تجلس في غرفتها وتضع يدها على معدتها والتي ظهر عليها الانتفاخ قليلا. تُملس عليها بحنان وتنظر نحوها بخوف وهي تفكر وعيونها شارده. ومن ثم وجهت بصرها وهي تتحدث في نفسها، وهي توجه حديثها لطفلها: "اسمه بهدوء: أنا عارفه إنك زعلان مني... كنت بتحب بابا قوي صح يا حبيبي؟ أنا آسفة. أوعى في يوم تزعل من ماما. أنا بعمل كل ده عشان بابا وعمو يونس وزهرة.... خالك (تقصد ضاحي)
صحيح واطي وحقير ومعدوم الضمير، بس أنا عارفة لعبه وهعرف أتصرف معاه." أكملت وقد احتدت عينيها كثيراً: "بكرة الحق هيرجع لأصحابه، ووقتها يا حبيبي بابا هيفهم أنا ليه عملت كده. هو وحشني قوي زي ما هو وحشك كده وأكتر كمان. أنا مش عارفة أغمد عيني وهو مش جنبي. مش عارفة أتنفس في الأوضة ونفسه مش فيها.... بس معلش خلينا نستحمل شوية وبعدها نرتاح كلنا."
قطع شرودها دخول تلك الحية عليها واضعة يدها في خصرها وهي تهز جسدها بحقد وغِل. فبعد حديثها مع ضاحي في الأسفل، نار الغيرة والحقد تجاه زهرة زادت أكثر وأكثر. ففي اعتقادها أن ضاحي يضحي من أجلها وأنه يحبها، حيث خاطر بالكثير لكي يخرجها من الورطة التي وضعت نفسها بها عندما حكم عليها بالسجن لأكثر من عشرة سنوات. ولكنها لا تعلم ما نيته، فهي وكالعادة في غفلة.
لاحظت سمية وجودها، فزفرت بضيق وهي تحادثها بحدة كعادتها. فالشيء الوحيد التي لا تستطيع سمية تفاديه هو كرهها لتلك المرأة. سمية بحدة: "إيه يا ناهد؟ قدامك مسرحية ولا فيلم في التلفزيون بتتفرجي وسرحانة في إيه؟ وإيه اللي مدخلك هنا من غير ما أسمحلك تدخلي؟ عاملين الباب." لتتدارك ناهد موقفها وعقدت حاجبيها بغيظ: "إنت بتتكلمي كده ليه؟ أنا هنا يا حبيبتي ست البيت وليا احترامي."
قهقهت سمية بفرط حتى أدمعت عينيها وهي تسير في اتجاهها، ومن ثم اختفت ابتسامتها وحل محلها الحدة ووضعت ذراعيها أمام صدرها: "اسمعيني كده يا مسكرة قلتي إيه." ناهد ببرود: "بقولك أنا ست البيت هنا، إنت مين عشان تحاسبيني؟ اقتربت سمية منها أكثر فأكثر، وفجأة أمسكت شعرها تسحبها منه بقوة وهي تنظر داخل عينيها بغضب: "بصي يا بت انت... عايزة تقعدي هنا مرتاحة؟ ابعدي عني خالص وإلا هندمك على كل نفس بتاخديه في عمرك. إنت فاهمة يبت انت."
ناهد بخوف وهي تنظر لها بأعين متسعة من هول الموقف: ".... تركتها سمية بعنف حتى وقعت أرضاً وهي تقول بنبرة ثابتة: "غوري من وشي.... غوري." وقفت ناهد سريعاً وهي تنظر لها بتعجب ونزلت للأسفل تهرول حتى كادت أن تقع، وسمية تتابعها بهدوء وهي تضع ذراعيها أمام صدرها، ومن ثم نزلت خلفها بهدوء. ***
في الأسفل، كان يجلس ضاحي وأمامه بعض الأوراق للأملاك التي جمعها ويتابع عمله بدقة. فهو يتوق لكي يصبح ملكاً، في رأيه أن كلما ارتفع مالاً وجاهاً أكثر كلما حطّم قلب يونس أكثر وأكثر. مسكين لا يعلم ما في القلوب البشر، فهذه الفصيلة اللعينة الخاصة بضاحي لا تفهم هذه التعبيرات. قاطعته هرولة ناهد في اتجاهه وهي ترمي في أحضانه وتمثل الخوف والبكاء، مما جعله يتعجب بشدة. ضاحي بتعجب: "إيه يا ناهد؟ بتعيطي ليه؟ إيه اللي حصل؟
ناهد بصوت متقطع أثر دموع التماسيح خاصتها: "سمية يا ضاحي.... سمية هانتني أوي يا ضاحي. إنت جايبها تهيني في بيتي؟ بقا دي آخرتها." ضاحي ببرود: "طب فهميني إيه اللي حصل." سمية بمقاطعة: "أنا أفهمك يا أخويا." انتفضت ناهد سريعاً عندما استمعت لصوت سمية، ففي خاطرها أنها لا تزال في غرفتها ولم تشعر بها خلفها إلا الآن. فهي تخشاها كثيراً حيث أنها على يقين تام لوفائها لمصطفى ويونس، وأيضاً تعلم أنها خصم قوي للغاية.
