بدأت تفتح عينيها ببطء وهي تشعر بألم يحتل جسدها بالكامل. أفاقت وهي تتقلب بتكاسل لترى يونس ينظر لها بقلق وعيونه تتحدث عن عشقه بدلًا من لسانه. تلاقت عيونهم معًا وهو يتفحصها من أعلاها لأسفلها ويطلق زفرات نادمة. لم يكن يعلم أنه من الممكن أن يتسبب في إيذائها، فقد أخبره الطبيب أن إغماءها نتيجة ضغط للأعصاب. يبدو أن حدثًا ما قد أحزنها كثيرًا، فعلم أنه السبب بالطبع.
فما خطؤها هي في جريمة ناهد الشنعاء وتأخر الإنجاب، أو ما ذنبها في أن هذه اللعينة ذكية بشدة واستطاعت تخفيف الحكم عنها؟ يعلم من داخله أنه إذا كان هناك شخص قد ظُلم في هذه الحكاية فهي زهره فقط. نظرت له بتوهان وهي تضع كف يدها الصغيرة على يده. زهره بصوت متخشج: هو إيه اللي حصل يا يونس؟ أنا دايخة أوي.
يونس بابتسامة: كل يوم بتأكد إنك أغلى حاجة عندي في الدنيا. انت شكلك كده بتبقى قاصد تقلقيني عليكي. قاعدة كل ده من غير أكل، وطبعًا قضيتي الليل كله عياط وحرقة في أعصابك. لازم تت تعبي يعني. زهره بزفر: أعمل إيه يعني، ما أنت اتخانقت معايا وأنا مكنش ليا نفس آكل حاجة. يونس بهدوء وخوف يقرب يدها إليه بحب ويضع
قبلة حانية عليها برفق: أنا آسف يا حبيبتي. بس أنا مضغوط شوية. اتحمليني عشان خاطري يا زهره. أنا عمري ما كان قصدي إني أزعلك والله. زهره بابتسامة: المهم إنك معايا وبس. نظر لها بحب وغضب من نفسه في نفس الوقت، حيث لام نفسه كثيرًا على حزنها، فهي الصغيرة الجميلة تعشقه بشدة. بات يشعر أنه لا يستحق هذا الحب الكبير. زهره بهدوء: ممكن متفكرش كتير. مش أنت السبب، أنا اللي عيوطة وكل حاجة بعيط وأزعل أصلًا. يونس بضحك: لا والله!
طب يلا يا بت قومي غيري هدومك. أنت ناسيه النهارده الحنة وهتروحي للبنات ولا عايزة تسيبيهم لوحدهم؟ زهره بضحك: حاضر هقوم. ثم أكملت بضحك مفرط: زمان مصطفى قال مرات أخويا ماتت وهنأجل الفرح. يونس بسرعة: بعد الشر عليكي. ثم أكمل بضحك: بس والله معاكي حق، ده أهبل وزمانه بيفكر كده. قومي يلا عشان ننزل على مهلك. *** في الأسفل كان يجلس نواره ومهران ومصطفى يقف حائرًا يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا ويظهر عليه التوتر والخوف كثيرًا. مهران
وهو يهز رأسه في تعجب: عمال رايح شمال ويمين شمال ويمين، فيك إيه؟ مهو الدكتور قال تاكل وترتاح هتبقى كويسة. إيه الحيرة اللي أنت فيها دي؟ يركض مصطفى بسرعة ويمسك فخذة أبيه ويجلس أرضًا يلتصق به قائلًا بجدية: أصل أنا عارف يونس أخويا بيخاف على مراته أكتر من نفسه. هيقول لا فرح إيه وزهرة تعبانة، إحنا نأجل الفرح. نواره بصدمة: إحنا في إيه ولا في إيه يا واد أنت، بدل ما تحمد ربنا إن مرات أخوك وبنت عمك كويسة وبخير.
مصطفى بطفولة: اديكي قلتيها أهو كويسة، يبقى قوموا بقا نكمل شغل بره. الناس كلها كام ساعة وييجوا. ننقلهم إيه؟ مسينا نعمل نصبة الفرح، افرشوا واقعدوا على الأرض. مهران بنفاذ صبر: أنا هطلع أشوف النصبه فعلًا بدل ما أرتكب جريمة. وأنت يا أم يونس شوفي الأكل مع البنات في المطبخ. نواره بطاعة: عنيا يا أخويا اطمن. ومن ثم نظرت نحو مصطفى: اتلم يا واد وبوّق شغل العيال ده. أنت خلاص هتتجوز وتفتح البيت.
مصطفى بزفر: مفيش غير مصطفى. ماشي يا يما ماشي. ذهبت نواره وهي تضحك عليه بشدة، أما هو فجلس ينظر نحو غرفة أخيه وزوجته. فخيال هذا المعتوه كان يصور له يونس وهو يهبط من غرفته راكضًا ويقف في منتصف المنزل واضعًا يده حول خصره وباليد الأخرى يلوح بطريقة مسرحية وهو يقول: "إحنا هنأجل الفرح يا مصطفى، زهرة تعبانة".
