عندما فتحت باب المنزل فوجئت برجل ملثم يرتدي ملابس سوداء ولديه بعض الخدوش حول عينيه تظهر من خلف الوشاح الأسود الذي يضعه على وجهه. سرت الرهبة في جسدها، ولكن قبل أن يظهر صوتها أو تُحدث أي رد فعل، أخرج زجاجة صغيرة من جيبه وبحركة سريعة ضغط عليها لتُخرج منها هذه المادة المخدرة والتي جعلتها في ثوانٍ قليلة تسقط أرضًا مغشيًا عليها.
ومن ثم انحنى لمستواها يحملها سريعًا ونزل بها بحرص لمدخل المبنى، والذي كان يقف رجل آخر به يفتح باب السيارة الخلفي في انتظاره. فإذا به في لمح البصر ودون أن يلاحظ أحد يُدخلها في المقعد الخلفي ويركب بجوار الرجل الآخر وينطلقوا سريعًا. ولم يمضِ إلا القليل ليهاتف ضاحي وقال متحدثًا بصوت غليظ خشن: "أيوه يا ريس… أيوه جبناها اطمن محدش شاف حاجة."
"هاتها وتعالى في المكان اللي قلتلك عليه وخلي بالك حد ياخد باله… وممنوع حد فيكم يقرب عليها فاهمين." "اطمن يا باشا… انت عارفني في الشغل مش بهزر." أغلق المكالمة واتجه أمامه ينظر صامتًا وهو يوجه الرجل الآخر للمكان الذي سيذهبون إليه. وكل هذا وزهرة تنام خلفهم لا حول لها ولا قوة، غير واعية على أي شيء يحدث من حولها.
بعد مرور القليل من الوقت، كان قد وصل إلى منطقة شبه خالية من السكان، فهي منطقة عشوائية جاء لها أمر بالإزالة ليُبنى بدلاً منها قرية سياحية لعائلة القوم. وحقًا هذا اللعين ذكي للغاية، فقد اختار هذا المكان حيث أنه لا يخطر على بال أي أحد. أبطأوا سرعة السيارة عندما وصلوا أمام أحد المخازن، وإذا بها تُفتح بواسطة أحد الرجال ويدلفوا للمخزن بالسيارة ويُغلق من جديد.
ومن ثم هبط هذا الرجل وفتح السيارة وحمل زهرة ووضعها بإحدى الغرف كما أمره ضاحي، ووقف أمام الغرفة كحارس لها حتى إصدار أي أمر آخر. ***
وعلى الجانب الآخر، عندما جاء لضاحي خبر وجود زهرة مع رجاله، فُرج ثغره بابتسامة عريضة منتصرة وهو يشعر في داخله أنه أخيرًا قد حصل على كل شيء. شعر بداخله بالألم الذي سوف يشعره يونس الآن، فهو موقن تمامًا مقدار حب يونس لزهرة وواثق من داخله أن الشيء الحقيقي الذي سيكسر أضلاع يونس ويجعله غير قادر على المقاومة مرة أخرى هي زهرة فقط.
هب من مكانه وعلى وجهه ابتسامته الماكرة المعتادة وهو متجه صوب الغرفة التي تقبع بها سمية. فتح الباب دون أن يعطي انتباه لأي شيء، فإذا بزينب تجلس بجوارها وهي تربت عليها بحنان، فكانت حالة سمية الصحية بدأت في التدهور لقلة الغذاء والصحة النفسية. وعندما رأت وجهه، وكالعادة تشعر بالامتعاض والتقزز. فقهقه بجنون وهو يتحدث بنبرته المعتادة: "جبتلك هدية حلوة أوي يا سمية… يلا معايا علشان عايزة أشوفك."
اصفر وجه سمية وقُلقت بشدة، فبالتأكيد ما يُسعد هذا المعتوه لن يُسعدها، فقالت بخوف: "هي مين دي اللي عايزة تشوفني؟ … أمي حصلها حاجة؟ "لا اطمني دي كويسة خالص… بس دي هدية من نوع تاني خالص، يلا قدام." نظرت له بكره وكانت علامات الإرهاق والألم تكسو وجهها، وقالت وهي تعاني من الألم: "أجي فين… هو أنا قادرة أتحرك؟ انت مش شايف أنا عاملة إزاي؟ اتقي الله وغور من وشي بقى."
