بعد أن خرج أحمد من شقة أسر، نظر من السلم لأسفل ولأعلى فلم يجد أحد، فرجع مرة أخرى يسترق السمع على باب شقة أسر. سمع النقاش الذي دار، والذي أكد له أن الطلاق قد تم بالفعل، بعد أن بدأ يشك في قوة ثبات جودي في أنه حدث. هبط الدرج وهو في قمة السعادة، واتصل بفتنة ليقضي معها وقتًا لطيفًا للاحتفال بما عرفه. أدار سيارته وذهب لها، وطرق الباب. فتحت فتنة باب الشقة وهي مرتدية قميص نوم يكشف أكثر مما يستر. "أهلاً يا بيبي، إيه؟
فينك بقالنا كتير مشوفنكش." أحمد وهو ينظر لها من أعلاها لأسفلها ويضغط على شفتيه: "قولت أفضيلك وقت مع أسر عشان تركزي يا جميل، إيه مش هتدخليني ولا إيه؟ ضحكت فتنة بصوت عالٍ وتنحت جانبًا: "ودي تيجي، دانت تنور." دخل أحمد وفتنة وأغلقا الباب. *** بمنزل أسر.
صدم أسر من رد فعل والد جودي. كان يتوقع انفعاله أو محاولة جمع الطرفين أو التوصل لحل بعيد عن الطلاق، وكان يعد بعض الردود، ولكنه صدم حين تلقى أشرف القرار بصدر رحب ولم يعترض. أكان زوجًا غير محبب لابنته؟ أكان يراه أنه غير جدير بها؟ أم كان يتوقع عدم إكمال هذه الزيجة؟ فاق أسر من شروده على
صوت جودي وهي تطلب الطلاق: "اليوم قبل غد، لو سمحت يا بابا سرّع من إجراءات الطلاق عشان البيه مش مقتنع إنه طلقني ولسه عايز يحكم وبيتحكم فيا." وجه أشرف نظره لأسر يسأله: "طب يا ابني، أنت رميت يمين الطلاق ولا لسه؟ رد عليه أشرف وهو في حيرة من أمره: "رميت اليمين من أول الأسبوع تقريبًا." أشرف: "طب يا ابني، بنتي كده تعتبر مطلقة منك، ولك حكم عليها، وأي حاجة ترجع لي أنا، وكده مضطرين نشوف هنخلص إجراءات الطلاق إمتى؟
أسر وهو على وشك الغضب: "يعني إيه مليش حكم عليها؟ يعني تلبس اللي على مزاجها وتخرج وتروح وتيجي مع اللي عايزاه و... قطع حديثه أشرف: "احترم نفسك يا أسر، أنا بنتي متربية كويس وأنت عارف كده كويس، فالكلام الفاضي ده ملوش لازمة." أسر بهدوء بسيط محاولًا تهدئة الأمر: "أنا آسف يا عمي، مش قصدي، أصل الصبح كانت لابسة... قطع حديثه أشرف مرة أخرى: "خلاص يا أسر، خلصنا. إحنا دلوقتي بنتكلم عن إجراءات الطلاق، تحب تمشي فيها إمتى؟
أسر بتهرب: "آه... آه... إن شاء الله ممكن على نهاية الأسبوع الجاي يكون أنس اتحسن يعني." أشرف بحكمة: "تمام يا ابني، ربنا يقدم اللي فيه الخير." ووجه نظره لابنته: "طبعًا يا بنتي مش هينفع ناخد أنس لبيتنا، فإنتي هتقعدي هنا." ثم وجه نظره لأسر: "وأنت يا أسر هتروح فين؟ لو معندكش مكان تقعد فيه وعايز تقعد هنا عشان ابنك ده مش حرام على فكرة، بس إحنا هنكون مع بنتنا هنا في بيتها."
تنحنح أسر ونظر لأشرف: "لا يا عمي، أنا كنت جهزت مكان كده هروح فيه لحد ما ربنا يسهل عشان أسيب جودي تهدّي شوية وتاخد راحتها، بس طبعًا هبقى أجي أبص على أنس عشان أطمئن عليه، ده لو معندناش مانع يعني؟ أشرف بهدوء أعصاب: "آه طبعًا يا ابني، ده ابنك وحقك تشوفه في أي وقت." وهنا تخلت سمية عن صمتها وانطلقت تصرخ به: "دلوقتي افتكرت أن أنس ابنك؟ وبتطلقها ليه لما هي أم ابنك؟ وكنت فين طول النهار وهي بتتصل بيك عشان تلحق ابنك؟ أييييه!
