في صالة المنزل الكبيرة، كان جميع أفراد العائلة يلتفون حول طاولة الطعام. كان يونس ينظر نحو زهرة بغضب، فمنذ متى وهي تتجرأ بهذه الطريقة عليه؟ لطالما كانت هادئة وبريئة. يبدو أن حديثها قد تمرد كثيراً، ولكن تمهل يا يونس قليلاً، سوف تسمح لها بإخراج غضبها قليلاً، ومن ثم سوف تفعل الأفاعيل. لاحظ باقي العائلة نظراته لها، والتي كانت زهرة تجلس في هدوء تام وهي تأكل في صمت.
جاءت وردة وهي تضع باقي الطعام، ولكنها كانت ستقع لولا زهرة التي هبت من مكانها سريعاً وأمسكتها. مصطفى بتعجب: مالك يا وردة النهارده؟ انت تعبانة ولا إيه؟ وردة بتوتر: لا يا سي مصطفى، أنا كويسة الحمد لله. نوارة بنبرة حنونة: روحي يا حبيبتي ارتاحي شوية، انتِ واقفة لوحدك من الصبح. أومأت لها بهدوء وانسحبت نحو المطبخ من جديد. لاحظ يونس ومهران توترها ونظروا لبعضهما نظرات ذات مغزى، وشرعوا في إكمال طعامهم.
وجه مهران نظرة نحو مصطفى الذي كان يملأ فمه بالطعام بشدة. مهران بزفر: أنا فكرت كتير وخلصت، أخدت القرار في موضوع مصطفى. مصطفى بخضة: إيه يا حج؟ هتوديني الميتم؟ ثم أكمل بوعي: مبقتش قادر تتحملني يا مهران. مل من تصرفاته الطفولية، فمد عصاه التي يتكأ عليها ولكنه في كتفه بقوة: كُف بقى يا واد انت خليني أعرف أقول كلمتين، جتك البلاء. زفر بقوة، ثم أكمل
وهو ينظر نحو مصطفى بترقب: أنا قررت، هنقرأ فاتحة مصطفى على سمية ونجيب دهب، وبعد ما الجبس يتفك نعمل الفرح إن شاء الله. وما هي إلا ثوانٍ ورن صوت صراخه بسعادة في كل المنزل. ومن كثرة السعادة رجع بقوة للوراء، وكان يجلس على كرسي الطاولة، فإذا به واقع أرضاً وخلف ظهره الكرسي. نظر الجميع له بصدمة، أما زهرة فانفجرت في نوبة من الضحك حتى أدمعت عينيها. لم يبالِ يونس بأي شيء سوى أنه يراقبها فقط، وقد لمست ضحكاتها قلبه بشدة.
مصطفى بصراخ: قومني يا عم انت! انت يا عم العاشق قومني! انتبه يونس لحاله وتنحنح بحرج من والديه، ثم اتجه نحو مصطفى وسحبه من يديه وعدل جلسته من جديد. وما أن اعتدل المعتوه حتى نظر لوالده بعينين يلمعان من السعادة. مصطفى بابتسامة: هنروح إمتى يا حج؟ بكرة حلو؟ ولا دلوقتي؟ مهران بغيظ: اهدا بقى يا واد انت شويه، أنا غلطان إني بقولك حاجة اصلا، دا انت عيل. نوارة بضحك: معلش يا مهران من فرحته يا أخويا.
مهران وهو يهز رأسه بيأس: نفسي أعرف دا هيشيل مسؤولية بيت وعيال إزاي. مصطفى بمرح وقد ملأ فمه بالطعام من جديد: اتوكل انت على الله بس وملكش دعوة، وبكرة تتفرج عليا. مهران بسخرية: وهو في فرجة أكتر من كده؟ يونس بضحك: على رأيك يا بابا، أكتر من كده نجيب الصحافة تصور. نوارة بمرح: وبعدين معاكم كلكم عليه ولا إيه؟ ما تتكلمي يا زهرة. كانت زهرة لازالت تضحك وهي تحاول السيطرة على نفسها قدر المستطاع: والله مصطفى ده سُكّر البيت.