لم يكترث لما تقوله، بل انحنى لمستواها يحملها بين يديه وسط كلماتها المعترضة وهم ذاهبون بها نحو الخارج ووضعها داخل السيارة. وقبل أن يستقلها، أوقفته كلمات زينب التي كانت تتحدث وهي تشعر بالخوف والقلق الشديدين على سمية: "يا ضاحي بيه… الله يخليك سيبها أو خدني معاها أخلي بالي منها وأراعيها، الله يخليك." نظر لها نظرات باردة وهو يطالعها من أعلاها لأسفلها باحتقار قائلاً:
"إنتِ هتعملي فيها أختها ولا إيه… أوعي تنسي نفسك يا بت انت.. إنتِ هنا خدامة لمزاجي وبس، أنا دافع فيكي فلوس علشاني أنا مش علشان أختي، اتلحقي مكانك." أنهى حديثه راكبًا السيارة يقودها بأقصى سرعة وهو يبتسم بفضول وحماس لرؤية زهرة ويتشوق لتميز غيظه والانتصار على يونس. وسمية كانت تجلس بجواره تضع كف يدها على معدتها المنتفخة بشدة وهي تضغط على أسنانها وشفتيها وتفر منها الدموع من كثرة الألم.
وبعد مدة من الوقت وصل لنفس المكان التي تقبع به زهرة وأمر الحرس بأخذ سمية للغرفة المجاورة لها، ومن ثم دلف هو مباشرة لغرفة زهرة. *** نظر لها بسخرية من خوفها الذي يظهر جليًا على وجهها، ومن ثم مد يده فك جزء من حجابها. فابتعدت يده سريعًا عنها لتحكم حجابها من جديد وهي تنظر له بكره وخوف. "يا زهره مالك…. هو حلال ليونس وحرام ليا؟
وبعدين أنا كده كده هتجوزك متخافيش، أنا مش واطي أوي كده، وكمان أنا شفت شعرك كتير قبل كده في الصور مش هتفاجئ أوي." فتحت فاهها من هول صدمة حديث هذا المعتوه، اتسمع أذنيه ما يخرج من فمه. لا يعقل أن يكون هذا شخصًا طبيعيًا، تملك الغضب منها وهي تطالعها بوجه عابر غاضب: "آه طبعًا حلال ليونس وحلالي، يونس جوزي وحلالي والراجل الوحيد اللي عيني شايفاه في الدنيا دي وربنا هينجيني منك وأرجعله تاني… ثم أكملت وقد
فرت دمعة هاربة من عينيها: حتى لو حاولت تاخدني منه غصب عني وعنه ولو عملت أي حاجة قذرة ممكن تيجي في دماغك… ممكن تعرف تاخد جسمي يا ضاحي بس قلبي وعقلي وتفكيرك وكل ذرة ليا ليونس وبس، وما فيش راجل في الدنيا كلها ممكن يملى عيني غيره، إنت فاهم؟ نظر لها بحقد وغل، فقد نجحت تلك الفتاة في إثارة غيظه بشدة. اقترب منها ونظر لها بقوة وهو يقول بنبرة حادة مسموعة:
"يونس مبقاش حيلته حاجة زهره… وإنتِ لسه صغيرة وحلوة وخسارة في البهدلة معايا، كل حاجة هتبقى تحت رجليكي، أنا عاوزك برضاكي صدقيني كل حاجة تتمنيها هتبقى عندك، فلوس وسلطة ومكانة وكل كنوز الدنيا هتبقى ليكي وإنتِ معايا." ابتسمت له بسخرية لما يتفوه به قائلة بثقة: "وتسوى إيه الدنيا والفلوس والجاه والمكانة ويونس مش معايا…. هفرح إزاي بالحاجات دي وحبيبي مش فيها؟
أنا فرحتي في يونس وسعادة قلبي مع يونس وبس، ولو هينمني على الرصيف طالما معاه أنا راضية إن شاء الله، بس أشوفه من بعيد كده كل يوم طالما شفت وشه أنا مرتاحة……. أنا معرفش إيه اللي حصلك خلاك كاره يونس أوي كده، هما قالولي أسباب كتير بس أنا مقدرتش أقتنع بولا سبب فيهم، بس كل اللي أقدر أقوله ليك ربنا يهديك وتبعد عننا بقى، إحنا مش عاوزين منك أي حاجة غير إنك تسيبنا في حالنا."
أظلمت عينيه عندما سمع كلمات الحب الصادقة التي تنبع من قلبها قبل لسانها ونظراتها وهي تتحدث عنه، ابتسامتها الصافية عندما تنطق اسمه. غلت دماء الحقد في عروقه أكثر فأكثر تجاه يونس، فقال بنبرة يملؤها حقد ووسوسة الشيطان: "هجيبلك رقبته قدامك يا زهره… ووقتها مش هتلاقي غيري قدامك، هتشوف."
