صعدت خلف زوجها وهي تشعر بشعور قوي أن هناك ما يزعجه بشدة. وجدته قد خرج من المرحاض بعدما أخذ حمامًا باردًا لعله يهدأ قليلًا. بدأ يخفف جسده المبتل بالمياه ويرتدي ملابسه. وكل هذا وهي تراقبه من بعيد، وهو شارد الذهن يفكر ويفكر حتى تملك التفكير منه لدرجة أنه لم يلاحظ وجودها حتى الآن. اقتربت منه بحذر وهي تنظر نحو عينيه التي سادها الظلام الدامس، ووقفت أمامه. وضعت يدها برقة على وجنتيه وهي تنظر نحوه بقلق. "مالك يا يونس...
أنت كويس؟ "كويس يا زهرة... طفي النور علشان أنام." أنزل يدها بهدوء واتجه نحو الفراش. تسطح عليه وأولاها ظهره، وقام بتمثيل النوم. ذهبت نحوه، تجلس على ركبتيها أرضًا وتضع يدها تحت خديها، تنظر له بعينين تلمعان بحبي. "إيه يا زهرة... بتحضري عفريت قاعدة على الأرض كده؟ قومي طفي النور ونامي يلا." "يونس أنت فيك حاجة صح.. قلي في إيه، أنت كنت كويس... أنت زعلان مني علشان روحت مع عمي؟ "أكيد لا يعني...
هو أنت روحت مع حد غريب، دا أبويا." "طب في إيه طيب... أنت قلقتني عليك يا يونس." "مفيش حاجة يا زهرة نامي يلا." "لا في... قلي في إيه، أنت لي مصمم دايما تشيل همك لوحدك يا يونس؟ "مفيش يا زهرة.... مصطفى بس عصبني كالعادة يعني، نامي بقا." "ياسلام وعاوزين أصدق بقا... ما مصطفى كده على طول، إمتى كشرت وزعلت أوي كده؟ "الله في إيه يا زهرة، هو تحقيق ولا إيه... تصدقي متصدقيش، أنت حرة."
أنهى آخر كلماته وقد قام من نومته مسرعًا نحو باب الغرفة. فتحه وأغلقه بقوة لدرجة ارتجفت جسدها والصدمة التي اعتلت وجهها بشدة. فلأول مرة يكون يونس هكذا معها، على العكس تمامًا، فهو دائمًا حريص على سعادتها وراحتها. جلست على السرير بأقدام مرتعشة وهي تنظر نحو الباب بشرود، وقد أيقنت أن هناك ما يشغل عقل يونس، ويبدو أن الأمر ليس بالهين أبدًا. *** في غرفة مصطفى.
كان قد بدل ثيابه وتمدد على السرير يعبث في هاتفه، والابتسامة تزين وجهه وهو يرسل بعض الرسائل الغرامية لسمية. شرد قليلًا بأن أخيرًا ليلة زفافهم قد اقتربت، وطالما حلم بهذا اليوم الذي سيغلق عليهم باب واحد فقط. تم تجهيز غرفة كبيرة بنفس حجم غرفة يونس وزهرة منذ وقت طويل من أجل زواج مصطفى. كان شاردًا في عالم من الأحلام الوردية الجميلة.
ولكن فُتح باب الغرفة فجأة، حتى دون الاستئذان، ودلف منه يونس، والتي كانت عيناه تطلق النيران، مما جعل مصطفى ينتفض من مكانه والهاتف قد تطاير من يده. "إيه يا يونس بتخانق دبان وشك لي... ومالك داخل كده هي وكالة من غير بواب؟ "اسمع ياض أنت.... أنا مش طايق نفسي، اسكت ونام أحسن ليك بدل ما أكسـرك قبل فرحك، فاهم؟ "لا وعلى إيه... الطيب أحسن، تصبح على خير."
مدد مصطفى جسده من جديد، وهو يعلم بالطبع أن أخاه أفرغ غضبه في زوجته، وهذا ما كان يخشاه من الأساس. فيونس مؤخرًا، ومع توالي الأحداث، أصبح حساسًا للغاية من جهة الإنجاب، وأصبح يخشى بشدة أن يمر العمر به دون أن يصبح أبًا ولديه من يُخلف من بعده. والأقراص التي كانت تضعها ناهد لزهرة أخبره الطبيب أنها قد تسببت لها في مشكلة في الرحم، وهذا سوف يؤخر الإنجاب ويجعله صعبًا للغاية. وبالطبع مع ظهور خبر ناهد اليوم التي تلقاه من حسام، تسلل الخوف في قلبه من أن تحاول أن تؤذي زهرة بمكروه. وفي نفس الوقت يحاول جاهدًا أن يحافظ على ثروة وتجارة أبيه، وكل يوم تظهر المشاكل أكثر وهو لا يخبر أحدًا ويتحمل كل تلك الهموم وحده.
ظل طوال الليل يفكر فيما فعله، فقد ألمه قلبه كثيرًا عندما تذكر مظهرها وهي خائفة ومصدومة منه. لا يستطيع النوم، فجسده خالي من الأمان وهي ليست بين أحضانه. يشعر بالغرابة وهي ليست من تنام بجواره، حبيبته وزوجته. تؤثر عليه بشدة. "حتى التنفس في بعدك أشبه بابتلاع سم أفعى الممب الأسود." *** في منزل حسام.