يونس بغيرة: إيه يا عنيا؟ مصطفى ماله؟ زهرة بتحدي: سُكّر يا سُكّر. كّور يديه بغضب منها، وكان سيهم بالرد عليها لولا صوت أحدهم الذي قطع عليه هذا. عم محمد بجدية: يونس يا بني عاوزك في موضوع ضروري. *** أمام منزل حسام، كان والداه يجلسان في شرفة المنزل الصغير، والذي يكمن في قرية صغيرة قريبة من المدينة التي يسكن بها يونس.
أوقف السيارة أمام المنزل، فابتسمت الوالدة تلقائياً، فها هو وحيدها قد جاء. أما هو فظل ينظر لوالديه تارة ولهبة تارة أخرى، لا يعرف ماذا يفعل، ولكنه عزم أمره أن يحمي تلك الفتاة من بطش والدها، وبالطبع يريد إرضاء فضوله ومعرفة حقيقة أمرها. نظر لها مرة أخرى وقد حزن بشدة على حالتها هذه. دلف من السيارة وقام بفتح الباب الخلفي ونظر نحوها نظرات متعمقة قليلاً. حسام بزفر: ساعديها تنزل يلا، براحة.
انصاعت الممرضة لأمره بالفعل وأعانتها على النزول، وبدأوا في السير في داخل المنزل. وما إن اقتربوا حتى هب الوالدان واقفين من هول منظر تلك الفتاة المسكينة. أشار لهم بعينيه نظرات ذات مغزى، فلم يعلقوا. الوالدة (كريمة) : حمد الله على السلامة يا حبيبي. ثم اقتربت منه تحتضنه بلهفة: لازم عشان أشوف ابني آخد إذن من أمن الدولة. حسام بابتسامة: ما انتي عارفة يا حبيبتي الشغل. ثم ذهب نحو أبيه يقبل يده باحترام: بابا وحشتني يا راجل.
الأب (محمود) بحب: من غيرك البيت ضلمة يا حبيبي. بعد ترحيبهم الحار، وزعوا نظراتهم بين حسام الواقف وهبة التي كانت تستند بكامل على الممرضة الواقفة بجوارها، وكانت قدمها لا تستطيع حملها، فكان حالها يرثى له. حسام بهدوء: بعد إذنكم خمس دقايق وجاي. ثم نظر نحو الفتيات: هاتيها وتعالي ورايا.
دلف داخل المنزل، والذي كان مكوناً من طابق واحد فقط، ولكن به غرف متعددة. اتجه نحو إحدى الغرف وقام بفتحها، كانت متوسطة الحجم وبها سريرين صغيرين. دلف خلفه الفتيات بهدوء. حسام: ساعديها تاخد دش، الحمام عندك جوه اهو، وأنا هجيب لها أي حاجة تلبسها وجاي.
خرج بالفعل، وبدأت الفتاة تنصاع لأوامره، وبالفعل بدأت تساعدها في الاستحمام بعدما جلب حسام إحدى الجلاليب المنزلية لوالدته ومعها حجاب قطني. حيث أن هبة كانت جامدة تماماً لا تنطق بحرف واحد، وجهها شاحب لدرجة أنها تظهر وكأنها إحدى الجثث، ليس بها ذرة تدل على الحياة.