دق قلبها بعنف عندما سمعت تلك الكلمات المسمومة منه، ولكن قاطعها صوت صرخات عالية ومتتالية. فجذب ضاحي سلاحه الناري من جانب طالعه وخرج من الغرفة بحذر يلتف حوله. فوجد الحرس ينظرون له بتوتر، فهدر بهم بغضب: "إيه صوت الصويت دا انت وهو… مش أنا قلت محدش فيكم يقرب منهم؟ عملتوا فيها إيه؟ قال أحدهم بخوف من غضبه: "والله يا ريس محدش قرب منها، إحنا لاقيناها بتصوت كده لوحدها…
ثم أكمل بتوتر: ودخلت عليها لقيت في مياه في الأرض، كنت لسه جاي أخبط عليك." نظر له بتعجب ولكنه اتجه صوب غرفة سمية فتحها بعنف ليجدها تنازع روحها ووجهها تكسوه الحمرة وجسدها بالكامل يتصبب عرقًا، تفتح قدميها بشدة والكثير من المياه منتشرة من تحتها وتصرخ. فقال بنبرة مصدومة ولكنها بادرة قاسية كالعادة: "دا انت شكلك بتولدي يا حزينة… يخربيت حظك فقر زي اللي جابوكي، أعملك إيه أنا دلوقتي؟ ردت عليه بألم ودموعها تنهمر بشدة:
"اتصرف يا ضاحي…. اعمل حاجة كويسة في حياتك مرة، بموت يا بني آدم الحقني." نظر لها ببرود ومن ثم أغلق الباب واتجه صوب باب زهرة فتحه قائلاً لها بنبرة هادئة وهو يضع يديه في جيب بنطاله: "قومي تعالي سمية بتولد." انتفضت من مكانها برعب وهي تقول بتلعثم: "هي اللي كانت بتصوت دي… طب هي فين؟ إنت جايبها هنا لي؟ فجذبها من يدها وفتح غرفة سمية وأدخلها بعنف داخلها هادرًا بها بحدة: "شوفيلي صرفة… أنا مش بفهم في شغل الحريم ده."
نظرت زهرة تجاه سمية والتي ما إن رأتها بتلك الحالة حتى شهقت بقوة من الصدمة، فقد تغيرت سمية تغير جذري في تلك الأشهر التي غابت فيها عنهم، فعلى الرغم من حملها إلا أنها خسرت الكثير من الوزن فأصبحت نحيلة للغاية ووجهها يملؤه الإرهاق والتعب. ومن نظرت لضاحي بكره:
"شغل حريم إيه… دا مش شهر ولادة دي في السابع تقريبًا أو السادس… إنت كده بتحكم عليها بالموت، مش من حقك تعمل كده، هاتلها دكتور يولدها، حرام عليك ذنبه إيه الطفل اللي في بطنها ده…. أنا مش دكتورة ومش هقدر أفيدها بحاجة." "آهو إنتوا الاتنين مع بعض ودا كرم مني… ولا هي ولا اللي في بطنها يفرقوا معايا في حاجة أصلًا، اللي تقدري عليه اعمليه……"
أنهى حديثه وخرج من الغرفة مغلقها من خلفه. فوقفت زهرة وعيناها بدأت تغورق بالدموع وهي تناجي ربها وتلعن ذلك الضاحي من صميم قلبها: "منك لله يا ضاحي… ربنا ينتقم منك، حسبي الله ونعم الوكيل." وركت في اتجاه سمية وهي تبكي ومن ثم أمسكت أحد أكمام ملابسها ومدتها قليلاً تمسح حبات العرق وهي تبكي على حال صديقتها الحبيبة والتي دائمًا ما كانت تعدها أختًا لها. ابتسمت سمية من بين أوجاعها وهي تقول بصدق:
"كنت خايفة أموت قبل ما أشوف حد فيكم الأول…. مكنتش أعرف إني بحبكم كده." بكت زهرة على حالها ومدت يدها تمسح دموع سمية بأكمامها قائلة بأمل: "متخافيش إن شاء الله مش هيحصل حاجة وحشة ليكي ولا للي في بطنك…. امسكي نفسك إنتِ بس شوية وأنا هحاول أهو…." ***
كانوا يجلسون في حالة من الرعب وحسام ويونس يحاولون إجراء الكثير من المكالمات لعلهم يعرفون طريق الفتيات، ومصطفى كان يصلي لله في غرفته وهو شاعر بالضعف يحاول أن يستمد قوته من الله سبحانه يرجوه بالصبر والعون على ما هو به. فإذا بهاتف حسام يصدح برنين، فيرد حسام بلهفة وأمل: "أيوه يا سيد طمني." "أنا عرفت هو واخد البنات فين…. مسافة ساعتين من عندك، أنا قدام المكان وبراقب أهو، هبعتلك العنوان…."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!