افتكرته دلوقتي؟ دانا مقهورة منك يا شيخ، روح يا شيخ، حسبي الله ونعم الوكيل فيك على حرقة دم وأعصاب بنتي." وهنا تدخل أشرف ليحكم الأمر: "خلاااص يا حاجة، كل شيء قسمة ونصيب، وزي ما دخلنا بالمعروف هنخرج بالمعروف ومن غير غلط في بعض." تنحنح أسر محاولًا إخفاء ضيقته ونظر لأشرف: "طب أنا هستأذن يا عمي." ثم استقام وانطلق لخارج الشقة، مغلقًا الباب خلفه. نظر أشرف لسمية وقال: "ده اللي اتفقنا عليه يا حاجة، أنا مش قلت متتكلميش خالص."
سمية بخجل مما فعلت: "أنا آسفة يا حاج، أصله عصبني، بيتحجج بابنه وأنا بصراحة مش طايقاه." أشرف بتنهيدة: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، خلاص يا حاجة اللي حصل حصل، كان عندك كلمتين وسيبتك تقوليهم عشان ترتاحي." ثم وجه نظره لجودي وقال: "يالا يا بنتي ادخلي غيري ومتقلقيش، إن شاء الله ربك هيحلها، الأول أنس يقوم بالسلامة وهتعدي على خير إن شاء الله." قامت جودي وكأنها مغيبة ولم تنطق كلمة واحدة. استبدلت ملابسها وجلست بجوار
ابنها وهي تسأل حالها: أهكذا انتهى كل شيء؟ أحقًا ستعيش بدون أسر؟ حقًا يحب فتنة أكثر منها؟ ولكن إذا كان يحبها، فلما كل هذه الغيرة عليها؟ وعند هذه النقطة ابتسمت نصف ابتسامة، فهناك أمل! أرجعت رأسها للخلف وتذكرت كيف ثار عند رؤيته لطريقة لبسها المتغيرة، وكيف اشتعل غيظًا عند رؤيته لأحمد معهم. وعند ذكر سيرة أحمد، عقدت حاجبيها وأحست بأفعال من جهته غير مريحة، ولكنها لم تشغل بالها ونامت بجوار ابنها. ***
بعد خروج أسر من شقته، هبط الدرج يستقل سيارته وهو لم يعلم إلى أي جهة سيذهب. جلس بسيارته وهو يشعر بالاختناق ولا يعلم سببه. أليس هذا ما كان يسعى إليه؟ ألم يرد تطليق جودي ليتزوج من فتنة؟ لما إذا هذا الإحساس بالضيق؟ لما شعر بالغيرة نحوها؟ أليس من حقها أن تعيش حياتها كما سيعيش هو؟ لما لا يتقبل هذه الفكرة على الإطلاق؟ ولكن أين سيذهب حاليًا؟
فكر في أن يذهب إلى منزل والدته، وبرغم أنه كان يريد تأجيل هذه الخطوة لمعرفته حب والدته لجودي زوجته، ولكنه اضطر إلى ذلك. فالواضح أن اليوم لم ينتهِ بعد وما زال يحمل له كثيرًا من الأعباء الأخرى، فمواجهة والدته لم تقل وطأة من مواجهة حماه. توجه أسر إلى منزل والدته، التي حين رأته في وقت كهذا ليلاً انتابها شعور بعدم الراحة والقلق. فبعد أن أدخلته، سألته بنبرة قلقة: "خير يا أسر يا ابني، مراتك وأولادك بخير؟ أسر بتهرب: "آه...
آه كويسين الحمد لله يا ماما." أم أسر: "طب امال هما فين يا ابني؟ مجوش معاك ليه؟ أسر بتنهيدة مثقلة الأنفاس: "في مشكلة كده يا ماما، وإن شاء الله تتحل." ضربت أم أسر على صدرها وقالت: "يا نهاري يا ابني، مشكلة إيه؟ بعد الشر، ربنا يجعله خير يا ابني." أسر محاولًا تغيير الموضوع: "أنا جعان يا ماما جدًا، اعمليلي أكل وبعدين نبقى نتكلم، ممكن؟ جلست أم أسر بجوار ابنها وربتت على فخذه: "قولي يا حبيبي مالك؟ شكلك مضايق أوي." أسر منهيًا
الحوار: "أنا طلقت جودي يا ماما، خلاص، ارتحتي كده." ثم توجه إلى غرفته بعد أن أطلق قنبلته وأغلق باب غرفته وراءه. ضربت أم أسر على صدرها وشهقت قائلة: "يا خرابي! رايح فين؟ تعالي هنا وقولي طلقتها إزاي وليه؟ ده البنت بنت حلال ومأصلة، مش هتلاقي زيها تاني. طب تعالي يا أسر، مش هتاكل يا ابني؟ حرام عليك يا أسر، تعالي كل وطمني يا ابني، إلهي لا يسيئك."
