جلست نعمه على مقعدها وهي تحتسي الخمر رشفة تلو الأخرى وتنظر إلى الهاتف باهتمام شديد. أشعلت السيجار ونفثت الدخان في الهواء. وفي ذلك الوقت، أعلن الهاتف عن وجود اتصال. أمسكته سريعا وأجابت قائلة: -أيوه. أتاها صوت رجولي يقول لها: -البقاء لله يا مدام نعمه. أغلقت الخط مرة أخرى ووضعت الهاتف بجوارها. وتعلت ضحكاتها الشيطانية وقالت بغضب: -في الجنة ونعيمها يا أسامة. كل حاجة بقت ملكي أنا. خلي الجري ورا البنات ينفعك دلوقتي.
ثم ألقت السيجار بالأرض وضغطت عليها بحذائها، ووضعت المشروب على الطاولة، وارسمت على وجهها الحزن المزيف. وصعدت إلى غرفة أحمد ودلفت إلى الداخل وقالت له: -اصحى يا أحمد. أبوك مات. لسه جايلي الخبر دلوقتي. اعتدل سريعا بصدمة وقال بعدم تصديق: -انتي بتقولي ايه يا ماما؟ لا أكيد بتهزري صح؟ حركت رأسها بالرفض وقالت: -والله ما بهزر. أبوك عمل حادثة بعربيته ومات. نهض سريعا من على سريره وقال بدموع: -وهو فين دلوقتي؟ في أنهي مستشفى؟
نظرت له بتوتر وقالت: -ها... م... مش عارفة. أنا جالي التليفون ومن الصدمة نسيت أسأل على المستشفى. زفر بضيق وأمسك الهاتف الخاص به وأجرى اتصالا وانتظر الرد. وعندما سمع صوت رجولي قال بتساؤل: -أيوه مين معايا؟ أجابه بتوضيح وقال: -صاحب التليفون ده عمل حادثة بعربيته وهو حاليا في مستشفى (... . لو تعرف حد من أهله بلغهم يجوا يستلموه. رد عليه باستغراب وقال: -أنا ابنه. وفيه حد بلغنا من شوية بس نسينا نسأل على اسم المستشفى.
تكلم بالنفي وقال: -محدش لسه اتصل بيكم من المستشفى لأن المتوفى لسه واصل حالا. نظر إلى والدته باستغراب وقال: -تمام. مسافة السكة هكون عندك. أغلق الخط سريعا ونظر إلى والدته وقال بتساؤل: -انتي إزاي بتقولي إن هما اتصلوا بيكي وهو بيقولي إن لسه بابا واصل دلوقتي حالا؟ ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: -ها... م... معرفش يا أحمد. فيه حد اتصل بيا وبلغني. أنا مكنتش فاىقة أسأله. انت مين؟
الصدمة خلتني مش مستوعبة حاجة. يلا يا ابني نروح عنده وبلغي اختك ريم عشان مش بترد عليا. أومأ رأسه بحزن وهبط سريعا إلى الأسفل. صعد سيارته وصعدت بجواره نعمة واتجهوا إلى المشفى. *** تمددت أشرف على الأريكة وأغلق عينه. نظرت له باستغراب واقتربت منه وقالت بتساؤل: -انت بتعمل ايه؟ أجابها وهو مغلق عينه: -هنام. تكلمت بعدم فهم وقالت: -ما أنا عارفة إنك هتنام بس ليه على الكنبة؟ نظر لها بضيق وقال:
-كده. أنا مرتاح هنا. روحي يلا نامي على السرير. نظرت له بحزن وقالت: -انت مش عايز تنام جنبي صح؟ زفر بضيق وقال بغضب: -احمدي ربنا إن أنا نايم معاكي في نفس الأوضة. نظرت له بدموع وأومأت رأسها بحزن واتجهت إلى السرير وتمددت عليه. نظر لها بضيق وحاول أن ينام. وفي ذلك الوقت، أعلن هاتف ريم عن وجود اتصال. نظرت به باستغراب وقالت: -أحمد!! خير. أول مرة يتصل بيا في وقت زي ده. وأجابت عليه سريعا وقالت: -أيوه يا أحمد. خير؟