انتهت من كل شيء بعد وقت ليس بالقليل، ومن ثم جعلتها تمدد جسدها على السرير وأحكمت عليها الغطاء، وما أن وضعت رأسها على الوسادة حتى غطت في نوم عميق وهي لا تشعر بأي شيء حولها. *** في الخارج، بعدما جلب حسام الملابس، ذهب نحو والديه، حيث أنه بالطبع يجب عليه تبرير ما يحدث. فقد جاء منذ قليل ومعه فتاة غريبة الأطوار، مما أصاب الوالدين بالقلق. كريمة بقلق: إيه يا حسام يا ابني؟ محمود بتساؤل: مين البت دي؟ وانت عرفتها إزاي؟
جلس على أقرب كرسي وأخذ نفسًا عميقًا: هحكيلكم على كل حاجة. قص عليهم كل ما حدث تحت نظرات الصدمة والحزن في عينيهم. كريمة بحزن: يا عيني عليكي يا بنتي، باين عليها صغيرة. محمود بهدوء: طب انت ناوي تعمل إيه؟ على كلامك أبوها راجل شراني ومش هيسكت. حسام بضيق: مش عارف أفكر يا بابا، كل اللي أعرفه إني مش هسيبها لي مهما حصل، ده كان هيموتها بجد. كريمة بخضة: لا لا، نسيبها إيه؟
إن شاء الله ليها حل، افرض عمل فيها حاجة نعيش وذنبها في رقبتنا ولا إيه؟ محمود بعقلانية: قعادها معانا هنا من غير سبب قوي يخلي أبوها ده ياخدها بالقانون وقدامنا كده عادي، ولا نقدر نعمل حاجة. أنا محامي وابنك ضابط وهو فاهم اللي أنا بقوله. حسام بابتسامة: الحل في السبب يا بابا، وماله نخلي ليها سبب. كريمة بتعجب: وإزاي يعني؟ حسام بهدوء: اتجوزها. الوالدان في نفس الوقت: إيي؟! *** في مقر ضاحي،
أحد الرجال: أهي رجعت له يا ضاحي، هتعمل إيه بقى؟ هتسيب له الدنيا كده؟ ضاحي بمكر: أكيد لا، الضربة الجاية هتبقى شديدة أوي، شوكة في ظهره مش هيعرف يتعالج منها لسنين قدام. وزهرة هاخدها يعني هاخدها. ثم أكمل بتلذذ: تستاهل الحرب بصراحة. ***
في منزل العائلة، ظل يونس يتحدث مع العم محمد ما يقارب لنصف ساعة متواصلة، مما أصاب حسين الذي كان يراقبهم من بعيد بالتوتر الكبير. كان يونس يتحدث مع العم محمد وهو ينظر لحسين نظرات غير مفهومة، ولكنها ليست مبشرة بالمرة. وما إن أنهى حديثه وكان متوجهاً داخل المنزل، أوقفه صوت حسين اللهث باسمه. حسين بلهث: هي ملهاش ذنب يا يونس بيه، أنا اللي كنت بضايقها، ويشهد ربنا إنها محترمة وما فيش زيها في الدنيا.
يونس بغموض: طب وانت كنت بتضايقها ليه؟ حسين بتوتر: أصل… أصلي عاوز أتجوزها يا يونس بيه، وكنت هاجي أطلبها منك، بس أنا كنت شايف الظروف مش سامحة يعني. يونس ببرود: قلت لنفسك أسلي نفسي بيها بقى، أصلها حتة عيلة يتيمة وغلبانة وملهاش ضهر، مش كده؟ حسين بسرعة: لا والله أبداً… والله ما كان قصدي أنا…
زفر بضيق: أنا بحبها يا يونس بيه من سنين، وأنا مستني الوقت اللي أكون فيه جاهز عشان أقدر أتجوزها، والله ربنا عالم باللي في قلبي. أنا عاوزها في الحلال، وما فيش أي حاجة حصلت بينا، أنا عمري ما قربت منها، بس كنت بخوفها شوية. في الوقت اللي شافنا فيه عم محمد، دي الحقيقة، لو مش مصدقني اسألها. يونس بهدوء: أنا لو شاكك فيك أو فيها، مكنتش هسيبك هنا دقيقة واحدة. أنا عارف إنه سوء تفاهم وواثق فيكم كويس.
حسين بفرحة: الله يخليك يا يونس بيه، ده العشم برضه. طب قلت إيه في موضوع الجواز؟ يونس بابتسامة سخرية: وردة جايلها عريس كويس وشغال في الخليج ومرتبه عالي، وانت عارف دي في مقام أختي، وأنا عاوز لها الصالح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!