قالت شروق بعد تردد: أنا كمان مش بسلم. ضحك زيدان على أثرها بتعجب وإحراج. وليقلل أنس من الموقف المحرج، ضحك هو الآخر. ضحكت سلمى لتقلل من الجو الحرج، ثم ضحكت شروق لضحكهم وهي تتساءل: لماذا الضحك؟ اتجه باقي رفقاء أنس إلى السيدتين ليقوموا بتقديم أنفسهم والترحيب. أثناء حفل الشواء، كان الجميع منشغلًا، حتى شروق كانت تتحدث مع سلمى. نادى أنس على سلمى لتتجه إليه ويعرفها إلى بعض زملائه بالعمل، الذين كانت شروق تعرفهم من قبل.
دارت شروق بعينيها في الأرجاء حتى وجدت مكانًا خاليًا تقريبًا، فذهبت إليه وحدها. استندت على جدار الفيلا الخارجي وهي شاردة. أسفل قدمها، فلاش باك. تحدث أنس بعصبية متوترًا: يعني إيه ماتت؟ أنتِ بتقولي إيه يا روان؟ أخبرته أخت شروق بالرضاعة، روان، وهي تبكي حزنًا على حال أختها وموت صغيرتها صاحبة الأربع أعوام الملائكية: مايا ماتت يا أنس، وشروق منهارة وتحتاجك جنبها. هتنزل إمتى؟
جلس أنس على أقرب مقعد قابله بمنزله بالإمارات، فاقدًا القدرة على الاستيعاب. تذرف عيناه دموعًا لم يكن يعلم أنها موجودة. أغلقت روان الاتصال بعدما سمعت بكاءه، وعادت لمساندة أختها وحيدة. عاد أنس باليوم التالي لمنزله على أرض الوطن، وجهه شاحب أسود، ملامحه باهتة، عيناه محمرة، يلبس الأسود. قطع مدة كبيرة ليستطيع الدخول لغرفة شروق بعد كلمات التعازي التافهة. وجدها غارقة بحزنها تبكي، وبجانبها والدتها وأختها.
استأذن خروجهما لبعض الوقت، وفور خروجهما اتجه ليجلس على السرير يحتضن شروق، واضعًا رأسها على صدره، بينما زاد بكاؤها وهي تخبره بأنفاس مقطوعة: أنا السبب. أخذت ترددها عدة مرات، وبكل مرة يضمها إلى صدره أكثر، حتى لفت انتباهه قولها: إزاي ده حصل؟ دي لحظة واحدة سبتها في البانيو، لحظة.. إزا... قطع كلماتها المصدومة ابتعاد أنس عنها وهو يمسك ذراعها بقوة كانت ستؤلمها لو لم يكن ما بها أقصى ألم. أنتِ بتقولي إيه؟
مايا بنتي ماتت غرقانة؟ أغمضت شروق عينيها تبكي دمًا وهي تخبره بصوت هامس متقطع، وقد كانت كلمتها كسكين مسموم يقطع قلبيهما معًا: اتكهربت. من هول الصدمة التي كان أنس بها، جحظت عيناه والدموع تتسابق في الهطول. بكت سلمى أكثر وهي تخبره آسفة: ما كانش قصدي؟ دي غلطتي؟ ثم جحظت عيناها وهي تكمل بغير تصديق ودموعها تسبقها: كل ما افتكر شكلها وهي متخشبة وصرخها بموت.. مقدرتش أعملها حاجة.. كانت قدامي ومقدرتش أعمل حاجة.
بالخارج كانت روان تضع أذنها على الباب تسمع حديث شروق وهي تضرب على وجهها وتلوي فمها يمينًا ويسارًا. هتطلقي يا شروق؟ يخربيتك. قالت كلماتها وهي تسمعهم مرة أخرى. بالداخل كانت شروق فاقدة لعقلها. يعني إيه ماتت؟ يعني مش هبقى ماما تاني خلاص؟ اقتحمت والدتها الغرفة بتهور وتوتر ملحوظ: آسفة. دخلت من غير استئذان.. أنت جاي من السفر تعبان.. هاخد شروق ونسيبك ترتاح. قالت كلماتها وهي تسحب شروق خارجًا، بينما الأخيرة تبكي بانهيار.