نظرت لها سمية بسخرية ومن ثم نظرت نحو أخيها بهدوء. ضاحي بإنصياغ: "قولي يا سمية إيه في؟ حد يفهمني." سمية بهدوء: "ولا أي حاجة تستاهل....
الست هانم اللي متجوزها ولمتها من السجون وعملت لها قيمة داخلة على أوضتي زي المخبرين من غير أي حِشمة ولا دستور. قلت لها مش من باب الناس تخبط عليه قبل ما تدخل. فتحت لي محاضرة بقا دا بيتي وأنا ست البيت ومين إنت عشان تحاسبيني. شديت ودنها، إنتِ عارفة إني يا أخويا لا بعرف أعدي ولا أسكت، وهي كمان عارفة كده. بس هي ظاهر عليها من أول ما جيت وهي عايزة تمشيني بدري بدري."
ساد هدوء في المكان لبضعة دقائق، ومن ثم تحولت نظرات ضاحي بين سمية وناهد حتى استقرت على سمية وتحدث إليها بهدوء: "طيب يا سمية حقك عليا أنا يا قلبي أخوكي... وإنتِ هنا صاحبة البيت ومفيش لي حد لي سلطة عليكي أبداً. اطلعي إنتِ أوضتك دلوقتي وارتاحي على ما الغداء يجهز." سمية بهدوء وهي تربت على كتفيه أثناء مرورها: "عشت يا أخويا."
تركتهم وهي تنظر لـ ناهد بتشفٍ، ومن ثم صعدت الدرج حتى غرفتها تختبئ بعدما تأكدت أنهم ظنوا أنها دلفت لداخلها. نظر ضاحي لـ ناهد بغضب جامح، ومن ثم هوى كفه على وجهها بقوة جعلتها تصرخ من الألم. ناهد بتألم: "ليه كده؟ بعد كل اللي عملته عشانك تعمل فيا كده؟ تعالي عليا ليه؟ ليجذبها من ملابسها بقوة حتى تمزقت وأنزلها على ركبتيها أمامه وهو ينظر لها بغضب وحدة: "أنا ممكن أدَفنك حية لو وقفتي في طريق اللي أنا عايز أعمله. إنتِ فاهمة؟
أنا بقالي سنين بخطط للي بيحصل حوالينا ده. لو مش هتبطلي شغل الحريم الفاشل ده هتشوفي الوش التاني." ناهد بخوف وتوتر: "بس إنت عارف كويس إنها مش بتحبك ولا عايزة مصلحتك، يعني... ضاحي بزفرة قوية وهمس: "عارف... هي مش عايزاني ولا طايقاني أصلاً وعارف إنها هنا عشانهم.... بس أنا اللي عايز ده. أنا عايزها قدام عيني، عايز ألم كل ضحكة وذكرى حلوة ليهم من قدامهم. هاخطف منهم النفس اللي بياخدوه....
الفلوس مش مهمة عندهم، لكن سمية وزهرة هما كل حاجة عندهم. فهمتي." ناهد بابتسامة: "فهمت.... ومن ثم وضعت يدها على صدره بحركة مدروسة منها وهي تردد: "فهمت... فهمت يا سيد الرجالة. الحمد لله إني معاك مش ضدك... لما ببص ليك مش بصدق إني بقيت مراتك، حتى لو عرفي. فـ أنا برضو مراتك. مين قدي أنا؟ وأنا مرات المعلم ضاحي كبير البلد وسيد الكل."
نظر لها بخبث وتاهت هي في عينيه وشرد وهو يتخيل أمامه زهرة، والتي ما إن رآها للمرة الأولى واحتاجته الرغبة بها بشدة. فهجم على ناهد يقبلها بنهم، وهي بالطبع سعيدة بذلك. ***
في منزل أبطالنا، قد حل الليل عليهم. كانوا يجلسون على إحدى الأرائك في صالة المنزل الصغيرة وهم يتحدثون حول العمل. فقد اقتنع مصطفى أخيراً أن يعمل في ورشة الميكانيكية، حيث أقنعه يونس بأن الورشة ملكهم ولن يعمل لدى أحد ولا يشعر بالقلة، وأيضاً يعملون سوياً ويكونوا بجانب بعضهم البعض فهم سند وقوة لبعضهم. وقد اقتنع مصطفى بحديثه، وخصوصاً أنها يعمل في أكثر من مكان ولا يجني ثمن تعبه أبداً.