ولكن أسر كان بغرفته يسمع لكلام والدته الذي يتفق عليه، ولكنه شعر وكأن أحدًا ما أقحمه بطريق لم يرده، لا يعرف كيف دخل بهذا الطريق أو متى، ولكنه شعر وكأنه اقتحم طريقًا ليس له نهاية. جلس أسر على الفراش واضعًا كفيه أعلى رأسه، وكأنه يريد أن يكف مما يقع على رأسه. ظل هكذا أكثر من ساعة يحاول التوصل لبداية المشكلة وكيف تطورت بهذا الشكل وكيف انساق وراء رغباته. ثم استقام وأخذ يستغفر ربه عله يرشده للصواب. توضأ وصلى، ثم استلقى على الفراش محاولًا التفكير في حل للمعضلة الذي وقع بها، فهو يعشق جودي ولا ينكر هذا، فهو لم يتخيل حياته بدونها، كما أنه لم يتخيلها مع سواه. وأنس ابنه، ماذا سيفعل معه وكيف سيبتعد عنه؟
كيف لم يخطط لكل هذا؟ أين كان عقله حين انساق خلف رغباته؟ وفتنة، ماذا يفعل معها وقد وعدها بالزواج وقد تخطى معها حدودًا لم يجب أن يتخطاها. حتى غفت عيونه ولم يغفل عقله عن التفكير ليرى بأحلامه نفس الحلم المتكرر هذه الأيام بذهاب جودي مع أحمد صاحبه وتحميله ذنب فراقهم. *** استيقظ أسر بالصباح الباكر قبل موعد استيقاظه المحدد. يفكر مليًا: لم هذا الأحمد يتكرر بأحلامه؟ وفي كل مرة يحاول أخذ جودي منه، لماذا هو تحديدًا؟
بدأ بالاستعداد للذهاب للعمل، ولكن قد قرر أن يمر على جودي قبل ذهابها للعمل ومحاولة إقناعها أو التقرب لها مرة أخرى كمحاولة للوصول معها لحل وإثنائها عن قرارها. وقبل خروجه، وجد والدته تخرج من غرفتها: "صباح الخير يا أسر، هعملك الفطار حالا يا ابني ونتكلم في اللي هربت مني امبارح فيه." "ملوش لزوم يا ماما، أنا خارج دلوقتي ولما أرجع نبقى نتكلم." "لسه بدري يا ابني، لسه قدامك ساعة تفطر ونتكلم براحتنا."
"معلش يا ماما، ورايا معاد عايز ألحقه، عن إذنك."
خرج أسر محاولًا اللحاق بجودي قبل ذهابها للعمل، حتى وصل إلى منزلها وانتظر بالأسفل. وكأن جودي قد أحست بمجيئه أو توقعته، فكانت تنظر من الشرفة من وقت لآخر، حتى وجدته يقف بسيارته أسفل البناية، فاختبأت سريعا خلف الستار، ثم طلبت من والدها أن ينزل معها ويقوم بتوصيلها للعمل، فيستجيب والدها لطلبها. وعند الهبوط معها للأسفل، لاحظ سيارة أسر قبل أن يستقل التاكس مع ابنته، ليلتفت لها قائلًا: "علشان كده كنتي عايزاني معاكي؟
أومأت جودي برأسها ولم تنطق بكلمة واحدة. ليدعو لها والدها: "ربنا يريح بالك يا بنتي ويهيألك الخير." "اللهم آمين." نطقت بها جودي من قلبها قبل فمها، متمنية من الله أن ينهي هذا الكابوس. ***
بسيارة أسر، عندما رأى جودي مع والدها، طرق على إطار قيادة السيارة عدة مرات، فقد كان يعد للحوار ومحاولة إمالة قلبها، ولكن قد ضاعت هذه الفرصة. ولكنه لم يستسلم، ثم توجه إلى شركته لينجز بعض أعماله، ولكنه فوجئ بالسكرتارية تبلغه بوجود يزن ابن خالته يريد مقابلته ومنتظر بالخارج. سمح لها بإدخاله. دخل يزن مكتب أسر كعادته المرحة: "أسور باشا اللي غايب عننا بقاله كتير." أسر بترحيب: "أهلاً أهلاً يزن باشا، عاش من شافك، فينك يا راجل؟
اتفضل اتفضل. نزلت إجازة إمتى؟ يزن: "لسه نازل امبارح، قولت آجي أشوفك، وخصوصًا بعد اللي سمعته من خالتك الصبح. إيه اللي عملته ده بس؟ أسر باستفسار: "إيه اللي سمعته عني وإيه اللي أنا عملته؟ يزن بعدم تصديق: "أنت بجد طلقت جودي؟ أسر: "انت عرفت منين؟ يزن: "مامتك كانت بتتكلم مع ماما الصبح وكانت منهارة، وأنا لما عرفت مصدقتش، معقولة؟ دانتوا كنتوا بتحبوا بعض أوي، إيه اللي حصل؟
ده أنا قاعد من غير جواز مستني أشوف حد يحبني زي ما جودي بتحبك كده." أسر بتنهيدة: "مش عارف أقولك إيه يا يزن، كنت محتاجك فعلاً الفترة اللي فاتت أوي، كنت زي اللي تايه ومش لاقي اللي يرشدني، وحاسس إني اتدبست ومش عارف أخرج إزاي من الورطة اللي أنا فيها." يزن: "يعني طلقتها فعلاً؟ أسر: "حاجة زي كده." "يعني إيه حاجة زي كده؟ ماهو يا طلقتها يا مطلقتهاش عشان الواحد يعرف هيعمل إيه هو كمان."
