أشرقت شمس صباح يوم جديد بنورها الساطع في سماء القاهرة. استيقظت ولاء من نومها ونظرت بجوارها على السرير لم تجد أبرار موجودة. نهضت سريعا وخرجت من غرفتها وقالت بتساؤل: "ماما مشوفتيش أبرار فين؟ حركت رأسها بعدم معرفة وقالت: "لا يا بنتي، هي كانت قاعدة معايا امبارح وقالت هتدخل تنام، ودخلت أوضك وأنا كمان دخلت أوضي. طيب شوفيها في الحمام." اتجهت سريعا إلى المرحاض ونظرت بداخله ولم تجدها. عادت مرة أخرى وقالت:
"لا يا ماما مش موجودة." نظرت لها بحيرة وقالت بقلق: "هتكون راحت فين بس؟ شوفى أخوكي كده واسأليه يمكن شافها." أومأت رأسها بالموافقة وقالت: "حاضر يا ماما." ركضت باتجاه غرفة أخيها وطرقت على الباب عدة طرقات حتى فتح لها الباب وقال بتساؤل: "فيه إيه يا بنتي بتخبطي كده ليه؟ تكلمت سريعا وقالت بتساؤل: "مشوفتش أبرار؟ حرك رأسه بالنفي وقال: "لا مشوفتهاش غير امبارح وصحيت ماما ليها ودخلت أوضي، ليه فيه إيه؟ أجابته بحزن وقالت:
"صحيت من نومي ملاقتهاش جنبي على السرير ولا في الشقة كلها، أنا خايفة تكون مشيت ومنعرفش ليها طريق." حرك كتفيه بعدم علم وقال: "معرفش، هي من امبارح أصلاً كانت عايزة تمشي." ثم سكت قليلا وقال: "استنى أنا عرفت هتلاقيها فين." تكلمت سريعا وقالت: "فين!؟ أجابها سريعا وقال: "هتلاقيها في المقابر، هي من امبارح كانت عايزة تروح عند جدتها." نظرت له بحزن وقالت بصوت مختنق:
"يا قلبي عليها، أنا هموت من القلق عشانها. يارب برد قلبها وريحها." ثم تركت شقيقها وعادت إلى غرفتها حتى تبدل ملابسها وتذهب المقابر تبحث عن صديقتها أبرار. *** استيقظ سراج من نومه على صوت شقيقه علي وهو يهتف عليه بصوت مرتفع ويقول له: "سررررراج قوم يلا اتأخرت على الشغل." وضع الوسادة على وجه وقال بنبرة غاضبة: "على اصبح على الصبح واطفى النور واطلع بره أحسن لك." أخذ الوسادة من على وجه وقال بإصرار:
"لا مش هطلع، بابا هو اللي قالي يعني معايا أمر من الجهات العليا ومتقدرش تقرب مني." نظر له نظرة صاخبة وقال بتوعد: "بلاش أنا أحسن لك، لو قمت لك هكسر لك عضمك." نظر له بخوف وأعطاه الوسادة وقال: "وعلى إيه؟ الطيب أحسن. خد مخدتك أهي، محسسني إنها عيلة من عيالك." وخرج من الغرفة سريعًا. نظر إلى أثره بغضب وزفر بضيق ونهض من على سريره. دلف المرحاض وبعد وقت خرج اتوضأ وارتدى ملابسه وخرج من الغرفة وقال بصوت جاد: "صباح الخير."