قاطعتهم زهرة وهي تضع آخر أطباق الطعام على الطاولة الدائرية الصغيرة وتنظر لهم بابتسامتها الصافية الجميلة التي تبث فيهم الطمأنينة. زهرة بنبرة هادئة: "إيه مش كفاية كلام بقا ويلا قبل ما الأكل يبرد." مصطفى بمرح: "الريحة مش قادر... صنية بطاطس باللحمة دي يا زوزر. آآآه يا بطني." يونس بغيظ: "جرى إيه يلا؟ إنت ما تتلم! إيه زوزو دي؟ مصطفى بعبث: "غيران مني يا يويو؟ دا أنا حتى مؤدب مش بقف تحت مع أم أربعة وأربعين."
ضحكت زهرة بخفة على حديث مصطفى الذي سيؤدي به للقبر قريباً، أما يونس فوزع نظراته بينهم بتعجب. يونس بعدم فهم: "مين أم أربعة وأربعين دي يااض إنت؟ مصطفى بغمزة: "الست حسنات اللي تحت... بس بقولك إيه، عينيها هتطلع عليك من زمان وأنا ملاحظ." زهرة بضيق: "كل يا مصطفى... كل وإنت ساكت." يونس بغضب: "ماشي يا مصطفى، لما ننزل الورشة ليك رووقة."
بدأت زهرة تسكب لهم الطعام وهم يتحدثون ويضحكون أثر حديث مصطفى المرح الذي لا ينتهي أبداً. ولكن لاحظت زهرة أنه يعبث في طعامه ولم يأكل سوى بعض اللقيمات فقط، مع أنها صنعت هذا الطعام من أجلهم لأنهم يحبوه بشدة. زهرة بنبرة حنونة: "مصطفى إنت كويس." مصطفى بابتسامة: "آه يا مرات أخويا الحمد لله.... ليه في حاجة." زهرة بابتسامة أخوية: "أنا عارفة إنك زعلان عشان سمية.... عبث وجهه فجأة مما دعاها لتسرع في الحديث وهي ترفع يدها أمامه:
"قبل ما تتعصب أنا مش قصدي أزعلك والله، أنا خايفة عليك... مع إني برضه متأكدة إن في حاجة غلط في موضوع سمية ده، لأنها مستحيل تعمل كده من نفسها." أخذ نفساً عميقاً ومن ثم هدأ وتحدث بهدوء، عكس نيران قلبه التي كادت أن تحرقه: "أنا عارف يا زهرة إنك طيبة وبنت حلال وعايزة لينا الصالح والفرحة... وعارف إنك متقصدش تزعليني، بس أنا مش عايز نتكلم في الموضوع ده تاني، ممكن." زهرة حتى لا تضغط عليه: "حاضر يا مصطفى، اللي تشوفه."
يونس بمرح لكي يزيل التوتر: "والله أنا شايف إني كيس جوافة في وسطكوا... ما تتلموا انتو الاتنين." مصطفى وهو يتلاعب بحاجبيه أمامه بعبث: "بنت عمي وأنا حر، عندك مانع يا سي يونس." ضحكت زهرة عليهم بشدة، فمهما مر عليهم من الأحداث والسنوات سيظلون أطفال في تصرفاتهم سوياً. نظر يونس لـ زهرة بحب وهو يسألها باهتمام. يونس بتساؤل: "إيه يا زهرتي الامتحانات قربت جاهزة ليها." زهرة بتوتر: "بصراحة مش أوي... يعني متوترة أوي وخايفة."
يونس بنبرة حنونة: "لا أنا عايزك تركزي في مذاكرتك كويس أوي اليومين دول. السنة دي كانت صعبة يا حبيبتي أنا عارف، بس إحنا أقوى منها ولازم نكمل للآخر، ولا إيه." زهرة بحب وارتياح: "صح يا حبيبي، ربنا يقويك ويقويني يارب." ظلوا يتبادلون سوياً نظرات الحب والغرام وكل منهم شارداً في الآخر. أما مصطفى كان يستند بيديه الاثنين على الطاولة وهو يتابعهم مثل الطفل الذي يتابع فيلمه الكرتوني المفضل، قائلاً بمرح:
"ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..... أنا بقيت عزول وسط العشاق على آخر الزمن." كاد يونس أن يرد عليه ولكن قاطعهم رنين جرس الباب، فتعجبوا قليلاً، ولكن ذهب مصطفى ليفتح، وعندما فُتح الباب هنا كانت الصدمة، فلم يكن على توقعه هذه الزيارة. مصطفى بتعجب: "إنت!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!