تكلم بصوت مختنق وقال: -تعالي على مستشفى (... حالا. تكلمت سريعا وقالت بقلق: -ليه؟ مامي فيها حاجة؟ أجابها بحزن وقال: -لا. بابا مات يا ريم. عمل حادثة وهو راجع البيت. تكلمت بصدمة وقالت بدموع: -بابي مات؟ لا لا لا مستحيل. بابي عايش. نهض سريعا وأخذ الهاتف وقال بعدم فهم: -ايه يا أحمد؟ عمي ماله؟ تكلم بصوت مختنق وقال: -بابا مات يا اشرف. هات ريم وتعالى على مستشفى (... عشان تشوفه آخر مرة. رد عليه بصوت حزين وقال:
-البقاء لله يا أحمد. مسافة السكة وهنكون عندك. أغلق الخط ونظر إلى ريم وجدها منهارة من البكاء. جلس بجوارها وأخذها داخل أحضانه وربت على ظهرها وقال بنبرة حزينة: -البقاء لله يا ريم. ادعيله ربنا يرحمه ويصبر قلوبكم على فراقه. أمسكت به بقوة وقالت من بين شهقاتها: -بابي مات يا اشرف. صحيح كنت زعلانة منه بس عمري ما كرهته. أنا بحبه أوي يا اشرف وقلبي انكسر من بعده. ملس على شعرها بحنو وقال بنبرة هادئة:
-أنا عارف إنها صعبة عليكي وعليا أنا كمان بس ده أجله ومش في إيدينا نعمل حاجة غير ندعيله بالرحمة والمغفرة. يلا يا ريم قومي غيري هدومك عشان نروح عنده المستشفى. أومأت رأسها بحزن ونهضت من على السرير. بدلت ملابسها وهبطوا إلى الأسفل واتجهوا إلى المشفى سريعا. *** أشرقت شمس صباح يوم جديد بنورها الساطع في سماء القاهرة.
استيقظت أبرار على خبر وفاة والدها واتجهت إلى المشفى مسرعة. وحاولت الدخول عنده بالغرفة لكن وقفت أمامها نعمة ومنعتها دخولها. تكلمت بضيق وقالت: -ممكن بعد إذنك تبعدي عني وخليني أشوفه لآخر مرة. أنا اتحرمت منه عمري كله مستخسرة فيا دقيقة ولا اتنين أشوفه فيها. أمسكت ذراعها بغضب وقالت: -وأنا قولتلك مافيش دخول. هو أصلا مكنش بيحب يشوفك. عايزة تدخلي عنده دلوقتي ليه؟ تكلمت بغضب وقالت:
-دي حاجة تخصني أنا وهو. انتي مالكيش دعوة بينا. وسعي لو سمحتي. اقترب أحمد بحزن وقال بصوت مختنق: -ابعدي يا ماما. ده أبوها ومن حقها تشوفه زينا بالظبط. حركت رأسها بالرفض وقالت: -لا. أنا قولت مافيش دخول ليها. أمسكها من ذراعها وارغمها على الابتعاد عن الباب وقال: -كفاية يا ماما. مش وقته اللي انتي بتعمليه ده. ثم نظر إلى أبرار وقال: -ادخلي يا أبرار. شوفي أبوكي.
أومأت رأسها بحزن وتحركت إلى داخل الغرفة وأغلقت الباب خلفها. ونظرت إلى جسده بمشاعر مختلطة. اقتربت منه ببطء شديد وجلست أمامه على المقعد وتنهدت بوجع وانهمرت دموعها بغزارة وقالت من بين شهقاتها:
-كان نفسي أقعد قصادك كده وانت حي وعيوني في عيونك. طول عمري عندي كلام كتير أوي عايزة أقوله ليك. كان نفسي تاخدني في حضنك لو لمرة واحدة في حياتك. كان نفسي في حاجات كتير أوي وراحت مني في لحظة. كنت انت الأمل الوحيد اللي عشت أتمنى أن أنوله بس أهو راح زي اللي راحوا. أنا عمري ما كرهتك بس كنت موجوعة منك. حبك في قلبي كان بالفطرة لأن مجربتش إحساس البنت وأبوها عشان أحبك بإرادتي. هدعيلك بالرحمة والمغفرة. هفكرك في كل صلاتي. هكون الذرية الصالحة ليك. هعمل كده عشان ربنا أمرني بده.
