وقفت سلمى بتحفز: انتي مجنونة يا شروق، عاوزة تخلي واحدة تشاركك في جوزك؟ وقفت شروق واقتربت من سلمى ممسكة ذراعها: يستي، أحسن ما يروح يتجوز واحدة من الشارع. وبعدين مليكيش دعوة، أنا موافقة. ضربت سلمى شروق على وجنتها ضربات بسيطة بغيظ وعلى وجهها ابتسامة مغتاظة: اسكتي يا شروق، اسكتي. انتي غبية، أقسم بالله. ثم أبعدت يديها وهي تحرك
يدها في الهواء بعدم تصديق: لا إله إلا الله. لا إله إلا الله. أنا مش مصدقة اللي بسمعه ده. ده حقيقي ده ولا هزار ولا مقلب ولا إيه؟ ابتسمت شروق ببلاهة: لا إله إلا الله فعلاً. أصل أنس قال زيك كده بالظبط لما قولته إنّي موافقة يتجوز عليا. تصدقي وتأمني بإيه؟ لوت سلمى فمها بسخرية: لا إله إلا الله. شروق: انتوا فيكوا كلام من بعض. آه والله اسأليني أنا، أنا مراته! كادت سلمى أن توبخ شروق لولا تدخل والدتها بينهما.
والدتها: سلمى، عيب كده بقى. وأنتي يا شروق يا حبيبتي، سبيها تاخد راحتها في التفكير. اقتربت وهمست بجوار أذنها: اعتبريها وافقت يا بت. ابتسمت شروق: عشان خاطرك بس يا طنط، هسيبها تفكر. عارفة لولا غلاوتك عندي، والله والله كمان مرة ما كنت همشي من هنا غير وهي موافقة وأجلكوا بالمأذون بكرة، بس يلا بقى الخير فيما قدمه الله. ثم وجهت حديثها إلى سلمى بحماس: هجيلكوا بعد بكرة مع أنس وتكوني محضرة طلباتك يا عروسة.
قالتها شروق وهي تتجه إلى باب الشقة مغادرة المنزل، بينما صاحت من ورائها سلمى: هفتح دماغها البهيمة دي. بعد مغادرة شروق للمنزل، أمسكت والدة سلمى يدها بانزعاج وأجلستها على أحد الكراسي وأردفت بغضب: هي بردوا البهيمة؟
بالعكس بقى، دي ست بيت شاطرة عاوزة تحافظ على جوزها. كده كده طالما جوزها فتحها في الموضوع بالجدية اللي حكت بيها دي، يبقى هو كان حاطط عينه على حد وكان ناوي، فقالت والله بدل ما يجيب واحدة لا أعرفها ولا تعرفني، أجيب واحدة صحبتي نخاف على بعض ومتقوموش عليا. وبعدين بقولك إيه يا سلمى يا حبيبتي، من غير لف ولا دوران كده، أنا وأنتي عارفين إنك كنتي معجبة بجوزها من قبل ما يتقدملها أصلاً، فمش عايزين تقل.
تصلبت سلمى ناظرة إلى الأرض بحزن وحرج لتكمل والدتها وهي تقبل رأسها: أنا في الطبيعي يا حبيبتي عمري ما كنت هوافق إنك تتجوزي واحد متجوز، بس دا غير. وأنا وإنتي عارفين. أومأت سلمى برأسها موافقة: طب سيبيني أفكر. رفعت والدتها يديها داعية: ربنا يهديكي يا سلمى يا بنت عنايات يا رب. دخل أنس شقته بارهاق شديد. خلع رابطة عنقه وألقى حقيبة عمله ومفاتيحه. توجه إلى أقرب أريكة وجلس عليها سانداً رأسه للخلف بعد أن خلع حذاءه.
خرجت شروق من الغرفة عند سماعها لصوت ارتطام المفاتيح بالطاولة لترى الصالة بعيون نانوية، ليظهر على وجهها الامتعاض وتصرخ في أنس: يا أدي القرف. إيه القرف ده؟ حد يبهدل الشقة كده؟ لم ينظر أنس إلى الذي اقترفه، فهو يعلم أنها تبالغ في النهاية، كل هذا بسبب وسواسها القهري للترتيب والنظافة.
ذهبت في بادئ الأمر بجواره وأخذت الحذاء المليء بالغبار بمنديل ورقي ولمعته بسرعة وأضافت بداخله واقي البكتيريا وبعض الكحوليات، ولا مانع من معطر للحذاء ووضعته أخيراً في (الجزامة) ثم حملت حقيبته من على الأرض واتجهت إلى أحد الكراسي لتحمل رابطة العنق الخاصة به وتذهب إلى أحد الغرف لتضعهم بأماكنهم المخصصة. عادت إلى الصالة مرة أخرى وحملت المفاتيح ووضعتها في أحد الأدراج.
ذهبت إلى أحد الأحواض غسلت يدها بالمطهر جيدًا ثم ذهبت وأخيراً إلى أنس. جلست بجواره ولكن بعيدة بضعة خطوات، ناظرة إليه بقرف بسبب حالته المزرية. فكان قميصه مجعد، بعض المناطق بقميصه مبتلة من العرق، شعره المشعث، ذقنه غير الحليقة، شرابه الأبيض المتسخ، وهذا أكثر ما يقهرها. عند توقف نظرها عند الشراب، أغمضت عينيها ووضعت كلتا يديها على وجهها ثم تحدثت بصوت منخفض ولكنه مسموع: أنس، أبوس رجلك ما تقول إن دا شرابي!
ابتسم أنس وهو ما زال رافع رأسه يتأمل سقف البيت ولم يرد. وقفت بعصبية وتوجهت ناحيته وأمسكت ذقنه: متلبسش شرباتي، مش هقولك تاني. زادت ابتسامة أنس الجذابة وهو يجذبها من خصرها لتقع في أحضانه، ناظرة إليه بامتعاض حقيقي. وإنتي مش كل مرة تقوليلي نفس الكلام. إيه لسه محفظتنيش؟ حاولت الوقوف ولكن يديه تمنعها، ليمتعض وجهها أكثر وهي تتحدث إليه متخيلة كمية الجراثيم الذي طالتها منه أو التي تزحف على ملابسها الآن.
والله لو ما سبتني، ممكن أرجع عليك. حدثها أنس بسخرية كالعادة: ليه يا غتي، قرفانة مني! دا أنا شمعة منورة، محتاج بس بخّتين مزيل عرق وبخة معطر جو! وضعت يدها أعلى رأسها بدوخة وعقلها لا يتوقف عن خلق سيناريوهات لكيفية انتقال الجراثيم بينهم الآن. في النهاية وضعت يدها على فمها استعداداً للآتي. فرفع أنس يديه مسلماً نفسه: قومي، قومي لحسن ترجعي عليا بجد.
اتجهت إلى المرحاض فوراً لتغتسل، وفور سماع أنس لصوت ارتطام الماء بالأرض تنهد بعمق وأرجع رأسه للخلف مرة أخرى متأملاً الفراغ بالسقف. بعد فترة لا تقل عن نصف ساعة خرجت له شروق وبعينيها دموع وهي لا تستطيع التكلم وسط شهقاتها، ليعتدل أنس فوراً. لو سمحت يا أنس، مش كل مرة تعمل كده وتفضل تتريق عليا وتستقل بمرضي كإنه ولا حاجة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!