كانت دعاء جالسة على الأريكة. مرتدية ثيابها، عينيها ثابتة على الأرض لا تقدر على مواجهته. بينما هو يتحرك كأسد حبيس داخل قفصه، لا يصدق أنه قد تم خداعه. لا يصدق أن طوال هذا الوقت كانت تخدمه امرأة. نظر إلى دعاء بغيظ وقال: -يعني كل الفترة دي كنتي بتخدعيني، بتكدبي عليا؟ -رائد بيه أنا... -اخرسي... اخرسي ولا كلمة. زعق بها رائد لتنتفض برعب. ليجذبها هو من ذراعيها. عينيه السوداء الحادة تقابل عينيها البنية المذعورة.
ابتسم ابتسامة مرعبة وقال: -لولا أنك ست كنت ضربتك لحد ما كسرت كل عضمك. -بس للأسف موصلتش لمستوى إني أمد إيدي على ست. ارتجفت شفتيها وأوشكت على البكاء. ليدفعها بعنف حتى سقطت على الأرض وقال: -اطلعي برة ولو شوفتك قدامي تاني هقتلك بجد. وقف منعم أمام رائد وقلبه يرتجف خوفًا. لقد اكتشف خدعتهما وهو الآن ينتظر رصيده من الإهانة والطرد. أخذ رائد يتطلع إليه بغضب. لا يصدق أنه تم خداعه بتلك الطريقة الدنيئة.
كان غاضب، غضبه كفيل بإحراق منعم ودعاء سوياً. -ليه يا منعم أنا وثقت فيك؟ أطرق منعم برأسه خجلاً وقال: -حبيت أساعدها يا بيه. -دعاء بنت مسكينة أمها ماتت وأبوها سابها واتجوز ورماها هو وأخوها. -صعبت عليا. رمش رائد قليلاً وكان على وشك أن يتعاطف معها إلا أنه سيطر على نفسه وزعق به: -مش على حسابي يا أستاذ منعم. -مش بالخداع. -أنت كدبت عليا وخدعتني. -استغفلتني عشان كنت كويس معاك. -يا بيه أنا... -اسكت يا منعم... اسكت.
-أنت كدبت عليا ووثقت فيك وخدعتني. -قولتلك إن ممنوع ست تدخل البيت ده وكسرت أوامري. -أثق فيك إزاي دلوقتي؟ -أنا آسف يا رائد باشا. قالها منعم بحزن. ليتنهد رائد ويقول: -عدي على عم كريم هيديك باقي حسابك. -آسف، ملكش شغل هنا يا منعم. نظر إليه منعم بحزن. ليذهب رائد من أمامه. لم يتخيل أبداً أن يعامل منعم بتلك الطريقة ولكنه يكره الكذب والخداع. فما فعله منعم لا يغفر. جلس رائد على سريره بحزن. أغمض عينيه بينما عيون أخرى تطارده.
عيون بنية تنظر إليه بحزن، بخيبة. نهض بعنف ونفض رأسه ثم خرج فهو هنا يشعر بالاختناق. كانت تسير في الشارع دون هدى. نظرات عينيه الغاضبة ما زالت تلاحقها وتجلدها بقسوة. الكره الكبير لها صدمها. لقد شعرت بكرهه وهذا كسر قلبها. كسر قلبها لأنها أحبته بطريقة تثير الشفقة. ولا تعرف لماذا قلبها تعلق به هو دون عن باقي الرجال. لماذا أحبت رجل لن يحبها من الأساس. وها هو طردها من حياته للأبد.
-أنا قلقانة على دعاء يا بابا دي اتأخرت أوي وكمان قافلة موبايلها. قالتها منال وهي تدور حول نفسها بقلق. -أبلة منال هي أختي فين؟ قالها بسام بخوف وهو يخرج من الغرفة. اقتربت منال وهي تقول بكذب: -متخافش على أختك يا حبيبي، هتيجي دلوقتي. -روح نام دلوقتي عشان وراك مدرسة. دخل بسام الغرفة. بينما قال منعم وهو يهز رأسه: -رائد بيه اكتشف خدعتنا وطردنا أنا وهي يا منال. -زمانها منهارة دلوقتي. -أكيد رائد سمعها كلام كتير وهي زعلت.
-غير إني خسرت شغلي، أكيد هتكون مكسوفة تواجهني. -أوعى يا بابا تضايقها ولا تقولها حاجة. -لا يا بنتي مستحيل أعمل كده. -هي بس تيجي بالسلامة ومش مهم الباقي. فجأة أتت دعاء من الخارج يبدو على ملامحها الإنهاك. عينيها حمراء بقوة من أثر البكاء. اقتربت منال منها وضمتها بقوة. لتبكي دعاء وهي تضم منال بدورها. نهض والد منال ثم ذهب لغرفته ليتركهما على راحتهما. بعد قليل. -أنا السبب يا منال. -أنا دمرت حياتكم.