وجلس على مقعده المخصص على السفرة وبدأ يتناول الطعام في صمت. الجميع نظروا له بحزن وأكملوا طعامهم. بعد وقت انتهى من الطعام ونهض سريعا من على مقعده وقال: "أنا ماشي." تكلمت سريعا وقالت: "اعمل حسابك ترجع النهارده بدري." نظر لها بعدم فهم وقال بتساؤل: "ليه!؟ أجابته بسعادة وقالت:
"لاقيت لك بنت زي القمر، أدب إيه وأخلاق إيه، وعلى الصلاة والعبادة وكمان تقول للقمر قوم وأنا اقعد مكانك. مجرد ما تبص في وشها تلاقي الخير كله اتفتح لك." زفر بضيق وقال بنفاذ صبر: "تاني يا ماما، مش هنخلص من أم الموال الأسود ده. قلت لك أنا مش هتجوز دلوقتي. شيلى الفكرة دي من دماغك بقى، أنا تعبت." وتركها وغادر البيت بغضب. نظر إبراهيم لها بضيق وقال بغضب: "انتي جنس جبلتك إيه بس؟
أنا مش قايل لك متتكلميش معاه في الموضوع ده تاني." أومأت رأسها بالرفض وقالت: "أنا مش هسكت ولا يرتاح لي بال غير لما أشوف له بنت الحلال اللي تسعده وتفرح قلبه. ابنك مش صغير واللي في سنه دلوقتي متجوزين وعياله طوله. أنا أم ونفسي أفرح بابني." تكلم علي سريعا وقال بنبرة مرحة: "طيب ما ترمي على ابنك الغلبان، يعني العروسة دي خسارة في ممس حبيبك؟ ولا عايزة تفرحي بسراج بس وعلي كده؟ نظرت له بضيق وقالت:
"انت مش خايف عليا، شايف نفسك كويس وعايش حياتك. إنما هو لو مفضلتش أزق فيه هيفضل طول عمره كده واقف مكانه." هدر بها بغضب وقال: "طيب حسك عينك تتكلمي معاه في الموضوع ده تاني، أنا اللي هقف لك يا اعتماد." نظرت له بضيق وقال: "مش هسكت يا إبراهيم غير لما أشوف سراج مع واحدة تسعده وتفرح قلبه. أنا أم ومن أبسط حقوقي إني أشوف ولادي في بيوتهم وساعده." تكلمت سريعا وقالت بنبرة هادئة:
"يا حبيبتي إحنا عارفين إنك نفسك تفرحي بينا بس مش بالطريقة دي. متنفعش بالذات مع سراج. أولاً ابنك مش بيحب اللي يفرض عليه حاجة، وكمان ظروف سراج واللي مر بيه صعب مش هيسلم لواحدة بسهولة كده. ثقته بالناس بقى منعدمة عشان كده لازم تهدى عليه وصدقيني نصيبه مكتوب عند ربنا ووقت ما ربنا يريد هيدبرها بحكمته. يبقى نعمل إيه؟ نهدى كده يا ست الكل ومنفتحش الموضوع ده دلوقتي نهائيًا." نظرت لها بإقناع وقالت:
"انتي الوحيدة اللي بتعرفي تقنعيني بسهولة من غير ما تعصبيني." ابتسمت لها بحب وقالت: "أي خدمة يا دودو، انتي روحي من جوه." نهضت سريعا من على مقعدها وقالت: "يا لهوتي، اتأخرت على المحاضرة. الدكتور هيعلقني." وركضت سريعا باتجاه الباب وغادرت البيت. نظر إلى ابنه باستغراب وقال بتساؤل: "وانت معندكش شغل!؟ أومأ رأسه له وقال: "عندي طبعًا يا حجوج، بس خلاص اتعود على الخصومات كل يوم لحد ما المدير ييأس مني وبطل يسأل عليا." ثم نهض ببطء
شديد وقال بطريقة مرحة: "ياااااه قد إيه إحساس حلو قوي لما أكون محلوف ومبيأثرش فيا حاجة." ونظر إلى والده وقال: "متنساش تبقى تسمعني صوتك الحلو ده في التليفون يا حجيجه." نظر له بغضب ونهض من على مقعده وقال: "ما انت ضيعت الدقيقة اللي كانت معايا يا ابني." تدخل علي سريعا بالكلام وقال: "عيب، أوعى تشتم بابي. ده راجل كومن. وبالنسبة لرصيد هبقى أشحن لك وأمري لله."
