شحب وجه دعاء وهي تسمع قرار رائد الصادم. صحيح هي من كانت تريد أن تبتعد عنه، ولكن أن يخبرها أن طردها بتلك الطريقة جرحها بعمق. لم تستطع منع السؤال الذي خرج من فمها: "ليه يا بيه؟ أنا عملت حاجة؟ زعلتك في حاجة؟ شغلي وحش يعني ولا إيه؟ شعر رائد بالذنب. لم يعرف ماذا يقول لها. هل يصارحها بالحقيقة أنه يشك بميولها، لذلك يطردها بعيدًا؟
عقله توقف عن العمل وهو يطالع ذلك الشاب الذي ينظر إليه بحزن بالغ. يقسم أنه لمح طيف الدموع في عينيه. أحس باليأس لأنه سيقطع رزقها. لذلك سريعا عقله اهتدى لفكرة ما وقال: "لا طبعًا معملتش حاجة، بس انت بصراحة طيب وأنا كنت حابب أرد جميلك، عشان كده شوفتلك شغل أحسن." هزت دعاء رأسها وقالت وهي تمنع نفسها من البكاء: "بس أنا حابة، أقصد حابب أقعد معاك هنا… مش عايز أي شغلانة تانية."
"صدقني يا داوود، الشغلانة دي حلوة وفلوسها أكتر، يا بني شوف مصلحتك." اعترضت دعاء وقالت: "أنا عايز أبقى معاك، أنا مصلحتي هنا."
لم تعرف حقا ما بها. إنها بكل غباء تثير الشك بنفسها. قد يتوصل رائد إلى حقيقة أنها فتاة وليست شابًا. لكنها يائسة، على الرغم من أن كانت رغبتها هي أن تبتعد عنه حتى لا تتعلق به أكثر. ولكن أخيرا اكتشفت أنها غرقت في حبه حتى أذنيها. لقد فات الأوان، هي لن تستطيع اقتلاعه من قلبها بعد الآن. وكان إن أبعدها هو، فهذا يعني أنه يحكم عليها بالإعدام. نظر رائد بريبة إليها، وقد ازداد خوفه وشكوكه. لذلك ارتدى قناع الصرامة وقال بصوت عالٍ
متسلط: "وأنا مش عايزك تشتغل معايا يا داوود، أنا حر! إما تاخد الشغل اللي أنا جبته وتمشي، أو تمشي وخلاص. لكن أنك تشتغل عندي ده مرفوض، اتفقنا." أطرقت دعاء وقالت: "أمرك يا بيه، أنا همشي… ومش عايزة الشغل التاني." *** كان الناس يتطلعون إليها بحيرة وهم يرونها تبكي بتلك الطريقة في أحد المواصلات العامة. تشجعت سيدة بجوارها وأمسكت كفها وهي تقول: "مالك يا بنتي بس؟ من أول ما ركبتي وانتي بتعيطي." نظرت إليها دعاء وقالت:
"سيبني بعد الحب اللي حبتهوله ده، طردني من حياته… تخيلي." "مين ده اللي سابك يا بنتي؟ تدخلت إحدى النساء لترد أخرى: "أكيد خطيبها… معلش يا حبيبتي، هما الرجالة كده ميملاش عينيهم إلا التراب." لم تعلق دعاء، حتى لم تكتراث وتصحح لهم معلوماتهم، بل جعلتهم يسبونه لأنها حقا غاضبة منه. غاضبة من قلبها الذي يتعلق بالأشخاص الخاطئة تمامًا. *** "مال وشك يا بت انتي؟ معيطة؟
قالتها منال وهي ترى وجه دعاء المحمر وعينيها الدابلة والحمراء كالدماء. ارتمت دعاء بين ذراعيها وهي تقول: "طردني يا منال… طردني." "طيب افهم دلوقتي، انتي كنتي عايزة تمشي ليه؟ زعلانة دلوقتي؟ أهو كويس أنها جات من عنده." ظلت دعاء تبكي ولم ترد عليها، فاغتظت منال وقالت: "يا بت انتي متجننيش… انتي اللي كنتي عايزة تبعدي صح؟ "صح." "اومال ليه بتبكي دلوقتي؟ نظرت إليها دعاء بحزن وقالت:
"مش عارفة يا منال، بس لما طردني قلبي وجعني… أنا بحبه يا منال، مش هقدر ابعد عنه." ثم ارتمت مرة أخرى تبكي بين ذراعيها. حركت منال شفتيها يمينًا ويسارًا وقالت: "يقطع الحب وسنينه يا اختي." *** "خلاص يا رائد، أنت ليه متضايق… كويس أننا مشيناه من غير مشاكل." لم يرد عليه رائد، بينما شعور غريب يعصف بداخله بقوة. لقد طرده وارتاح من تلك الوسواس التي تنتابه بسببه. إذن لماذا هذا الشعور؟ لماذا يشعر بذلك الفراغ؟
ونظرة داوود الحزينة لا تفارقه. ماذا حل به بحق الجحيم؟ "رائد." لمس صديقه كفه بتوجس. ليبعد رائد كفه بسرعة وينظر إليه. "مالك يا رائد؟ مش على بعضك ليه؟ كل ده عشان مشيته؟ "حاسس بالذنب، هو معملش حاجة وحشة معايا." "بس لو كان قعد يا رائد، كانت الشكوك هتملي عقلك بسببه، فالأحسن أنك تمشيه. وبعدين أنت عرضت عليه شغل تاني وهو رفض… خلاص كبر دماغك." هز رائد رأسه وقال: "عندك حق." *** بعد أسبوع.
