الفصل 17 | من 31 فصل

رواية اختلاج روح الفصل السابع عشر 17 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
19
كلمة
2,771
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

وصل أسر إلى شركته وهو تغمره السعادة. دخل مكتبه لينهي بعض المهام التي كان يؤجلها بسبب الأحداث السابقة وحالته المزاجية السيئة. فاليوم شعر ببعض الطمأنينة وأن الحياة المستقرة التي كان يعيشها قاربت على الرجوع مرة أخرى. أنجز كثيرًا من الأعمال حتى اقترب ميعاد انصراف زوجته. فخرج متوجهًا إلى عملها مقرراً استكمال ما وصل إليه بالصباح ودعوتها إلى الغداء بمكان هادئ، محاولاً التودد إليها لاستعادة حبهم.

وصل إلى مقر عملها واتصل عليها ولكنها لم تُجب. أعاد الاتصال أكثر من مرة ولكن دون جدوى، حتى وجدها تخرج من باب الشركة متجهة إلى الطريق وتحاول استيقاف تاكسي. خرج مسرعًا إليها وأمسكها من معصمها قبل أن تستقل التاكسي وقال لها: / رايحة فين؟ ومبترديش ليه على مكالماتي؟ أنا واقف هنا ورنيت عليكي كذا مرة! أجابت جودي بعصبية وهي تسحب يدها بقوة من يده: / لو سمحت سيب إيدي. مينفعش كدة، إحنا في الشارع. تحدث سائق التاكسي متعجلاً الأمر:

/ هتركبي يا أستاذة ولا أمشي أنا؟ تحدثت جودي لطمأنة سائق التاكسي، ولكن قطع حديثها أسر الذي أغلق باب التاكسي وأمره بالانصراف: / لا، توكل على الله أنت يا ريس. انطلق سائق التاكسي معلقًا: / زباين مجانين، ربنا يتوب علينا بقي. قال أسر باستغراب من موقف جودي المتحول عما كان بالصباح: / في إيه خلاكي متغيرة كدة؟ إيه اللي حصل؟ طب تعالي يا جودي نقعد في حتة هادية نتكلم، لو مش عايزة نقف في الشارع. ردت جودي بعصبية غير

متوافقة مع حديث وهدوء أسر: / مش عايزة يا أخي أروح معاك في أي حتة، إنت هتغصب عليا أمشي معاك؟ ما تحس بقي أنا مش عايزة أمشي معاك، حس بقي، حس شوية.

تركته واقفًا مذهولاً من طريقتها وردها، وأوقفت تاكسي آخر وركبت به وانطلق بها. أسر يقف مندهشًا من تغيرها المفاجئ وعصبيتها التي لم يرها من قبل. كل هذا حدث تحت أنظار أحمد وهو يتابعهم من شرفة مكتبه بالأعلى. توقع ما يتم من خلال عصبية جودي الواضحة عليها، فابتسم بجانب شفتيه فرحًا بنجاح خطته كما أرادها.

وفي الأسفل، تنهد أسر وحسم قراره. أنه لم ولن يتركها قبل معرفة سبب هذا التغير، وذهب إلى سيارته ليتبع التاكسي حتى وصلا إلى منزل جودي. خرجت جودي من التاكسي وانطلقت حيث شقتها، وهكذا أسر ذهب خلفها ليستوقفها. *** انطلقت مهرة كالهاربة من الشركة، مطلقة لدموعها العنان كأقدامها. تؤنب نفسها، كيف سمحت أن يحدث معها هذا؟ كيف سمحت بهذا الاقتراب؟ لماذا لم تحاول إبعاده من البداية أو منعه من التمادي بهذا الشكل المهين؟

هل يراها ساقطة كالأخريات؟ نعم، هي تعرف أنه يعرف غيرها من الفتيات كثير، يكفي من يأتيه بين الحين والآخر من كل شكل ولون. هل هي من كانت تريد الاقتراب؟ عند هذا السؤال، لم تستطع خداع ذاتها وواجهتها أنها بالفعل من أرادت الاقتراب، وكانت مبهورة بوسامته وشياكته ومعاملته اللطيفة لها. ولكن ماذا كانت تتوقع منه غير ذلك؟

أكانت تتوقع أن يحترمها ويقدرها ويشعر بها وهي من سمحت له بالتقرب يومًا بعد الآخر. هل كانت تتوقع مثلاً أن يطلبها بالحلال! نعتت نفسها بالغبية مثل معتز، لا ينظر إليها إلا بغرض التسلية أو لتذوق نوع جديد لم يطرأ عليه من قبل. أكملت طريقها حتى وصلت إلى منزلها. مسحت دموعها وحاولت تهدئة حالها، فكيف ستقابل والدتها بهذا الشكل؟ صعدت إلى شقتها ودقت الجرس، ففتحت لها والدتها. وفور رؤيتها، شهقت وضربت بيدها على صدرها تسألها:

/ مالك يا بت؟ فيكي إيه؟ معيطة ليه يا نضري؟ ادخلي ادخلي. أغلقت خلفها الباب وأوقفتها تسألها مرة أخرى. فحاولت مهرة التهرب من والدتها بحجة ما تخفي خلفها حقيقة الأمر وتظهر فجاعتها وحزنها، فقالت وهي تنتحب من البكاء: / ضيعت ملف مهم للشركة وصاحب الشغل طردني.

وكأنها وجدت الستار المناسب التي تبكي أمامه والدتها بكل أريحية، فهي لم تستطع إخفاء هذه الدموع وحسرة القلب على والدتها. وأخذت تزداد بالبكاء كلما تذكرت ما فعله معتز معها، وتبكي أكثر على استسلامها. أخذت الأم تهدئها وتحاول بث روح الطمأنينة بها. ودعت ربها أن يجدوا ضالتهم حتى لا تشعر ابنتها بالذنب. حتى هدأت مهرة ونصحتها والدتها بالاسترخاء قليلاً لحين إعداد الطعام، ولربما تذكرت مكان الملف التائه.

ذهبت والدتها لتكمل إعداد الطعام، ودخلت مهرة إلى غرفتها التي لم تكن مقرًا للاسترخاء، بل كانت مقرًا لجلد الذات دون تزييف للحقيقة ومحاولة مواجهة ذاتها بضعفها. وقد اتخذت قرارها بعدم الذهاب مرة أخرى للشركة، معاقبة نفسها قبل معاقبته إذا كان بقرارها هذا يعتبر عقابًا له من الأساس. ***

خرجت نهى من الشركة وقد رأت كيفية تعامل جودي مع آسر، فاختارت عدم التدخل المباشر. ولكنها قررت أن يكون لها دور كمساعدة لصديقتها ورفيقة عمرها. فإما أن تتأكد من المعلومة التي عرفتها وتشُد من أزرها وتشجعها على الانفصال، أو تتأكد من أن مثل هذه المعلومة باطلة ولا يقصد بها إلا الوقيعة، وخاصة أن صاحب المعلومة أحمد، ولأنه لديه رغبة بالارتباط بجودي، فمن المؤكد يكون له مصلحة بزيادة الوقيعة بينهم. فقررت أن تتأكد بنفسها. وأيضًا لم تنكر أنها خلال الأيام السابقة كانت تتلهف على سبب لمعرفة أي معلومة عن يزن أو أي حديث عنه أو محاولة تقرب من خلاله. فهذه الفكرة ستفتح حديثًا بينهم، كما أنها تحفظ ماء وجهها أمامه.

بالطرف الآخر، كان ما زال يزن يفكر في المشاكسة ذات اللسان السليط والأفكار الهجومية. فمثله لا ينساق خلف المستكينة. وعند تذكر كل رد منها كان يبتسم، وخاصة عندما كانت ردوده عليها قصف جبهات وكانت تخرصها أمامه. وأثناء انشغاله بالتفكير بها، وجد اتصالاً من رقم غريب ولكنه مسجل من خلال برنامج المتصل الحقيقي باسم نهى عبد الجواد. لم يتذكر أحد مثل هذا الاسم ومكانته العملية. لم يرد على أي أرقام غريبة، فترك الهاتف حتى انتهى رنينه.

ثم خطرت بباله فكرة: لما لم تكن نهى زميلة جودي بالعمل هي نفسها نهى عبد الجواد؟ وعند عدم تكرار الاتصال مرة أخرى، تأكد من حدسه. فقرر أن يتصل هو بحجة الاستعلام عن صاحب الرقم وسبب الاتصال، فمثلها لا تقدم على مثل هذه الفعلة أكثر من مرة. وبالفعل، بجانب نهى، بعد تجاهل يزن لرقمها، استشاطت غيظًا: / مردش ليه ده؟ آه طبعًا، مانا اللي متصلة!

والنعمة مانا متصلة تاني ويولعوا، أنا الحق عليا. بس ليكون ميعرفش رقمي أو يكون الفون مكنش جنبه. إيه اللي بعمله ده؟ بجيب له مبرر ليه؟ أنا ما يولع هو كمان. وأثناء حديثها مع نفسها، حتى وجدت يزن يتصل بها هو. فابتسمت وأراحت ظهرها للمقعد وتركته حتى انتهى الرنين. وانتظرت ليتصل مرة أخرى، ولكن لم يتصل. فغضبت من نفسها قائلة: / أنا غبية، أنا غبية. كنت رديت في الآخر، لازم يعني أتنك قوي.