تحرك إبراهيم باتجاه ابنه، لكنه ركض سريعا باتجاه الباب وغادر قبل أن يمسك به. *** جلست على الأرض بحزن شديد وظلت تنظر إلى القبر وتبكي بحرقة. وحركت يدها على قبر جدتها وقالت من بين شهقاتها: "ليه موتي وسبتيني؟
أنا مليش حد غيرك في الدنيا دي، أنا تايهة من غيرك. من يوم ما فتحت عيني على الدنيا مشوفتش غيرك قصادي. مبعدناش عن بعض كل الوقت ده، كنتي بتحسي بيا من غير ما أتكلم. كنتي بتمسحي دموعي وتخديني في حضنك لحد ما أهدى وبعدين تطيبى قلبي بكلامك البلسم. صوتك كان هو دوا جروحي. عمرك ما قسيتي عليا رغم إني كنت أوقات كتير بزعلك مني، بس كنتي بتنسي كل حاجة أول ما تشوفي ضحكتي. انتي وعدتيني هتفضلي جنبي على طول ومش هتسبيني أبدا. عودتيني أستغنى عن الدنيا كلها بوجودك، بس نسيتي تعوديني أعيش الدنيا من غيرك."
ووضعت رأسها على القبر وظلت تبكي بشدة حتى شعرت بيد على كتفها. التفتت لها ونظرت إلى الأعلى ووجدتها صديقتها ولاء. جلست بجوارها على الأرض واحتضنتها بحزن شديد وظلت تربت على ظهرها بحنو وقالت: "عيطي براحتك، خرجي كل اللي جواكي وأنا هفضل جنبك لحد ما تخلصي وبعد كده نبقى نتكلم." أمسكت بها بقوة وظلت تصرخ وتبكي بشدة حتى تقطعت أنفاسها من شدة الصراخ. وبعد وقت هدأت قليلا وابتعدت عن حضن ولاء وقالت بصوت منكسر:
"أنا انكسرت بعدها يا ولاء. الدنيا اسودت في وشي، مش هقدر أكمل حياتي من غيرها." تنهدت بحزن وقالت بصوت منكسر:
"حاسة بيكي، لما بيموت حد غالي قوي عليكي بتحسي إن الزمن وقف على اللحظة دي. بتحسي إن كل حاجة جواكي فاضية. الدنيا لون واحد بس أسود، مش شايفة أشخاص قصادك. تحسي إن النفس بيخرج ويدخل بصعوبة، بتحسي إنك طول الوقت بتصرخي بس صوتك مش طالع. بيبقى مخك مش مستوعب اللي حصل، بيبقى واقف ومقتنع إن ده مجرد كابوس وهيصحى منه. وتفضلي على الحالة دي وقت طويل لحد ما شوية بشوية تنسي ومخك يبدأ يستوعب إن اللي حصل ده حقيقة. هتبدأي تعيشي بين الناس
جسد بس من غير روح، بتتكلمي وبتاكلي وبتشربي وبتضحكي كمان، بس من جواكي ميتة. مع الوقت مخك وقلبك هيفضلوا محتفظين بشوية ذكريات الماضي وعجلة الحياة هتستمر. أنا بكلمك عن تجربة لما بابا مات وعشت أصعب أيام عمري ومازلت بعافر عشان أتقبل فكرة موته، بس وجود ماما وأخويا جنبي قواني."
ابتسمت بحزن وقالت: "وصفتي اللي حاسة بيه بالظبط دلوقتي، بس انتي قولتيها وجود أمك وأخوكي جنبك قواكي. أما أنا مليش حد أسند ضهري عليه. تيته هي اللي كانت بتقويني وقت ضعفي ولما ماتت ضهري انكسر وظهر ضعفي." تكلمت بحب وقالت: "وأنا روحت فين؟ هو أنا مش أختك ولا إيه!؟ أومأت رأسها بانكسار وقالت: "أختي طبعًا، ربنا ميحرمنيش منك." احتضنتها بحب وقالت: "ولا منك يا حبيبتي. قومي يلا، ماما قلقانة عليكي وقالت لي ابقى أطمنها."