نطق بها يزن بطريقته الخبيثة ليستشف بها إجابة أسر إذا كان ما زال يحب جودي أم أصبحت لا تعني له شيئًا. أسر: "يا سيدي، طلقتها شفهي بس لسه ممشينها في إجراءات الطلاق الرسمي، وبفكر أردها بس هي مش مديني فرصة خالص، وباباها واقف معاها بالمرصاد. بس إيه اللي هتعمله يعني لو عرفت طلقتها ولا مطلقتهاش؟
يحك يزن ذقنه وينظر له رافعًا حاجبيه قائلًا: "يعني قصدي لو مطلقتهاش كنت هصرف نظر، لكن لو طلقتها بقى بفكر مطلعش جودي بره العيلة، يعني أصلها متتسابش بصراحة." حين وصل لأسر معنى كلام يزن، حتى انتفض من على المكتب واقفًا وطرق على سطح المكتب بيده صائحًا: "يزن، أنا مسمحلكش باللي بتلمح بيه ده." يزن بكل هدوء مدروس: "اقعد بس يا ابن خالتي، مالك كده متعصب ليه؟ ما طبيعي يعني بعد طلاقكم أكيد هتتجوز تاني، هي برضه صغيرة وحلو...
ليقطع حديثه أسر صارخًا به: "يزن، احترم نفسك، أنت بتتكلم عن مراتي." "طليقتك يا أسر، طليقتك. واقعد كده واهدي، أنا عمري ما أبص لمرات أخويا، أنا قصدي أوريك، وقت ما هتسيب جودي هتلاقي غيرك أكيد. المهم بقى، أنت هتقدر تشوفها مع غيرك؟ فكر كويس يا ابن خالتي، فكر قبل ما تضيع من إيدك." سقط أسر على كرسيه خلف مكتبه، شاعراً
كأنه يسقط بهاوية: "مش عارف أعمل إيه يا يزن، أنا فعلاً عايز أقعد وأحكيلك كل حاجة، يمكن تلاقلي مخرج، أصلي اتزنقت في حوار تاني كده مش عارف إزاي." ليقطع حديثهم استئذان السكرتارية بوجود فتنة وتريد الدخول. ليأذن لها أسر بالدخول، ليجد يزن فتاة صارخة الجمال، ولكن ملابسها تظهر شخصيتها المنحلة. لينظر لها يزن من أعلاها لأسفلها بعيون خبيرة، فيزن يعمل ضابط شرطة بأحد أقسام مدينة الإسكندرية ولا يخفى عليه هذه الأنواع.
لتقترب فتنة لتسلم على أسر: "إزيك يا أسر؟ إخبارك إيه؟ معرفش أن معاك حد، مش تعرفنا؟ ليبدأ أسر بتعريفها على يزن الذي لم يقف بعد وينظر لها محاولًا قراءة شخصيتها. أسر: "ده يزن ابن خالتي، أعرفك يا يزن، دي فتنة... لتكمل فتنة تعريفها لنفسها وهي تمد له يدها بالسلام: "أنا فتنة، خطيبة أسر، تشرفنا يا أستاذ يزن."
لينظر لها يزن ولا يخفى عليه نظرتها اللعوب له، فيبتسم نصف ابتسامة ويستقيم واقفًا متجاهلاً هي ويدها الممتدة، ليقترب من أذن أسر قائلًا: "بعت الدهب بالنحاس يا ابن خالتي، ربنا يعينك على ما ابتلاك." ثم توجه إلى باب المكتب، وقبل أن يخرج التفت له قائلًا: "مستني نقعد مع بعض يا أسر، وعلى فكرة، حل معضلتك عندي وسهل أوي ورخيص جدًا." طق آخر كلمة وهو ينظر باحتقار لفتنة قبل أن يهم خارجًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!