ثم صمتت واتسعت عيناها مع ارتفاع رنين الهاتف مرة أخرى. وصفقت بيدها، ولكن قبل انتهاء الرنين، فتحت المكالمة لترد بكل هدوء مدعية الاستغراب: / الووووو مين معايا؟ ليبتسم يزن ويلعبها بنفس طريقتها ويدعي عدم المعرفة: / حضرتك اللي اتصلتي عليا من شوية، ممكن أعرف مين معايا؟ وضعت نهى يدها على قلبها لتهدأ من ضرباته، فصوته رخيم ونبرته وحدها تدعو للإعجاب. ولكن حاولت الثبات لترد بكل ثقة:

/ حضرتك أنا كنت اتصلت من شوية بأستاذ يزن، ممكن أكلمه؟ برغم معرفتها أنه هو، إلا أنها أرادت توصيل معلومة لديه أنها غير مهتمة أو مدققة بنبرة صوته لهذا الحد. وبالطرف الآخر، والذي يتميز بالثقة العالية، فهو على معرفة أن نبرة صوته مميزة ومن السهل معرفتها. فأراد أن يشعرها بالنصر هذه المرة ليرد عليها بكل ثقة وغرور قائلاً: / يزن باشا معاكي يا فندم. ممكن أعرف مين معايا بقي؟!

جزت نهى على أسنانها لغروره وردوده المستفزة لها، ولكن ستتجاهل هذا الشعور وتحاول الدخول بالموضوع، ولكنها يجب أن تشعره أنها ألقابه المتباهي بها ليست ذات قيمة لديها. فردت بكل برود: / أنا نهى زميلة جودي بالشغل يا أستاذ يزن. ضحك يزن بملء فمه ليزيد من غيظها وتسأل: / ممكن أعرف أنت بتضحك على إيه؟ أعتقد إني مقولتش حاجة تضحك! اعتذر يزن:

/ آسف آنسة نهى، بس افتكرت وإنتي بتقولي "أستاذ" وتتكي على السين، فيلم "عسل أسود" لما كانت بتقول واتكت على السين. لا تنكر نهى أنها كانت ستضحك، ولكنها حمدت ربها أن الحوار عبر الهاتف لتوقف نفسها وتعدل من نبرتها. علاقة: / طب لو سمحت ندخل في الجد، أنا متصلة… ليقطع حديثها يزن ويؤكد على آخر معلومة أقرتها قائلاً: / أيوة، ندخل في الجد. إنتي اتصلتي ليه بقي؟

سحبت نهى نفسًا وأطلقته بصوت مرتفع ليصل ليزن، زجرته ويعرف أنها قد وصلت من الغضب لمنتهاها، ليسمعها قائلة: / أيوة يا أستاذ يزن، أنا اتصلت بحضرتك علشان أوصلك معلومة وأطلب منك لو تقدر يعني تتأكد منها، وده علشان مصلحة ابن خالتك وصاحبتي أكيد. سردت له ما سمعته من جودي، برغم صعوبة توضيح هذه المعلومة. فقد استنفذت قواها في ادعاءه الغباء عندما قالت بأمر بيات أسر لدى فتنة، قائلاً: / أيوة، يعني إيه بايت عند فتنة؟

هي كان عندها مشكلة؟ ردت نهى بعصبية: / طب أفهمالك إزاي ده يا أستاذ يزن؟ بقولك بات عندها يعني…… يعني…… يعني بات عندها. عايزين نتأكد إذا بات عندها ولا المعلومة دي غلط علشان نعرف هدف اللي قالها لنا. قال يزن بابتسامة لعوب: / إنتي موضحتيش حاجة، قعدتي تقولي بات عندها يعني بات عندها. فين المشكلة اللي عايزاني أعرفها أو أتأكد منها؟ ردت نهى بعصبية زائدة وصوت حاد ومرتفع:

/ لا، ماهو مش معقول تكون مش فاهم. مش عارف يعني إيه بات عندها؟ يعني…. يعني بات عندها، أوضح إيه أكتر من كده؟ ضحك يزن قائلاً: / خلاص خلاص فهمت. إنتي هتأكليني؟ مانا فاهم من الأول، بس بحب أنرفزك ومتأكد إن وشك دلوقتي طمطماية. أموت وأشوفه. زفرت نهى أنفاسها قائلة: / أنا غلطانة إني اتصلت أصلًا. إنتوا كلكم زي بعض. خلاص يا أستاذ يزن، ولا أكني كلمتك في حاجة. عن إذنك بقي. ولكن لحق بها يزن قبل أن تغلق الهاتف قائلاً:

/ استني استني، إنتي إيه؟ قطر ماشي. بهزر يا ستي، بهزر. وعلى العموم، عنيا حاضر، هعرفلك الموضوع وأجيبلك قراره. بس طبعًا هضطر أسجل الرقم علشان أبلغك فورًا لو وصلت لحاجة، تمام كده؟ ويا ريت تبقي تردي عليا من أول مرة علشان أنا مبحبش أقعد أتصل كتير بحد. تبتسم نهى وتبدأ بالتحدث بالهدوء نوعاً ما قائلة: / ماشي يا أستاذ يزن، ألف شكر لمجهوداتك. ومفيش مشكلة لما تسجل الرقم، ولو كنت فاضية أكيد هرد عليك. عن إذنك بقي، مع السلامه.

وأغلقت الهاتف، ثم استقامت تقفز مرددة: / يس يس يس! ابن الإيه فظيع، عليه شخصية وهيبة. آآآآه حاجة كدة تانية. طب والله يستاهل يكون ظابط. باشا باشا يعني مفيش كلام. بالجانب الآخر، يغلق يزن هاتفه ويضعه أمامه بالمكتب ويرجع ظهره للخلف ويضع يده خلف رأسه، ناظرًا أمامه وعلى وجهه ابتسامة، محدثًا نفسه: / فظيعة بنت الإيه، تتاكل أكل كدة.

ثم أخذ يسرح بخياله عن المكالمة المقبلة، ليفيق على صوت العسكري وهو يقدم التحية ويطرق بقدمه على الأرض مصدراً صوتاً: / تمام يا فندم. اللواء نشأت طالب حضرتك في مكتبه. قال يزن بتجهم: / يخرب بيت شيطانك، يعني بعد المكالمة دي أروح للواء نشأت كدة؟ اليوم اتضرب. سأل العسكري: / في حاجة يا فندم؟ أمر يزن بنبرة آمرة: / مفيش يا ابني، روح وأنا جاي وراك. يخرج العسكري من المكتب ليحدث يزن نفسه:

/ لما أشوف ده عايز إيه ده كمان. وبعدين أكلم آسر، ده لو طلع عمل كده فعلًا هسود عيشته بجد. يالا ربنا يستر. ويخرج من مكتبه ذاهبًا إلى قائده. *** خرج أحمد من الشركة سعيدًا بعد أن ذهب معتز باحثًا عن مهرته الجامحة، ولكنه لم يجدها. فعاد إلى الشركة مرة أخرى ليجلب عنوانها ورقم هاتفها. واتجه أحمد حيث شقة فتنة ليقضي ليلته في سهرة ماجنة احتفالاً بما وصل إليه.

فتحت فتنة الباب، ولكن يبدو عليها المرض الشديد، فكانت بشرتها شاحبة وتسعل بشدة. دخل أحمد مستغربًا من هيئتها وجلس متسائلاً: / مالك؟ شكلك تعبانة. إيه الزبون اللي كنت عنده تعبك للدرجة دي؟ قالت فتنة بإرهاق ظاهر: / ابدا، أنا شكلي أخدت برد. بس ولا يهمك، هعملك اللي أنت عاوزه. قولي هتسهر هنا ولا بره؟ قال أحمد بنصف ابتسامة:

/ لا، مش عايز أخرج. كنت جاي وناوي لك على ليلة عالية أوي زي مزاجي. بس لو مش هتقدري أخرج أنا بقي وأبقى أعوضك بعدين. وقفت فتنة تحاول إقناعه أنها على ما يرام قائلة: / مش قادرة إيه بس؟ أنا هدخل دلوقتي أعملنا اتنين قهوة، إنما إيه بتاعة عدلات ونعلي بالصنف اللي جايبه ونقضيها أحلى ليلة يا عمري. استني عليا بس.

ودخلت إلى غرفتها غيرت ملابسها لملابس فاضحة وغطت ملامح وجهها الباهت بمساحيق. ثم توجهت إلى المطبخ أعدت فنجاني القهوة وخرجت وضعتهم على المنضدة. ثم فتحت السماعات ليخرج منها صوت الموسيقى العالي لتبدأ بوصلة رقص حتى تبدأ ليلتهم وتقنعه بالبقاء معها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...