نهضت معها من الأرض وتحركوا خارج المقابر. ثم وقفت قليلا وقالت: "أنا قررت أدور على بابا وأروح له." نظرت لها باستغراب وقالت: "وإيه فكرك بيه دلوقتي؟ مش كنتي رافضة حتى تجيبي سيرتها؟ أومأت رأسها بالتأكيد وقالت: "أيوه كنت رافضة أجيب سيرته، بس محتاجة حد منهم بدل ما أنا حاسة إني وحيدة." نظرت لها بقلق وقالت: "هي ماما قالت لك اللي حصل من أهل مامتك؟ ابتسمت بحزن وقالت:
"آه قالت لي، وده الطبيعي بتاعهم، مش هستغرب. طول عمرهم بيكرهوني وتيته الله يرحمها كانت بتتخانق معاهم بسببى. أنا هشوف بابا يمكن يطلع غير ما مفكرة ويكون كويس." حركت رأسها بالرفض وقالت: "أنا مش معاكي في اللي هتعمليه ده، بس لو هيريحك يبقى براحتك. يلا أمشي يا حبيبتي." أوقفوا سيارة أجرة وصعدوا بها وعادوا إلى البيت. *** مر عدة أيام وظلت أبرار تبحث عن والدها حتى عثرت عليه وقررت أن تذهب إليه.
وبالفعل أوقفت سيارة أجرة وذهبت إلى البيت. وبعد وقت وقف السائق أمام العنوان المدون أمامه في الورقة. هبطت من السيارة بساقين مرتعشتين وأعطته الأجرة وتحركت ببطء إلى المنزل وهي تنظر له باستغراب. وطلبت من الحرس أن تدخل ولكنهم رفضوا. وعندما أخبرتهم أنها ابنة صاحب البيت، أخذوا منها إثبات الشخصية وأوقفوها أمام الباب من الداخل وأبلغوا أباها بوجودها. خرج رجل بملامح غاضبة واقترب من أبرار وقال بصوت غاضب:
"انتي إيه اللي فكرك بيا وجابك عندي؟ آه تلاقيها أمك عشان تخرب حياتي وتفرح فيا." نظرت له بصدمة ولم تستطع التكلم. هدر بها بغضب وقال: "انطقي! جاية هنا عايزة مني إيه؟ أجابته بصوت مرتعش وقالت: "م م محدش بعتني ل ل ليك، أنا اللي جبت عنوانك و و وجيت أشوفك." نظر لها بغضب وقال بنبرة صارمة: "وأنا مش عايز أشوفك، وحسك عينك تهوبي هنا تاني فاهمة؟ ونظر إلى الحرس وقال بأمر:
"خرجوها بره ولو جات هنا تاني محدش يدخلها واضربوا عليها رصاص لو أصرت، فاهمين؟ وتركهم ودلف إلى الداخل. ظلت جالسة على الأرض وانهمرت الدموع بغزارة وهي لا تصدق ما فعله والدها بها. نهضت بصعوبة من على الأرض وظلت تسير بالشارع دون أن تشعر ولا تعلم أين توجد. وبعد وقت طويل من السير وجدت نفسها أعلى الكوبري. ظلت تنظر له بصمت وملامح خالية من التعبير. الدموع تنهمر على وجنتيها.
تحركت ببطء شديد اتجاه الكوبري ونظرت إلى الأسفل وتصارعت أنفاسها بخوف. صعدت أعلى الحاجز ونظرت حولها قليلا ثم أغلقت عينيها ومالت بجسدها إلى الأمام وألقت بجسدها إلى الأسفل و...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!