ولجت دعاء إلى المنزل بتعب. جلست على الأريكة بتعب وعينيها البنية تلمعان بدموع محبوسة. منذ أسبوع وهي تبحث عن عمل ولا تجد. فأصبح هذا روتين يومها، تقضي كل النهار تبحث عن عمل حتى تعود آخر النهار منهكة. ثم تقضي الليل طوله تبكي وتفكر به. لا تستطيع إخراجه من عقلها، فكيف تخرجه وهو احتل كل جزء من روحها. ظنت أنها ستنساه عندما تبتعد عنه، ولكن على العكس تمامًا، كل يوم يزداد اشتياقها له. شوقها كالنار لا يهدأ. وقلبها المسكين يعاني.
"ها يا دعاء لقيتي شغل؟ سألتها منال وهي تجلس بجانبها. لتهز دعاء رأسها بيأس ثم تمسح الدموع التي انسابت من عينيها. نظرت منال بحزن إلى صديقتها وربتت على كتفها وقالت: "هتلاقي إن شاء الله." هزت دعاء رأسها وهي تبكي قائلة: "مظنش يا منال… أنا بقالي أسبوع بدور مفيش فايدة! "ليه مقبلتيش عرض رائد يا دعاء؟ كان زمانك شغالة دلوقتي…" نظرت إليها دعاء بلوم وقالت: "إزاي تقولي كده يا منال؟
بعد ما طردني من غير ما أعمل حاجة عايزاني كمان أقبل أنه يساعدني؟ إزاي بس." "يا دعاء أنا قصدي بس…" "قصدك إيه يا منال؟ بس بقولك الراجل طردني من غير ما أعمله أي حاجة، بعدني عنه… وعشان ميحسش بتأنيب الضمير عرض عليا يشغلني… قوليلي إزاي أقبل." بكت دعاء وهي تربت على قلبها وتقول: "ليه عمل كده؟ ليه طردني من حياته بالسهولة دي؟ "بس انتي يا دعاء كنتي عايزة كده عشان تنسيه." ضحكت دعاء بسخرية وقالت:
"وياريتني نسيته يا منال… بحاول أطلعه من عقلي مش قادرة… كل يوم بفكر فيه أكتر… كل يوم." ضمتها منال إليها وقالت: "هتنسي يا دعاء، هتنسيه… مسألة وقت بس." ثم ضحكت وقالت بمزاح: "يختي يقطع الحب وسنينه… أنا عمري ما حياتي ما هفكر أحب ابدا… يا بت الرجالة ميستهلوش الحب." ابتعدت دعاء عنها وقالت: "اومال مين اللي يستاهل؟ ضربتها منال على كتفها وقالت:
"طاجن السمك اللي أنا عملاه يستاهل… يالا بلا حب بلا نيلة اغسلي إيديكي واندعي أخوكي خلينا ناكل." ضحكت دعاء ومسحت دموعها وقالت: "عندك حق، بلا حب بلا نيلة." *** جالس على الأريكة بوجه متجهم. نظرات داوود الحزينة لا تفارقه وشعور بالفراغ يسكن روحه. أهذا هو الشعور بالذنب؟ هل يعقل لرجل طرد جميع النساء بشركته أن يشعر بالذنب لأنه قطع رزق شاب؟ أغمض عينيه وهو يحاول طرده من عقله. تأفف ونهض وهو يقف أمام النافذة. ظهره متوتر بالكامل.