وقف أنس ممسكًا بيد شروق بضيق وعصبية لم تكن من خصاله يومًا. يعني إيه مش هتبقي ماما تاني؟ قالها باستفهام بعدما جذبه كلامها. فأخذت أم شروق يديها قائلة بكلمات رزينة وعلى وجهها أثر التوتر: يا حبيبي بتقول أي كلام، الصدمة واخداها. أبعدت شروق يد والدتها عنها بهياج وبكاء هستيري وهي تحرك رأسها سريعًا رافضة حديثها: لا يا ماما، لا.. كفاية كدب، أنا مبقتش مستحملة. نظرت
إلى أنس وهي تخبره ببكاء: أنا ربنا عقّبني بموت بنتي بسبب كدبي الفترة دي كلها.. أنا اتبرعت بالرحم بعد ما خلفت مايا وأنت سافرت. back. أجفلت شروق من شرودها على مواء قط على سور الحديقة. مسحت دموعها بمنديل من حقيبتها، ثم جلست على الأرض تبكي مرة أخرى بشهقات خانقة تتذكر ابنتها الجميلة صاحبة الملامح الملائكية التي لم ترَ بجمالها حتى الآن.
مالكة العيون الفيروزية والشعر الأحمر والبشرة السوداء الذهبية.. قد كانت طفرة في عائلتها وفي بلدها كلها. كانت غالية أمها وماسة أبيها.. رحلت كما رحلت معها أمومة شروق. لم يكن لها مكان على الأرض، فالأرض غير مؤهلة لتحمل الملائكة! أكملت شروق رحلة جلد الذات خاصتها. خسرت أصدقائي، أمومتي، طفلتي، وزوجي، وعائلتي.. ماذا أريد أنا الآن؟ ماذا أود أن أخسر أكثر من ذلك؟ ماذا بقي لي من الأساس لأخسره! لقد خسرت كل شيء. مايا؟
ماما خسرت كل شيء حتى أنتِ عزيزتي. هتفت سلمى بانزعاج بعدما لاحظت انشغال أنس بهاتفه: هو أنت معايا يا أنس؟ نظر لها أنس فورًا: آه يا حياتي معاكي. هدأت سلمى قليلًا: طب إيه رأيك فاللي أنا قولته؟ انزعج أنس ولكنه اضطر للرد: حاضر يا سلمى نبقى نتكلم في الموضوع ده لما نروح إن شاء الله.. هو النهارده يوم مين؟ أجابت سلمى فورًا: يومي. نظر أنس بعيون
سلمى مباشرة ثم أخبرها: بس أنا لو وافقت اعرفي إنك ضاغطة عليا أوي يا سلمى، أنا مش هقدر على فلوس شقة للإيجار مع الشقة اللي بتتشطب مع مصاريف الشقة دي كمان! ده أنا حتى مهندس! كادت سلمى أن تتحدث إلى أن أشار لها أنس أن تصمت بعدما وضع الهاتف على أذنه يتحدث مع أحدهم مبتعدًا عن الضجيج. بعد إنهاء مكالمته، لاحظ جلوس شروق منعزلة عن الجميع، وهذا ليس من عادتها. فاتجه إليها مناديًا.
أفاقت تلك المرة على صوت أنس يناديها وهو يتجه إليها. فوقفت ماسحة دموعها قائلة وهي تتجه لباب الخروج: يلا عشان تروحني. وقف أنس متعجبًا حالها، فلم ينتبه لنفسه إلا عندما وضعت سلمى يدها على كتفه: شروق مشيت من غير ما ترد على حد! هو حصل حاجة؟ رفع أنس كتفيه دلالة على عدم علمه، وأخذ يد سلمى مودعين أصحابه ثم خرجوا. أدار أنس رأسه لشروق الجالسة في الكراسي الخلفية من السيارة: أنتِ كويسة؟ هبقى تمام.