كانت تجلس هبة في غرفتها، ولم يزورها النوم حتى وقت متأخر. وهي كل ثانية تنظر من خلف ستائر الشرفة تنتظر عودته. ها هي الساعة قد تعدت منتصف الليل وهو لم يأتي. بالطبع يقضي وقتًا جميلًا مع هذه الشمطاء التي كان يتحدث معها. بالتأكيد أنها فتاة جميلة، حسنة المظهر، ومعسولة الحديث والقوام، وأيضًا يبدو أنه سعيد بلقائها هذا. يتحدث إليها بتودد ورقة، يضحك ووجهه فرح. أم أنه يعشقها؟ أو أنه متزوج منها؟
أصبحت تأتي في رأسها آلاف الأفكار، ولكنها دائمًا ما كانت تنهره نفسها تحت مسمى: "هو ليس من حقك."
سمعت صوت سيارته يقترب، فذهبت للسرير سريعًا تتمدد عليه وتغلق عينيها تمثل النوم. دلف للغرفة وهو يحرك رقبته بإرهاق. وجد الأضواء مغلقة وهي نائمة كالملاك، ملامحها الهادئة، أو كما كان يظن. ولكن مع اقترابه منها استطاع أن يعرف بسهولة أنها مستيقظة، فأبتسم بتلاعب وهو يمد يده يحركها على وجهها ببطء، مما جعلها ترتخف رجفة خفيفة قد شعر بها. ومن ثم اقترب منها ووضع قبلة حانية على وجنتيها، مما جعل وجهها يتصبغ بحمرة قانية، وقد شعرت بأنفاسه متجهة نحو شفتيها. فهبت من مكانها سريعًا ترفع إصبعها في وجهه بحدة وخجل.
"إيه اللي بتعمله ده؟ "هو إيه؟! "أنت عارف كويس قصدي إيه يا حسام، بلاش استعباط، أنا متفقة معاك متقربش ليا..... ثم أكملت بغيره أنثوية: "وبعدين أنت مشبعتش من اللي أنت كنت معاها، وراجل الساعة اتنين بالليل؟ صدم كثيرًا من حديثها، ولكنها قد أرضت غروره: "امم يعني مش قوي، بس الجايات أكتر بقا.... أنا كنت عارف إنك صاحية قلت أرخم عليكي، بس أنا مش قـا -تل نفسي عليكي يعني...
تركها واتجه نحو المرحاض. وهي كانت حالتها كمن ألقي بسهم في قلبه، لا تعلم لماذا، ولكن قد ألمها قلبها كثيرًا عندما سمعت تلك الكلمات المسمومة منه. ماذا تقصد؟ هل أنا سيئة وقبيحة لتلك الدرجة؟ خانتها عباراتها وبدأت تنزل متتالية، ولكنها مسحتهم سريعًا واتجهت نحو الفراش ودثرت نفسها بداخله، وأجبرت نفسها على النوم، فلا مزيد من الأحلام بعد الآن. *** في صباح يوم جديد.
قد استيقظ مصطفى بحماس، فاليوم هو آخر أيام العزوبية بالنسبة إليه، وأيضًا أنه يوم (الحناء)
كما نسميه نحن في مصر، وعليه أن يستعد. بالنسبة للعريس، فلديه الكثير من الضيوف عليه استقبالهم واكرامهم، وبالطبع اليوم سيكون هناك من يلقون المواليد الصعيدية الأصيلة، ويبدأ رقص الرجال والمبارزات، فكان متحمسًا للغاية كالطفل الذي ينتظر ليلة العيد. ولكن ما أن نظر بجواره حتى وجد يونس يجلس كما كان في الليل، لم يتحرك، وكان يدخن السجائر بشراهة. هو ليس مدخنًا من الأساس، ولكن عند غضبه الشديد يبدأ في إفراغ شحنات الغضب في هذا الدخان اللعين.
وجد مصطفى حالة أخيه تلك، وقد قلق من أجله كثيرًا. "أنا عارف زعلان وشايل الهم، بس علشان خاطري يا يونس متسبهاش زعلانه منك، إحنا ما صدقنا هنتلم كلنا مع بعض ونبقى عيلة واحدة.... زهرة بتحبك يا يونس، فضفض وقول اللي في قلبك، بلاش كده يا أخويا علشان خاطري." ذهب إليه وقبل رأسه في حب أخوي، وذهب نحو المرحاض يغتسل حتى يستعد ليومه. "يلا يا يونس...
قوم صالح زهرة، زمان مرات عمك محمد جات وخبزت الفطير وجابت عسل وجبنة، ريقي جري.. آه وعلى فكرة زهرة بتحب الفطير بالعسل الأسود يا عسل أنت.... أنهى آخر حديثه بغمزة مرحة، مما جعل يونس يهز رأسه بيأس، وقام وخرج خلفه من الغرفة. *** خارج الغرفة. ما أن خرج من الغرفة حتى وجدها تقف أمامه، عيناها يبدو عليها الإرهاق وعدم النوم، تنظر له بلهفة. اقتربت منه دون وعي بعدما لاحظت هي الأخرى إرهاقه، وضعت يدها على خديه تتحسسهما بحنان.
"مالك يا يونس... عينك ورمة كده لي، وإيه الريحة دي، أنت كنت بتشرب سجاير؟ كانت عيناه تتابع لهفتها عليه بشوق، فرد عليها بصوت رخيم: "أنا كويس يا زهرة... كويس يا حبيبتي." ولم يكمل حديثه حتى وجدها تقع مغشيًا عليها بين يديه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!