وقف لؤي خلفه وهو منزعج وقال بعصبية: "بقالك أسبوع مجيتش الشغل، يا رائد أنت بتستهبل ولا إيه؟! لم يرد عليه. ليهزه لؤي ويقول: "رائد أنا بكلمك!! نظر إليه رائد بحزن وقال: "أنا متضايق بسبب اللي عملته في داوود… ضميري بيوجعني أووي يا لؤي… نظراته الحزينة مش مفارقاني." "أنت سامع نفسك بتقول إيه يا رائد… أنت اتجننت؟ سايب شركتك تغرق عشان طردت داوود؟ "أنا… أنا…" غضب لؤي وزعق: "أنت إيه يا رائد؟ مالك فيه إيه؟
أنا عمري ما شوفتك كده… بعدين الصح أنك طردته بعد اللي حكيته عنه! أمسك ذراعه وقال: "ويالا على شغلك يا رائد، بلاش سخافة." ابتعد رائد ونظر إليه وقال: "أنا قررت أرجع داوود الشغل." "نعم يا أخويا!!!! ***
كانت جالسة تبحث عن وظيفة بأحد المجموعات الإلكترونية على الفيس بوك عندما رن هاتفها فجأة. شهقت وألقته بعيدًا عندما رأت المتصل، والذي لم يكن إلا رائد. بتوتر أمسكت الهاتف وردت. أغمضت عينيها ما إن اقتحم صوته أذنها. بضعة ثوانٍ وقال لها ما يريده بالضبط ثم أغلق الهاتف.
ضمت الهاتف لقلبها وهي تتنهد مبتسمة، بينما غمازاتها الرائعة تبرز بقوة. وقفت منال أمامها وهي تتطلع إلى دعاء الغارقة بأحلامها الوردية. كانت حقا متعجبة من حالتها تلك. صفقت أمام عينيها وقالت: "انتي يا أمي فوقي شوية كده وقوليلي ليه متنحة بالشكل ده؟! "رائد اتصل بيا." "وعايز إيه ده كمان؟ نهضت دعاء وقالت بسعادة: "عايز يرجعني الشغل." نظرت إليها منال بصدمة وقالت: "وانتي فرحانة؟ جمعت دعاء أشياءها وأزياء التنكر
خاصتها وقالت قبل أن تذهب: "ده أنا هطير من الفرحة." ثم ذهبت. أخذت منال تهتف باسمها: "بت يا دعاء…. يا دعاء لمي كرامتك المتبعثرة دي…. يخربيتك يا دعاء ويخربيت الحب اللي ضيع دماغك." *** وقفت دعاء أمامه بتوتر. كان ينظر إليها بتركيز. لم يركز معها بذلك الشكل أبدًا، وهذا جعلها تتوجس قليلا لدرجة أنها أخذت تعدل من الباروكة القصيرة لتتأكد أنها على رأسها. تنهد رائد وقال: "ابدأ أنت شغلك يا داوود، ولما أجي هتكلم معاك بإذن الله."
هزت دعاء رأسها، بينما ذهب كلا من رائد ولؤي إلى العمل. تنهدت دعاء براحة ثم ذهبت لإتمام الأعمال المنزلية. ***
كان يجلس على مكتبه براحة. الإبتسامة لا تفارق شفتيه وشعور بالرضا يملأ روحه بعد أسبوع من الفراغ التام. وضع لؤي كفه على جنته وهو يراقب صديقه الذي تبدل حاله بسرعة ما إن أعاد داوود. وجهه أشرق والحماس دب في أوصاله، مما جعل الشك أيضًا يخترق قلب لؤي بخصوص صديقه. شكوك مرعبة حاول طردها فلم يفلح. رائد يعرف ميول داوود ورغم هذا تركه يقترب منه. لماذا يا ترى؟ قرر أن يسأله، فهو لن يدع نفسه فريسة للشكوك. "رائد." "نعم."