-أبوكي بسببي اتطرد من الشغل. -أنا... أمسكت منال كفها وقالت: -بطلي هبل ده، نصيب بابا وهو أكيد هيلاقي شغل أحسن. -وبعدين انتي نسيتي إنه فاتح مشروع جنب شغله يعني متقلقيش مش هنموت من الجوع. -أنا مش عارفة أواجهه إزاي والله. -مكسوفة أوي يا منال. -أبوكي فتح لي بيته وخلاني أشتغل. -وأنا كده ارد المعروف. -بطلي هبل يا بنت أنتِ. -أبويا بيعتبرك بنته وكويس إنه ساب الشغل عند الراجل قليل الذوق ده.
أغمضت دعاء عينيها وانسابت دموعها وهي تتذكر معاملة رائد السيئة لها. كان قلبها يؤلمها. لقد خسرت من أحبته. يا إلهي لماذا أحبت هذا الرجل بالذات. كان رائد يسير في المنزل كثور هائج. لقد تم خداعه بسهولة تامة من قبل فتاة لا تتجاوز كتفيه حتى. لا يصدق أن منعم يفعل هذا به. هو غاضب بشكل سيء. يود لو يذهب لتلك الفتاة ليحطم رأسها. يود فعل الكثير والكثير. ولكن لا يريدها أن تخرج بتلك الطريقة من حياته.
حقا لا يعرف ماذا حل به وكيف وقع تحت سحرها. يعرف فقط أن يومه فارغ بدونها. منزله مهجور بدون وجودها. جلس على الفراش وهو مغمض عينيه ويتذكرها. يتذكر اهتمامها الشديد به. عينيها التي تلمع لأجله. وارتباكها أمامه. تلك الأشياء كان يخاف أن يثبتها. وأقنع عقله تماماً أنه يتوهم. ولكن الآن هو سعيد. سعيد للغاية. نعم غاضب بسبب خداعها ولكن سعادته تكمن في أنه طبيعي. هو يحبها. يحب دعاء. وقع في حب الفتاة. في اليوم التالي.
جهزت دعاء أخاها ليذهب إلى المدرسة. وبعد ذهابها، جهزت حالها لتخرج وتبحث عن عمل. قررت ألا تبقى دون عمل. وأيضاً قررت أن تستأجر منزل بالمال الذي جنته من العمل عند رائد. لقد بقيت في منزل عم منعم كثير وهي لن تثقل عليه أكثر من هذا. مرت الساعات وهي تبحث. أرادت عمل أي عمل ولكن محاولاتها باءت بالفشل التام. جلست على أحد المقاعد الطينية وأغرورقت عينيها بالدموع. كانت تشعر بالاختناق. رفعت رأسها للسماء وهي تقول: -يارب ساعدني.
-ساعدني يارب أنا مليش غيرك. كان رائد يقف أمام المرآة وهو يصفر. لقد قرر الذهاب إليها والاعتراف بحبه لها. سينسى غضبه. سينسى الكذب وسيتذكر فقط أنها الفتاة التي أحيت قلبه مجدداً. هو فقط ممتن أنها لم تكن رجل. ضحك على تفكيره ثم خرج. أخذ سيارته وانطلق. ومن بعيد كان أحدهم يراقبه. عادت دعاء إلى المنزل وهي منهكة. لقد فشلت في إيجاد عمل مجدداً. تنهدت بيأس وقررت أنها لن تستسلم. خرجت من شرودها عندما اقتربت منها منال وقالت:
-الحقِ يا بت رائد بيه جوه مع بابا وعايز يقابلك. خفق قلبها بعنف وكادت أن تقع من الصدمة. إلا منال أمسكتها وقالت: -لا امسكي نفسك يا برنسيسة، مش كده اجمدي شوية وروحي قابليه. -بمنظري ده. -لا طبعاً أنتِ عاملة زي المتشردين. -روحي ظبطي نفسك شوية. هزت دعاء رأسها بطاعة ثم ذهبت لتجهيز نفسها. بعد قليل كان قد خرج منعم وأخبرها أن رائد يريد أن يراها. تنفست بعمق وولجت إلى الغرفة. خفق قلبها بقوة وهي تتطلع إليه.
عينيها تنظران دون شعور إليه بإشتياق. لقد اشتاقت إليه وهو بكل قسوة طردها من حياته. أرادت أن تركض إليه وتضمه ثم تبكي بين ذراعيه. ابتسم رائد وهو يراها ثم تقدم منها وقال دون تردد وبثقة تامة: -دعاء أنا بحبك. وما أن قالها حتى فقدت الوعي تماماً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!