمل قليلة للغاية وشبه معدومة. ولكن من الواضح أن الله سبحانه أراد أن يعطف عليهم بحنانه بعد كل هذا العناء. نظر لها سيد ضاحكاً على حالها قائلاً

بتلاعب: "يا بختك يا ابن خالتي، البت مش مبطلة سرحان فيك. الحب بهدله والله." نظرت له بغيظ قائلة بغضب طفيف: "إنت رخـم أوي يا سيد. ولما يجي يونس هخليه يشوف شغله معاك." امتثل الخوف قائلاً: "لا لا، وعلى إيه أنا صم وبكم أصلاً." ضحكت عليه بخفة، ولكن قاطعها ركض مصطفى نحوها ويبدو عليه القلق الشديد. فوقفت بسرعة قائلة:

"اهدي يا مصطفى. كل حاجة زي الفل والله. اهدي، سميه كويسة الحمد لله، الدكاترة اهتموا بيها كويس. وجالك ولد زي القمر ما شاء الله وصحته كويسة على الرغم من إنه مولود في السابع." قائل بإرباك وعدم استيعاب: "هي فين دلوقتي؟ ابتسمت زهره بحنو على حاله، وأشارت له في اتجاه الغرفة التي بجوارهم: "جوه هنا، سبتها ترتاح شوية. ادخلها عادي. ادخل يا مصطفى، متتخشش ليا."

أفاق من حالته ودلف للغرفة بالفعل، فوجدها ممتدة على السرير تنظر له بابتسامة واسعة ودموع فرحة. فبوجود حبيبها ردت روحها إليها وارتاح قلبها. حاولت أن تعتدل لتجلس، ولكن ألم جسدها كان كبيراً. هرول ناحيتها يساعدها، ومن ثم أخذها بين أحضانه وهو يضغط عليها، غير مصدق وجودها معه بعد كل تلك المدة. قد اشتاق لها بشدة. أبعد قليل، كـوب وجهها بين يديه يمسح دموعها التي تساقطت من عينيها بحب قائلاً بنبرة تقطر عشقاً:

"حسام، قلنا على كل حاجة. أنا أكيد زعلان إنك وجعتي قلبي عليكي طول المدة دي، بس أنا مش عارف أشكر ربنا إزاي إنه رزقني بزوجه زيك. أنا بحبك أوي يا سميه، أوعي تعمليها تاني." ضحكت بشدة وعيونها لا تزال تذرف الدموع، قائلة بحب: "مقدرش يا مصطفى. إنت روحي، حد يعرف يبعد عن روحه؟ حبيبتي، بص ابننا."

حقاً لقد تناسى أمر الطفل بسبب شوقه لها. نظر لهذا الكائن الصغير النائم براحة، غير مصدق، انحنى نحوه ماداً إصبعه يداعب وجنته وابتسامته على وجهه قائلاً: "دا ابني. دا جميل أوي، ولد صح؟ ضحكت بقوة قائلة: "أيوه ولد. هتمسيه إيه؟ "لا أنا هسيب الاسم ليكي أنتِ. بعتي أوي وأنتِ حامل فيه. قولي أي اسم، أنا موافق." فكرت قليلاً، ومن ثم لمعت عينيها قائلة: "طاهر. إيه رأيك؟ اقترب منها جالساً بجوارها مقبلاً يديها قائلاً:

"أجمل اسم. ربنا يجعله طاهر من كل ذنوب الدنيا وحافظ لكتاب الله وبار بينا وبيونس وزهره." ضحكت من قلبها وأغرقت نفسها بين أحضانه التي قد اشتاقت لها كثيراً، قائلة: "ربنا يخليك ليا يا مصطفى. إنت أحسن واحد في الدنيا." *** انتظرت كثيراً وبدأت في القلق على يونس، حيث قارب منتصف الليل ولم يأتِ بعد. وكلما سألت سيد لا يرد بأي

جملة سوى كلمة واحدة فقط: "جايين". زفرت بحنق منه، ولكن لفت نظرها زوجها القادم من بعيد، فسرعت خطواتها نحوه، ترمي بين أحضانه في منتصف الطريق في هذا الدور من المشفى. "اتأخرت لي كده يا يونس. أنا قلبي كان هيقف عليك." نظر لها بعشق وعيناه تلمع كالعادة، ولكن هذه المرة كانت تلمع براحة أكثر من ذي قبل: "سلامة قلبك يا قلب يونس. ثم أكمل بغيظ: أعمل إيه يا عم الرخم!

حسام وقف العربية قدام بيت عم مدني عشان هبه هناك، مرضيش يوصلني. جيت مشي اتأخرت شوية." ابتسمت بحب وهي تمحي آثار الأتربة من على وجنتيه بأطراف أكمامها بحب قائلة: "المهم إنك رجعت بالسلامة. وأنا شايفة إنك مبسوط، إن شاء الله كل حاجة تمام وخلصنا من الزفت ضاحي." أومأ لها بنعم بصفقة بسعادة شاكرة ربنا، ولكنها تذكرت أمراً مهماً، فقالت بنبرة دلال: "يونس عاملالك مفاجأة كبيرة أوي." رفع إحدى حاجبيه قائلاً: "خير يارب." ضحكت بسعادة

وهي تشير نحو معدتها: "أنا حامل في الثالث يا يونس. هتبقى أب يا حبيبي. ربنا استجاب لدعاي." نظر لها ثانية واثنتين، ومن ثم احتضنها بسعادة حاملاً إياها وسط ضحكاتها قائلاً: "بجد يا زهره، متأكدة؟ "متأكدة جداً كمان." "هتجيبيلي عسليه صغيرة يعني؟ "آه، صحيح، عايزة عسليه يا يونس." نظر لها بغيظ قائلاً بحدة مصطنعة: "تعرفي يا بت انت... إنت حلال فيكي أروح أتزوج عليكِ."

شهقت بصدمة وهي تلزقه في معدته بقوة، مما جعله يتأوه وهو يضحك قائلاً: "يعني عايز تتجوز عليا يا يونس، بقا كده؟ "منا قلتلك قبل كده يا زهره... إنتِ بالنسبالي الست الوحيدة اللي فاضلة في الدنيا دي. مش هقدر أسيبك ولا هعرف أبقى مع غيرك. ... إنتِ بالسبالي 'آخر نساء العالمين'." (تمت بحمد الله تعالى وتوفيقه)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...