وأثناء شروده وتفاعله مع تخيلاته الغريبة تلك، هبط يونس وزهرة من الأعلى وكانوا ينظرون له بغرابة للأفعال التي كان يفعلها من قفز فوق الأريكة بتوتر وفرك يده ورأسه وهو يحاول التركيز والتفكير. من يراه يظن وكأنه مدين لنصف العالم بالمال ولا يستطيع التسديد. اقترب يلكزه يونس بملل منه: مصطفى… في إيه يلا؟ أنت اتجننت؟ مصطفى بسرعة وقف ونظر لزهره بتفحص: مرات أخويا؟ أنت تمام؟ زوزو حبيبتي زي الفل ومفيش فرح هيتأجل صح؟
صرخت زهره ضاحكة وظلت تضحك حتى أدمعت عينيها: مش قلتلك يا يونس. يونس بيأس: طب ما أموتك وأبقى قتلت أخويا ولا أعمل فيك إيه يا بني؟ إحنا تعبنا منك واللهم. مصطفى بفضول: الفرح في معاده أهم حاجة، وبعدين نشوف اللي أنت عايز تعمله. زهره بضحك: في معاده يا مجنون. أنا رايحة أساعد ماما في المطبخ قبل ما يغمى عليا من الضحك.
ذهبت زهره، وما إن اطمأن أن زهره داخل المطبخ حتى أمسك بتلابيب مصطفى الذي كان يتراقص فرحًا مما أصابه بالذعر ونظر نحو يونس برعب. مصطفى بخوف: في إيه يا عم؟ أنت ماسك حرامي والله. هنادي لزهره. يونس بغيظ: ولا أنت هتزيط فيها ولا إيه؟ إيه حبيبتي اللي أنت قلتها لزهره دي؟ مصطفى بتوتر: يا عم دي بنت عمي، فيها إيه؟ بهزر معاك. يونس بحدة طفيفة: مراتي…. هاا مراتي. محدش يقلها حبيبتي غيري، حتى لو كنت أنت يا واد.
مصطفى بحنق طفولي: خلاص يا عم حل عني. بكرة حبيبتي هتيجي لي وساعتها هعمل فيك زي ما بتعمل فيا. يونس بتعجب: أنا! … وأنا بعمل فيك إيه؟ اللهم. مصطفى باستفزاز: بتتلكك لي بزهره؟ غيران مني ومن جمالي؟ ابقى حلو زيي. ضرب يونس كفًا على كف من الغضب من هذا الغبي وجذبها ورائه بغضب واتجهوا نحو الخارج ليساعدوا الرجال. حتى حل الليل. *** في المطبخ
كانت تجلس زهره على كرسي الطاولة الدائرية الصغيرة وتجلس أمامها نواره والتي أطعمتها كم هائل من الطعام حتى بدت ستنفجر من كثرة الطعام. زهره وفمها مليء بالطعام: خلاص يا ماما، كفايا كده بجد. هفرقع كده. نواره بإصرار: لازم تاكلي وتتغذي. أنت مش شايفة الدكتور قال إيه؟ وبعدين النهاردة وبكرة عندنا فرح يا خايبة والستات والبنات الحلوين طالعين داخلين علينا، عاوزاهم يبهدلوا منك يونس. زهره بخوف: بجد يا ماما؟ تفتكري؟
نواره بحديث أمومي: طبعًا أمال إيه؟ هيقولوا مراته تعبت؟ الكورة في ملعبي بقا. زهره وقد اعتدلت في جلستها: لا إذا كان كده غذيني كمان. ضحكت جميع الفتيات عليها بشدة، فحديثها الطفولي ظاهر عليها ويجعلها محبوبة بشدة. ظلت تأكل ومن بعدها ذهبت وارتدت فستانًا زهري اللون وتجهزت حتى تذهب للفتيات. *** في منزل ورده وقد صممت سميه أن تكون (الحنة)
في منزلها حتى لا تشعر بأي نقص، فمن الأساس منزلها جميل ويكفي كل الفتيات التي سوف يأتين، وأيضًا منزلها مريح ويجعل الكل يحبه بشدة، فهو دافئ ونقي وتشعر ببهجة تبث الحب. تجمعت جميع فتيات المدينة ومعهم سميه وورده بالطبع، والتي وقفوا في المنتصف يرقصون ويغنون مع الأغاني والفرحة تملأ وجوههم، فساعات قليلة وكل منهم سوف تحظى بحبيبها للأبد. وياله من إحساس يتمناه الجميع.
وبعد قليل دق الباب يعلن عن وصول زهره، والتي ما إن دلفت للمنزل حتى انضمت إليهم ترقص وتغني وملأت الفرحة المكان، وكذلك عند الرجال حتى بدأوا بالرقص والمرح سويًا والسعادة تملأ المكان. *** في مكان من يراه يقسم أن صاحبه مالك لكنوز الدنيا من كثرة ثرائه. كان يجلس هذا وهو يدخن سيجارة وينفثه بشرود والابتسامة على وجهه. : آخرتكم قربت أوي، هرجعكم شحاتين زي ما كنتوا. وهعرفكم يعني إيه اللعب مع الكبار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!