انطلق أنس عائدًا لمنزله، بينما كانت شروق تنظر إلى الطريق بشرود. flash back: لو عملتي اللي بتفكري فيه يا شروق، لا أنتِ بنتي ولا أعرفك.. مش بعد كل اللي أنا بعمله عشانك والخطط دي كلها هتخلي واحدة تيجي تاخده منك.. لأ، وبمزاجك يا خايبة. قالت شروق ببرود ظاهر وغضب مُبطن: فليكن.. وقعته بخطط وهخليه يسيبني، مبقتش عاوزاه.. ده برد. نظرت لها والدتها نظرة جانبية وابتسامة خبيثة: وقعتي على حد غيره؟ طب مين؟
عشان كده عاوزة تجوزيه عشان ينشغل عنك؟! ثم أضافت بحماس: هخططلك إزاي توقعي الجديد عقبال ما تطلقي من الواد ده؟ وبالنص ع الجديد. ابتسمت شروق بتسلية: لأ، معدتش بالنص.. الجديد طلعت لوحدي. ردت والدتها بضيق: طماعة زي أبوكي.. ثم ابتسمت صائحة: تربيتي. قالت شروق وهي تدفع والدتها خارج الغرفة: متسيبيني يا ماما، أمخمخ براحتي. خرجت والدتها ضاحكة، وبعدها أغلقت الباب، فتنهدت شروق براحة وهي مسترخية في غرفتها بمنزل والدتها، ثم
تحدثت وعيناها تلمع بخبث: يوسف. back. أفاقت شروق بعد وصولهم لبيتها، فاتجهت لغرفتها بسرعة وهي تصيح ليسمعها أنس وسلمى: مش هاكل، محدش يدخل عليا. شروق: آلو.. فكرت في عرضي؟ أجابها يوسف مبتسمًا وهو يقود سيارته عائدًا لفيلته: عندي شرط. ظهرت ابتسامة جانبية على وجه شروق: امم.. إيه هو؟ رد يوسف ببساطة: أعرف أنتِ مين؟ معرفتش صوتك مع إننا بنتكلم بقالنا أكتر من شهرين.
ضحكت شروق بصوت مرتفع تعرف مدى تأثيره على الطرف الآخر، ثم أجابت بهدوء مصطنعة أنها تحاول بذل مجهود لإخماد ضحكتها: أهو عشان كده مش هتشوفني. قال يوسف وهو يحاول جاهدًا التحكم في دقات قلبه المرتفعة: مريام؟ ضحكت شروق قائلة برقة مصطنعة: تؤتؤ. ضرب يوسف على مقود سيارته الذي أصدر صوتًا: المرة الجاية هخمن صح إن شاء الله! هعتبر إنك موافق على عرضي.. الورق هتلاقيه بكرة الصبح على مكتبك في الشركة؟
صاح يوسف متعجبًا: وكمان عارفة الشركة.. ده أنتِ كنتِ حد مقرب بقي أو من الشركة! ابتسمت شروق مودعة: باي يا يوسف. قال يوسف مسرعًا: متقفليش الفون زي كل مرة.. هحتاج أكلمك.. الفترة الجاية صعبة عليا. أبعدت شروق الهاتف عنها صائحة: ياس.. ياس.. هو ده. ثم قربت الهاتف مرة أخرى بهدوء وتحدثت برزانة: خير؟ رد بضيق: رقية بقت لا تُطاق.. فأخدت قرار الانفصال.. مش ناقص بس غير إني أواجهها.
قالت شروق باندهاش مصطنع: يعيني.. أوعى تقول إن ظهوري سبب في ده؟ رد مسرعًا: لا بالعكس.. أنتِ خلتيني أعرف قد إيه هي مش مناسباني وعمرنا ما كنا شبه بعض. احتدمت عينا شروق لحظة وأصابهما البرود وهي تتذكر قوله لها هذا الحديث من قبل: ولقيت المناسبة على كده؟ رد متحمسًا: آه.. أنتِ.. لو معندكيش مانع نتقابل في أقرب فرصة وندي لعلاقتنا فرصة يمكن؟
ظل حديثهما لعدة دقائق إلى أن أغلقت شروق هاتفها وجلست على مكتبها تنظر لصورة يوسف أمامها وزوجته رقية، وابتسمت قائلة لرقية بعقلها: اديتك فرصة عشان نرجع صحاب بس أنتِ رفضتيها عشان جوزك المصون وأديه مطلعش يا مصون يا رقية شوفتي بقى.. ثم ألقت النظر لصورة يوسف بخبث: سوري يا يوسف.. كنت عقبة ذكية وما زلت.. وده نوعي المفضل. جمعت تلك الصور ووضعتهم بخزانتها، ثم جلست على مكتبها مرة أخرى ناظرة لصورتها مع أنس على المكتب،
ولكن تركيزها انحط على أنس: وأنت بقي يا سي لزقة هنخلص منك إزاي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!