ثم اقتربت منه وقبلت رأسه بدموع وظلت تنظر له نظرة مطولة وخرجت سريعا من الغرفة. احتضنت أحمد وريم وظلوا يبكون بحزن شديد. وبعد وقت، أنهى أحمد الإجراءات اللازمة وخرجوا من المشفى. اتجهوا إلى المقابر وتم تشييع جسده إلى مثواه الأخير. بدأ أحمد يأخذ العزاء بالمقابر. وفي ذلك الوقت، جاء سراج وصافحه بصوت جاد وقال: -البقاء لله. نظر له بضيق وصافحه بصوت مختنق وقال: -عظم الله أجرك. اقترب "علي" منه واحتضنه وربت على ظهره وقال:
-البقاء لله. اجمد كده أنت دلوقتي مكانه. ربنا يديم عليك الصحة ويجعلك سند ليهم يا رب. تكلم بدموع وقال بصوت مختنق: -ونعم بالله. اتفضل. نظر سراج إلى أبرار باشتياق وشعر بوخزة بقلبه عندما رأى دموعها. حاول كبت رغبته في الاقتراب إليها. وفي ذلك الوقت، وصل مصطفى زميلها بالعمل. اقترب منها وقال: -البقاء لله يا مدام أبرار. أومأت رأسها بحزن وقالت: -ونعم بالله. تكلم بنبرة هادئة وقال: -مش محتاجة مني أي حاجة؟ اطلبي متتكسفيش.
حركت رأسها بالنفي وقالت: -شكرا يا أستاذ مصطفى. نظر لهم بضيق واقترب منهم سريعا وقال بصوت مختنق: -البقاء لله يا أبرار. نظرت له بضيق وقالت: -ونعم بالله. نظر إلى مصطفى بضيق وقال: -مش يلا عشان أوصلك البيت؟ حركت رأسها بالرفض وقالت: -لا شكرا. تركته واتجهت عند معاذ واقتربت من أذنيه وتكلمت معه بصوت هامس. ثم تحركت هي وملك وولاء ومعاذ وغادروا المقابر. تنهد بضيق ونظر إلى مصطفى بغضب وتحرك سريعا وغادر المكان. ***
عادت سعدية وجمال مع ريم وأشرف إلى البيت بعد العزاء. أسندت ريم وقالت بنبرة هادئة: -اقعدي هنا يا حبيبتي على ما أدخل أعملك لقمة تاكليها. أنت من الصبح محطتيش لقمة في بطنك وانتي حامل ومحتاجة غذا. حركت رأسها بحزن وقالت: -لا مليش نفس. أنا هدخل أريح شوية في أوضة. اقترب منها وأمسك يدها وقال: -سبيها انتي يا سعدية. أنا هدخلها الأوضة. وانتوا لو حابين تدخلوا تريحوا شوية عندكم الأوضة التانية. أومأت رأسها له وقالت:
-ادخلوا انتوا ريحوا شوية وأنا هعملكم لقمة. تحرك أشرف مع ريم ودلفوا الغرفة وأغلق الباب خلفهم. أجلسها على حافة السرير وقال: -هغيرلك هدومك وارتاحي شوية. حركت رأسها بحزن وقالت: -لا هنام بهدومي دي. تسطحت على السرير. ظل ينظر لها ويحرك يده على رأسها بحنو. همرت دموعها بغزارة وقالت: -بابي مات يا اشرف. مات وهو زعلان مني عشان رجعتلك من وراه. أنا مش قادرة أسامح نفسي. أزال عبراتها بأصابعه وقال بنبرة هادئة:
-طيب عشان خاطري اهدى. هو دلوقتي بين إيدي ربنا وبكرة يفرح لما يبقى جدو وتقومي بالسلامة. أمسكت يده بترجي وقالت بدموع: -خدني في حضنك يا اشرف أرجوك. أنا بردانة أوي. تسطح بجوارها وأخذها بحضنه وقبل رأسها بحنو وظل يربت على ظهرها حتى ذهبت في نوم عميق. *** تسطح أحمد على فراشه وانهمرت دموعه بغزارة وتذكر أفعاله مع والده في الأوان الأخيرة. شعر بصعوبة في التنفس وظل يشهق بحزن شديد. ثم أمسك هاتفه وأجرى اتصالا وانتظر الرد. وعندما
سمع صوتها قال بصوت منكسر: -أنا محتاجك جنبي أوي يا وسام. تكلمت بحزن وقالت بصوت مختنق: -البقاء لله يا أحمد. شد حيلك وادعيله بالرحمة. تكلم من بين شهقاته وقال: -أنا مكنتش اعرف إن بحبه أوي كده إلا بعد ما مات. نفسي يرجع تاني لو ثواني أبوس رجله وأتأسف ليه على كل حاجة عملتها وغلطت في حقه. قلبي وجعني أوي وحاسس إن ضهري انكسر من بعده. إحساس صعب أوي فقدان الأب ده. مكنتش متخيل إن هتوجع أوي كده. ردت عليه وقالت بصوت مختنق:
-ما هو للأسف الدنيا كده. مش بنحس بغلاوة اللي بنحبهم إلا لما يروحوا مننا. ربنا يصبرك على فراقه ويقويك على اللي جاي. بس ليا طلب عندك. متتصلش بيا تاني مهما حصل. أرجوك. مع السلامة. نظر إلى الهاتف بدموع واحتضنه بوجع وانكسار وظل يبكي بشدة. *** عاد سراج إلى المنزل ودلف الغرفة بحزن شديد. نظرت له بغضب وقالت: -برضه كنت عندها؟ مش قولتلك ملكش دعوة بيها تاني؟ نظر لها بغضب وقال: -كنت بعزي. إيه بلاش أعمل الواجب عشان أرضي الست هانم؟
ثم أخذ ملابسه ودلف المرحاض. نظرت إلى أثره بغضب وقالت بنفاذ صبر: -أنا نفذ صبري خلاص. شكلك مش هترتاح إلا لما تشوفي حبيبة القلب غرقانة في دمها. خرج سراج من المرحاض واتجه إلى باب الغرفة لكنه وقف مكانه عندما سمع صفاء تقول له: -خالو اتصل بيا وبيسألني أخبارك إيه معاك. مرضتش أقوله اللي بيحصل. بس لو فضل الوضع كده كتير هتكلم. ولو اتكلمت متلومش إلا نفسك يا سراج. استدار لها وقال بغضب:
-اتكلمي. أنا مبتهددش يا صفاء. ولا خالك ده يهمني في حاجة. ثم اقترب إليها وتكلم بتحذير وقال: -بس أقسم بالله لو حد قرب من أبرار متلوميش حد غير نفسك ساعتها. عشان وقتها هكون معنديش حاجة أبه عليها وهتشوفي مني اللي عمرك ما شوفتيه في حياتك. فاهمة؟ ونظر لها ببغض شديد وخرج من الغرفة وتركها. ألقت الوسادة بغضب على الباب وقالت: -أنا هوريك يا سراج هعمل إيه. ماشي. ونظرت أمامها بتوعد. ***
عادت أبرار إلى المنزل ودلفت غرفتها وجلست على الأريكة ونظرت إلى ولاء بابتسامة حزينة وقالت بصوت منكسر: -وادي قلم تاني من الدنيا. مش قولتلك إنها مش ورايا غيري؟ أنا خلاص مبقاش عندي دموعي تاني من كتر اللي بيحصلي. بقيت كل يوم بصحى من نومي وأقعد أفكر الدنيا ناوية تعمل معايا إيه النهارده؟ إيه الوجع اللي مجهزة ليا؟ لو عدى يوم بسلام بقيت أستغرب. وظلت تنهمر دموعها بغزارة. تكلمت من بين شهقاتها وقالت:
-أنا تعبت أوي يا ولاء. الخوف كل يوم بيزيد في قلبي أكتر. أنا خلاص مبقتش حمل أخسر حد تاني. أنا بقيت أتمنى الموت عشان محسش باللي أنا حاسة بيه دلوقتي. احتضنتها وقالت بنبرة حنونة: -بعد الشر عليكي. استهدي بالله يا حبيبتي بس. ارضي بالمكتوب واصبري على قضاء الله. وإن شاء الله يعوض صبرك ده بالخير. ربنا إذا أحب عبد ابتلاه. كوني عند ظن ربنا بيكي. أومأت رأسها بحزن وقالت:
-ونعم بالله. صابرة والله بس بتكلم من عزم الوجع اللي حاسة بيه. نظرت لها بعدم فهم وقالت بتساؤل: -صحيح سراج كان عايز إيه النهارده؟ تنهدت بضيق وقالت: -معرفش. ومكنتش فاىقة ليه أصلا. بس أقولك على حاجة؟ أنا لما شوفته النهاردة حسيت إن النظرة منه بس أدتني دافع غريب إني أكمل. شعور إن هو موجود جنبي بس كان كفيل إنه يخليني أصلب ضهري وأقدر أكمل. ردت عليها بنبرة هادئة وقالت: -أومأت
رأسها بالتأكيد وقالت: عارفة يا ولاء أنا بقول الإحساس اللي حسيته وقتها. بس مش معنى كده إني نسيت اللي عمله ولا سامحته عليه. ربتت على يدها بحنو وقالت بنبرة هادئة: -أنا همشي بقى عشان معاذ مستنيني بره وبكرة الصبح هجيلك إن شاء الله. اهدى بس واجمعي كده. أنت طول عمرك قوية. وقبلتها بحب وخرجت من الغرفة وتركتها. تسطحت على فراشها ونظرت إلى الأعلى وظلت تبكي بشدة حتى غلبها النوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!