تنهد لؤي ثم أكمل وقال: "إزاي تخلي داوود يقرب منك تاني بعد اللي عرفته عنه؟ "ضميري وجعني يا لؤي، وبعدين أنا مش متأكد." غضب لؤي وقال ساخرًا: "ضمير إيه يا رائد… هو أنت عندك ضمير؟ ده انت طردت كل البنات اللي بتشتغل في شركتك وقطعت عيشهم… دلوقتي ضميرك بيأنبك عشان واحد شاكك في ميوله." "قصدك إيه؟ مش فاهم." نهض لؤي وقال: "لا لازم تفهم وتشوف تفكيرك وتصرفاتك… ليه الاهتمام الشديد بالشاب ده؟ … ليه لما رجعته تاني شكك رجع ينور؟ ابتلع
رائد ريقه وقال بتوتر: "أنت بتلمح لإيه بالضبط؟! "رائد الواد ده قدر يأثر عليك." نهض رائد بعنف وقال: "إيه اللي بتقوله ده؟ أنت اتجننت؟! "لا متجننتش يا رائد، أنت اللي تصرفاتك غريبة… أعقل يا رائد وشوف نفسك." ثم تركه وذهب لينهار هو على المقعد ويشعر بالدوار. هل يمكن هذا؟ هل هو يفكر بتلك الطريقة؟ لا لا… هذا مستحيل. إذن لماذا الاهتمام الشديد بذلك الفتى؟ لماذا يشعر بالسعادة بجانبه؟
لماذا شعر بالفراغ القاتل عندما ابتعد أسبوع وعندما عاد شعر وكأن الحياة عادت له من جديد. وقف بتوتر وهو يهز رأسه بعنف شديد ويقول موبخًا: "إيه اللي أنا بفكر فيه ده؟ ده شاب!!! … أنا اتجننت ولا إيه…. لؤي عنده حق، أنا فعلا اتجننت…. ياربي أعمل إيه دلوقتي… أنا مش من النوع ده…." رفع سماعة الهاتف واستدعى لؤي. *** "اقتنعت دلوقتي بكلامي؟ هز رائد رأسه بيأس وقال: "دي مصيبة! إزاي أفكر كده؟! كاد أن يمسك كف لؤي إلا أنه ابتعد وقال:
"لا يا أخويا متلمسنيش، أنت دلوقتي أمرك مشكوك فيه." "يا لؤي بطل سخافة وقولي أعمل إيه." "الموضوع بسيط يا نجم، أنت بس مشوش لأن بقالك فترة بعيد عن الستات… أنت بعد ساعتين كده هتيجي معايا مكان لطيف وتسهر مع بنت لطيفة وساعتها هتحس أنك طبيعي." "متأكد من الكلام ده؟ "مية في المية… بس اتصل بداوود قوله أنك احتمال تبات برة." هز رائد رأسه. *** في المساء.
في أحد النوادي الليلية الشهيرة كان يقف متصلبًا بجوار تلك المرأة التي تمرر كفها على وجنته. ضحكت بعمق وهي تنظر للؤي وتقول: "إيه يا لولو؟ هو مال صاحبك كده كاشش في نفسه؟ غمز له لؤي وقال: "ولا كاشش ولا حاجة، ما هو طبيعي أهو مش كده يا رائد." أبتسم رائد بتوتر وهو يضم المرأة إليه ويقول: "أنا فعلا طبيعي." "طيب ما تيجي بقا." "أجي فين؟! ضحكت بسخرية وقالت للؤي: "إيه يا لؤي؟ أنت جايبلي واحد من الحضانة ولا إيه؟! نهض لؤي وأمسك ذراع
رائد وأخذه جانبا وقال: "جرا إيه يا دنجوان؟ ده انت كنت قبل ما تتجوز مقطع السمكة وديلها، حصلك إيه… لا فوق مروة بدأت تشك فيك." "حاضر يا لؤي، متقلقش." عندما عاد لمروة كان أكثر ثقة بنفسه. أعطاها ابتسامة ساحرة زلزلت كيانها. وضعت مروة كفها على قلبه وقالت: "ما هو انت كويس أهو، اومال دور تلميذ الحضانة اللي عايش فيه ده إيه؟ … ها تحب نكمل سهرتنا هنا ولا نروح عندك البيت؟ "يالا نكملها في البيت… هيكون هادي وداوود هيكون مشي."
"مين داوود ده يا أخويا؟ "الخدام بتاعي." أمسك رائد كف مروة وخرج بها بعد أن ودع صديقه. *** بعد أن وصل فيلته فتح له الحراس البوابة ودخل بسيارته. تناول كفها في كفه وصعد لفرفة نومه وأغلقا الباب خلفهما. حاصرها عند الزاوية واقترب منه ليقبلها عندما انفتح الباب فجأة وخرجت دعاء تلتف بمنشفة. شاربها على وجهها بينما الباروكة اختفت وانسدل شعرها القصير. وفجأة صرخ الثلاثة معًا. كانت مروة أول ما توقفت وقالت:
"هو انت عندك كائنات غريبة في البيت؟! نظر رائد إلى دعاء التي قالت وهي تضرب على صدرها: "يا فضيحتك يا دودي!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!